منتديات ورد للفنون التشكيلية و اليدوية  

العودةالعودة   منتديات ورد للفنون التشكيلية و اليدوية > ورد للفنون منتديات عامة > منتدى ادبي موضوعات ادبية سيرة الادباء قصة قصيرة

منتدى ادبي موضوعات ادبية سيرة الادباء قصة قصيرة منتدى ادبي موضوعات ادبية سيرة كبار الادباء و اهم اعمالهم الادبية و اجمل القصص القصيرة

08-02-2010, 04:45 PM   #9
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

Facebook Twitter Google LinkedIn vkontakte messenger Digg
لفتة ..
ضع نفسك موضع الملوم وفكر من وجهة نظره .. ثم احكم عليه ..

1.تأكد من الخطأ قبل النصيحة ..
كان واضحاً من نبرة صوته لما اتصل بي .. أنه كن غضباناً يكتم غيظه قدر المستطاع ..
ليست هذه هي النبرة التي تعودت عليها من فهد ..
شعرت أن عنده شيئاً ..
بدأ كلامه .. متحدثاً عن الفتن وتعرض الناس لها ..
ثم احتدت النبرة .. وجعل يكرر : أنت داعية .. وطالب علم .. وأفعالك محسوبة عليك ..
قلت : أبا عبد الله ليتك تدخل في الموضوع مباشرة ..
قال : المحاضرة لتي ألقيتها في .. وقلت ..
تعجبت .. قلت : متى كان ذلك ؟
قال : قبل ثلاثة أسابيع ..
قلت : لم أذهب لتلك المنطقة منذ سنة ..
قال : بلى .. وتحدثت عن كذا ..
ثم تبين لي أن صاحبي .. بلغته إشاعة فصدقها .. وبنى على أساسها مناصحته .. وموقفه .. وكلامه ..
صحيح أنني لا أزال أحبه .. لكن نظرتي إليه قصرت .. لأنني اكتشفت أنه متسرع .. ومثل ما يقولون ( يطير في العجّة ) ..!!
كم هم أولئك الذين يبنون مواقفهم ونظراتهم على إشاعات ..
قليل منهم من يأتيك مناصحاً .. ليكتشف بعدها أنه كان يجري وراء إشاعة ..
وكثير منهم من تنطبع هذه الإشاعة في قلبه .. ويكوّن على أساسه تصوره عنك .. وهي كذبة ..
أحياناً يشاع أن فلاناً فعل كذا وكذا ..
فلأجل أن تحتفظ بقدرك عنده .. تأكد من الخبر قبل الكلام عنه ..
وهذا منهج النبي e ..
أتى رجل إلى النبي r .. فنظر النبي e إليه ..
فإذا رجل رث الهيئة .. مغبر الشعر .. فأراد r أن ينصحه ليصلح من هيئته .. لكنه خشي أن يكون الرجل فقيراً أصلاً .. ليس ذا مال ..
فقال له : هل لك من مال ؟
قلت : نعم ..
قال : من أي المال ..؟
قال : من كل المال .. من الإبل .. والرقيق .. والخيل .. والغنم ..
قال : فإذا آتاك الله مالاً .. فليُر عليك ..
ثم قال : تنتج إبل قومك صحاح آذانها .. فتعمد إلى الموسى .. فتقطع آذانها ..
فتقول : هذه بحيرة .. وتشقها .. أو تشق جلودها ..
وتقول :هذه صرم .. فتحرمها عليك وعلى أهلك ..
قال : نعم ..
قال : فإن ما أعطاك الله لك حل .. موسى الله أحد .. ([1])
وفي عام الوفود .. كان بعض الناس يأتي مسلماً .. ويبايع النبي r .. وبعضهم يأتي كافراً .. ويسلم أو يعاهد ..
فبينما رسول الله r مع أصحابه يوماً .. إذ جاء وفد الصّدِف .. وهم بضعة عشر راكبا .. فأقبلوا إلى مجلس النبي r .. فجلسوا و لم يسلموا ..
فسألأهم : " أمسلمون أنتم ؟ "
قالوا : نعم .. قال : " فهلا سلمتم ؟ " ..
فقاموا قياماً فقالوا : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ..
فقال : " وعليكم السلام .. اجلسوا " .. فجلسوا ثم سألوه r عن أوقات الصلوات ..
وفي عهد عمر t .. توسعت بلاد الإسلام ..
فعين عمر سعد بن أبي وقاص أميراً على الكوفة ..
كان أهل الكوفة حينذاك مشاغبين على ولاتهم ..
أرسل نفر منهم رسالة إلى الخليفة عمر t .. يشتكون إليه من سعد ..
وذكروا عيوباً كثيرة .. حتى إنهم قالوا : ولا يحسن أن يصلي !!
فلما قرأ عمر الكتاب .. لم يتسرع باتخاذ قرار .. ولا كتابة نصيحة ..
وإنما أرسل محمد بن مسلمة إلى الكوفة معه كتاب إلى سعد ..
وأمره أن يسير مع سعد ويسأل الناس عنه ..
جعل محمد بن مسلمة يصلي مع سعد في المساجد .. ويسأل الناس عن سعد ..
ولم يدع مسجد إلا سأل عنه .. ولا يذكرون عن سعد إلا معروفاً ..
حتى دخلا مسجداً لبني عبس ..
فقام محمد بن مسلمة .. وسأل الناس عن أميرهم سعد ؟؟
فأثنوا عليه خيراً ..
فقال محمد : أنشدكم بالله .. هل تعلمون منه غير ذلك ؟
قالوا : لا نعلم إلا خيراً ..
فكرر عليهم السؤال ..
عندها قام رجل في آخر المسجد .. اسمه أسامة بن قتادة .. فقال :
أما إذ نشدتنا بالله .. فاسمع :
إن سعداً كان لا يسير بالسوية .. ولا يعدل في القضية ..
فعجب سعد وقال : أنا كذلك ؟
قال الرجل نعم ..
فقال سعد : أما والله لأدعون بثلاث :
اللهم إن كان عبدك هذا كاذباً .. وقد قام رياء وسمعة ..
اللهم فـ :
· أطل عمره ..
· وأطل فقره ..
· وعرضه للفتن ..
ثم خرج سعد من المسجد ..
ومضى إلى لمدينة ومات بعدها بسنوات ..
أما ذلك الرجل فلا زالت دعوة سعد تلاحقه ..
حتى كبرت سنه .. ورق عظمه .. واحدودب ظهره ..
وطال عمره حتى مل من حياته .. واشتد فقره ..
فكان يجلس وسط الطريق يسأل الناس .. وقد سقط حاجباه على عينيه من شدة الكبر .. فإذا مرت به النساء مد يده يغمزهن ويتعرض لهن ..
فكان الناس يصيحون به .. ويسبونه .. فيقول :
وماذا أفعل !! شيخ كبير مفتون .. أصابتني دعوة الرجل الصالح سعد بن أبي وقاص ..

حديث ..
بئس مطية الرجل زعموا .. وكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ..

2.اجلدني برفق !!
لا يعني ما تقدم من كلام عدمُ اللوم أبداً ..
بلى .. فقد تحتاج في أحيان متكررة أن تلوم الآخرين .. ولدك .. زوجتك .. صديقك ..
لكن يمكن تأجيله قليلاً .. أو استخدام أساليب أخف ..
دع الملوم يحتفظ بماء وجهه ..
بعدما فتح e مكة .. وقد قوي شأنه عند العرب ..
وكثر الداخلون في الإسلام ..
غزا e بالناس حنيناً .. فجاء المشركون بأحسن صفوف .. فصفت الخيل ..
ثم صفت المقاتلة .. ثم صفت النساء من وراء ذلك ..
ثم صفت الغنم .. ثم النعم ..
والمسلمون بشر كثير .. قد بلغوا اثني عشر ألفاً ..
وكان المشركون قد سبقوا إلى وادي حنين .. واختبأت كتائب منهم في جانبيه بين الصخور ..
فما هو إلا أن ابتدأ القتال .. ودخلت جموع المسلمين في الوادي ..
حتى تفجر عليهم الكفار من كل جانب .. واضطرب الناس ..
وجعلت خيل المسلمين .. تلوذ خلف ظهورهم .. فلم يلبثوا أن انكشفت خيلهم .. وكان أولُ من فرَّ الأعراب .. وتسلط الكفار وظهروا ..
فالتفت رسول الله r .. فإذا الجموع تفر .. والدماء تسيل .. والخيل يضرب بعضها في بعض ..
فجعل يأمر العباس بأن ينادي : يا للمهاجرين يا للأنصار ؟
فرجعوا حتى ثبت r في ثمانين أو مائة رجل ..
ثم نصر الله المسلمين .. وانتهى القتال ..
وجمعت الغنائم بين يدي النبي e ..
فإذا الذين فروا من القتال .. وخافوا من الرماح والنبال ..
هم أول من اجتمع على رسول الله r .. يريد الغنائم ..
تعلقت الأعراب .. برسول الله r يقولون له :
اقسم علينا فيئنا .. اقسم علينا فيئنا .. يريدون الغنائم ..
عجباً ..!! يقسم فيئكم .. متى صار فيؤكم وأنتم لم تقاتلوا ..
كيف تطلبون من الغنيمة .. وهو الذي كان يصرخ بكم لتعودوا وأنتم لا تستجيبون ..!!
لكنه r لم يكن يدقق على مثل هذا .. فالدنيا لا تساوي عنده شيئاً ..
جعلوا يتبعونه ويرددون : اقسم علينا فيئنا ..
حتى تزاحموا عليه .. وضيقوا الطريق بين يديه ..
واضطروه إلى شجرة .. فمرّ من شدة الزحام ملاصقاً لها ..
فتعلق رداؤه بأغصانها .. حتى سقط عن منكبيه .. وصار بطنه وظهره مكشوفاً ..
فلم يغضب .. وإنما التفت إليهم وقال .. بكل هدوء :
أيها الناس .. ردوا علي ردائي .. فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تهامة .. نَعماً لقسمته عليكم ..
ثم لا تجدوني بخيلا .. ولا جباناً .. ولا كذاباً ..
نعم .. لأنه لو كان بخيلاً لأمسك الأموال لنفسه ..
ولو كان جباناً لفرّ مع الفارين ..
ولو كان كذاباً لما نصره رب العالمين ..
مواقفه e الرائعة كثيرة ..
كان e يمشي مع بعض أصحابه .. فمر بامرأة تبكي عند قبر .. على صبي لها ..
فقال لها e : اتقي الله واصبري ..
وكانت المرأة باكية مهمومة .. فلم تعرف النبي e .. فقالت : إليك عني .. وما تبالي أنت بمصيبتي ..؟!
فسكت النبي e .. وذهب وتركها .. فقد أدى ما عليه ..
وأدرك أن المرأة الآن في وضع نفسي قد لا يناسب أن يزاد عليها في النصح أكثر مما سمعت ..
التفت بعض الصحابة إليها وقالوا : هذا رسول الله e ..!!
فندمت المرأة على ما قالت .. وقامت تحاول أن تلحق بالنبي e .. حتى وصلت بيته ..
فلم تجد على بابه بوابين ..
فقالت معتذرة : يا رسول الله .. لم أعرفك .. الآن أصبر ..
فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى .. ([2])

اقتل برفق ..
إنالله كتب الإحسان على كل شيء .. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة .. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح .. وليحد أحدكم شفرته .. وليرح ذبيحته .. حديث رواه مسلم

3.فِرَّ من المشاكل !!
أظنه لو أجرى تحليلاً في مستشفى بدائي لاكتشف في جسمه عشرة أنواع من الأمراض .. أهونها الضغط والسكر ..
كان المسكين يعذب نفسه كثيراً لأنه يطالب الناس بالمثالية التامة .. دائماً تجده متضايقاً من زوجته ..
كسرت الصحن الجديد ..
نسيت كنس الصالة ..
أحرقت ثوبي الجديد بالمكواة ..
وأولاده .. خالد إلى الآن لم يحفظ جدول الضرب ..
وسعد .. لم يظفر بتقدير ممتاز ..
وسارة .. وهند ..
هذا حاله في بيته ..
أما بين زملائه .. فأعظم .. أبو عبد الله قصدني لما ذكر قصة البخيل ..!
والبارحة أبو أحمد يعنيني لما تكلم عن السيارات القديمة .. نعم يقصد سيارتي .. نعم .. كان ينظر إليَّ ..
إلى آخر مواقف وتفكيرات هذا الرجل المسكين ..
قديماً قالوا في المثل : إن أطاعك الزمان وإلا فأطعه ..
أذكر أن أعرابياً - من أصدقائي - كان يردد مثلاً حفظه من جده .. كان يسمعني إياه كثيراً إذا بدأت أتفلسف عليه ببعض المعلومات .. فكان يخرج زفيراً طويلاً من صدره ثم يقول : ياااا شيخ .. اليد اللي ما تقدر تلويها صافحها ..!!
وإذا تفكرت في هذا وجدته صحيحاً .. فنحن إذا لم نعود أنفسنا على التسامح وتمشية الأمور .. أو بمعنى آخر التغابي .. وعدم الإغراق في التفسيرات والظنون .. وإلا فسوف نتعب كثيراً ..
ليس الغبي بسيد في قومه .. لكن سيد قومه المتغابي
وأذكر أن شاباً متحمساً أقبل إلى شيخه يريده أن يساعده في اختيار زوجة تكون رفيقة دربه حتى الممات .. فقال الشيخ : ما هي الصفات التي ترغب وجودها في زوجتك ؟
فقال : منظرها جميل .. وقوامها طويل .. وشعرها حرير.. ورائحتها عبير .. لذيذة الطعام .. عذبة الكلام .. إن نظرت إليها سرتني .. وإن غبت عنها حفظتني .. لا تخالف لي أمراً .. ولا أخشى منها شراً .. لها دين يرفعها .. وحكمة تنفعها ..
وراح يسرد من صفات الكمال المتفرقة في النساء ويجمعها في امرأة واحدة ..
فلما أكثر على الشيخ .. قال له : يا ولدي .. عندي طلبك ..
قال : أين ؟ قال : في الجنة بإذن الله .. أما في الدنيا فعود نفسك التسامح ..
نعم في الدنيا عود نفسك التسامح .. لا تعذب نفسك بالبحث عن مشاكل لإثارتها .. والنقاش حولها ..
فيوماً تصرخ في وجه جليس : أنت تقصدني بكلامك ؟
ويوماً في وجه ولدك : أنت تريد أن تحزنني بكسلك ؟
ويوماً في وجه زوجتك : أنت تتعمدين إهمال بيتك ؟ ...
وقد كان منهج النبي r .. التسامح عموماً .. فكان يستمتع بحياته ..
كان يدخل r على أهله أحياناً .. في الضحى .. وهو جائع .. فيسألهم : هل عندكم من شيء .. عندكم طعام ..
فيقولون : لا ..
فيقول r : إني إذا صائم ..
ولم يكن يصنع لأجل ذلك مشاكل .. ما كان يقول : لِمَ لم تصنعوا طعاماً .. لِم لم تخبروني لأشتري .. إني إذا صائم .. وانتهى الأمر ..([3])
وكان في تعامله مع الناس .. يتعامل بكل سماحة ..
قال كلثوم بن الحصين .. كان من خيار الصحابة ..
قال : غزوت مع رسول الله r غزوة تبوك .. فسرت ذات ليلة معه ونحن بوادي "الأخضر" ..
أطالوا المشي .. فجعل يغلبه النعاس ..
وجعلت ناقته تقترب من ناقة النبي e .. ويستيقظ فجأة .. فيبعدها .. خوفاً من أن يصيب رحل ناقته رجل النبي e ..
حتى غلبته عينه في بعض الطريق .. فزاحمت راحلته راحلة النبي e .. وضرب رحله رجل النبي e .. فآلمه ..
فقال النبي e من حر ما يجد : " حسّ "
فاستيقظ كلثوم .. فاضطرب وقال :
يا رسول الله .. استغفر لي ..
فقال e بكل سماحة : سِرْ .. سِرْ ..
نعم : سِرْ .. ولم يعمل قضية .. لماذا تضايقني ؟ الطريق واسع ! ما الذي جاء بك بجانبي ؟! لا .. لم يتعب نفسه .. ضربة رجل .. وانتهت ..
كان هذا أسلوبه e دائماً ..
جلس يوماً بين أصحابه ..
فأقبلت إليه امرأة ببردة .. قطعة قماش ..
فقالت : يا رسول الله .. إني نسجت هذه بيدي .. أكسوكها ..
فأخذها النبي e .. وكان محتاجاً إليها ..
وقام ودخل بيته .. فلبسها .. ثم خرج إلى أصحابه وهي إزاره ..
فقال رجل من القوم : يا رسول الله .. اكسنيها ..
فقال e : نعم ..
ثم رجع e .. فخلعها وطواها .. ولبس إزاراً قديماً ..
ثم أرسل بها إلى الرجل ..
فقال الناس للرجل : ما أحسنت .. سألته إياها وقد علمت أنه لا يرد سائلاً ؟!
فقال الرجل : والله ما سألته .. إلا لتكون كفني يوم أموت ..
فلما مات الرجل .. كفنه أهله فيها ([4]) ..
ما أجمل احتواء الناس بهذه التعاملات ..
قام e يوماً يؤم أصحابه في صلاة العشاء ..
فدخل إلى المسجد طفلان .. الحسن والحسين .. ابنا فاطمة t ..
فأقبلا إلى جدهما رسول الله e .. وهو يصلي ..
فكان إذا سجد .. وثب الحسن والحسين على ظهره ..
فإذا أراد e أن يرفع رأسه .. تناولهما بيديه من خلفه تناولاً رفيقاً ..
ووضعهما عن ظهره .. فجلسا جانباً ..
فإذا عاد لسجوده .. عادا فوثبا على ظهره ..
حتى قضى e صلاته ..
فأخذهما بكل رفق .. وأقعدهما على فخذيه ..
فقام أبو هريرة t .. فقال : يا رسول الله .. أردُّهما ..؟ يعني أعيدهما لأمهما ..؟
فلم يعجل e عليهما ..
ثم لبث قليلاً .. فبرقت برقة من السماء ..
فقال لهما e : الحقا بأمكما .. فقاما فدخلا على أمهما ..([5])
وفي يوم آخر ..
خرج النبي عليه e .. على أصحابه في إحدى صلاتي الظهر أو العصر ..
وهو حامل الحسن أو الحسين ..
فتقدم إلى موضع صلاته .. فوضعه .. ثم كبر مصلياً بالناس ..
فسجد رسول الله e سجدة .. أطالها .. حتى خشي عليه أصحابه أن يكون قد أصابه شيء ..
ثم رفع من سجوده ..
وبعد انتهاء الصلاة .. سأله أصحابه .. قالوا : يا رسول الله .. لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها ..!! أشيء أمرت به ؟ أو كان يوحى إليك ؟
فقال e : كل ذلك لم يكن .. ولكن ابني ارتحلني .. فكرهت أن أعجله .. حتى يقضي حاجته .. ([6]) ..
ودخل e يوماً على أم هانئ بنت أبي طالب t .. وكان جائعاً ..
فقال : هل عندك من طعام نأكله ؟
فقالت : ليس عندي إلا كسر يابسة .. وإني لأستحي أن أقدمها إليك ..
فقال : هلمي بهن ..
فأتته بهن .. فكسرهن في ماء .. وجاءت بملح فذرته عليه ..
فجعل e .. يأكل هذا الخبز مخلوطاً بالماء ..
فالتفت إلى أم هانئ وقال : هل من إدام ؟
فقالت : ما عندي يا رسول الله إلا شيء من "خلٍّ" ..
فقال : هلميه ..
فجاءته به .. فصبه على طعامه .. فأكل منه ..
ثم حمد الله عز وجل .. ثم قال : نعم الإدام الخل ([7]) ..
نعم .. كان يعيش حياته كما هي .. يتقبل الأمور بحسب ما هي عليه ..
وفي رحلة الحج ..
خرج e مع أصحابه .. فنزلوا منزلاً .. فذهب النبي e فقضى حاجته ..
ثم جاء إلى حوض ماء فتوضأ منه ..
ثم قام e ليصلي ..
جاء جابر بن عبد الله t .. فوقف عن يسار رسول الله e .. وكبّر مصلياً معه ..
فأخذ النبي e بيده .. فأداره حتى أقامه عن يمينه ..
ومضيا في صلاتهما ..
فجاء جبار بن صخر t .. فتوضأ ..
ثم أقبل فقام عن يسار رسول الله e ..
فأخذ e بأيديهما جميعاً – بكل هدوء - فدفعهما حتى أقامهما خلفه ([8]) ..
وفي يوم كان e جالساً ..
فأقلبت إليه أم قيس بنت محصن بابن لها حديث الولادة .. ليحنكه ويدعو له ..
فأخذه e فجعله في حجره .. فلم يلبث الصغير أن بال في حجر النبي e .. وبلل ثيابه بالبول ..
فلم يزد النبي e على أن دعا بماء فنضحه على أثر البول ([9]) ..
وانتهى الأمر .. لم يغضب .. ولم يعبس ..
فلماذا نعذب نحن أنفسنا ونصنع من الحبة قبة .. ليس شرطاً أن يكون كل ما يقع حولك مرضياً لك 100% ..
وإن تجد عيباً فسدَّ الخللا جل من لا عيب فيه وعلا
بعض الناس يحرق أعصابه .. ويكبر القضايا .. وبعض الآباء والأمهات كذلك .. وربما بعض المدرسين والمدرسات كذلك ..
ولا تفتش عن الأخطاء الخفية ..
وكن سمحاً في قبول أعذار الآخرين .. خاصة من يعتذرون إليك حفاظاً على محبتهم معك .. لا لأجل مصالح شخصية ..
اقبل معاذير من يأتيك معتذراً

إن برَّ عندك فيما قال أو فجرا

فقد أطاعك من يرضيك ظاهره

وقد أجلّك من يعصيك مستتراً


وانظر إلى رسول الله e .. وقد رقى منبره يوماً ..
وخطب بأصحابه فرفع صوته حتى أسمع النساء العواتق في خدورها داخل بيوتهن ..!!
فقال e : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه .. لا تغتابوا المسلمين .. ولا تتبعوا عوراتهم ..فإنه من يتبع عورة أخيه .. يتبع الله عورته .. ومن يتبع الله عورته .. يفضحه ولو في جوف بيته .. ([10]) ..
نعم لا تتصيد الأخطاء .. وتتبع العورات .. كن سمحاً ..
وكان e حريصاً على عدم إثارة المشكلات أصلاً ..
في مجلس هادئ مع بعض أصحابه .. صفت فيه النفوس .. واطمأنت القلوب .. قال e لأصحابه :
ألا لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئاً .. فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر .. ([11]) ..
لا تعذب نفسك ..
لا تثر على نفسك الغبار ما دام ساكناً .. وإن ثار فسدَّ أنفك بِكُمِّك .. واستمتع بحياتك ..

4. اعترف بخطئك .. لا تكابر ..
كثير من المشاكل التي ربما تستمر العداوة بسببها .. سنة وسنتين .. وربما العمر كله .. يكون حلها أن يقول أحدهما للآخر : أنا أخطأت .. وأعتذر ..
موعد أخلفته .. أو مزحة ثقيلة ..أو كلمة نابية .. سارع إلى إطفاء شرارها قبل أن تضطرم النار بسببها ..
أنا آسف .. حقك عليَّ .. ما يصير خاطرك إلا طيب ..
ما أجمل أن نتواضع ونسمع الناس هذه العبارات ..
وقعت خصومة بين أبي ذر وبلال .. رضي الله عنهما .. وهما صحابيان .. لكنهما بشر ..
فغضب أبو ذر .. وقال لبلال : يا ابن السوداء ..
فشكاه بلال إلى رسول الله e ..
فدعاه النبي e فقال : أساببت فلاناً ؟
قال : نعم ..
قال : فهل ذكرت أمه ؟
قال : من يسابب الرجال .. ذُكر أبوه وأمه يا رسول الله ..
فقال e : إنك امرؤ فيك جاهلية ..
فتغير أبو ذر .. وقال : على ساعتي من الكبر ..؟
قال : نعم ..
ثم أعطاه النبي e منهجاً يتعامل به مع من هم أقل منه فقال :
إنما هم إخوانكم .. جعلهم الله تحت أيديكم .. فمن كان أخوه تحت يده .. فليطعمه من طعامه .. وليلبسه من لباسه .. ولا يكلفه ما يغلبه .. فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه ..
فماذا فعل أبو ذر t ؟!
مضى أبو ذر حتى لقي بلالاً .. ثم اعتذر .. وقعد على الأرض .. بين يدي بلال .. ثم جعل يقرب من الأرض حتى وضع خده على التراب وقال : يا بلال .. طأ برجلك على خدي .. ([12])
هكذا كان الصحابة y في حرصهم على إطفاء نار العداوة قبل اشتعالها .. فإن اشتعلت منعوها من الامتداد ..
وقعت بين أبي بكر وعمر y محاورة .. فأغضب أبو بكر عمرَ ..
فانصرف عنه عمرُ مغضباً ..
فلما رأى أبو بكر ذلك .. ندم .. وخشي أن يتطور الأمر ..
فانطلق يتبع عمر .. ويقول : استغفر لي يا عمر ..
وعمر لا يلتفت إليه .. وأبو بكر يعتذر .. ويمشي وراءه حتى وصل عمر إلى بيته .. وأغلق بابه في وجهه ..
فمضى أبو بكر إلى رسول الله e ..
فلما رآه النبي e مقبلاً من بعيد .. رآه متغيراً .. فقال :
أما صاحبكم هذا فقد غامر .. جلس أبو بكر ساكتاً ..
فلم تمض لحظات .. حتى ندم عمر على ما كان منه .. وكانت قلوبهم بيضاء ..
فأقبل إلى مجلس رسول الله e .. فسلم وجلس بجانب النبي e .. وقص عليه الخبر ..
وحكى كيف أعرض عن أبي بكر ولم يقبل اعتذاره ..
فغضب رسول الله e ..
فلما رأى أبو بكر غضبه .. جعل يقول : والله يا رسول الله .. لأنا كنت أظلم .. أنا كنت أظلم ..
وجعل يدافع عن عمر ويعتذر له ..
فقال e : هل أنتم تاركون لي صاحبي ؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي ؟ إني قلت : يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً .. فقلتم : كذبت .. وقال أبو بكر : صدقت ([13]) ..
وانتبه أن تكون ممن يصلح الناس ويفسد نفسه .. يدور بها كما يدور الحمار في الرحى ..
فإذا كنت في موضع توجيه أو اقتداء .. كمدرس مع طلابه .. وأب مع أولاده .. أو أم .. وكذلك الزوجان مع بعضهما ..
وزع عمر t ثياباً على الناس .. فنال كل واحد قطعة قماش تكفيه إزاراً أو رداءً ..
ثم قام يخطب الناس يوم الجمعة ..
فقال في أول خطبته : إن الله كتب لي عليكم السمع والطاعة ..
فقام رجل من القوم وقال : لا سمع لك ولا طاعة ..
فقال عمر : لمه ؟
قال : لأنك قسمت علينا ثوباً .. ثوباً .. وأنت تلبس ثوبين جديدين ..
أي إزارك ورداؤك .. كلاهما نلحظ أنه جديد ..
فقال عمر : قم يا عبد الله بن عمر .. فقام .. فقال : ألست دفعت لي ثوبك لأخطب به ..؟
قال : نعم ..
فقعد الرجل وقال : الآن نسمع ونطيع .. وانتهت المشكلة ..
عزيزي لا تعجل عليَّ .. أنا معك أن أسلوب الرجل لما اعترض على عمر .. غير مناسب .. لكن العجب هو من قدرة عمر على استيعاب الموقف .. وإطفاء النار ..
وأخيراً .. إذا أردت أن يقبل الناس منك ملاحظتك .. ونصحك .. أياً كانوا .. زوجة .. ولداً .. أختاً ..
فكن أنت متقبلاً للنصح أصلاً .. غير متكبر عنه ..
كان كثيراً ما يقول لها : اعتن بأولادك أكثر .. اطبخي جيداً .. إلى متى أقول : رتبي غرفة النوم ..
وكانت تردد دائماً بكل أريحية : أبشر .. إن شاء الله .. أمرك ..
قالت له يوماً – ناصحة - : الأولاد في أيام اختبارات ويحتاجون وجودك بينهم .. فلا تتأخر إذا خرجت لأصحابك .. فما كاد يسمع منها ذلك حتى صاح بها :
لست متفرغاً لهم .. أتأخر أو لا أتأخر .. ليس شغلك .. ليس لك دخل فيَّ ..
فبالله عليك قل لي : كيف تريدها أن تقبل منه نصحاً بعد ذلك !!
وأخيراً ..
الذكي .. هو الذي يسد الفتحات في جداره حتى لا يستطيع الناس أن يسترقوا النظر ..
بمعنى : أن لا تفتح مجالاً لشك الناس فيك ..
أذكر أن إحدى الجمعيات الدعوية استدعت مجموعة من الدعاة لعقد محاضرات في ألبانيا ..
كان رئيس المراكز الدعوية في ألبانيا حاضراً الاجتماع ..
نظرنا إليه .. فإذا ليس في خديه شعرة واحدة ..
فنظر بعضنا إلى بعض مستغرباً ..!! فقد جرت العادة أن يكون الداعية ملتزماً بهدي رسول الله e معفياً لحيته .. ولو بعضها .. فكيف برئيس الدعاة ؟!
فلما ابتدأ الاجتماع قال لنا ضاحكاً : يا جماعة .. أنا أمرد .. أصلاً لا ينبت لي لحية .. لا تعملوا لي محاضرة إذا انتهينا ..
تبسمنا وشكرناه ..
وإن شئت فارحل معي إلى المدينة .. وانظر إلى رسول الله e وقد كان معتكفاً في مسجده في ليالي رمضان ..
فأقبلت إليه زوجه صفية بنت حيي t زائرة ..
فمكثت عنده قليلاً ..
ثم قامت لتعود لبيتها ..
فلم يشأ النبي e أن تعود في ظلمة الليل وحدها ..
فقام معها ليوصلها ..
فمشى معها في الطريق .. فمر به رجلان من الأنصار ..
فلما رأيا النبي e والمرأة معه .. أسرعا ..
فقال e لهما : على رسلكما إنها صفية بنت حيي ..
فقالا : سبحان الله يا رسول الله .. أي : أيُعقل أن نشك فيك أن يكون معك امرأة أجنبية عنك ..!!
فقال e : إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم .. وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً .. أو قال شيئاً .. ([14]) ..
شريرة غير متواجد حالياً  
08-02-2010, 05:19 PM   #10
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245


شجاعة ..
ليست الشجاعة أن تصر على خطئك .. وإنما أن تعترف به .. ولا تكرره مرة أخرى ..

1. مفاتيح الأخطاء!
التعامل مع الأخطاء فن .. فلكل باب مفتاح .. وللقلوب دروب ..
إذا وقع أحد في خطأ كبير .. وانتشر خبره في الناس .. وبدأ الناس يترقبون ماذا تفعل فأشغلهم بشيء .. حتى يكون عندك وقت لدراسة الأمر .. حتى لا يتجرّأ أحد على مثل فعله .. أو يتعودوا على مثل هذا الخطأ ..
خرج مع أصحابه في غزوة بني المصطلق ..
وأثناء رجوعهم .. نزلوا يستريحون ..
فأرسل المهاجرون غلاماً لهم اسمه : جهجاه بن مسعود .. ليستقي لهم من البئر ماءً ..
وأرسل الأنصار غلاماً لهم اسمه : سنان بن وبر الجهني .. ليستقي لهم أيضاً ..
فازدحم الغلامان على الماء .. فكسع أحدهما صاحبه .. أي ضربه على مؤخرته ..
فصرخ الجهني : يااااا معشر الأنصار ..
وصرخ جهجاه : يااااا معشر المهاجرين ..
فثار الأنصار .. وثار المهاجرون ..
واشتد الخلاف .. والقوم قادمون من حرب .. ولا يزالون بسلاحهم !!
فانطلق .. حتى اطفأ ما بينهم ..
فتحركت الأفاعي ..
غضب عبد الله بن أبي بن سلول .. وعنده رهط من قومه الأنصار ..
فقال : أوقد فعلوها!! قد نافرونا .. وكاثرونا في بلادنا .. والله ما أعدُّنا وجلابيب قريش هذه .. إلا كما قال الأول : سَـمِّن كلبك يأكلك .. وجوِّع كلبك يتبعك !!
ثم قال الخبيث : أما والله لئن رجعنا الى المدينة .. ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ ..
ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم .. أحللتموهم بلادكم .. وقاسمتموهم أموالكم .. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم .. لتحولوا إلى غير داركم ..
وجعل الخبيث يهدد ويتوعد .. والذين عنده من أنصاره المنافقين .. يؤيدونه ويشجعونه ..
كان من بين الجالسين غلام صغير .. اسمه زيد ابن أرقم ..
فمضى إلى رسول الله فأخبره الخبر ..
وكان عمر بن الخطاب جالساً عند النبي ..
فثار .. كيف يجرؤ هذا المنافق على رسول الله بهذا الأسلوب القبيح .. ورأى عمر أن قتل الأفعى أولى من قطع ذيلها .. ورأى أن قتل ابن سلول .. يقضي على الفتنة في مهدها ..
ولكن أن يقتله رجل من قومه الأنصار .. أسلم من أن يقتله رجل من المهاجرين ..
ففقال عمر : يا رسول الله ..
من مر به عباد ابن بشر الأنصاري فليقتله ..
لكن رسول الله كان أحكم .. فهم قادمون من حرب .. والناس بسلاحهم .. والنفوس مشحونة .. وليس من المناسب إثارتهم أكثر ..
فقال : فكيف يا عمر اذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟!
لا يا عمر .. ولكن آذن الناس بالرحيل ..
وكان الناس قد نزلوا للتوّ واستظلوا .. فكيف يأمرهم بالرحيل .. في شدة الحر والشمس ..
ولم تكن عادته أن يرتحل في شدة الحر ..
ارتحل الناس ..
وبلغ عبد الله بن سلول أن رسول الله .. أخبره زيد بن أرقم بما سمع منه ..
فأقبل ابن سلول إلى رسول الله .. وجعل يحلف بالله .. ما قلت .. ولا تكلمت به .. كذب عليَّ الغلام ..
وكان ابن سلول رئيساً في قومه .. شريفا عظيما ..
فقال الأنصار : يا رسول الله .. عسى أن يكون الغلام أوْهمَ في حديثه .. ولم يحفظ ما قال الرجل ..
وجعلوا يدافعون عن ابن سلول ..
فأقبل سيد من سادة الأنصار .. أسيد بن حضير .. فحياه بتحية النبوة وسلم عليه .. وقال :
يا رسول الله .. والله لقد رحت في ساعة منكرة .. ما كنت تروح في مثلها !!
فالتفت إليه وقال : أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟
قال : أي صاحب يا رسول الله ؟
قال : عبد الله بن أبي ..
قال : وما قال ؟
قال : زعم أنه ان رجع الى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ ..
فثار أسيد وقال : فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت .. هو والله الذليل .. وأنت العزيز ..
ثم قال أسيد مخففاً على رسول الله :
يا رسول الله .. ارفق .. لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه .. فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً ..
فسكت النبي .. ومضى براحلته .. والناس منهم من يجمع متاعه .. ومنهم من يرحل راحلته ..
وجعلت الحادثة تنتشر .. وصارت أحاديث الجيش : .. لماذا ارتحلنا في هذا الوقت .. ماذا قال ؟ كيف تعامل معه ؟ صدق ابن سلول .. لا بل كذب ..
وبدأت الشائعات تزيد .. والكلام يزاد فيه ويُنقَص .. واضطرب الجيش .. وهم في طريقهم من قتال .. ويمرون بقبائل أعداء يتربصون بهم ..
فشعر أن الجيش بدأ ينقسم .. فأراد أن يشغلهم عن المشكلة .. وعن النقاش فيها .. لأنهم يزيدون أوارها .. ويشعلون الفتنة بين المهاجرين والأنصار ..
وصار الناس يترقبون متى ينزلون حتى يجتمع بعضهم إلى بعض ويتحدثوا في الأمر ..
فمشى بالناس يومهم ذلك والشمس فوقهم .. ومشى ومشى حتى غابت الشمس .. فظن الناس أنهم سينزلون للصلاة ويرتاحون .. فلم ينزل إلا دقائق معدودات .. صلوا ثم أمرهم فارتحلوا .. وواصل المشي ليلتهم حتى أصبح ..
ثم نزل فصلى الفجر .. ثم أمرهم فارتحلوا ..
ومشوا صباحهم حتى تعبوا .. وآذتهم الشمس ..
فلما شعر أن الإرهاق والتعب سيطر عليهم .. فليس فيهم جهد للكلام ..
أمرهم فنزلوا .. فما كادت أجسادهم تمس الأرض .. حتى وقعوا نياما ..
وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عما حدث ..
ثم أيقظهم .. وارتحل بهم .. وواصل حتى دخل المدينة .. وتفرق الناس في بيوتهم عند أهليهم ..
وأنزل الله تعالى سورة المنافقين :
( هُمُالَّذِينَيَقُولُونَ لَاتُنفِقُواعَلَىمَنْعِندَرَسُولِاللَّهِحَتَّىيَنف َضُّواوَلِلَّهِ خَزَائِنُالسَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِوَلَكِنَّالْمُنَا فِقِينَلَايَفْقَهُونَ * يَقُولُونَلَئِنرَّجَعْنَاإِلَىالْمَدِينَةِلَيُخْرِ جَنَّالْأَعَزُّ مِنْهَاالْأَذَلَّوَلِلَّهِالْعِزَّةُوَلِرَسُولِهِو َلِلْمُؤْمِنِينَوَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَلَايَعْلَمُونَ ) ..
فقرأها رسول الله .. ثم أخذ بأذن الغلام زيد بن أرقم .. وقال : هذا الذي أوفى لله بأذنه ..
وبدأ الناس يسبون ابن سلول .. ويلومونه ..
فالتفت إلى عمر وقال : أرأيت يا عمر .. لو قتلته يوم ذكرت ذلك .. لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ..
ثم سكت عنه .. فلم يتعرض له بشيء ..
وأحياناً إذا وقع الخطأ أمام الناس قد تحتاج أن تنكر عليه بأسلوب مناسب .. وإن كان أمام الناس ..
بينما رسول الله جالساً يوماً مع أصحابه .. وكانوا في أيام قحط .. واحتباس مطر .. وقلة زرع ..
إذ أتاه أعرابي فقال :
يا رسول الله جهدت الأنفس .. وضاعت العيال .. ونهكت الأموال .. وهلكت الأنعام ..
فاستسق الله لنا .. فإنا نستشفع بك على الله .. ونستشفع بالله عليك ..
فتغير رسول الله .. لما سمعه يقول نستشفع بالله عليك ..
فالشفاعة والواسطة تكون من الأدنى إلى الأعلى .. فلا يجوز أن يقال إن الله يشفع عند خلقه .. بل يأمرهم جل جلاله .. لأنه أعلى وأرفع ..
فقال : ويحك !! أتدري ما تقول ؟!!
ثم جعل يقدس الله .. ويردد .. سبحااان الله .. سبحااان الله ..
فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه ..
ثم قال :
ويحك !! إنه لا يُسْتَشفعُ بالله على أحد من خلقه .. شأنُ الله أعظم من ذلك ..
ويحك !! أتدري ما الله ؟! إن عرشه على سماواته لهكذا .. وقال بأصابعه مثل القبة عليه .. وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب .. ([1]) ..
ولكن إذا وقع الخطأ من الشخص لوحده قد يكون هناك شيء من اللين ..
أتى رسول الله إلى بيت عائشة t في ليلتها ..
فوضع نعليه من رجليه .. ووضع رداءه .. واضطجع على فراشه ..
فلبث كذلك .. حتى ظن أن عائشة قد رقدت ..
فقام من على فراشه .. ولبس رداءه ونعليه .. رويداً ..
ثم فتح الباب رويداً .. وخرج .. وأغلقه رويداً ..
فلما رأت عائشة ذلك .. دخلتها غَيْرةُ النساء .. وخشيت أنه ذهب إلى بعض نسائه ..
فقامت .. ولبست درعها .. وخمارها .. وانطلقت في إثره .. تمشي وراءه .. دون أن يشعر بها ..
فانطلق .. يمشي في ظلمة الليل .. حتى جاء مقبرة البقيع ..
فوقف عندها .. ينظر إلى قبور أصحابه .. الذين عاشوا عابدين .. وماتوا مجاهدين .. واجتمعوا تحت الثرى .. ليرضى عنهم من يعلم السرَّ وأخفى ..
أخذ ينظر إلى قبورهم .. ويتذكر أحوالهم ..
ثم رفع يديه فدعا لهم .. ثم أخذ ينظر إلى القبور .. ثم رفع يديه ثانية فدعا لهم ..
ثم لبث ملياً .. ثم رفعها فاستغفر لهم ..
وأطال القيام .. وعائشة تنظر إليه من بعيد ..
ثم التفت وراءه راجعاً ..
فلما رأت ذلك عائشة .. انحرفت إلى ورائها راجعة .. خشية أن يشعر بها ..
فأسرع مشيه .. فأسرعت عائشة ..
فهرول .. فهرولتْ .. فأحضرَ – أي جرى مسرعاً - فأحضرتْ وجرت ..
حتى سبقته إلى البيت فدخلت ..
ونزعت درعها وخمارها .. وأقبلت إلى فراشها فاضطجعت عليه .. كهيئة النائمة .. ونفَسها يتردد في صدرها ..
فدخل البيت .. فسمع صوت نَفَسها .. فقال :
مالك يا عائش .. حشياً رابية ..
قالت : لا شيء ..
قال : لتخبرني .. أو ليخبرني اللطيف الخبير ..
فأخبرته بالخبر .. وأنها غارت عليه .. فانطلقت تنظر أين يذهب ..
فقال : أنت الذي رأيتُ أمامي ؟
قالت : نعم ..
فدفعها في صدرها .. دفعة .. ثم قال :
أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ..
فقالت عائشة : مهما يكتمِ الناسُ .. يعلمه الله عز وجل ..؟
قال : نعم .. ثم قال مبيناً لها خبر خروجه :
إن جبريل عليه السلام .. أتاني حين رأيت .. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ..
فناداني .. فأخفى منك فأجبته وأخفيته منك .. وظننت أنك قد رقدت .. فكرهت أن أوقظك .. وخشيت أن تستوحشي .. فأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفرَ لهم .. ([2]) ..
نعم .. كان .. سهلاً لـيِّناً لا يكبر الأخطاء ..
بل كان يرددها في الناس ويقول :
كما عند مسلم : لا يفرك مؤمن مؤمنة .. إن كره منها خلقاً .. رضي منها آخر ..
أي لا يبغضها بغضاً تاماً .. لأجل خلق عندها .. أو طبعٍ يلازمها ..
بل يغفر سيئتها لحسنتها .. فإذا رأى خطأها تذكر صوابها .. وإذا شاهد سوءها تذكر حسنها ..
ويتغاضى عما يكرهه من خلقها .. وما لا يرضاه من تعاملها ..
إضاءة ..
ليس اللوم على من لا يقبل النصيحة .. وإنما على من يقدمها بأسلوب غير مناسب ..

2. فَـكِّك الحزمة ..!!
إذا كان الخطأ واقعاً من مجموعة .. فالأصل أن تنصحهم وهم مجتمعون ..
ولكن قد تحتاج أحياناً أن تفكك الحزمة .. أعني ..أن تكلم كل واحد علىا حدة .. وتنصحه .
مثال : مررت بمجلس منزلكم .. وسمعت أخاك يتحدث مع أصدقائه – وكانوا ضيوفاً عنده – ويخططون أن يسافروا إلى بلد كذا .. وهذا البلد لا يسلم من يذهب إليه غالباً من التعرض للمحرمات الكبار .. كالزنا وشرب الخمر ..
أردت أن تنصح ..
من الأساليب أن تدخل عليهم وتنصحهم بكلمتين .. وتخرج .. لكن نتيجة ذلك قد لا تكون ناجحة كثيراً ..
فما رأيك أن تفكك الحزمة .. وتكسر كل عود على حدة ..
كيف ؟!
إذا تفرقوا اجلس مع من تظنه أعقلهم .. وقل : يا فلان .. بلغني أنكم ستسافرون .. وأنت أعقلهم .. وتعلم أن هذا البلد لا يسلم المسافر إليه من البلايا والفتن .. وقد يعود مريضاً أو مبتلى .. فما رأيك أن تكسب أجرهم .. وتقترح عليهم أن يسافروا إلى بلد آخر .. تستمتعون فيه بالأنهار والبحار .. واللعب والأنس .. من غير معصية ..
لا شك أنه إذا سمع منك هذا الكلام بالأسلوب الحسن .. سيقل حماسه إلى النصف ..
اذهب إلى آخر .. وقل له مثل ذلك ..
ثم قل للثالث مثله ..
دون أن يشعر كل منهم بحديثك لصاحبه ..
فتجد أنهم إذا اجتمعوا .. وتشجَّع أحدهم واقترح تغيير البلد .. وجد من يعاونه ..
أو لو اكتشفت يوماً أن أولادك يجتمعون في غرفة أحدهم .. وينظرون إلى شريط فيديو خليع .. أو مقاطع ( بلوتوث ) فيها صور خليعة .. أو نحو ذلك ..
فقد يكون من المناسب أن تنصح كلاً منهم على حدة .. لكيلا تأخذهم العزة بالإثم ..
هل لهذا شاهد من السيرة ؟ نعم ..
لما اشتد الخلاف بين رسول الله وبين قريش ..
اجتمعت قريش وقاطعت النبي وجميع أقاربه من بني هاشم .. وكتبت صحيفة أن بني هاشم لا يُشترى منهم .. ولا يُباع عليهم .. ولا يُزوَّجون .. ولا يُتزوَّج منهم ..
وحُبس النبي مع أصحابه في وادٍ غير ذي زرع ..
واشتدت الكربة على الصحابة حتى أكلوا الشجر ..
بل مضى أحدهم يوماً ليبول .. فسمع صوتاً تحته .. فنظر فإذا قطعة من جلد بعير .. فأخذها .. وغسلها وشواها بالنار .. ثم فتّـتَـتها .. وخلطها بالماء .. وجعل يتموَّن بها ثلاثة أيام !!
فقال يوماً لعمه أبي طالب – وكان محبوساً معهم في الشعب - :
يا عم إن الله قد سلط الأَرَضة على صحيفة قريش .. فلم تدع فيها اسماً هو لله إلا أثبتته فيها .. ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان ..
أي إن دابة الأرضة أكلت صحيفة قريشس فلم يبق منها إلا عبارة : باسمك اللهم !!
فعجب أبو طالب وقال : أربك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم ..
قال : فوالله ما يدخل عليك أحد .. حتى أخبر قريشاً بذلك ..
ثم خرج إلى قريش فقال :
يا معشر قريش .. إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا ..
فهلمَّ صحيفتكم ..
فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها ..
وإن كان كاذباً .. دفعت إليكم ابن أخي فافعلوا به ما شئتم ..
فقال القوم : قد رضينا .. فتعاقدوا على ذلك ..
ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله .. فزادهم ذلك شراً ..
وظل بنو هاشم وبنو المطلب في واديهم .. حتى كادوا أن يهلكوا ..
وكان من كفار قريش رجال رحماء ..
منهم : هشام بن عمرو .. وكان ذا شرف في قومه ..
فكان يأتي بالبعير قد حمله طعاماً .. وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلاً ..
حتى إذا بلغ به فم الشعب .. خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فدخل الشعب عليهم ..
ومضت اليام ورأى هشام .. أنه لا طاقة له بإطعامهم كل ليلة .. وهم كثير ..
فقرر أن يسعى لنقض الصحيفة الظالمة .. ولكن أنى له ذلك وقريش قد أجمعت عليها ..
فاتبع أسلوب تفكيك الحزمة ..
مشى إلى زهير بن أبي أمية .. وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ..
فقال : يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء .. وأخوالك حيث علمت ؟ لا يباع لهم ولا يبتاع منهم .. ولا يُنَكَّحون ولا يُنكحُ إليهم ؟!
أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام .. - يعني أبا جهل .. وكان أشدهم عداوة للمؤمنين وتعصباً للمقاطعة .. – ما تركهم على هذا لاحال ..
قال : ويحك يا هشام .. فماذا أصنع ؟
إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها ..
قال : قد وجدت رجلاً ..
قال : من هو ؟
قال : أنا ..
قال زهير : أبغنا ثالثاً ..
قال هشام : فاكتم عني ..
فذهب إلى المطعم بن عدي .. وكان رجلاً عاقلاً .. فقال له : يا مطعم .. أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف .. وأنت شاهد على ذلك .. موافق لقريش فيه ؟!
قال : ويحك فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ..
قال : وجدت لك ثانياً ..
قال : من ؟ قال : أنا ..
قال : أبغنا ثالثاً .
قال : قد فعلت .. قال : من هو ؟
قال : زهير بن أبي أمية ..
قال : أبغنا رابعاً ..
قال : فاكتم عني ..
فذهب إلى أبي البختري بن هشام .. فقال له ما قال لصاحبيه ..
فتحمس لذلك .. وقال : وهل تجد أحدا يعين على هذا ؟
قال : نعم ..
قال : من هو ؟
قال : زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك ..
قال : أبغنا خامساً ..
فذهب هشام إلى زمعة بن الأسود .. فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم ..
فقال له : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟
قال : نعم .. فلان وفلان ..
فاتفقوا جميعاً على هذا الرأي .. وتوعدوا عند "حطم الحجون " ليلاً بأعلى مكة .. فاجتمعوا هنالك ..
وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها ..
وقال زهير : أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم .. ثم تقموا أنتم فتتكلمون ..
فلما أصبحوا غدوا إلى مجالسهم حول الكعبة .. حيث يجتمع الناس ويتبايعون ..
وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة ..
فطاف بالبيت سبعاً .. ثم أقبل على الناس وصرخ :
ياااا أهل مكة أنأكل الطعام ..؟ ونلبس الثياب ..؟ وبنو هاشم هلكي !! لا يباع لهم ولا يبتاع منهم .. والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ..
فصرخ أبو جهل ..وكان في مجلس مع أصحابه .. قال : كذبت .. والله لا تشق ..
فقام زمعة بن الأسود وصرخ : بل أنت والله أكذب .. ما رضينا كتابتها حين كتبت ..
فالتفت إليه أبو جهل ليرد عليه .. ففاجأه البخترى قائماً يقول : صدق زمعة .. لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به ..
فالتفت أبو جهل إلى البخنري ..
فإذا بالمطعم بن عدى يصرخ : صدقتما وكذب من قال غير ذلك .. نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها ..
وقام هشام بن عمرو وقال مثل قولهم ..
فتحير أبو جهل .. وسكت هنية ثم قال : هذا أمر قُضِي بليل .. تشوور فيه بغير هذا المكان ..
ثم انطلق المطعم بن عدي إلى الكعبة .. وتوجه إلى الصحفية ليشقها .. فوجد دابة الأرضة قد أكلتها .. إلا باسمك اللهم ..

كن ذكياً ..
الطبيب الحاذق يتلمس أولاً بأصابعه .. فيختار الموضع المناسب قبل غرز الإبرة ..

3. جلد الذات !!
من الذكريات ..
أنا خرجنا مرة للبر .. وكان معنا أبو خالد .. صديق لنا نظره ضعيف جداً ..
كنا نخدمه .. نقرب إليه الماء .. التمر .. القهوة .. وهو يردد : لا بد أن أساعدكم .. أريد أن أشتغل معكم .. كلفوني بأي عمل ..
ونحن ننهاه عن ذلك ..
ذبحنا شاة معنا .. وقطعناها ووضعناها في القدر .. تمهيداً لطبخها .. ولم نشعل النار بعد ..
وانشغلنا بنصب الخيمة .. وترتيب الأغراض ..
تحركت الشهامة في أبي خالد – ويا ليتها لم تفعل - فقام وتوجه إلى القدر .. فرأى اللحم .. فأدرك أن أول شيء سنفعله هو أن نصب الماء على اللحم .. فتوجه إلى الأغراض في السيارة .. وجعل يتلمس الأغراض .. مولد كهرباء .. أسلاك .. مصابيح .. أربع مطارات بلاستيك فيها ماء .. وبنزين .. وأغراض أخرى ..
فالتقط أقرب مطارة إليه .. وأقبل بها مبتهجاً إلى القدر .. وأفرغ نصفها فيه ..
لمحه أحدنا .. فصرخ به .. لا .. لا .. أبو خالد ..
وهو يردد : خلوني أشتغل .. خلوني ..
فسحبنا المطارة منه فوراً .. وغرقنا في الضحك الذي يغالبه البكاء ..
لأننا اكتشفنا أنها مطارة البنزين .. وليست مطارة الماء ..!!
وتغدينا على خبز وشاي ..
لم تفسد الرحلة .. بل كانت من أمتع الرحلات ..
ولماذا نعذب أنفسنا بأمر قد انتهى ..
وأذكر أيضاً :
لما كنت في الثانوية خرجت مع بعض الزملاء في رحلة .. تعطلت بطارية إحدى السيارات ..
أقبلنا بسيارة أخرى وأوقفاناها أمامها لنوصل ببطاريتها البطارية المتعطلة ..
أقبل طارق ووقف بين السيارتين .. وشبك الأسلاك في بطارية السيارة الأولى .. ثم شبكها في البطارية المتعطلة .. ثم أشار لأحد الشباب .. شغل السيارة ..
ركب صاحبنا .. وكان ناقل الحركة ( القير ) على رقم واحد .. فما إن شغل السيارة حتى قفزت السيارة إلى الأمام وصكت ركبتي طارق بين صدامي السيارتين .. ووقع على الأرض مصاباً ..
وصاحبنا في السيارة يردد : أشغل مرة ثانية ؟!!
أبعدنا السيارتين .. وساعدنا طارق على المشي .. كان يعرج ويتألم من ركبتيه بشدة ..
لكنه أعجبني أنه لم يزد ألمه بصراخ أو سبّ .. أو توبيخ .. بل ابتسم وأظهر الرضى ..
وما فائدة الصراخ ؟ والأمر قد انتهى .. وصاحبنا أدرك خطأه ..
إذا أردت أن تستمتع بحياتك .. فاعمل بهذه القاعدة :
لا تهتم بصغائر الأمور ..
نحن أحياناً نعذب أنفسنا .. ونجلدها ..
ونضيق ونتألم .. والألم لا يحل المشكلة ..
افرض أنك دخلت إلى حفل عرس .. وقد لبست ثوباً حسناً .. ووضعت فوق رأسك غترة وعقالاً .. حتى صرت أجمل من العريس !!
وبدأت تصافح الناس واحداً واحداً .. وفجأة أقبل طفل من ورائك .. وتعلق بطرف غترتك .. وسحبها فسقطت الغترة والعقال .. والطاقية .. وصار شكلك مضحكاً ..
كيف تتصرف؟
كثير منا يتعامل مع هذه المشكلة بأسلوب هو ليس حلاً لها ..
يركض وراء الصغير .. يصرخ .. يسب .. يلعن ..
والنتيجة : أنه حقق ما كان يريده الطفل من جذب انتباه .. وضجة .. وأضحك الناس عليه ..
وربما صوره بعضهم وصار بلوتوثاً يتناقلونه ..!!
أنت هنا – حقيقة – لا تعذب الطفل إنما تعذب نفسك ..
أو افرض أنك ..
لبست ثوباً جديداً .. ربما لم تسدد قيمته بعد ..
وذهبت إلى شركة لتقدم على وظيفة ..
مررت بأحد الأبواب كان مدهوناً بالطلاء للتوّ .. وبجانبه لوحة تحذيرية لم تنتبه لها ..
وفجأة مسحت نصف الطلاء بثوبك .. وطفق عامل الطلاء يصرخ بك ساباً غضباباً ..
كيف تتعامل مع هذه المشكلة ؟
نحن في كثير من الأحيان أيضاً نتعامل معها بأسلوب ليس حلاً لها ..
نثور .. نسبُّ العامل .. لِمَ لم تضع لوحة واضحة .. فيرد عليك بغضب .. وقد تكون النتيجة أن تتلطخ بتراب الأرض أكثر مما تلطخت بطلاء الباب !!
على رسلك .. تدري أنت الآن ماذا تفعل ؟! إنك تعذب نفسك .. تجلد ذاتك ..
وقل مثل ذلك لو تزينت وذهبت خاطباً .. فمرت بك سيارة وأنت خارج من البيت .. ورشت عليك من ماء كان مجتمعاً على الأرض .. هل ستعذب نفسك فتصرخ وتزعق بالسيارة وركابها .. وهي قد ولَّتك ظهرها ..
وكذلك ..
لا داعي لنتذكر دائماً الآلام التي مستنا في حياتنا ..
محمد مرت به لحظات حزينة في حياته ..
حتى جلس يوماً مع زوجه الحنون عائشة t .. في لحظة ساكنة .. فسألته :
هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد ؟
مرَّت تلك المعركة في ذاكرة النبي ..
آآآه .. ما أقسى ذلك اليوم .. يوم قُتل عمه حمزة وهو من أحب الناس إليه ..
يوم وقف ينظر إلى عمه وقرة عينه .. وقد جُدع أنفه .. وقطعت أذناه .. وشُقَّ بطنه .. ومُزِّق جسده ..
يوم كسرت أسنانه .. وجُرح وجهه .. وسالت منه الدماء ..
يوم قتل أصحابه بين يديه ..
يوم عاد إلى المدينة .. وقد نقص سبعون من أصحابه .. فرأى النساء الأرامل والأطفال اليتامى .. يبحثون عن أحبابهم وآبائهم ..
فعلاً .. كان ذلك اليوم قاسياً ..
كانت عائشة تنتظر الجواب .. فقال :
ما لقيت من قومك كان أشد منه ..
يوم العقبة .. إذ عرضت نفسي ..
ثم ذكر لها قصة استنصاره بأهل الطائف .. وتكذيبهم له .. ورمي سفهائهم له بالحجارة حتى أدموا قدميه .. ([3]) ..
ومع وجود هذه الآلام في تاريخ حياته .. إلا أنه كان لا يسمح لها أن تنغص عليه استمتاعه بالحياة ..
لا تستحق الالتفات إليها .. وقد مضت آلامها وبقيت حسناتها ..
إذن لا تقتل نفسك بالهمّ ..
وكذلك لا تقتل الناس بالهم واللوم ..
نحن أحياناً نتعامل مع بعض المشاكل بأساليب هي في الحقيقة ليست حلاً لها ..
كان الأحنف بن قيس سيد بني تميم ..
لم يكن ساد قومه بقوة جسد .. ولا كثرة مال .. ولا ارتفاع نسب ..
وإنما سادهم بالحلم والعقل ..
حقد عليه قوم ..
فأقبلوا إلى سفيه من سفهائهم وقالوا له :
هذه ألف درهم على أن تذهب إلى سيد بني تميم .. الأحنف بن قيس .. فتلطمه على وجهه ..
مضى السفيه .. فإذا الأحنف جالس مع رجال .. محتبياً بكل رزانة .. قد ضم ركبتيه إلى صدره .. وجعل يحدث قومه ..
اقترب السفيه منه .. ودنا .. ودنا .. فلما وقف عنده .. مدَّ الأحنف إليه رأسه ظاناً أنه سيسرّ إليه بشيء ..
فإذا بالسفيه يرفع يده ويلطم الأحنف على وجهه لطمة كادت تمزق خده !!
نظر الأحنف إليه .. ولم يحلّ حبوته .. وقال بكل هدوووء :
لماذا لطمتني ؟!!
قال : قوم أعطوني ألف درهم على أن ألطم سيد بني تميم ..
فقال الأحنف .. آآآه .. ما صنعت شيئاً ..
لست سيد بني تميم ..!
قال : عجباً !! فأين سيد بني تميم ..
قال : هل ترى ذاك الرجل الجالس وحده .. وسيفه بجانبه ؟
وأشار إلى رجل اسمه حارثة بن قدامة .. امتلأ غضباً وغيظاً .. لو قُسِّم غضبه على أمةٍ لكفاهم ..
قال : نعم أراه .. الجالس هناك ..
قال : فاذهب والطمه لطمة .. فذاك سيد بني تميم ..
مضى الرجل إليه : واقترب من حارثة .. فإذا عينا حارثة تلتمع شرراً ..
وقف السفيه عليه .. ورفع يده ولطمه على وجهه .. فما كادت يده تفارق خده حتى التقط حارثة سيفه .. وقطع يده ..!!
وقديماً قيل : الفائز هو الذي يضحك في النهاية !!

قناعة ..
التعامل مع المشكلة بأساليب ليست حلاً لها .. يعذبك .. ولا يحل المشكلة !!

4. مشاكل ليس لها حل ..
كم ترى من الناس غاضباً وهو يقود سيارته ..
وربما ضرب بيديه على مقودها .. وردد .. أوووه دائماً زحمة .. زحمة ..
أو قد تراه يمشي في الطريق .. ولا يحتمل أن يكلمه أحد .. بل متضايق أشد الضيق .. ويردد : أوووف حررر شديييد ..!!
وربما كنت زميلاً له في مكتب واحد .. تبتلى برؤيته كل يوم .. ويشغلك كلما جلس .. " ياخي العمل كثييير .. أوووه إلى متى ما يزيدون رواتبنا " .. ويدخل عابساً .. ويخرج ساخطاً ..
وربما أكثر التشكي من آلام بدنه .. أو إعاقة ولده ..
لا بد أن نقتنع جميعاً أننا تواجهنا في حياتنا مشاكل ليس لها حل .. فلا بد أن نتعامل معها بأريحية ..
قال : السماء كئيبة وتجهما ***
قلت : ابتسم ، يكفي التجهم في السما!
قال : الصبا ولى ! فقلت له : ابتسم ***
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما
قال : التي كانت سمائي في الهوى ***
صارت لنفسي في الغرام جهنما
خانت عهودي بعدما ملكتها ***
قلبي فكيف أطيق أن أتبسما
قلت : ابتسم واطرب فلو قارنتها ***
قضيت عمرك كله متألما
قال : العدى حولي علت صيحاتهم ***
أَأُسَرُّ والأعداء حولي في الحمى
قلت : ابتسم ، لم يطلبوك بذمهم ***
لو لم تكن منهم أجلَّ وأعظما!
قال : الليالي جرعتني علقماً ***
قلت : ابتسم ولئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مُرَنِّـماً ***
طرح الكآبة خلفه وترنما
أتراك تغنم بالترنم درهماً ***
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنماً
فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى ***
متلاطم ولذا نحب الأنجما ([4]) ..
نعم استمتع بحياتك ..
انتبه أن تكون ظروفك مؤثرة على سلوكك .. في عملك .. أولادك .. زملائك ..
فما ذنبهم أن يتعذبوا بأمور ليس هم طرفاً فيها .. ولا يملكون حلها ؟
لا تجعلهم إذا رأوك .. أو ذكروك . ذكروا معك الهم والحزن ..
لذا نهى عن النياحة على الميت .. والصراخ .. وشق الجيب .. وحلق الشعر .. و ..
لماذا ؟
لأن التعامل مع الموت يكون بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. والدعاء له ..
أما الصراخ والعويل فلا ينفع شيئاً .. سوى أنه يقلب متعة الحياة إلى أحزان ..
مشى المعافى بن سليمان مع صاحب له .. فالتفت إليه صاحبه عابساً وقال : ما أشد البرد اليوم ؟
فقال المعافى : أستدفأت الآن ؟
قال : لا ..
قال : فماذا استفدت من الذم ؟ لو سبّحت لكان خيراً لك ..
عش حياتك ..
لا تنقب عن المشكلات .. ولا تدقق في صغائر الأمور .. وإنما استمتع بحياتك ..

5. لا تقتل نفسك بالهم ..
كان أحد طلابي في الجامعة ..
غاب أسبوعاً كاملاً .. ثم لقيته فسألته : سلامات .. سعد ..؟
قال : لا شيء .. كنت مشغولاً قليلاً ..
كان الحزن واضحاً عليه ..
قلت : ما الخبر ؟
قال : كان ولدي مريضاً .. عنده تليف في الكبد .. وأصابه قبل أيام تسمم في الدم .. وتفاجأت أمس أن التسمم تسلل إلى الدماغ ..
قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. اصبر .. وأسأل الله أن يشفيه ..
وإن قضى الله عليه بشيء .. فأسأل الله أن يجعله شافعاً لك يوم القيامة ..
قال : شافع ؟ يا شيخ .. الولد ليس صغيراً ..
قلت : كم عمره ؟
قال : سبع عشرة سنة ..
قلت : الله يشفيه .. ويبارك لك في إخوانه ..
فخفض رأسه وقال : يا شيخ .. ليس له إخوان .. لم أُرْزق بغير هذا الولد .. وقد أصابه ما ترى ..
قلت له : سعد .. بكل اختصار .. لا تقتل نفسك بالهم .. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ..
ثم خففت عنه مصابه وذهبت ..
نعم لا تقتل نفسك بالهم .. فالهم لا يخفف المصيبة ..
أذكر أني قبل فترة .. ذهبت إلى المدينة النبوية ..
التقيت بخالد .. قال لي : ما رأيك أن نزور الدكتور : عبد الله ..
قلت : لماذا .. ما الخبر ؟
قال : نعزيه ..
قلت : نعزيه ؟!!
قال : نعم .. ذهب ولده الكبير بالعائلة كلها لحضور حفل عرس في مدينة مجاورة .. وبقي هو في المدينة لارتباطه بالجامعة ..
وفي أثناء عودتهم وقع لهم حادث مروع .. فماتوا جميعاً .. أحدى عشر نفساً !!
كان الدكتور رجلاً صالحاً قد جاوز الخمسين .. لكنه على كل حال .. بشر .. له مشاعر وأحاسيس ..
في صدره قلب .. وله عينان تبكيان .. ونفس تفرح وتحزن ..
تلقى الخبر المفزع .. صلى عليهم .. ثم وسدهم في التراب بيديه .. إحدى عشر نفساً ..
صار يطوف في بيته حيران .. يمر بألعاب متناثرة .. قد مضى عليها أيام لم تحرك .. لأن خلود وسارة اللتان كانتا تلعبان بها .. ماتتا ..
يأوي إلى فراشه .. لم يرتب .. لأن أم صالح .. ماتت ..
يمر بدراجة ياسر .. لم تتحرك .. لأن الذي كان يقودها .. مااات ..
يدخل غرف ابنته الكبرى .. يرى حقائب عرسها مصفوفة .. وملابسها مفروشة على سريرها .. ماتت .. وهي ترتب ألوانها وتنسقها ..
سبحان من صبّره .. وثبت قلبه ..
كان الضيوف يأتون .. معهم قهوتهم .. لأنه لا أحد عنده يخدم أو يُعين ..
العجيب أنك إذا رأيت الرجل في العزاء .. حسبت أنه أحد المعزين .. وأن المصاب غيره ..
كان يردد .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. لله ما أخذ وله ما أعطى .. وكل شيء عنده بأجل مسمى ..
وهذا هو قمة العقل .. فلو لم يفعل ذلك .. لمات هماً ..
أعرف أحد الناس أراه دائماً سعيد .. وإذا تأملت حاله وجدت :
وظيفته متواضعة
بيته وضيق .. إيجار ..
سيارته قديمة ..
أولاده كثيرون ..
ومع ذلك كان دائم الابتسامة .. محبوباً .. يعيش حياته ..
صحيح .. لا يقتل نفسه بالهم ..
ولا تكثر التشكي..فيملّك الناس..
عنده ولد معوق .. ولدي مريض .. ضايق صدري .. يا أخي مسكين ولدي .. خلاص فهمنا ..
راتبي قليل ..
امرأة مع زوجها : بيتنا قديم .. سيارتنا متهالكة .. ثيابي ليست على الموضة ..
أفنيت يا مسكين عمرك بالتأوه والحزن
وظللت مكتوف اليدين تقول حاربني الزمن
إن لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن

إضاءة
عش حياتك بما بين يدك من معطيات .. لتسعد

6. ارض بما قسم الله لك ..
كنت في رحلة إلى أحد البلدان لإلقاء عدد من المحاضرات ..
كان ذلك البلد مشهوراً بوجود مستشفى كبير للأمراض العقلية ..أو كما يسميه الناس "مستشفى المجانين" ..
ألقيت محاضرتين صباحاً .. وخرجت وقد بقي على أذان الظهر ساعة ..
كان معي عبد العزيز .. رجل من أبرز الدعاة ..
التفت إليه ونحن في السيارة .. قلت : عبد العزيز .. هناك مكان أود أن أذهب إليه ما دام في الوقت متسع ..
قال : أين ؟ صاحبك الشيخ عبد الله .. مسافر .. والدكتور أحمد اتصلت به ولم يجب .. أو تريد أن نمر المكتبة التراثية .. أو ..
قلت : كلا .. بل : مستشفى الأمراض العقلية ..
قال : المجانين !! قلت : المجانين ..
فضحك وقال مازحاً : لماذا .. تريد أن تتأكد من عقلك ..
قلت : لا .. ولكن نستفيد .. نعتبر .. نعرف نعمة الله علينا ..
سكت عبد العزيز يفكر في حالهم .. شعرت أنه حزين .. كان عبد العزيز عاطفياً أكثر من اللازم ..
أخذني بسيارته إلى هناك ..
أقبلنا على مبنى كالمغارة..الأشجار تحيط به من كل جانب..كانت الكآبة ظاهرة عليه..
قابلنا أحد الأطباء .. رحب بنا ثم أخذنا في جولة في المستشفى ..
أخذ الطبيب يحدثنا عن مآسيهم .. ثم قال :
وليس الخبر كالمعاينة ..
دلف بنا إلى أحد الممرات .. سمعت أصواتاً هنا وهناك ..
كانت غرف المرضى موزعة على جانبي الممر ..
مررنا بغرفة عن يميننا .. نظرت داخلها فإذا أكثر من عشرة أسرة فارغة .. إلا واحداً منها قد انبطح عليه رجل ينتفض بيديه ورجليه ..
التفتُّ إلى الطبيب وسألته : ما هذا !!
قال : هذا مجنون .. ويصاب بنوبات صرع .. تصيبه كل خمس أو ست ساعات ..
قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. منذ متى وهو على هذا الحال ؟
قال :منذ أكثر من عشر سنوات ..كتمت عبرة في نفسي .. ومضيت ساكتاً ..
بعد خطوات مشيناها .. مررنا على غرفة أخرى .. بابها مغلق .. وفي الباب فتحة يطل من خلالها رجل من الغرفة .. ويشير لنا إشارات غير مفهومة ..
حاولت أن أسرق النظر داخل الغرفة .. فإذا جدرانها وأرضها باللون البني ..
سألت الطبيب : ما هذا ؟!! قال : مجنون ..
شعرت أنه يسخر من سؤالي .. فقلت : أدري أنه مجنون .. لو كان عاقلاً لما رأيناه هنا .. لكن ما قصته ؟
فقال : هذا الرجل إذا رأى جداراً .. ثار وأقبل يضربه بيده .. وتارة يضربه برجله .. وأحياناً برأسه ..
فيوماً تتكسر أصابعه .. ويوماً تكسر رجله .. ويوماً يشج رأسه .. ويوماً .. ولم نستطع علاجه .. فحبسناه في غرفة كما ترى .. جدرانها وأرضها مبطنة بالإسفنج .. فيضرب كما يشاء .. ثم سكت الطبيب .. ومضى أمامنا ماشياً ..
أما أنا وصاحبي عبد العزيز .. فظللنا واقفين نتمتم : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به
ثم مضينا نسير بين غرف المرضى ..
حتى مررنا على غرفة ليس فيها أسرة .. وإنما فيها أكثر من ثلاثين رجلاً .. كل واحد منهم على حال .. هذا يؤذن .. وهذا يغني .. وهذا يتلفت .. وهذا يرقص ..
وإذا من بينهم ثلاثة قد أُجلسوا على كراسي .. وربطت أيديهم وأرجلهم .. وهم يتلفتون حولهم .. ويحاولون التفلت فلا يستطيعون ..
تعجبت وسألت الطبيب : ما هؤلاء ؟ ولماذا ربطتموهم دون الباقين ؟
فقال : هؤلاء إذا رأوا شيئاً أمامهم اعتدوا عليه .. يكسرون النوافذ .. والمكيفات .. والأبواب ..
لذلك نحن نربطهم على هذا الحال .. من الصباح إلى المساء ..
قلت وأنا أدافع عبرتي : منذ متى وهم على هذا الحال ؟
قال : هذا منذ عشر سنوات .. وهذا منذ سبع .. وهذا جديد .. لم يمض له إلا خمس سنين !!
خرجت من غرفتهم .. وأنا أتفكر في حالهم .. وأحمد الله الذي عافاني مما ابتلاهم ..
سألته : أين باب الخروج من المستشفى ؟
قال : بقي غرفة واحدة .. لعل فيها عبرة جديدة .. تعال ..
وأخذ بيدي إلى غرفة كبيرة .. فتح الباب ودخل .. وجرني معه ..
كان ما في الغرفة شبيهاً بما رأيته في غرفة سابقة .. مجموعة من المرضى .. كل منهم على حال .. راقص .. ونائم ..
و .. و .. عجباً ماذا أرى ؟؟
رجل جاوز عمره الخمسين .. اشتعل رأسه شيباً .. وجلس على الأرض القرفصاء .. قد جمع جسمه بعضه على بعض .. ينظر إلينا بعينين زائغتين .. يتلفت بفزع ..
كل هذا طبيعي ..
لكن الشيء الغريب الذي جعلني أفزع .. بل أثور .. هو أن الرجل كان عارياً تماماً ليس عليه من اللباس ولا ما يستر العورة المغلظة ..
تغير وجهي .. وامتقع لوني .. والتفت إلى الطبيب فوراً .. فلما رأى حمرة عيني ..
قال لي .. هدئ من غضبك .. سأشرح لك حاله ..
هذا الرجل كلما ألبسناه ثوباً عضه بأسنانه وقطعه .. وحاول بلعه .. وقد نلبسه في اليوم الواحد أكثر من عشرة ثياب .. وكلها على مثل هذا الحال ..
فتركناه هكذا صيفاً وشتاءً .. والذين حوله مجانين لا يعقلون حاله ..
خرجت من هذه الغرفة .. ولم أستطع أن أتحمل أكثر .. قلت للطبيب : دلني على الباب .. للخروج ..
قال : بقي بعض الأقسام ..
قلت : يكفي ما رأيناه ..
مشى الطبيب ومشيت بجانبه .. وجعل يمر في طريقه بغرف المرضى .. ونحن ساكتان ..
وفجأة التفت إليّ وكأنه تذكر شيئاً نسيه .. وقال :
يا شيخ .. هنا رجل من كبار التجار .. يملك مئات الملايين .. أصابه لوثة عقلية فأتى به أولاده وألقوه هنا منذ سنتين ..
وهنا رجل آخر كان مهندساً في شركة .. وثالث كان ..
ومضى الطبيب يحدثني بأقوام ذلوا بعد عز .. وآخرين افتقروا بعد غنى .. و ..
أخذت أمشي بين غرف المرضى متفكراً ..
سبحان من قسم الأرزاق بين عباده ..
يعطي من يشاء .. ويمنع من يشاء ..
قد يرزق الرجل مالاً وحسباً ونسباً ومنصباً .. لكنه يأخذ منه العقل .. فتجده من أكثر الناس مالاً .. وأقواهم جسداً .. لكنه مسجون في مستشفى المجانين ..
وقد يرزق آخر حسباً رفيعاً .. ومالاً وفيراً .. وعقلاً كبيراً .. لكنه يسلب منه الصحة .. فتجده مقعداً على سريره .. عشرين أو ثلاثين سنة .. ما أغنى عنه ماله وحسبه ..!!
ومن الناس من يؤتيه الله صحة وقوة وعقلاً .. لكنه يمنعه المال فتراه يشتغل حمال أمتعة في سوق أو تراه معدماً فقيراً يتنقل بين الحرف المتواضعة لا يكاد يجد ما يسد به رمقه ..
ومن الناس من يؤتيه .. ويحرمه .. وربك يخلق ما يشاء ويختار .. ما كان لهم الخيرة ..
فكان حرياً بكل مبتلى أن يعرف هدايا الله إليه قبل أن يعد مصائبه عليه .. فإن حرمك المال فقد أعطاك الصحة .. وإن حرمك منها .. فقد أعطاك العقل .. فإن فاتك .. فقد أعطاك الإسلام .. هنيئاً لك أن تعيش عليه وتموت عليه ..
فقل بملء فيك الآن بأعلى صوتك : الحممممد لله ..
وكذلك كان الصحابة الكرام y ..
بعث رسول الله .. عمرو بن العاص t جهة الشام .. في غزوة ذات السلاسل ..
فلما صار إلى هناك رأى كثرة عدوه ..
فبعث إلى رسول الله يستمده ..
فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح .. أميراً على مدد .. فيه المهاجرون الأولون .. وفيهم أبو بكر وعمر .. وقال لأبي عبيدة حين وجهه : لا تختلفا ..
فخرج أبو عبيدة ..
حتى إذا قدم على عمرو قال له عمرو : إنما جئت مدداً لي ..
فقال له أبو عبيدة : لا ولكن على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه ..
وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً سهلاً .. هيناً عليه أمر الدنيا ..
فقال له عمرو : بل أنت مددي ..
فقال له أبو عبيدة : يا عمرو إن رسول الله .. قد قال لي :
لا تختلفا .. وإنك إن عصيتني أطعتك ..
فقال له عمرو: فإني أمير عليك .. وإنما أنت مدد لي ..
قال : فدونك ..
فتقدم .. عمرو بن العاص t فصلى بالناس ..
وبعد الغزوة .. كان أول من وصل المدينة .. عوف بن مالك t ..
فمضى إلى رسول ..
فلما رآه .. قال له .. أخبرني ..
فأخبره عن الغزوة .. وما كان بين أبي عبيدة وعمرو بن العاص ..
فقال : يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح ..
نعم .. يرحم الله أبا عبيدة t ..


فكرة ..
انظر للجوانب المشرقة من حياتك .. قبل أن تنظر للمظلمة .. لتكون أسعد ..

1. كن جبلاً ..
في بداية سلوكي في طريق الدعوة .. دعيت لإلقاء محاضرة في إحدى القرى ..
استقبلني المسئول عن الدعوة هناك .. ركبت سيارته .. كانت قديمة متهالكة ..
تحدثت معه .. أخبرني أنه حديث عهد بزواج ..
ثم اشتكى إليَّ من غلاء المهور في قريتهم .. حتى إنه لم يستطع أن يشتري سيارة جديدة .. أو على الأقل أحسن من سيارته ..
دعوت له بالتوفيق ..
ثم دخلت وألقيت المحاضرة .. وفي آخرها .. قرئت عليَّ الأسئلة .. وكان من بينها سؤال عن غلاء المهور ..
ففرحت به وقلت : جاءك يا مهنا ما تتمنا !!
وانطلقت أتكلم عن غلاء المهور وتأثيره على الشباب والفتيات ..
ثم ذكرت إن رسول الله ما زوج بناته بأكثر من خمسمائة درهم .. ثم رفعت صوتي قائلاً : يعني بناتكم أحسن من بنات النبي ؟!!
فصرخ رجل مُسن من طرف الصف قائلاً : إيش فيهم بناتنا ؟
فثار آخر وقال : يتكلم على بناتنا !!
ونهض الثالث جاثياً على ركبتيه وقال : أوووه تتكلم على بناتنا ؟!!
كنت في حال لا أحسد عليه .. وكنت في أوائل طريق الدعوة .. وحديث التخرج من الجامعة ..
بقيت ساكتاً لم أنبس ببنت شفة .. نظرت إلى الأول لما تكلم وتبسمت .. فلما تكلم الثاني .. نظرت إليه أيضاً وتبسمت .. وكذلك الثالث ..
كان بعض الشباب في آخر المسجد يتضاحكون .. وبعضهم قاموا وقوفاً ينظرون .. وكأني بهم يقولون : وقف حمار الشيخ في العقبة !!
لما رأوا هدوئي .. هدؤوا .. ثم قام أحدهم وقال : يا جماعة .. خلوا الشيخ يوضح قصده ..
فسكتوا .. فشكرت له عمله .. ثم اعتذرت وأثنيت عليهم – وعلى بناتهم - ووضحت مرادي ..
عند تعاملك مع الناس .. أنت في الحقيقة تصنع شخصيتك .. وتبني في عقولهم تصورات عنك .. يبنون على أساسها أساليب تعاملهم معك .. واحترامهم لك ..
تأكد أن الأشجار الثابتة لا تقتلعها الرياح .. مهما اشتدت .. وإنما النصر صبر ساعة ..
كلما زاد عقلك .. قل جهلك .. وإذا زاد قدرك .. قل غضبك ..
كالبحر لا يحركه أي شيء .. ويا جبل ما تهزك ريح ..!
بل إنك لو استثارك شخص ما .. في مجلس .. أو بيت .. أو قناة فضائية .. أو محاضرة عامة ..
فإنك إذا بقيت هادئاً لم تغضب ولم تثر .. مال الناس معك ضده ..
كان أبو سفيان بن حرب مقبلاً بقافلة تجارة من الشام .. فخرج إليهم المسلمون لقتالهم ..
ففر أبو سفيان بالقافلة .. وأرسل إلى قريش فخرجت بجيش عرمرم ..
ووقعت معركة بدر بين المسلمين وقريش .. وانتصر المسلمون ..
قتل من كفار قريش سبعون .. وأُسِر منهم سبعون ..
رجع من تبقى من جيش قريش .. وهم جرحى .. وجوعى ..
ثم وصل أبو سفيان بقافلته إلى مكة ..
فمشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية ..
في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر ..
فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ..
فقالوا : يا معشر قريش .. إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم .. فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأراً .. ففعلوا ..
وقد قال الله فيهم : " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " .
فخرجت قريش .. بحدها وحديدها .. وجدها وأحابيشها ..
وخرج معها من تابعها من بني كنانة وأهل تهامة .. وخرجوا معهم بالنساء لئلا يفر الرجال من القتال ..
فخرج أبو سفيان بزوجته هند بنت عتبة ..
وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته أم حكيم بنت الحارث ..
وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة ..
فأقبل الكفار .. حتى نزلوا على شفير الوادي مقابل المدينة ..
فلما سمع بهم رسول الله .. استشار أصحابه .. ما رأيكم ؟‍
نبقى في المدينة فإذا دخلوها علينا ..
فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدراً : نخرج يا رسول الله إليهم نقاتلهم بـ "أحد" ..
ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر ..
فما زالوا برسول الله حتى لبس أداة الحرب ..
ثم ندموا .. وقالوا : يا رسول الله أقم .. فالرأي رأيك ..
فقال لهم : ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ..
فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدراً بقدوم العدو عليهم ..
وقالوا : قد ساق الله علينا أمنيتنا ..
ثم قال النبي لأصحابه :
" من رجل يخرج بنا على القوم من كثب ـ أي من قريب ـ من طريق لا يمر بنا عليهم " ؟
فقال رجل من بني حارثة بن الحارث اسمه أبو خيثمة :
أنا يا رسول الله ..
فسلك به في أرض بني حارثة وبين أموالهم ومزارعهم ..
حتى سلك به في مال لرجل اسمه : مربع ابن قيظي ..
وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر ..
فلما سمع حِسّ رسول الله .. ومن معه من المسلمين ..
قام يحثي في وجوههم التراب .. ويقول : إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي ..
ثم أخذ الخبيث حفنة من التراب في يده .. ثم قال :
والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك ..
فابتدره القوم ..
فقال النبي :
" لا تقتلوه .. فهذا الأعمى .. أعمى القلب .. أعمى البصر .. "
ومضى رسول الله .. ولم يلتفت إلى ذلك المنافق ..
نعم ..

لو كل كلب عوى ألقمته حجراً

لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

والكلاب تنبح .. والقافلة تسييييير ..
قناعة ..
الرياح لا تحرك الجبال .. لكنها تلعب بالرمال .. وتشكلها كما تشاء ..

2. لا تلعنه .. إنه يشرب خمراً ..!!
أكثر الناس الذين نخالطهم مهما بلغ من السوء .. إلا أنه لا يخلو من خير وإن كان قليلاً ..
فلو استطعنا أن نعثر على مفتاح الخير لكان حسناً ..
اشتهر عن بعض المجرمين .. أنه كان يسطو على بيوت الناس ويسرق أموالهم .. لينفق بعضها على ضعفاء وأيتام !! أو يبني بها مساجد !!
أو كالتي ترى أيتاماً جوعى فتزني لتحصل مالاً تسد به جوعهم ..
بنى مسجداً لله من غير حله **
فكان بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كدِّ عرضها ! **
لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
وكم من حامل سكين ليطعن بها .. فاستعطفه طفل أو امرأة فرق قلبه .. وألقى سكينه عنه ..
إذن عامل الناس جميعاً بما تعلم فيهم من خير .. قبل أن تسيء الظن بهم ..
محمد .. بلغ من خلقه أنه كان يلتمس المعاذير للمخطئين .. ويحسن الظن بالمذنبين .. وكان إذا قابل عاصياً ينظر فيه إلى جوانب الإيمان قبل جوانب الشهوة والعصيان ..
ما كان يسيء الظن بأحد .. يعاملهم كأنهم أولاده وإخوانه .. يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه ..
كان رجل في عهد النبي قد ابتلي بشرب الخمر ..
فأُتيَ به يوماً إلى رسول الله فأمر به فجُلد ..
ثم مرت أيام .. فشرب خمراً .. فجيء به أخرى فجلد ..
ومرت أيام .. ثم جيء به قد شرب خمراً .. فجلد ..
فلما ولى خارجاً .. قال رجل من الصحابة :
لعنه الله .. ما أكثر ما يؤتى به !!
فالتفت إليه .. وقد تغير وجهه فقال له : لا تلعنه .. فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله ..([1])

فن ..
قبل أن تبدأ في نزع شجرة الشر في الآخرين .. ابحث عن شجرة الخير واسقها ..

3. إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون ..!!
ما دمت مُلزما فاستمتع .. هكذا كنت أقول لشاب أصيب بمرض السكر .. فكان يشرب الشاي من غير سكر .. ويتأسف لحاله ..
كنت أقول له : هل إذا تأسفت وحزنت أثناء شربك الشاي .. هل تنقلب المرارة حلاوة ..
قال : لا ..
قلت : ما دمت ملزماً .. فاستمتع ..
أعني لن تأتي الدنيا دائماً على ما نحب ..
وهذا يقع في حياتنا كثيراً ..
سيارتك قديمة .. مكيف لا يشتغل .. مراتب ممزقة .. ولا تستطيع حالياً تغييرها .. ما الحل ؟
تقدمت للدراسة بالجامعة .. فقبلت في كلية لا ترغب في الدراسة فيها .. حاولت تعديل الحال فلم تستطع .. فاضطررت لمواصلة الدراسة .. وأكملت سنتين وثلاث .. فما الحل ؟
تقدمت لوظيفة فلم تقبل .. وقبلت في أخرى .. وبدأت دوامك فيها .. فما الحل؟
خطبت فتاتاً فرفضت .. وتزوجت آخر .. ما الحل ؟
كثير من الناس يجعل الحل هو الاكتئاب الدائم .. والتأفف من واقعه .. وكثرة التشكي إلى من عرف ومن لم يعرف ! وهذا لا يرد إليه رزقاً فاته .. ولا يعجل برزق لم يكتب له ..
إذن ما الحل ؟
العاقل فهو الذي يتكيف مع واقعه كيفما كان .. مادام لا يستطيع التغيير إلى الأحسن ..
أحد أصدقائي كان يشرف على بناء مسجد ..
فضاقت بهم النفقة .. فتوجهوا إلى أحد التجار للاستعانة به في إكمال البناء ..
فتح لهم الباب .. جلس معهم قليلاً .. وأعطاهم ما تيسر .. ثم أخرج دواء من جيبه وجعل يتناوله ..
قال له أحدهم : سلامات .. عسى ما شر !!
قال : لا .. هذه حبوب منومة .. منذ عشر سنين لا أنام إلا بها ..
دعوا له .. وخرجوا ..
فمروا على حفريات وأعمال طرق عند مخرج المدينة .. وقد وضع عندها أنوار تعمل بمولد كهربائي قد ملأ الدنيا ضجيجاً ..
ليس هذا هو الغريب ..
الغريب أن حارس المولد هو عامل فقير قد افترش قصاصات جرائد .. ونااااام ..
نعم .. عش حياتك .. لا وقت فيها لِلهمِّ .. تعامل مع المعطيات التي بين يديك ..
خرج مع أصحابه في غزوة فقلَّ طعامهم .. وتعبوا ..
فأمرهم .. أن يجمعوا ما عندهم من طعام ..
وفرش رداءه .. وصار الرجل يأتي بالتمرة .. والتمرتين .. وكسرة الخبز .. وكلها تجتمع فوق هذا الرداء .. ثم أكلوا .. وهم مستمتعون ..

لمحة ..
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ..
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

4. نختلف ونحن إخوان !
ذُكر أن الشافعي رحمه الله تناظر يوماً مع أحد العلماء حول مسألة فقهية عويصة ..
فاختلفا .. وطال الحوار .. حتى علت أصواتهما ..
ولم يستطع أحدهما أن يقنع صاحبه ..
وكأن الرجل تغير وغضب .. ووجد في نفسه ..
فلما انتهى المجلس وتوجها للخروج .. التفت الشافعي إلى صاحبه .. وأخذ بيده وقال :
ألا يصح أن نختلف ونبقى إخواناً ..!
وجلس بعض علماء الحديث يوماً .. عند الخليفة ..
فتكلم رجل في المجلس بحديث ..
فاستغرب العالم منه .. وقال : ما هذا الحديث !! من أين جئت به ؟ تكذب على رسول الله ؟
فقال الرجل : بل هذا حديث .. ثابت ..
قال العالم : لا .. هذا حديث لم نسمع به .. ولم نحفظه ..
وكان في المجلس وزير عاقل ..
فالتفت إلى العالم وقال بهدوء : يا شيخ .. هل حفظت جمييييع أحاديث النبي ..؟
قال : لا ..
قال : فهل حفظت نصفها ؟
قال : ربما ..
فقال : فاعتبر هذا الحديث من النصف الذي لم تحفظه ..
وانتهت المشكلة ..
كان الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك صاحبين لا يفترقان ..
وكانا عالمين زاهدين ..
عنَّ لعبد الله بن المبارك فخرج للقتال والرباط في الثغور ..
وبقي الفضيل بن عياض في الحرم يصلي ويتعبد ..
وفي يوم رق فيه القلب .. وأسبلت الدمعة ..
كتب الفضيل إلى ابن المبارك كتاباً يدعوه فيه إلى المجيء والتعبد في الحرم .. والاشتغال بالذكر وقراءة القرآن ..
فلما قرأ ابن المبارك الكتاب ..
أخذ رقعة وكتب إلى الفضيل :
ياعابد الحرمين لو أبصرتنا ***
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ***
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ***
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ***
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ***
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في ***
أنف امريء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا***
ليس الشهيد بميت لا يكذب
ثم قال :
إن من عباد من فتح الله في الصيام .. فيصوم ما لا يصومه غيره .. ومنهم من فتح له في قراءة القرآن .. ومنهم من فتح له في طلب العلم .. ومنهم من فتح في الجهاد .. ومنهم من فتح له في قيام الليل ..
وليس ما أنت عليه بأفضل مما أنا عليه ..
وما أنا عليه .. ليس بأفضل مما أنت عليه ..
وكلانا على خير ..
وهكذا كان منهج الصحابة ..
اجتمع الكفار وتألبوا لحرب المسلمين في المدينة .. وجاؤوا في جيش لم تشهد العرب مثله كثرة وعتاداً ..
فحفر المسلمون خندقاً لم يستطع الكفار أن يتجاوزوه لدخول المدينة ..
فعسكر الكفار وراء الخندق ..
وكان في المدينة قبيلة بني قريظة .. وهم يهود يتربصون بالمؤمنين ..
فأقبلوا إلى الكفار يمدونهم .. ويعيثون في المدينة فساداً ونهباً ..
وقد انشغل المسلمون عنهم بالرباط عند الخندق ..
ومضت الأيام عصيبة .. حتى أرسل الله على الكفار ريحاً وجنوداً .. من عنده فتمزق جيشهم .. وانقلبوا خائبين .. يجرون أذيال هزيمتهم في ظلمة الليل ..
فلما أصبح رسول الله .. انصرف عن الخندق راجعاً إلى المدينة ..
ووضع المسلمون السلاح .. ورجعوا إلى بيوتهم ..
ودخل رسول الله بيته .. ووضع السلاح واغتسل ..
فلما كانت الظهر .. جاءه جبريل ..
فنادى رسول الله .. من خارج البيت ..
فقام رسول الله فزعاً ..
فقال له جبريل عليه السلام : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟
قال : نعم ..
قال جبريل : ما وضعت الملائكة السلاح بعد .. وما رجعت الآن إلا من طلب القوم .. طلبناهم حتى بلغنا حمراء الأسد ..
إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة .. فإني عامد إليهم فمزلزل بهم ..
فأمر رسول الله مؤذناً فأذن في الناس :
" من كان سامعاً مطيعاً .. فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة " ..
فتسابق الناس إلى سلاحهم .. وسمعوا وأطاعوا .. ومضوا إلى ديار بني قريظة ..
فدخل عليهم وقت العصر وهم في الطريق ..
فقال بعضهم لا نصلي العصر إلا في بني قريظة ..
وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد منا ذلك .. يعني إنما أراد الإسراع إليهم ..
فصلوا العصر وأكملوا مسيرهم ..
وأخرها الآخرون .. حتى وصلوا بني قريظة .. فصلوها ..
فذكر ذلك للنبي فلم يعنف واحداً من الفريقين ..
فحاصرهم النبي .. حتى نصره الله عليهم ..

وجهة نظر ..
ليست الغاية أن نتفق .. لكن الغاية أن لا نختلف ..

5. الرفق .. إلا زانه ..
يتكرر على ألسنتنا كثيراً عندما نعجب بشخص ما .. أن نصفه قائلين :
فلان رزين .. فلان ثقيل .. فلان راكد ..
وإذا أردنا مذمة شخص قلنا : فلان عجول .. فلان خفيّف ..
أما رسول الله فيقول : ما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه .. ([2])
هل تستطيع تحريك طن الحديد بأصبع ؟
نعم : إذا أحضرت رافعة .. ثم ربطته برفق .. وأحكمت ربطه ..
ثم رفعته .. فإذا تعلق في الهواء .. حركه بأصغر أصابعك ..
اتفق صديقان على أن يتقدما لرجل لخطبة ابنتيه .. كانت إحداهما أكبر من الأخرى ..
قال أحدهما للآخر : أنا آخذ الصغيرة .. وأنت تأخذ الكبيرة ..
فصاح صاحبه : لااااا .. بل أنت خذ الكبيرة .. وأنا آخذ الصغيرة ..
فقال الأول : طيب .. أنت تأخذ الصغيرة .. وأنا آخذ التي أصغر منها ..
قال : موافق ..!!
ولم يدرك أن صاحبه ما غير قراره .. سوى أنه غير أسلوب الكلام برفق ..
وفي الحديث : إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق .. وإذا أراد الله بأهل بيت شراً .. نزع منهم الرفق .. ([3])
وفيه : إن الله رفيق يحب الرفق .. ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .. وما لا يعطي على ما سواه .. ([4])
الرفيق .. الهين اللين .. محبوب عند الناس .. تطمئن إليه النفوس .. وتثق فيه ..
خاصة إذا صاحب ذلك وزن للكلام .. وقدرة على التعامل الرائع ..
من أشهر طلاب علماء الحنفية الإمام أبو يوسف القاضي ..
هو أشهر طلاب أبي حنيفة ..
كان أبو يوسف في صغره فقيراً .. وكان أبوه يمنعه من حضور درس أبي حنيفة .. ويأمره بالذهاب للسوق لتكسب ..
كان أبو حنيفة حريصاً عليه .. وإذا غاب عاتبه ..
فاشتكى أبو يوسف يوماً إلى أبي حنيفة حاله مع والده .. فاستدعى أبو حنيفة والد أبي يوسف وسألأه : كم يكسب الولد كل يوم ؟
قال : درهمان ..
قال : أنا أعطيك الدرهمين .. ودعه يطلب العلم ..
فلازم أبو يوسف شيخه سنين ..
فلما بلغ أبو يوسف سن الشباب .. ونبغ على أقرانه .. أصابه مرض أقعده ..
فزاره أبو حنيفة .. وكان المرض شديداً متمكناً منه .. فلما رآه أبو حنيفة حزن .. وخاف عليه الهلاك ..
وخرج وهو يكلم نفسه قائلاً : آآآه يا أبا يوسف .. لقد كنت أرجوك للناس من بعدي !!
ومضى أبو حنيفة يجر خطاه حزيناً إلى حلقته وطلابه ..
ومضت يومان .. فشفي أبو يوسف .. واغتسل ولبس ثيابه ليذهب لدرس شيخه ..
فسأله من حوله : إلى أين تذهب ؟
قال : إلى درس الشيخ ..
قالوا : إلى الآن تطلب العلم ؟ أنت قد اكتفيت .. أما بلغك ما قال فيك الشيخ ؟
قال : وما قال ؟!
قالوا : قد قال : كنت أرجوك للناس من بعدي .. أي أنك قد حصلت كل علم أبي حنيفة .. فلو مات الشيخ اليوم جلست مكانه ..
فأعجب أبو يوسف بنفسه ..
ومضى إلى المسجد ورأى حلقة أبي حنيفة في ناحية .. فجلس في الناحية الأخرى .. وبدأ يدرس ويفتي ..
التفت أبو حنيفة إلى الحلقة الجديدة .. فسأل : حلقة من هذه ؟
قالوا : هذا أبو يوسف ..
قال : شُفي من مرضه ؟!
قالوا : نعم ..
قال : فلم لم يأت إلى درسنا ؟!
قالوا : حدثوه بما قلت .. فجلس يدرس الناس واستغنى عنك ..
ففكر أبو حنيفة كيف يتعامل مع الموقف برفق .. وجعل يفكر ثم قال :
يأبى أبو يوسف إلا أن نقشِّر له العصا!!
ثم التفت إلى أحد طلابه الجالسين وقال :
يا فلان .. اذهب إلى الشيخ الجالس هناك .. يعني أبا يوسف .. فقل له : يا شيخ .. عندي مسألة ..
فسيفرح بك ويسألك عن مسألتك .. فما جلس إلا ليسأل !!
فقل له : رجل دفع ثوباً له إلى خياط ليقصره .. فلما جاءه بعد أيام يريد ثوبه جحده الخياط .. وأنكر أنه أخذ منه ثوباً .. فذهب الرجل إلى الشرطة فاشتكاه فأقبلوا واستخرجوا الثوب من الدكان ..
والسؤال : هل يستحق الخياط أجرة تقصير الثوب أم لا يستحق ؟
فإن أجابك وقال : يستحق .. فقل له : أخطأت ..
وإن قال : لا يستحق .. فقل له : أخطأت ..
فرح الطالب بهذه المسألة المشكلة .. ومضى على أبي يوسف وقال : يا شيخ .. مسألة ..
قال : ما مسألتك ؟
قال : رجل دفع ثوباً إلى خياط ..
فأجاب أبو يوسف على الفور قائلاً : نعم يستحق الأجرة .. ما دام أتم العمل ..
فقال السائل : أخطأتَ ..
فعجب أبو يوسف .. وتأمل في المسألة أكثر .. ثم قال : لا .. لا يستحق الأجرة ..
فقال السائل : أخطأت ..
فنظر أبو يوسف إليه .. ثم سأله : بالله من أرسلك ..
فأشار إلى أبي حنيفة .. وقال : أرسلني الشيخ ..
فقام أبو يوسف من مجلسه .. ومضى حتى وقف على حلقة أبي حنيفة وقال : يا شيخ .. مسألة ..
فلم يلتفت أبو حنيفة إليه ..
فأقبل أبو يوسف حتى جثى على ركبتيه بين يدي الشيخ .. وقال بكل أدب : يا شيخ .. مسألة ..
قال : ما مسألتك ؟
قال : تعرفها ..
قال : مسألة الخياط والثوب ؟
قال : نعم ..
قال : اذهب وأجب .ز ألست شيخاً ..
قال : الشيخ أنت ..
فقال ابو حنيفة : ننظر في مقدار تقصير الخياط للثوب .. فإن كان قصره على مقاس الرجل .. فمعنى ذلك أنه قام بالعمل كاملاً .. ثم بدا له أن يجحد الثوب .. فيكون قام بالعمل لأجل الرجل .. فيستحق عليه الأجرة ..
وإن كان قصره على مقاس نفسه .. فمعنى ذلك أنه قام بالعمل لأجل نفسه .. فلا يستحق على ذلك أجرة ..
فقبل أبو يوسف رأس أبي حنيفة .. ولازمه حتى مات أبو حنيفة .. ثم قعد أبو يوسف للناس من بعده ..
فلو استعمل الزوجان الرفق مع بعضهما ..
وكذلك الأبوان ..
والمدراء .. والمدرسون ..
نستعمل الرفق دائماً .. في سواقة السيارة .. في التدريس .. في البيع والشراء ..
وإن كان المرء قد يحتاج الشدة أحياناً .. حتى في النصح .. وهذا هو الحكمة في النصيحة .. وهي وضع الأمور في مواضعها ..
وقد كان غضبه دائماً – إن غضب – في الأمور الدينية ..
فما غضب رسول الله لنفسه قط .. إلا أن تنتهك حرمة من محارم الله ..
قابل عمر بن الخطاب t يوماً رجلاً من اليهود ..
فأطلعه على كلام في التوراة .. فأعجبه .. فأمره فنسخه له ..
ثم جاء عمر بهذه الصحيفة من التوراة إلى رسول الله ..
فقرأها عليه ..
فلاحظ النبي أن عمر معجب بما معه .. وأن التلقي عن الديانات السابقة .. إن فُتح المجال له .. اختلط ذلك بالقرآن .. والتبس الأمر على الناس ..
وكيف يفعل عمر ذلك .. وينسخ .. ويكتب .. دون استئذان النبي !!
فغضب .. وقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟! أي شاكّون في شريعتي ..
والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية .. لا تسألوهم عن شيء .. فيخبروكم بحق فتكذبوا به .. أو بباطل فتصدقوا به .. والذي نفسي بيده لو أن موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني .. ([5]) ..
والله يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبح ..
في أوائل بعثة النبي .. كان يأتي عند الكعبة وقريش في مجالسهم .. ويصلي .. ولا يلتفت إليهم ..
وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى .. وهو صابر ..
وفي يوم ..
اجتمع أشرافهم في الحجر .. فذكروا رسول الله فقالوا :
ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط .. سفّهَ أحلامنا .. وشتم آباءنا .. وعاب ديننا .. وفرق جماعتنا .. وسب آلهتنا .. وصرنا منه على أمر عظيم ..
فبينما هم في ذلك .. إذ طلع رسول الله .. فأقبل يمشي حتى استلم الركن ..
ثم مر بهم طائفاً بالبيت ..
فغمزوه ببعض القول ..
فتغير وجه رسول الله .. فرفق بهم .. وسكت عنهم .. ومضى ..
فلما مر بهم الثانية .. غمزوه بمثلها ..
فتغير وجهه أيضاً .. فسكت عنهم .. ومضى في طوافه ..
فمر بهم الثالثة .. فغمزوه بمثلها ..
فرأى أن الرفق لا يصلح مع أمثال هؤلاء .. فوقف عليهم وقال :
أتسمعون يا معشر قريش !! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح .. ووقف أمامهم ..
فلما سمع القوم هذا التهديد .. الذبح .. وهو الصادق الأمين ..
انتفضوا .. حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع .. حتى أن أشدهم عليه ليتلطف معه .. وصاروا يقولون : انصرف أبا القاسم راشدا .. فما كنت جهولاً ..
فانصرف رسول الله عنهم ..
نعم ..
إذا قيل : حلم ، قل : فللحلم موضع **
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وإن كان المتتبع لسيرة النبي يجد أنه كان يغلب الرفق دائماً ..
انتبه !! ليس الضعف والجبن .. وإنما الرفق ..
ومن مواقف الرفق :
أنه بعد وقعة بدر بشهر .. أراد أبو العاص زوج زينب بنت النبي أن يرسلها إلى المدينة عند أبيها ..
فبعث رسول الله زيد بن حارثة .. ورجلاً من الأنصار ..
فقال :كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتياني بها ..
فخرجا مكانهما ..
فأمرها أبو العاص بالتجهز .. فبدأت في جمع متاعها ..
فبينا هي تتجهز .. لقيتها هند بنت عتبة .. زوجة أبي سفيان ..
فقالت : يا ابنة محمد .. ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟
قالت : ما أردت ذلك ..
فقالت : أي ابنة عم .. أن أردت أن تفعلي ..
فإن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك .. أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ..
فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني .. أي لا تخجلي ..
فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال ..
قالت زينب : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل .. ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك ..
فلما أتمت جهازها .. قدّم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً ..
فركبته و أخذ قوسه و كنانته ..
ثم خرج بها نهاراً يقود بها و هي في هودج لها ..
فرآها الناس .. و تحدث بذلك رجال من قريش .. كيف تخرج إليه ابنته وقد فعل بنا ما فعل في بدر ..
فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ..
وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود .. فروعها بالرمح و هي في الهودج ..
فقيل : إنها كانت حاملاً ففزعت .. وطرحت ولدها ..
وأقبل الكفار يتسابقون إليها .. وعهم السلاح ..
وهي ليس معها إلا أخو زوجها كنانة ..
فلما رأى ذلك ..
وبرك على الأرض .. ثم نثر كنانته وصف رماحه بين يديه .. ثم قال :
و الله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما .. وكان رامياً .. فتكركر الناس عنه وتراجعوا ..
وأخذوا ينظرون إليه من بعيد .. لا هو يقدر على الذهاب .. ولا هم يجترئون على الاقتراب منه ..
حتى بلغ أبا سفيان أن زينب خرجت إلى أبيها ..
فأقبل في جلة جمع من قريش .. فلما رأى كنانة قد تجهز بنبله .. ورأى القوم قد استوفزوا لقتاله ..
صاح به وقال :
يا أيها الرجل .. كف عنا نبلك حتى نكلمك ..
فكف نبله .. فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه .. فقال :
إنك لم تصب .. خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ..
وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا في بدر .. و ما دخل علينا من محمد .. قتل أشرافنا .. ورمل نساءنا ..
فإذا رآك الناس .ز وتسامعت القبائل .. أنك خرجت بابنته علانية .. على رؤوس الناس من بين أظهرنا ..
أن ذلك عن ذل أصابنا .. وأن ذلك ضعف منا ووهن ..
ولعمري مالنا بحبسها من أبيها من حاجة .. ومالنا من ثأر عليها ..
ولكن ارجع بالمرأة .. حتى إذا هدأت الأصوات .. وتحدث الناس أن قد رددناها ..
فسُلّها سراً .. وألحقها بأبيها ..
فلما سمع كنانة ذلك .. اقتنع به .. وعاد بها ..
فأقامت ليالي في مكة ..
حتى إذا هدأت الأصوات .. خرج بها ليلة من الليالي .. فمشى بها ..
حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ..
فقدما بها ليلاً على رسول الله ..
شريرة غير متواجد حالياً  
08-02-2010, 05:25 PM   #11
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

وحي ..
ما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه ..

1. بين الحي .. والميت ..
كان ثقيلاً على الناس .. على زملائه .. جيرانه .. إخوانه .. حتى على أولاده ..
نعم .. كان ثقيل الدم ..
طالما سمعهم مراراً يقولون : يا أخي ما عندك مشاعر !!
لم يكن يتفاعل معهم أبداً ..
أتاه ولده يوماً فرحاً مستبشراً .. يلوّح بدفتر الواجب وقد وقع المدرس فيه كلمة " ممتاز " .. لم يلتفت الأب إليه .. وإنما قال : طيب .. عادي .. والله لو أنك جايب شهادة الدكتوراه !!
كان المنتظر غير ذلك ..
طالب عنده في الفصل .. كان خفيف الدم .. لاحظ ثقل الدرس ( والمدرس !!) فلطف الجوَّ بنكتة أطلقها .. فلم تتحرك تعابير وجه المدرس وإنما قال : تستخف دمك ؟!
كنت أتمنى أن يكون تصرفه غير ذلك ..
دخل إلى البقالة .. فقال له العامل البسيط : الحمد لله .. جاءتني رسالة من أهلي .. لم يتفاعل ..
هلا سأل نفسه لماذا أخبره أصلاً .. ليشاركه فرحته ..
زار أحد زملائه .. فوضع له القهوة والشاي .. ثم دخل البيت وجاء بطفله الأول حديث لاولاده .. قد لفه في مهاده .. ولو استطاع أن يلفه بجفون عينيه لفعل .. ثم وقف به بين يديه وقال : ما رأيك في هذا البطل ؟
فنظر إليه ببرود .. وقال .. ما شاء الله .. الله يخلي لك إياه .. ثم رفع فنجال الشاي ليشرب ..
كان المنتظر أن يتفاعل أكثر .. يأخذ الغلام بين يديه .. يقبله .. يمدح جماله .. وصحته ..
لكن صاحبنا كان ( غبياً ) ..
عندما تتعامل مع الناس .. قس الأمور بأهميتها عندهم .. لا عندك أنت ..
فكلمة "ممتاز" بالنسبة لولدك أغلى عنده من شهادة الدكتوراه عند الدكتور ..
وهذا المولود عند صاحبك أغلى عنده من الدنيا .. كلما رآه ودَّ أن يشق قلبه ويسكنه فيه .. أفلا يستحق منك حبك لصاحبك أن تشاركه ولو بعض شعوره ..
أحياناً يكون بعض الناس متحمساً لشيء معين ..
لذلك تجد الذين لا يتفاعلون مع الناس يشتكي أحدهم دائماً ..
لماذا أولادي لا يحبون ( السوالف ) معي .. فنقول : لأنهم يحكون لك النكتة فلا تتفاعل .. ويروون قصصهم في مدارسهم .. وكأنهم يكلمون جداراً ..
حتى ذكر لك شخص قصة .. أنت تعرفها .. فلا مانع من التفاعل معه ..
قال عبد الله ابن المبارك : والله إن الرجل ليحدثني بالحديث وأنا أعرفه من قبل أن تلده أمه فأسمعه منه .. وكأني أول مرة أسمعه ..
ما أجمل هذه المهارة ..
قبيل معركة الخندق ..
عمل المسلمون في حفر الخندق حتى أحكموه ..
وكان من بينهم رجل اسمه جعيل .. فغيره النبي إلى عمرو ..
فكان الصحابة يشتغلون .. ويعملون ..
ويرددون قائلين :
سماه من بعد جعيل عمراً ***
وكان للبائس يوماً ظهراً
فكانوا إذا قالوا : عمرواً .. قال معهم رسول الله : عمرواً ..
وإذا قالوا : ظهراً .. قال لهم : ظهراً ..
فيتحمسون أكثر .. ويشعرون أنه معهم ..
والله لولا الله ما اهتدينا ..
ولما أقبل الليل عليهم اشتد البرد ..
واستمروا يحفرون ..
فخرج عليهم رسول الله ..
فرآهم يحفرون بأيديهم راضين مستبشرين ..
فلما رأوا رسول الله قالوا :
نحن الذين بايعوا محمداً *** على الجهاد ما بقينا أبدا
فقال مجيباً لهم :
اللهم إن العيش عيش الآخرة ، فاغفر للأنصار والمهاجرة ..
ويستمر تفاعله معهم .. طوال الأيام ..
فسمعهم وقد علاهم الغبار .. وهم يرددون :
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
فكان يرفع صوته متفاعلاً معهم قائلاً : أبينا .. أبينا .
وكان إذا مازحه أحد تفاعل معه .. وضحك وتبسم ..
دخل عليه عمر وهو غضبان على نسائه .. لما أكثرن عليه مطالبته بالنفقة .. فقال عمر : يَا رَسُولَ اللَّهِ .. لَوْ رَأَيْتَنا وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ .. نَغْلِبُ النِّسَاءَ ..
فكنا إذا سألت أحدَنا امرأتُه نفقةً قام إليها فوجأ عنقها ..
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ .. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ..
فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ .. ثم زاد عمر الكلام .. فازداد تبسم النبي ..
وتقرأ في أحاديث أنه تبسم حتى بدت نواجذه ..
وكان يتعامل مع أنواع من الناس لا يقدرون التعامل الراقي .. ولا يتفاعلون معه .. بل ينغلقون ويتعجلون ..
ومع ذلك كان يصبر عليهم ..
كان .. يوماً نازلاً بموضع يقال له "الجعرانة " بين مكة والمدينة ..
ومعه بلال .. فجاءه أعرابي يبدو أنه كان قد طلب من النبي حاجة فوعده بها ولم تتيسر بعد .. وكان الأعرابي مستعجلاً .. فقال :
يا محمد .. ألا تنجز لي ما وعدتني ؟
فقال له متلطفاً : أبشر ..
وهل هناك كلمة أرق منها ..!!
فقال الأعرابي بكل صلافة : قد أكثرت علي من أبشر !
فغضب النبي من عبارته .. لكنه كتم غيظه .. والتفت إلى أبي موسى وبلال وكانا جالسين بجانبه .. فقال :
رد البشرى فاقبلا أنتما ..
فاستبشرا ..
ثم دعا بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه ومجَّ فيه ..
ثم قال : اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا .. أي ببركة هذا الماء ..
فأخذا القدح ففعلا ..
وكانت أم سلمة قريبة منهم .. جالسة وراء ستار .. فأرادت أن لا تفوتها البركة .. فنادت من وراء الستر : أفضلا لأمكما .. أي أبقيا لها منه ..
فأفضلا لها منه طائفة .. ([1]) ..
إذن كان لطيف المعشر .. أنيس المجلس .. متحملاً .. لا يعمل قضية وخلافاً من كل شيء ..
جلس يوماً مع عائشة ..
فأخذت تحدثه بأحاديث نساء .. وهو يتفاعل معها ..
وهي تفصل الكلام وتطيل .. وهو على كثرة مشاغله يستمع ويتفاعل ويعلق ..
حتى قضت حديثها ..
فحدثته أنه جلست إحدى عشرة امرأة – في أيام الجاهلية - فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً ..
فجعلن يتذاكرن أزواجهن بما فيهم ولا يكذبن !!
قالت الأولى :
زوجي لحم جمل غث على رأس جبل ..
لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل ..
( تشبه زوجها بالجبل الوعر الذي وضعوا فوقه لحم جمل كبير غير جيد .. فلا يحرص أحد للوصول إليه لصعوبة الوصول إليه .. وهو لا يستحق التعب لأجله .. أي : لسوء خلقة .. وأنه يتكبر .. مع أنه ليس عنده ما يتكبر بسببه فهو بخيل فقير ) ..
قالت الثانية :
زوجي لا أبث خبره ..
إني أخاف أن لا أذره ..
إن أذكره أذكر عجره وبجره ..
( أي : زوجها كثير العيوب .. وتخشى إذا ذكرت ما فيه أن يبلغه ذلك فيطلقها .. وهي متعلقة به بسبب أولادها ..
لكنها لم تمدحه فإن له عُجَر وبُجَر !! والعجر : أن تنعقد العروق في الجسد حتى تصير منتفخة .. فتؤلم ..
والبُجَر انتفاخ عروق في البطن .. !!)
قالت الثالثة :
زوجي العَشَنَّق ..
إن أنطق أطلق ..
وإن أسكت أُعلَّق ..
وهو على حد السِّنان الـمُذَلَّق ..
( أي : زوجها طويل قبيح .. سيء الخلق .. ولا يتسامح معها بل على مثل حد السيف !! فهي مهددة بالطلاق كل لحظة .. لا يحتمل كلامها .. ومتى اشتكت إليه شيئاً طلقها .. ولا يعاملها معاملة الأزواج .. فهي عنده كالمعلقة ) ..
قالت الرابعة :
زوجي كـ لَـيْـلِ تِهامة ..
لا حَرٌ ولا قَرٌ ..
ولا مخافة ولا سآمة ..
( ليل تهامة لا رياح فيه فيطيب لأهله .. فوصفت زوجها بجميل العشرة .. واعتدال الأخلاق .. فلا أذى عنده ) ..
قالت الخامسة :
زوجي إن دخل فَـهِد ..
وإن خرج أَسِد ..
ولا يسأل عما عَـهِد ..
( أي : إذا دخل بيته صار كالفهد وهو الحيوان المعروف وهو كريم نشيط .. وغذا خرج من البيت وخالط الناس فهو أسد لشجاعته .. وهو أيضاً سمحٌ لا يدقق في السؤال عن ما يأخذه أهله أو يصرفونه ..)
قالت السادسة :
زوجي إن أكل لفَّ ..
وإن شرب اشتفَّ ..
وإن اضطجع التفَّ ..
ولا يُولِج الكفَّ .. ليعلم البثَّ ..
(أي : إن زوجها يكثر الأكل حتى يلفه لفاً فلا يبقي لهم شيئاً .. والشراف يشفّه شفاً .. يشربه كله .. وإذا نام التفَّ باللحاف ولم يدع لزوجته شيئاً .. وإذا حزنت لم يقرب كفه إليها أو يلاطفها ليعلم سبب حزنها .. ) ..
قالت السابعة :
زوجي غياياء أو عياياء ( أي غبي !! )
طباقاء ( أحمق !)
كل داء له داء ( جميع العيوب فيه !)
إن حدثته سبك .. ( لا يقبل حديثاً ولا مؤانسة . بل يسب ويلعن دوماً ) ..
وإن مازحته : شجًك ( ضرب رأسك فجرحه !) ..
أو فلًك ( ضرب الجلد فجرحه ) ..
أو جمع كلاًّ لكِ .. ( يضرب كل المواضع الرأس والجسد ! ) ..
قالت الثامنة :
زوجي .. المس مس أرنب .. ( أي ناعم رقيق ) ..
والريح ريح زرنب .. ( وهو نبات طيب الرائحة ) ..
وأنا اغلبه والناس يغلب .. ( أي سهل معها ينصاع لما تريد .. لكنه بطل يغلب الناس وشخصيته أمامهم قوية ) ..
قالت التاسعة :
زوجي رفيع النجاد .. ( بيته واسع مفتوح للضيوف ) ..
عظيم الرماد .. ( كثير إشعال النار استقبالاً للضيوف وطبخاً لهم ) ..
قريب البيت من الناد .. ( المجلس الذي يجلس فيه مع أصحابه وهو النادي قريب من بيته لحرصه على أهله ) ..
لا يشبع ليله يضاف .. ( لا يأكل كثيراً عند الناس ) ..
ولا ينام ليلة يُخَاف .. ( إذا كان هناك خطر بالليل من عدو أو غيره .. يظل مستيقظاً يحرس ويراقب ) ..
قالت العاشرة :
زوجي مالك ..
وما مالك ؟! ..
مالك خير من ذلك ..
له إبل كثيرات المبارك ..
قليلات المسارح ..
وإذا سمعن المزهر .. أيقنَّ أنهن هوالك ..
( زوجها اسمه مالك .. مهما وصفته لن تحيط بأوصافه الجميلة .. إبله دائماً قريبة منه وقل ما تسرح أي تذهب للرعي ..لتكون جاهة للحلب منها ونحرها للضيوف .. وإذا سمعت افبل صوت المزهر السكين تُحَدّ وتجهّز .. علمت أنه سيهلك بعضهن ذبحاً للضيوف ) ..
قالت الحادية عشرة :
زوجي أبو زرع ؟! ( اسمه أبو زرع ) ..
فما أبو زرع ..
أناس من حلي أذني .. ( ألبسها الحلي والذهب ) ..
وملأ من شحم عضدي .. ( سمنت عنده ) ..
وبجحني فبجحت إلى نفسي .. ( مدحني حتى أعجبت بنفسي ) ..
وجدني في أهل غنيمة بشِقٍّ .. ( كان اهلها فقراء لا يملكون إلا غنيمات ) ..
فجعلني في أهل صهيل وأطيط ( نقلها إلى بيت فيه خيل وإبل ) ..
ودائس ومنق ( أي دواب كثيرة ) ..
فعنده أقول فلا أقبح .. ( تتكلم بما شاءت ولا ينتقد كلامها ) ..
وأرقد فأتصبح .. ( تشبع نوماً إلى الصباح .. لكثرة الخدم ) ..
وأشرب فأتقنح .. ( جميع الأشربة عندها .. تروى منها ) ..
أم أبي زرع ؟! فما أم أبي زرع !!
عكومها رداح .. ( سمينة جميلة ) ..
وبيتها فساح .. ( بيتها واسع ) ..
ابن أبي زرع ؟! فما بن أبي زرع !!
مضجعه كمسل شطبة .. ( ينام نوماً رفيقاً بأدب ) ..
ويشبعه ذراع الجفرة .. ( لا يأكل كثيراً ) ..
بنت أبي زرع ؟! فما بنت أبي زرع !!
طوع أبيها وطوع أمها ..
وملء كسائها .. ( متسترة ) ..
وغيظ جارتها .. ( تغار جاراتها من جمالها ولذة عيشها ) ..
جارية أبي زرع ؟! فما جارية أبي زرع !! ( الخادمة !! )
لا تبث حديثنا تبثيثاً .. ( لا تنشر أسرار البيت ) ..
ولا تنفث ميرتنا تنفيثاً .. ( لا تبدد طعام البيت وتعبث به ) ..
ولا تملأ بيتنا تعشيشاً .. ( لا تهمل البيت فيمتلأ بالأوساخ ) ..
ثم قالت :
خرج أبو زرع والأوطاب تمخض .. ( خرج من بيته يوماً في وقت ربيع ) ..
فلقى امرأة معها ولدان لها كالفهدين .. ( رأى امرأة جالسة حولها طفلان جميلان قويا البنية ) ..
يلعبان من تحت خصرها برمانتين .. ( يلعبان بثدييها ) ..
فطلقني ونكحها .. ( أعجبته .. فطلق أم زرع وتزوجها !! ) ..
فنكحت بعده رجلا سرياً .. ( تزوجت ام زرع رجلاً كريماً ) ..
ركب شرياً .. ( ركب خيلاً سابقاً ) ..
وأخذ خطياً ..
وأراح علي نعماً ثرياً .. ( أكرمها وأهداها لأنه ثري ) ..
وأعطاني من كل رائحة زوجاً .. ( أكثر لها من الأطياب ويعطيها اثنين من كل شيء لتستعمل وتهدي إن شاءت ) ..
وقال : كلي أم زرع ..
وميري أهلك .. ( أهدي لأهلك وأعطيهم ) ..
ثم قالت :
فلو جمعت كل شيء أعطانيه ..
ما بلغ أصغر آنية أبي زرع .. ( لا يزال قلبها معلقاً بأبي زرع ..!! ما الحب إلا للحبيب الأول )
كان يستمع بكل غنصات إلى عائشة وهي تحدثه .. ولم يظهر لها ضجراً ولا مللاً .. مع تعبه وكثرة مشاغله .. وتراكم همومه ..
حتى إذا انتهت عائشة من حديثها :
قال : كنت لك كأبي زرع لأم زرع ..
إذن .. اتفقنا .. على أهمية إظهار اللطف والاهتمام بالناس ..
فإذا جاءك ولدك متزيناً بثوب جميل .. ما رأيك يا أبي ؟ .. تفاعل ..
ابنتك .. زوجتك ..
زوجك .. ولدك .. زميلتك ..
كل من تخالطهم كن حياً متفاعلاً ..
أحياناً تكون ناسياً الموضوع .. قال لك – مثلاً - : أبشرك الوالد شُفي من مرضه .. فلا تقل : أصلاً .. متى مرض ؟!!
أو : أخي خرج من السجن .. لا تقل : والله ما دريت أصلاً أنه دخل السجن ..
وأخيراً .. يا جماعة ..
التشجيع والتفاعل ينفع حتى مع الحيوانات ..
قال أبو بكر الرقي :
كنت بالبادية ..
فوافيت قبيلة من قبائل العرب .. فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه ..
فرأيت في الخباء عبدا أسود مقيداً بقيد .. ورأيت جِمالا قد ماتت بين يدي البيت ..
وقد بقى منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه ..
فقال لي الغلام : أنت ضيف .. ولك حق .. فتشفع فيَّ إلى مولاي .. فإنه مكرم لضيفه .. فلا يرد شفاعتك في هذا القدر .. فعساه يحل القيد عني ..
فسكت عنه .. ولم أدر ما جرمه ..
فلما أحضروا الطعام .. امتنعت .. وقلت :
لا آكل .. ما لم أشفع في هذا العبد ..
فقال السيد : إن هذا العبد قد أفقرني .. وأهلَكَ جميعَ مالي ..
فقلت : ماذا فعل ؟!
فقال : إن له صوتاًً طيباً .. وإني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال .. فحمَّلها أحمالاً ثقالاً ..
وكان ينشد الأشعار ويحدو بها .. حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته ..
فلما حطت أحمالها .. ماتت كلها .. إلا هذا الجمل الواحد ..
ولكن أنت ضيفي .. فلكرامتك قد وهبته لك .. وأطلق الغلام من قيده ..
فاشتقت إلى سماع هذا الصوت ..
فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقى الماء من بئر هناك .. لينشط الجمل للعمل ..
فانطلق الغلام بصوت حسن .. فلما رفع صوته ..
سمعه الجمل فهام وهاج ونسي نفسه .. حتى قطع حباله ..
ووقعت أنا على وجهي من حسن الصوت .. فما أظن أني سمعت قط صوتاً أطيب منه .. ([2])
طور نفسك بالتدريب ..
كن حياً لا ميتاً .. تفاعل بكلامك .. بتعبيرات وجهك .. حتى يأنس الآخرون بك ..

2. اجعل لسانك عذباً ..
لا تخلو حياتنا من مواقف نحتاج فيها إلى تقديم توجيهات ونصائح للآخرين ..
الولد .. الزوج .. الصديق .. الجار .. الأبوين ..
تختلف نهايات النصائح .. باختلاف بداياتها ..
أعني : إن كانت البداية بأسلوب مناسب .. ومدخل لطيف ..
انتهت كذلك ..
وإن كانت بأسلوب جاف .. ومدخل عنيف .. انتهت كذلك ..
عندما ننصح الناس .. فنحن في الواقع نتعامل مع قلوبهم .. لا أجسادهم ..
لذلك تجد بعض الأبناء يتقبل من أمه ولا يتقبل من أبيه .. أو العكس ..
والطلاب يتقبلون من مدرس .. دون الآخر ..
وأول البراعة في النصيحة ..
أن لا تكثر منها وتدقق على كل صغير وكبير .. حتى لا يشعر الآخرون أنك مراقب لحركاتهم وسكناتهم .. فتثقل عليهم ..
ليس الغبي بسيد في قومه *** لكن سيد قومه المتغابي
وإن استطعت أن تقدم انصيحة على شكل اقتراح .. فافعل ..

لو قللت الملح في الطعام .. لكان أحسن ..
لو تغير ملابسك بثياب أجمل ..
لو ما تتأخر عن مدرستك مرة أخرى .. أفضل ..
ما رأيك لو فعلت كذا .. أقترح عليك كذا وكذا ..
أحسن من قولك ..
يا قليل الأدب .. كم مرة قلت لك .. أنت ما تفهم .. إلى متى أعلمك ؟!!
اجعله يحتفظ بماء وجهه .. ويشعر بقيمته حتى وهو مخطئ ..
لأن المقصود علاج أخطائه لا الانتقام منه أوإهانته ..
يعني يا جماعة .. بالعبارة الصريحة :
لا أحد يحب أن يتلقى الأوامر ..
أراد يوماً أن يوجه عبد الله بن عمر للتعبد بصلاة الليل ..
فما دعاه وقال : يا عبد الله قم الليل ..
وإنما قدم النصيحة على شكل اقتراح .. وقال : نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل ..
وفي رواية قال : يا عبد الله لا تكن مثل فلان .. كان يقوم الليل ..
بل إن استطعت أن تلفت نظره إلى الأخطاء من حيث لا يشعر فهو أولى ..
عطس رجل عند عبد الله بن المبارك .. فلم يقل الحمد لله .. فقال عبد الله : ماذا يقول العاطس إذا عطس ؟ قال : الحمد لله .. فقال : عبد الله : يرحمك الله ..
وكان رسول الله كذلك ..
كان إذا انصرف من صلاة العصر .. دخل على نسائه واحدة واحدة ..
فيدنو من إحداهن .. ويتحدث معها ..
فدخل على زينب بمن جحش .. فوجد عندها عسلاً .. وكان يحب العسل والحلواء ..
فاحتبس عندها أكثر ما كان يحتبس عند غيرها ..
فغارت عائشة وحفصة .. وتواصتا من دخل عليها تقول له :
أجد منك ريح مغافير .. وهو شراب حلو يشبه العسل .. ولكن له رائحة سيئة ..
وكان يشتد عليه أن يوجد منه الريح من بدنه أو فمه .. لأنه يناجي جبريل .. ويناجي الناس ..
فلما دخل على حفصة .. سألته ماذا أكل ؟
فقال : شربت عسلاً عند زينب ..
فقالت : إني أجد منك ريح مغافير ..
فقال : لا بل شربت عسلاً .. ولن أعود له ..
ثم قام ودخل على عائشة .. فقالت له عائشة مثل ذلك ..
ومضت الأيام .. وكشف الله له القضية كلها ..
وبعد أيام .. أسر إلى حفصة حديثاً .. فأظهرته ..
فدخل عليها يوماً .. وعندها الشفاء بنت عبد الله .. وكانت صحابية تتعلم الطب .. وتعالج الناس ..
فقال للشفاء : ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة ..
ورقية النملة كلام كانت نساء العرب تقوله .. يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع ..
ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال :
العروس تحتفل .. وتختضب وتكتحل .. وكل شيء تفتعل .. غير أن لا تعصي الرجل ..
فأراد بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضاً .. بأن تردد جملة : غير أن لا تعصي الرجل ..
أحد السلف استلف منه رجل كتاباً .. فرده إليه بعد أيام وعليه آثار طعام .. كأنه حمل عليه خبزاً أو عنباً .. فسكت صاحب الكتاب ..
وبعد أيام جاءه صاحبه يستعير منه كتاباً آخر .. فأعطاه الكتاب في طبق ..!!
فقال الرجل : إنما أريد الكتاب .. فما بال الطبق ؟!
فقال : الكتاب لتقرأ فيه .. والطبق لتحمل عليه طعامك !!
فأخذ الكتاب .. ومضى .. فقد وصلت الرسالة ..
وأذكر أن أن أحدهم كان يعود إلى بيته ليلاً .. وينزع ثوبه .. يعلقه على الشماعة .. وينام ..
فتأتي زوجته .. وتفتح محفظة النقود .. ثم تأخذ الصرف الموجود .. من فئة الريال .. والخمسة ..
فإذا استيقظ صباحاً وذهب إلأى عمله .. واحتاج أن يحاسب في بقالة ونحوها .. لم يجد صرفاً ..
فراقبها .. حتى فهم القضية ..
فرجع إلى بيته يوماً .. وقد جعل في جيبه ضفدعاً ..
ونزع ثوبه كالعادة .. واضطجع كهيئة النائم .. وأخذ يشخر .. وهو يراقب الثوب ..
فأقبلت زوجته لتأخذ ما يتيسر ..كالعادة !!
أقبلت إلى الثوب تمشي رويداً .. أدخلت يدها بهدوووء ..
فلمست الضفدع .. فتحرك فجأة .. فصرخت : آآآآه.. يدي ..
ففتح الزوج عينيه .. وقال : وأنا .. آآآه .. جيبي ..
ليتنا نستعمل هذا الأسلوب .. مع جميع الناس ..
أولادنا إذا وقعوا في أخطاء .. ومع طلابنا ..
نايف أحد الأصدقاء .. كان له أم صالحة .. لا ترضى ن يبقى في البيت صور أبداً .. لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ..
كان عندها طقلة صغيرة .. عندها ألعاب متنوعة .. إلا الدُّمى .. العرائس ..
أهدت إليها خالتها دُمية .. عروسة .. وقالت لها : العبي بها في غرفتك .. واحذري أن تراها أمك ..
وبعد يومين .. علمت الأم ..
فأرادت أن تقدم النصيحة بأسلوب مناسب ..
جلسوا على الطعام .. فقالت أم نايف : يا أولاد ..!! من يومين .. وأنا أشعر أن البيت ليس فيه ملائكة !! لا أدري لماذا خرجت .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
والبنت الصغيرة تسمع وهي ساكته ..
وبعد الغداء رجعت الصغيرة إلى غرفتها .. فإذا بين يديها ألعاب كثيرة .. والعروسة من بينها .. فالتقطتها .. وجاءت بها إلى الأم وقال : ماما .. هذه التيطردت الملائكة .. افعلي بها ماشئت !!
يعني دع المنصوح يحتفظ بماء وجهه .. ويمكن أن تأكل العسل من غير أن تحطم الخلية ..
لا تنصحه كأنه قد كفر بفعله ..
بل وأحسن الظن به .. واعتبر أنه وقع في الخطأ من غير قصد .. أو من غير أن يعلم ..
كانت الخمر في أول الإسلام لم تحرم بعد ..
وفي يوم أقبل عامر بن ربيعة .. الصحابي الجليل ..
من سفر .. فأهدى لرسول الله راوية خمر .. جرة كاملة مملوءة خمراً ..
نظر النبي إلى الخمر مستغرباً .. والتفت إلى عامر بن ربيعة .. وقال : أما علمت أنها قد حرمت ..؟
قال : حرمت ؟! لا .. ما علمت يا رسول الله ..
قال : فإنها قد حرمت ..
فحملها عامر .. فأسرَّ إليه بعضهم بأن يبيعها ..
فسمعه النبي فقال : لا .. إن الله إذا حرم شيئاً .. حرم ثمنه ..
فأخذها فاهراقها على التراب .. ([3])
وانتبه أن تمدح نفسك وأنت تنصح .. فترفع نفسك وتسحب المنصوح إلى القاع .. لا أحد يرضى بذلك ..
بعض الآباء – مثلاً- .. إذا نصح ولده بدأ يذكر أمجاده ..أنا كنت وكنت .. ولعل الولد يعلم تاريخ والده ..!!

باختصار ..
الكلمة الطيبة .. صدقة ..

3. اختصر .. ولا تجادل ..
يقولون : إن الناصح كالجلاد ..
وبقدر مهارة الجلاد في الجلد .. يبقى الألم ..
أقول : مهارة الجلد .. لا قوة الجلد !!
فالجلاد العنيف الذي يضرب بقوة .. يتألم المضروب وقت وقوع السياط .. ثم ما يلبث حتى ينساها ..
أما الجلاد الأستاذ في صنعته ..فقد لا يضرب بقوة .. لكنه يعلم أن يوقع السوط ..
كذلك الناصح .. ليست العبرة بكثرة الكلام .. ولا طول النصيحة ..
وإنما بأسلوب الناصح ..
فاختصر قدر المستطاع .. إذا أردت أن تنصحه فلا تلق عليه محاضرة ..!!
خاصة إذا كان الأمر متفقاً عليه .. كمن تنصحه عن الغضب .. أو شرب الخمر .. أو ترك الصلاة .. أو عقوق الوالدين .. الخ ..
تأملت النصائح النبوية الشخصية المباشرة .. فوجدتها لا تزيد الواحدة منها عن سطر واحد .. أو سطرين ..
اسمع : يا علي .. لا تتبع النظرة النظرة .. فإن لك الأولى وليست لك الثانية ..
انتهى .. نصيحة باختصار ..
يا عبد الله بن عمر .. كن في الدنيا كأنك غريب .. أو عابر سبيل ..
انتهى ..
يا معاذ .. والله إني أحبك .. فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك .. وشكرك .. وحسن عبادتك ..
يا عمر .. إنك رجل قوي .. فلا تزاحمن عند الحجر ..
وكذلك كان العقلاء بعده ..
لقي أبو هريرة الفرزدق الشاعر فقال :
يا ابن أخي إني أرى قدميك صغيرتين .. ولن تعدم لهما موضعا في الجنة ..
يعني فاعمل لها .. ودع عنك قذف لمحصنات في شعرك ..
وعمر .. كان على فراش الموت .. فجعلوا الناس يثنون عليه ..
وجاء شاب فقال : أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله .. وقدم في الإسلام ما قد علمت .. ثم وَلِيت فعدلت .. ثم شهادة ..
فقال عمر : وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي ..
فلما أدبر الشاب .. فإذا إزاره يمس الأرض .. مسبل ..
فأراد عمر أن يقدم النصيحة للشاب ..
فقال : ردوا علي الغلام ..
فلما وقف الشاب بين يديه .. قال : يا بن أخي .. ارفع ثوبك .. فإنه أنقى لثوبك .. وأتقى لربك ([4]) ..
انتهى .. باختصار .. الرسالة وصلت ..
واترك الجدال قدر المستطاع ..
خاصة إذا شعرت أن الذي أمامك يكابر .. فالمقصود إيصال النصيحة إليه ..
وقد ذم الله الجدال : ( ما ضربوه لك إلا جدلاً ) ..
وقال : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه .. إلا أوتوا الجدل ..
وقال : أنا زعيم لبيت في ربض الجنة لمن ترك الجدال وإن كان محقاً ..
أحياناً يقتنع الشخص بالفكرة .. لكن أكثر النفوس فيها أنفة وكبر ..
( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً ) ..
فالغاية عندك أنت أصلاً أن يعرف الخطأ ليتجنبه في المرة القادمة .. وليس الغاية أن تنتصر أنت عليه .. فلستما في حلبة مصارعة ..
دخل النبي على علي وفاطمة .. ليلاً ..
فقال لهما : ألا تصليان .. أي ألا تقوما الليل ..
فقال علي : أنفسنا بيد الله .. متى شاء أن يبعثنا .. بعثنا ..
فولاهما النبي ظهره .. ومضى وهو يضرب بيده على فخذه ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً .. ([5]) ..
وأحياناً قد يذكر المنصوح .. كلاماً يعتذر به .. وهو ليس عذراً مقنعاً لكنه يقوله ..ليحفظ ماء وجهه ..
فكن سمحاً ..
ولا تغلق عليه الأبواب بل أبقها مفتوحة أمامه وأنت تنصح ..
وحتى لو تكلم بكلام خاطئ .. فيمكن أن تعالج خطأه من حيث لا يشعر ..
كأن تقول : صحيح .. وأنا معك أن الإنسان يفقد أعصابه غصباً عنه ..
وأثن عليه .. ثم قل : ولكن .. ثم انسف كلامه إن كان خاطئاً ..

وجهة نظر ..
نبه على الخطأ .. ولا تلق محاضرة ..

4. لا تبال بكلام الخلق ..
أعجبتني عبارة رددها ابني عبد الرحمن يوماً .. وأظنه في ذلك السن لم يكن يفقه معناها..
كان يقول : طنِّش تعِش تَـنْـتَـعِش ..!!
تأملت في هذه العبارة وأنا ألاحظ حولي انتقادات الناس .. وآراءهم .. وأحاديثهم ..
فوجدت أن الناس في كلامهم وذمهم لنا يتنوعون ..
فيهم الناصح الصادق الذي لا يتقن فن النصيحة .. وبالتالي يحزنك بأسلوب نصحه أكثر مما يفرحك ..
وفيهم الحاسد .. الذي يقصد حزنك وهمك ..
وفيهم قليل الخبرة .. الذي يهذي بما لا يدري .. ولو سكت لكان خيراً له ..
وفيهم من طبيعته الانتقاد أصلاً .. فهو ينظر للحياة بنظارة سوداء ..
وقديماً قيل : لو اتحدت الأذواق لبارت السلع ..
ذكروا أن جحا ركب على حمار .. وولده يمشي بجانبه ..
فمروا بناس .. فقال الناس : انظروا لهذا الأب الغليظ يركب مرتاحاً .. ويدع ولده يمشي في الشمس ..
سمعهم جحا .. فأوقف الحمار .. ونزل .. وأركب ولده ..
ثم مشيا .. وجحا يشعر بنوع من الزهو ..
فمرا بقوم آخرين .. فقال أحدهم : انظروا إلى هذا الابن العاق .. يركب ويدع أباه يمشي في الشمس ..
سمعهم جحا ..
فأوق الحمار .. ثم ركب مع ولده .. ليتقو كلام الناس وانتقاداتهم ..
فمرا بقوم .. فقالوا : انظروا إلى هذين الغليظين .. لا يرحمون الحيوان ..
فنزل جحا .. وقال : يا ولدي .. انزل ..
فنزل الولد وجعل يمشي بجانب أبيه .. والحمار ليس فوقه أحد ..
فمرا بقوم .. فقالوا : انظروا إلى هذين السفيهين .. يمشيان والحمار فارغ .. وهل خلق الحمار إلا ليُركب ..
فصرخ جحا وجرّ ولده معه .. ودخلا تحت الحمار .. وحملاه ..!!
ولو رأيت جحا وقتها لقلت له : يا حبيب القلب .. افعل ما تشاء .. ولا تبال بكلام الخلق .. فرضا الناس غاية لا تدرك ..
ومن الذي ينجو من الناس سالماً
ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر ..
بعض الناس .. لا يفكر في رأيه قبل أن يطرحه ..
يأتيك بعدما تتزوج .. ويقول .. ليش تخطب فلانة ؟
وكأني بك .. تتمنى أن تصرخ في وجهه وتقول : يا أخي تزوجت .. خلاص .. انتهى الموضوع .. ما أحد طلب منك اقتراحات ..
أو يأتيك وقد بعت سيارتك .. فيقول .. ليتك أخبرتني .. فلان كان سيعطيك أكثر ..
يا أخي .. بس !! الرجال باع سيارته .. خلاص وانتهى .. لا تشغله بالالتفات وراءه !!
وعموماً ..
ليس يخلو المرء من ضد ولو **
طلب العزلة في رأس جبل ..!!
فلا تعذب نفسك ..

تجربة ..
قال أحد السلف : من جعل دينه عرضة للخصومات .. أكثر التنقل !!

5. ابتسم .. ثم ابتسم .. ثم ابتسـ .. ثم أبتـ ..
أعرفه منذ سنين .. فهو أحد زملائي في عملي .. على كل حال ..
لكن هل تصدق أنني إلى الآن لا أدري هل نبتت له أسنان أم لا !!
دائم التجهم .. والعبوس .. وكأنه إذا ابتسم نقص عمره .. أو قلَّ ماله !!
قال جرير بن عبد الله البجلي : ما رآني رسول الله إلا تبسم في وجهي ..
الابتسامة أنواع .. ومراتب ..
فمنها البشاشة الدائمة .. أن يكون وجهك صبوحاً مبتهجاً دائماً ..
فلو كنت مدرساً ودخلت الفصل على طلابك .. فالقهم بوجه بشوش ..
ركبت طائرة .. ومشيت في الممر والناس ينظرون إليك .. كن بشوشاً ..
دخلت بقالة .. أو محطة وقود .. مددت له الحساب .. ابتسم ..
في المجلس .. ودخل شخص وسلم بصوت عال .. ومر بنظره على الجالسين .. ابتسم ..
دخلت على مجموعة .. وصافحتهم .. ابتسم ..
وعموماً : الابتسامة لها من التأثير الكبير في امتصاص الغضب والشك والتردد .. ما لا يشاركها غيرها ..
البطل هو الذي يستطيع التغلب على عواطفه .. والتبسم ..
كان أنس بن مالك يمشي مع النبي يوماً.. والنبي عليه بُرد نجراني غليظ الحاشية ..
فلحقهما أعرابي ..
أقبل هذا الأعرابي يجري وراء النبي يريد أن يلحق به .. حتى إذا اقترب منه ..
جبذه بردائه جبذة شديدة .. فتحرك الرداء بعنف على رقبة النبي ..
قال أنس : حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله .. قد أثرت بها حاشية البُرد من شدة جبذته ..
فماذا يريد هذا الرجل ؟! لعل بيته يحترق وأقبل يريد معونة .. أو أحاطت بهم غارة من المشركين ..
اسمع ماذا يريد .. قال : يا محمد .. ( لاحظ لم يقل : يا رسول الله ) ..
قال : يا محمد .. مُر لي من مال الله الذي عندك .. فالتفت رسول الله .. ثم ضحك .. ثم أمر له بعطاء ..
نعم .. كان بطلاً لا تستفزه مثل هذه التصرفات .. ولا يعاقب أو تثور أعصابه على التافهات ..
كان واسع البطان .. قوياً يضبط أعصابه .. دائم الابتسامة حتى في أحلك الظروف .. يفكر في عواقب الأمور قبل أن يفعلها ..
وماذا يفيد لو أنه صرخ بالرجل أو طرده ‍‍!
هل سيشفى جرح عنقه ! أو يصلح أدب الرجل ! كلا ..
إذن ليس مثل الصبر والتحمل ..
نعم بعض الأمور نثور لها ونغضب .. وعلاجها شيء آخر تماماً ..
وصدق لما قال : ليس الشديد بالصرعة .. إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ..
كان النبي الكريم .. يجذب الناس بالتبسم والبشاشة ..
خرجو إلى غزوة خيبر .. وفي أثناء القتال ..
وقع من حصن اليهود جراب فيه شحم .. قربة كاملة مملوءة سمناً ..
حمله عبد الله بن مغفل على عاتقه فرحاً ومضى به إلى رحله وأصحابه ..
فلقيه الرجل المسئول عن جمع الغنائم وترتيبها .. فجذب الجراب إليه .. وقال :
هاتِ هذا نقسمه بين المسلمين ..
فتعلق به عبد الله : لا والله .. لا أعطيكه .. أنا أصبته ..
قال : بلى .. وجعلا يتجاذبا الجراب ..
فمر بهما رسول الله .. فرآهما .. وهما يتجاذبان الجراب ..
فتبسم ضاحكاً .. ثم قال لصاحب المغانم :
لا أبالك .. خل بينه وبينه ..
فتركه .. فانطلق به عبد الله إلى رحله وأصحابه .. فأكلوه ..
وأخيراً .. تبسمك في وجه أخيك صدقة ..
قال لي :
فلان سحرني بأخلاقه .. حتى تعلقت به نفسي .. قلت : لم ؟! قال : دائماً بشوش .. وما رآني إلا تبسم !!

6. الخطوط الحمر ..
كان من طلابي في الجامعة..

كان واسع الثقافة .. حريصاً على تكوين علاقات مع الناس .. لكنه كان ثقيل الدم عليهم ..

جاءني يوماً .. وقال :

يا دكتور .. زملائي يغضبون مني دائماً .. لا يتحملون مزحي ..
قلت في نفسي : أنا لا أحتملك ساكتاً .. فكيف أحتملك متكلماً ..؟! خاصة إذا كنت تستخف دمك وتمزح ..!
سألته : لماذا لا يحتملون مزحك ؟! أعطني مثالاً ..

قال : عطس أحدهم فقلت : الله يلعنك .. ( ثم سكتُّ ) .. فلما غضب .. أكملت قائلاً : يا إبليس .. ويرحمك يا فلان ..!!
مسكين كان يظن نفسه بذلك .. خفيف الدم!!
الناس مهما قبلوا مزاحك ومداعباتك .. إلا أنه تبقى هناك خطوط حمراء لا يحبون أن تتعداها ..
خاصة إذا كان ذلك أمام الآخرين ..
بعض الناس لا يراعي ذلك ..
فتجد أنه يعتدي على حاجاتهم ..
فمثلاً من باب ( الميانة ) يأخذ هاتفك الجوال ويتصل به كما يريد .. أو ربما أرسل رسائل إلى أشخاص أنت لا ترغب أن يظهر رقم هاتفك عندهم ..
أو يأخذ سيارتك بغير إذنك .. أو يحرجك بطلبها حتى تأذن على مضض ..
أو تجد مجموعة طلاب في يسكنون في شقة واحدة .. يستيقظ أحدهم ليذهب إلى جامعته .. فيجد أن معطفه لبسه فلان .. وحذاءه في رجل فلان ..
ومن تعدي الخطوط الحمراء أنك .. تجد بعض الناس يحرج صاحبه بمزحة ثقيلة أو سؤال محرج في مجلس عام ..
والشخص مهما بلغ من المحبة لك .. إلا أنه يبقى بشراً يرضى ويغضب .. ويفرح ويسخط ..
لما أقبل رسول الله إلى المدينة راجعاً من تبوك ..
قدم عليه في ذلك الشهر عروة بن مسعود الثقفي .. وكان سيداً جليل القدر .. رفيع المكانة عند قومه ثقيف ..
فأدرك النبي قبل أن يصل إلى المدينة .. فأسلم ..
وسأله أن يرجع إلى قومه فيدعوهم إلى الإسلام ..
فخاف عليه .. وقال له : إنهم قاتلوك ..
وعرف أن قبيلة ثقيف فيهم نخوة الامتناع .. والصرامة في التعامل .. حتى لو كان مع رئيسهم ..
فقال عروة : يا رسول الله .. أنا أحب إليهم من أبكارهم .. وأبصارهم ..
وكان محبباً مطاعاً فيهم ..
فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه .. لعظم منزلته فيهم ..
فلما وصل إلى ديار قومه .. رقى على مرتفع وصاح بهم حتى اجتمعوا .. وهو سيدهم ..
فدعاهم إلى الإسلام .. وأظهر لهم أنه أسلم .. وجعل يردد : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله ..
فلما سمعوا منه ذلك .. صاحوا .. وثاروا أن يتركوا آلهتهم ..
ورموه بالنبل من كل جهة ..
حتى وقع صريعاً ..
فأقبل إليه أبناء عمه .. وهو ينازع الموت ..
وقال : يا عروة : ما ترى في دمك ؟
فقال : كرامة أكرمني الله بها .. وشهادة ساقها الله إلي ..
فليس فيَّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله .. فلا تقتتلوا لأجلي .. ولا تأخذوا بثأري من أحد ..
فقيل إن النبي .. لما بلغه خبر مقتله ..
قال فيه : إن مثله في قومه .. كمثل صاحب ياسين في قومه .. ..
فانتبه ! الناس لهم أحاسيس مهما بلغت في القرب منهم .. وإن كانوا في منزلة الأخ والولد ..
لذا نبه النبي على ذلك .. فنهى عن ترويع المؤمن ..
كان يوماً يسير مع أصحابه ..
وكان كل واحد منهم معه متاعه .. سلاحه .. فراشه .. طعامه ..
نزلوا منزلاً .. فنام رجل منهم ..
فأقبل صاحبه إلى حبل معه فأخذه .. مازحاً ..
فاستيقظ الرجل .. فوجد متاعه ناقصاً .. ففزع .. وأخذ يبحث عن حبله ..
فقال : لا يحل لمسلم أن يروع مسلماً ([6]) ..
وفي يوم آخر ..
كانوا يسيرون مع النبي في مسير ..
فنعس رجل وهو على راحلته ..
فغافله صاحبه وانتزع سهماً من كنانته ..
فشعر الرجل بمن يعبث بسلاحه .. فانتبه فزعاً مذعوراً ..
فقال : لا يحل لرجل أن يروع مسلماً .. ([7])
ومثله الذي يمزح فيراك أوقفت سيارتك عند بقالة – مثلاً - وهي تشتغل فيأتي ويقودها .. ويوهمك أنها سرقت .. مازحاً..
قد يجاملك صاحبك ويضحك أحياناً على مزحة مروعة .. لكنه متألم ..
ولربما صبر الحليم على الأذى
وفؤاده من حره يتأوه
ولربما شكل الحليم لسانه
حذر الكلام وإنه لمفوه

وجهة نظر ..
كل ما زاد عن حده .. انقلب ضده .. وكم مزحة انتهت شجاراً !!

7. حفظ السر ..
اشتهر قديماً : كل سرٍ جاوز الإثنين .. شاع ..
ومن اللطائف أن أحدهم سئل : من الإثنين ؟ فأشار إلى شفتيه .. وقال : هذان !!
لا أذكر أني همست في أذن أحد من الناس بسرّ .. واستأمنته إياه .. ثم فاجأني قائلاً : يا محمد .. اسمح لي لا أستطيع أن أكتمه ..
بل كل شخص يضرب بيده صدره .. ويقول : والله لو وضعوا الشمس في يميني .. والقمر في شمالي .. أو السيف على رقبتي .. على أن أخبر بسرك .. ما أخبرت !!
ثم إذا اطمأننت ووثقت .. وكشفت له أسرارك .. تصبّر شهرين أو ثلاثة .. ثم حدث به .. فلا يزال يُتناقل حتى يصلك ..
فوجدت أن سرك لا ينبغي أن يجاوز شفتيك .. فلا تكلف الناس ما لا يطيقون ..
إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه
فصدر الذي يستودع السر أضيق
جربت كثيراً من الناس .. فوجدتهم كذلك ..
والمشكلة أنك تأتيهم على سبيل الاستشارة .. فيشيرون عليك .. ثم يفضحون سرك ..
فيسقطون من عينك .. ويصبحون من أبغض الناس إليك ..
ومن أعجب ما في التاريخ ..
أنه قبل معركة بدر ..
لما سمع النبي .. بقافلة قريش مقبلة وأراد قتالها ..
خرج إليها مع أصحابه .. فلما شعر بهم أبو سفيان .. استأجر رجلاً اسمه ضمضم بن عمرو الغفاري .. وقال اذهب وأخبر قريشاً بالخبر ..
فمضى ضمضم .. مسرعاً إلى مكة .. كان وصوله مكة يحتاج أن يسير أياماً ..
وأهل مكة لا يدرون عن شيء من ذلك ..
وفي ليلة من الليالي رأت عاتكة بنت عبد المطلب .. رؤيا أفزعتها .. فلما أصبحت بعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب .. فقالت له :
يا أخي .. والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني .. وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة .. فاكتم عليَّ ما أحدثك .. ولا تحدث به أحداً ..
قال لها : نعم .. وما رأيت ؟
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعير .. حتى وقف بوادي "الأبطح" .. ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..!
فأرى الناس قد اجتمعوا إليه .. ثم مضى فدخل المسجد والناس يتبعونه ..
فبينما هم حوله .. إذ صعد به بعيره فوق الكعبة .. ثم صرخ بمثلها : انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم صعد به بعيره على رأس جبل أبي قبيس .. فصرخ بمثلها :
انفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ..
ثم أخذ صخرة فقذفها من أعلى الجبل .. فأقبلت تهوي من فوق الجبل .. حتى إذا كانت بأسفل الجبل تكسرت ..
فما بقي بيت من بيوت مكة إلا دخلته كسرة من الصخرة .. فاضطرب العباس وقال : والله إن هذه لرؤيا !
ثم خشي أن تنتشر فيصيبه أذى .. فقال لها محذراً : وأنت فاكتميها لا تذكريها لأحد ..
ثم خرج العباس منشغل البال بأمر هذه الرؤيا .. فلقي الوليد بن عتبة وسط الطريق .. وكان له صديقاً ..
فحدثه بالرؤيا .. وقال له : اكتمها .. فلا تخبر بها أحداً ..
فمضى الوليد ..
فلقي ابنه عتبة فحدثه بها ..
ثم لم يمض سويعات ..
حتى حدث بها عتبة .. ثم تناقلها الناس .. وفشا الحديث بها في أهل مكة .. حتى تحدثت بها قريش في مجالسها ..
وفي الضحى ذهب العباس ليطوف بالكعبة ..
فإذا أبو جهل جالس في رَهْط من قريش .. في ظل الكعبة .. يتحدثون برؤيا عاتكة !!
فلما رأى أبو جهل العباسَ قال :
يا أبا الفضل .. إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا ..
فلما أقبل إليه العباس وجلس معهم ..
قال له أبو جهل : يا بني عبد المطلب .. متى حدثت فيكم هذه النبية ؟
قال : وما ذاك ؟
قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة ..
قال العباس : وما رأت ؟
قال : يا بني عبد المطلب .. أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم ؟
قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال : انفروا في ثلاث .. فسننتظر بكم ثلاثة أيام ..
فإن يك حقاً ما تقول .. فسيكون ..
وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت العرب ..
فاضطرب العباس .. وما رد عليه شيئاً .. وجحد الرؤيا .. وأنكر أن تكون رأت شيئاً ..
ثم تفرقوا ..
فلما أقبل العباس إلى بيته ..
لم تبق امرأة من بني عبد المطلب .. إلا جاءت إليه غاضبة .. تقول : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم .. ثم قد تناول النساء وأنت تسمع .. أما فيكم حمية ..
فاحتمى العباس .. وثار .. وقال : والله .. لئن عاد أبو جهل إلى مثل كلامه .. لأفعلن وأفعلن ..
فلما كان اليوم الثالث .. من رؤيا عاتكة ..
ذهب العباس إلى المسجد .. وهو مغضب ..
فلما دخل المسجد رأى أبا جهل .. فمشي نحوه يتعرضه ليعود لبعض ما قال فيقع به ..
فإذا بأبي جهل يخرج من باب المسجد يشتد مسرعاً ..
فعجب العباس من سرعته ..!! فقد كان مستعداً لخصومة وعراك .. فقال العباس في نفسه : ماله لعنه الله ؟! أكلّ هذاخوفٌ مني أن أشاتمه ؟!
وإذا أبو جهل قد سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري الذي أرسله أبو سفيان ليستعين بأهل مكة ..
وإذا ضمضم يصرخ في الوادي واقفاً على بعيره ..
قد جدع أنف بعيره .. والدم يسيل على وجه البعير ..
وقد شق ضمضم قميصه وهو يقول : يا معشر قريش اللطيمة .. اللطيمة ..
أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها ..
ثم صاح بأعلى صوته : الغوث .. الغوث ..
عندها تجهزت قريش وخرجت .. وكان من أمرها في معركة بدر ما كان ..
فتأمل كيف انتشر السر في لمحة عين .. مع قوة الحرص وشدة الاستئمان ..!!
ومن نشر السر أيضاً ..
أن عمر لما أسلم .. أراد أن ينشر الخبر ..
فأقبل إلى رجل منهم .. هو أعظمهم نشراً للإشاعة ..
فقال : يا فلان .. إني محدثك بسرٍ .. فاكتم عني ..!
قال : ما سرك ؟
قال : أشعرت أني قد أسلمت .. فانتبه .. لا تخبر أحداً ..
ثم تولى عنه عمر ..
فما كاد يغيب عنه .. حتى جعل الرجل يطوف بالناس ويردد : أعلمتَ أن عمر أسلم ..!! أعلمتَ أن عمر أسلم ..!!
عجباً !! وكالة أنباء متنقلة ..
وفي يوم من الأيام بعث النبي أنساً في حاجة ..
فمرَّ بأمه .. فسألته .. إلى ماذا أرسلك النبي ؟
فقال : والله .. ما كنت لأفشي سرّ رسول الله ..
هكذا كان أنس وهو صغير .. في شدة حفظه للسر ..
وأنى لك اليوم أن تجد مثل أنس ..
قالت عائشة ..
أقبلت فاطمة تمشي .. كأن مشيتها مشية النبي ..
فقال النبي : مرحباً بابنتي .. ثم أجلسها عن يمينه - أو عن شماله - ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فبكت ..
فقلت لها : لم تبكين ..
ثم أسرَّ إليها حديثاً .. فضحكت فقلت :
ما رأيت كاليوم .. فرحاً أقرب من حزن ..
فسألت فاطمة عما قال لها النبي ؟
فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله ..
حتى قبض النبي ..
فسألتها ؟
فقالت : أسر إليَّ : إن جبريل كان يعارضني ([8]) القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين .. ولا أراه إلا حضر أجلي .. وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي .. فبكيت ..
فقال : أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة .. أو نساء المؤمنين .. فضحكت لذلك ..
شريرة غير متواجد حالياً  
08-02-2010, 05:36 PM   #12
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

قالوا ..
من عرف سرك أسرك ..

1. قضاء الحاجات ..
لما بدأتُ في دراسة الماجستير .. اطلعت على عدد أوسع من كتب الفرق والطوائف ..
من بين هذه المذاهب .. المذهب البراجماتي .. bagmaizm
وترجمته بالعربية : المذهب النفعي ..
لما تبحرت في دراسة هذا المذهب أدركت لماذا كنا نسمع في أوروبا وأمريكا .. أنه في كثير من الأحيان يهجر الابن أباه .. وإذا قابله في مطعم فكل واحد منهما يحاسب عن نفسه ..
فعلاً .. مادام أني لن أستفيد منك فلماذا أخدمك ؟!
لماذا أنفق مالي ؟! واصرف وقتي ؟! وأبذل جهدي ؟! دون مردود مادي يعود علي ..
الإسلام قلب هذا الميزان ..
فقال الله ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) .
وقال : ( لئن امشي مع اخي في حاجة حتى أثبتها له .. أحب إليَّ من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً ) ..
ومن كان في حاجة أخيه .. كان الله في حاجته ..
وكان يمشي في الطريق فتوقفه الجارية وتقول : لي إليك حاجة .. فيقف معها حتى يسمع حاجة .. وقد يمضي معها إلى بيت سيدها ليقضيها لها ..
بل كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم ..
كان يعاملهم بنفس رحيمة .. وعين دامعة .. ولسان داع .. وقلب عطوف ..
كان يشعر أنه هو وهم .. جسد واحد .. يشعر بفقر الفقير .. وحزن الحزين .. ومرض المريض .. وحاجة المحتاج ..
انظر إليه .. وقد جلس في مسجده يحدث أصحابه ..
فإذا به يرى سواداً مقبلاً عليه من بعيد ..
نظر إليهم .. فإذا هم قوم فقراء أقبلوا عليه من مضر .. من قبل نجد ..
ومن شدة فقرهم قد اجتابوا النمار ..
يعني يملك أحدهم قطعة قماش فلا يجد ثمن الإبرة والخيط .. فيخرق القماش من وسطه ثم يخرج رأسه ويسدل باقيه على جسده ..
أقبلوا قد اجتابوا النمار .. وتقلدوا السيوف .. وليس عليهم أزر ولا شيء غيرُها .. لا عمامة ولا سراويل ولا رداء ..
فلما رأى رسول الله الذي بهم من الجهد والعري والجوع .. تغير وجهه ..
ثم قام .. فدخل بيته .. فلم يجد شيئاً يتصدق به عليهم ..
فخرج .. ودخل بيته الآخر .. وخرج .. يبحث .. يلتمس شيئاً لهم .. فلم يجد ..
ثم راح إلى المسجد .. فصلى الظهر .. ثم صعد منبره ..
فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال :
أما بعد .. فإن الله عز وجل .. أنزل في كتابه : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ..
ثم قرأ ..
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ..
وجعل يتلوا الآيات والمواعظ .. ثم صاح بهم .. وقال :
تصدقوا قبل أن لا تصدقوا .. تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة ..
تصدق امرؤ من ديناره .. من درهمه .. من بره .. من شعيره .. ولا يحقرن أحدكم شيئاً من الصدقة .. وجعل يعدد أنواع الصدقات حتى قال :
ولو بشق تمرة ..
فقام رجل من الأنصار بصرة في كفه .. فناولها رسول الله وهو على منبره ..
فقبضها رسول الله يعرف السرور في وجهه ..
وقال : من سن سنة حسنة .. فعمل بها كان له أجرها .. ومثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيء ..
ومن سن سنة سيئة .. فعمل بها .. كان عليه وزرها .. ومثل وزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيء ..
فقام الناس .. فتفرقوا إلى بيوتهم .. وجاءوا بصدقات .. فمن ذي دينار .. ومن ذي درهم ..
ومن ذي تمر .. ومن ذي ثياب ..
حتى اجتمع بين يديه كومان .. كوم من طعام .. وكوم من ثياب ..
فلما رأى ذلك تهلل وجهه حتى كأنه فلقة من قمر ..
ثم قسمه بين الفقراء .. رواه مسلم ..
ولما سئلت عائشة عن حاله في بيته .. قالت :
كان يكون في حاجة أهله .. أو في مهنة أهله ..
أفلا تجعل من طرق دخولك إلى قلوب الناس .. قضاء حاجاتهم ..
احتاج شخص إلى مستشفى .. فأوصلته إليه ..
استعان بك في مشكلة فأعنته عليها ..
يراك تقضي حاجته .. وتقف معه في كربته .. وهو يعلم أنك لا ترجو من ذلك جزاء ولا شكوراً ..
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان
رؤية ..
من عاش لغيره فسيعيش متعباً .. لكنه سيحيا كبيراً .. ويموت كبيراً ..

2. لا تتكلف ما لا تطيق !!
كان صاحبي من خيار الناس .. خلقاً .. وديناً .. وعقلاً ..
كان إمام مسجد بجانب بيته ..
لكني كنت أسمع ذمه على ألسنة أناس كثيرين ..
كنت أتعجب من ذلك .. ولا أجد له جواباً ..
حتى جاءني يوماً جاره .. قال : يا شيخ .. صاحبك .. لا يصلي بنا .. ولا معنا !!
قلت : لم ؟!!
قال : لا أدري .. لكنه هو الإمام .. ومع ذلك يغيب كثييييراً عن المسجد ..
فجعلت ألتمس له الأعذار .. فقلت : لعله مشغول بأمر ضروري .. لعله غير موجود بالبيت ..
قال : يا شييييخ .. سيارته واقفة عند الباب .. وأنا متأكد أنه في بيته ..
جعلت أتقصى السبب لنصح صاحبي ..
حتى وجدت السبب ..
الرجل بحكم إمامته للمسجد ..
يأتي إليه الناس ويلتمسون منه الإعانة في حاجاتهم ..
هذا عليه دين يريد أن يبحث له عمن يسدده ..
وهذا متخرج من الثانوية ويريد شفاعة لدخول الجامعة ..
وهذا مريض يريد إعانته على دخول المستشفى الفلاني ..
وهذا عنده بنات كبار ويريد لهن أزواج ..
وهذا عليه أيجار لبيته لم يسدده ..
وهذا أعطاه ورقة استفتاء في طلاق ليذهب بها للمفتي العام ..
وهذا ..
وهو رجل عادي ليس له قدرات كبيرة ولا علاقات الواسعة .. ولا وجاهة متميّزة ..
وكان المسكين يغلبه الحياء والخجل من كل أحد .. فلا يقدر أن يعتذر من أحد أبداً ..
بل يأخذ معروض هذا ويعده بسداد دينه ..
ويكتب رقم هاتف الثاني .. ويعده أن يقبل في الجامعة ..
ويقول للثالث : تعال بعد يومين وتجد ورقة دخول المستشفى جاهزة ..
وهكذا دواليك ..
فيأتونه على الموعد .. ويعتذر .. ويعطيهم مواعيد أخرى ..
حتى صار يتهرب منهم .. ولا يرد على هاتفه .. بل وأحياناً لا يخرج من بيته ..!!
وصار من يلقاه منهم .. إن وجده .. يسبه ويصرخ به .. ويردد : طيب لماذا تعدني .. لماذا تجعلني أبني الآمال عليك ..
والثاني يقول : لم أكلم إلا أنت .. وتركت غيرك لما وعدتني ..
لما عرفت حاله .. أيقنت أنه حفر لنفسه حفرة .. ثم تردى فيها ..
سمعته مرة يعتذر من أحدهم .. ويقول :
آسف .. لم أستطع أن أفعل شيئاً في موضوعك ..
وذاك يقول بكل قوة : طيب أنت ضيعت الوقت عليَّ .. ليتك أخبرتني من قبل ..
تذكرت عندها قول الحكيم : الاعتذار في البداية خير من الاعتذار في النهاية ..
ما أجمل أن يعرف المرء قدراته .. ويتحرك في حدود الدائرة المرسومة حوله ..
ولقد جربت ذلك بنفسي ..
أذكر أني ألقيت محاضرة في أحد المجمعات العسكرية بالرياض ..
وبعدها جاءني أحدهم وقال : يا شيخ أريدك في موضوع ضروري جداً ..
قلت : تفضل .. ما هو ؟
قال : لا .. ما يصلح أن أذكره الآن .. لا بدّ أن أقابلك في وقت واسع ..
جعل يُعَظّم حجم الموضوع وأنا أستمع له بلطف .. لكني قد علمتني الحياة أن أكثر الناس يعطون الأمور أكبر من حجمها .. وصاحب الحاجة مجنون بها حتى تقضى ..
قال لي : أظن لك محاضرة غداً في مدينة كذا .. وهي مدينة على بعد 200كم من الرياض ..
قلت : صحيح ..
قال : سآتي إليك هناك .. وأقابلك بعد المحاضرة ..
تعجبت من حرصه ..
وفعلاً .. خرجت بعد المحاضرة فخرج الرجل وراءي مسعاً حافي القدمين .. يحمل ورقة صغيرة في يده ..
وقفت معه جانباً .. قلت : تفضل .. شكر الله حرصك .. ما حاجتك ؟
قال : يا شيخ .. عندي أخ يحمل الشهادة الابتدائية .. وأريدك أن تدبر له وظيفة ..
قلت : بس ؟!!
قال : بس ؟!!
كان الرجل متحمساً .. ومنظره يثير الشفقة .. ويبدو أن أخاه يمر بظروف صعبة فعلاً ..
أيقنت أني لو وعدته سأخلف .. فنحن في زمن لا يكاد حامل البكالوريوس أن يجد وظيفة .. فضلاً عن حامل الابتدائية .. وأنا أعرف حدود قدراتي ..
قلت : يا أخي .. والله أتمنى أن أساعدك .. وأخوك أخي .. وأنا أتألم له كما تتألم ..
لكني لا أستطيع مساعدتك أبداً .. أتمنى أن تتكرم عليَّ وتعفيني ..
قال : يا شيخ .. حاول ..
قلت : لاااا أقدر ..
فناولني الورقة التي في يده .. وقال : طيب .. يا شيخ خذ هذه الورقة فيها أرقام هواتفنا .. إذا وجدت له وظيفة فاتصل بنا ..
أدركت أنه يريد أن يربطني بحبل أمل .. وسيظل ينتظر الاتصال ..
فقلت : بل دع الورقة معك .. وخذ رقمي أنت .. وإن وجدت له وظيفة فاتصل بي .. لعلي أن أكتب لك شفاعة للمسئول فيها ..
سكت الرجل قليلاً .. انتظرت أن يودعني ..
لكني تفاجأت أنه قال لي : بيض الله وجهك .. والله يا شيخ .. سبق أن كلمت الأمير فلان في موضوع أخي منذ سنة .. فأخذ الورقة .. ولم يتصل بي إلى الآن ..
ومرة كلمت اللواء فلان .. فأخذ الورقة أيضاً .. ولم يتصل ولم يهتم .. هؤلاء أناس ما يهتمون بالضعفاء .. الله ينتقم منهم .. الله .. وبدأ يدعو عليهم ..
فقلت في نفسي .. الحمد لله .. لو أخذت الورقة لصرت ثالثهم ..
نعم .. الاعتذار في البداية خير من إخلاف الوعد ..
ما أجمل أن نكون صرحاء مع الآخرين .. عارفين لحدود قدراتنا ..
أحياناً عند خروجك من البيت .. تصرخ بك زوجتك ..
أحضر معك حليباً .. وسكراً .. وحفائظ .. وعشاء ..
فانتبه .. لا تردد : طيب .. طيب .. وإنما اصرخ بها أنت أيضاً وقل :
مااااااا أقدر .. !! فهي خير من الاعتذار عند العودة .. ضاق وقتي .. أقفلت المحلات .. نسيت ..
وكذلك مع زملائك .. وإخوانك ..
أرجو أن تكون الفكرة وصلت ..

تجربة ..
الاعتذار في البداية .. خير من الاعتذار في النهاية ..

3. من ركل القطة ؟!
قبل أن تجيب على السؤال .. اسمع القصة كاملة ..
كان يعمل سكرتيراً لمدير سيء الأخلاق .. لا يطبق مهارة واحدة من مهارات التعامل مع الناس ..
كان هذا المدير يراكم الأعمال على نفسه .. ويحملها ما لا تطيق ..
صاح بسكرتيره يوماً .. فدخل ووقف بين يديه ..
قال : سَمْ .. تفضل ؟
صرخ به : اتصلت بهاتف مكتبك .. ولم ترد ..
قال : كنت في المكتب المجاور .. آسف ..
قال بضجر : كل مرة آسف .. آسف .. خذ هذه الأوراق .. ناولها لرئيس قسم الصيانة .. وعد بسرعة ..
مضى متضجراً .. وألقاها على مكتب رئيس قسم الصيانة .. وقال : لا تؤخرها علينا ..
قال : طيب ضعها بأسلوب مناسب ..
قال : مناسب .. غير مناسب .. المهم خلصها بسرعة ..
تشاتما .. حتى ارتفعت أصواتهما ..
ومضى السكرتير إلى مكتبه ..
بعد ساعتين أقبل أحد الموظفين الصغار في الصيانة .. إلى رئيسه وقال : سأذهب لأخذ أولادي من المدرسة وأعود ..
صرخ الرئيس : وأنت كل يوم تخرج ..
قال : هذا حالي من عشر سنوات .. أول مرة تعترض عليَّ ..
قال : أنت ما يصلح معك إلا العين الحمراء .. ارجع لمكتبك ..
مضى المسكين إلى مكتبه .. وتولى أحد المدرسين إيصالهم .. لما طال وقوفهم في الشمس ..
عاد هذا الموظف إلى بيته غاضباً .. فأقبل إليه ولده الصغير معه لعبة .. وقال :
بابا .. هذه أعطانيها المدرس لأنني ..
صاح به الأب : اذهب لأمك .. ودفعه بيده ..
مضى الطفل باكياً .. فأقبلت إليه قطته الجميلة تتمسح برجليه كالعادة .. فركلها برجله فضربت بالجدار ..
السؤال : من ركل القطة ؟
أظنك .. تبتسم .. وتقول : المدير ..
صحيح المدير ..
لماذا لا نتعلم فنَّ توزيع الأدوار ..
والأشياء التي لا نقدر عليها نقول بكل شجاعة .. هذه ليست في أيدينا .. لا نقدر ..
خاصة أن تصرفاتك قد يتعدى ضررها إلى أقوام لم يكونوا طرفاً في المشكلة أصلاً ..
وانتبه أن يستثيرك الآخرون .. ويحرجونك فتضطر لوعود .. قد لا تستطيع تنفيذها ..
انتقل معي إن شئت إلى المدينة .. وانظر إلى رسول الله وقد جلس في مجلسه المبارك .. بعدما انتشر الدين .. ووُحِّد رب العالمين ..
جعل رؤساء القبائل يأتون إليه مذعنين مؤمنين .. ومنهم من كانوا يأتون صاغرين حاقدين ..
وفي يوم أقبل رئيس من رؤساء العرب .. له في قومه ملك ومنعه ..
أقبل عامر بن الطفيل .. وكان قومه يقولون له لما رأوا انتشار الإسلام : يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم .. وكان متكبراً كتغطرساً ..
فكان يقول لهم : والله لقد كنت أقسمت ألا أموت حتى تملِّكني العرب عليهم وتتبعَ عقبي .. فأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش !!
ثم لما رأى تمكن الإسلام .. وانصياع الناس لرسول الله .. ركب ناقته مع بعض أصحابه ومضى إلى رسول الله ..
دخل المسجد على رسول الله وهو بين أصحابه الكرام ..
فلما وقف بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام قال : يا محمد خالني .. أي قف معي على انفراد ..
وكان حذراً من أمثال هؤلاء .. فقال : لا والله حتى تؤمن بالله وحده ..
فقال : يا محمد خالني ..
فأبى النبي .. فلا زال يكرر .. يا محمد قم معي أكلمْك .. يا محمد قم معي أكلمْك ..
حتى قام معه رسول الله .. فاجتر عامر إليه أحد أصحابه اسمه إربد .. وقال : إني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاضربه بالسيف .. فجعل إربد يده على سيفه واستعد ..
فانفرد الاثنان إلى الجدار .. ووقف معهما رسول الله يكلم عامراً .. وقبض أربد بيده على السيف .. فكلما أراد أن يسله يبست يده .. فلم يستطع سل السيف ..
وجعل عامر يشاغل رسول الله .. وينظر إلى إربد .. وإربد جامد لا يتحرك ..
فالتفت فرأى أربد وما يصنع ..
فقال : يا عامر بن الطفيل .. أسلم ..
فقال عامر : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟
فقال لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم ..
قال عامر : أتجعل لي الملك من بعدك إن أسلمت ؟
لم يشأ النبي أن يعد عامراً بوعد قد لا يتحقق ..
فكان صريحاً جريئاً معه .. وقال : ليس ذلك لك ولا لقومك ..
فخفف عامر الطلب قليلاً .. وقال : أسلم على أن لي الوبر ولك المدر .. أي أكون ملكاً على البادية وأنت على الحاضرة ..
فإذا به .. أيضاً لا يريد أن يلزم نفسه بوعود .. لا يدري تتحقق أم لا .. فقال : لا ..
عندها غضب عامر وتغير وجهه .. وصاح بأعلى صوته :
والله يا محمد .. لأملأنها عليك خيلاً جرداً .. ورجالاً مرداً .. ولأربطن بكل نخلة فرساً ..
ولأغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء ..
ثم خرج يزبد ويرعد ..
فجعل ينظر إليه وهو مولٍّ ..
ثم رفع بصره إلى السماء وقال : اللهم اكفني عامراً .. واهْدِ قومه ..
خرج عامر مع أصحابه حتى إذا فارق المدينة .. تعب من المسير .. فصادف امرأة من قومه يقال لها سلولية وكانت في خيمة لها .. وكانت امرأة فاجرة .. يذمها الناس ويتهمون من دخل بيتها ..
فلم يجد مأوى آخر .. فنزل عن فرسه مضطراً ونام في بيتها ..
فاخذته غدة وانتفاخ في حلقه كما يظهر في أعناق الإبل فيقتلُها .. ففزع واضطرب ..
وجعل يتلمس الورم ويقول : غدة كغدة البعير .. وموت في بيت سلولية ..
أي : لا موت يشرّف .. ولا مكان يشرّف ..
كان يتمنى أن يموت في ساحة قتال .. بسيوف الأبطال .. فإذا به يموت بمرض حيوانات .. في بيت فاجرة !!
تباً .. للذل والمهانة ..
فأخذ يصيح بهم : قربوا فرسي ..
فقربوه .. فوثب على فرسه .. وأخذ رمحه .. وصار يجول به الفرس ..
وهو يصيح من شدة الألم .. ويتحسس عنقه بيده ويقول : غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ..
فلم تزل تلك حاله يدور به فرسه .. حتى سقط عن فرسه ميتاً ..
تركه أصحابه .. ورجعوا إلى قومهم ..
فلما دخلوا ديارهم .. أقبل الناس إلى إربد يسألونه : ما وراءك يا أربد ؟
فقال : لا شيء .. والله لقد دعانا محمد إلى عبادة شيء .. لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله ..
فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له ليبيعه .. فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما ..
وأنزل الله عز وجل في حال عامر وأربد : " اللّهُ يَعْلَمُ مَاتَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَاتَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَاتَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ *
عَالِمُالْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِالْكَبِيرُالْمُتَعَالِ *
سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْهُ وَمُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ *
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِاللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَيُغَيِّرُ مَابِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءً افَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَالَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ *
هُوَالَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ *
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْخِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ *
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَيَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَفَاهُ وَ مَاهُوَ بِبَالِغِهِ وَمَادُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ" ..
نعم .. لا تلتزم إلا بما تثق أنه يمكنك الوفاء به .. بعون الله ..
قام مرة خطيباً في الناس .. فتكلم عن الآخرة وأحوالها .. ثم صاح قائلاً : يا فاطمة بنت محمد .. سليني من مالي ما شئت .. فإني لا أغني عنك من الله شيئاً ..
وأخيراً ..
مع التأكيد على أهمية عدم الالتزام بالشيء إلا وأنت قادر عليه .. إلا أنه ينبغي عند الاعتذار أن نستعمل أسلوباً ذكياً ..
فمثلاً : جاء إليك لتبحث لأخيه عن وظيفة .. لأن أباك مسئول كبير .. أو أخاك .. أو أنت ..
فاعتذر بأسلوب يحفظ ماء وجهه ويجعله يشعر أنك تشاركه الهم .. قل – مثلاً - :
يا فلان .. أنا أشعر بمعاناتك .. وأخوك أعتبره أخي .. ولئن كان إخواني خمسة فهو السادس .. لكن المشكلة أنني لا أستطيع أن أفعل شيئاً الآن .. فاعذرني .. وأسأل الله أن يوفق أخاك ..
مع بتسامة لطيفة .. وتعبيرات وجه مناسبة ..
فكأنك بهذا الرد الجميل قضيت له ما يريد .. أليس كذلك ..؟
وجهة نظر ..
كن صريحاً مع نفسك .. جريئاً مع الناس .. واعرف قدراتك والتزم بحدودها ..
4. الـتـواضـع..
كنت في مجلس فيه عدد من الوجهاء ..
فتحدث أحد من رآه استغنى ! وقال في أثناء حديثه :
.. ومررت بأحد العمال .. فمدّ يده ليصافحني .. فترددت ثم مددت يدي وصافحته ..
ثم قال : مع أني لا أعطي يدي لأي أحد ..
ما شاء الله يقول : لا أعطي يدي لأي أحد ..
أما رسول الله .. فكانت الأمة المملوكة الضعيفة .. تلقاه في وسط الطريق .. فتشتكي إليه من ظلم أهلها .. أو كثرة شغلها .. فيجعل يده في يدها .. فينطلق معها إلى أهلها ليشفع لها ..
وكان يقول : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ..
كم سمعنا الناس يرددون : يا أخي .. فلان متكبر .. فلان "شايف نفسه " ..
وتسأله : لماذا لم تستعن بجارك في كذا ؟ فيقول : فلان متكبر علينا .. ما يعطينا وجه !!
كم هم مبغوضون أولئك الذين يتكبرون على الناس .. ويعاملونهم باستعلاء ..
كم هو منبوذ .. ذاك الذي يطغى أن رآه استغنى ..
ذاك الذي يصعر خده للناس ويمشي في الأرض مرحاً ..
ذاك الذي يتكبر على العمال .. والخدام .. والفقراء ..
يتكبر عن محادثتهم .. ومصافحتهم .. ومجالستهم ..
لما دخل مكة فاتحاً .. جعل يمر بطرقات مكة التي طالما أوذي فيها .. واستُهزئ به ..
كم سمع في طرقاتها .. يا مجنون .. ساحر .. كاهن .. كذاب ..
وهو اليوم يدخلها قائداً عزيزاً .. ممكناً .. قد أذل الله أهلها بين يديه ..
فكيف كان شعوره وهو داخل ؟
قال عبد الله بن أبي بكر :
لما وصل رسول الله إلى ذي طوى .. وقف على راحلته معتجراً بقطعة برد حمراء ..
وأن رسول الله ليضع رأسه تواضعاً لله .. حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح .. حتى إن عثنونه ( طرف لحيته ) ليكاد يمس واسطة الرحل ..
وقال أنس : دخل رسول الله مكة يوم الفتح وذقنه على راحلته متخشعاً ..
وقال ابن مسعود : أقبل رجل إلى رسول الله فكلمه في شيء .. فأخذته الرعدة ..
فقال : هون عليك .. فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد .. ( اللحم الـمجفف ) ..
وكان يقول : أجلس كما يجلس العبد .. وآكل كما يأكل العبد ..
نعم ..
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر
على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تكُ كالدخان يعلو بنفسه
على طبقات الجوّ وهو رفيع
باختصار ..
من تواضع لله رفعه .. وما زاد الله عبداً بالتواضع إلا عزاً ..

5. العبادة الخفية ..
قبل عشر سنوات .. في أيام ربيع .. وفي ليلة باردة كنت في البر مع أصدقاء ..
تعطلت إحدى السيارات .. فاضطررنا إلى المبيت في العراء ..
أذكر أنا أشعلنا ناراً تحلقنا حولها .. وما أجمل أحاديث الشتاء في دفء النار ..
طال مجلسنا فلاحظت أحد الإخوة انسلَّ من بيننا ..
كان رجلاً صالحاً .. كانت له عبادات خفية ..
كنت أراه يتوجه إلى صلاة الجمعة مبكراً .. بل أحياناً وباب الجامع لم يفتح بعد ..!!
قام وأخذ إناءً من ماء ..
ظننت أنه ذهب ليقضي حاجته ..
أبطأ علينا .. فقمت أترقبه .. فرأيته بعيداً عنا .. قد لف جسده برداء من شدة البرد وهو ساجد على التراب .. في ظلمة .. يتملق ربه ويتحبب إليه ..
أيقنت أن لهذه العبادة الخفية .. عِزاً في الدنيا قبل الآخرة ..
مضت السنوات ..
وأعرفه اليوم .. قد وضع الله له القبول في الأرض ..
له مشاركات في الدعوة .. وهداية الناس ..
إذا مشى في السوق أو المسجد .. رأيت الصغار قبل الكبار يتسابقون إليه .. مصافحين .. ومحبين ..
كم يتمنى الكثيرون من تجار .. وأمراء .. ومشهورين .. أن ينالوا في قلوب الناس من المحبة مثل ما نال ..
ولكن هيهاااات ..
أأبيت سهران الدجى .. وتبيته *** نوماً ! وتبغي بعد ذاك لحاقي ؟
نعم .. ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُداً ) .. أي يجعل لهم محبة في قلوب الخلق ..
إذا أحبك الله جعل لك القبول في الأرض ..
قال : إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل .. فقال :
إني قد أحببت فلاناً فأحبه ..
قال : فيحبه جبريل ..
ثم يُنادى في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه ..
فيحبه أهل السماء ..
قال : ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض ..
فذلك قول الله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً " ..
وإذا أبغض الله عبداً .. نادى جبريل : إني أبغضت فلاناً فأبغضه .. فيبغضه جبريل .. ثم يُنادى في أهل السماء : إن الله يبغض فلاناً فأبغضه ..
فيبغضه أهل السماء ..
ثم تنزل له البغضاء في الأرض .. ([1]) ..
قال الزبير بن العوام : من استطاع منكم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل ..
والعبادة الخفية أنواع ..
منها .. الحفاظ على صلاة الليل .. ولو ركعة واحدة وتراً كل ليلة .. تصليها بعد العشاء مباشرة .. أو قبل أن تنام .. أو قبل الفجر .. لتكتب عند الله من قوام الليل ..
قال : إن الله وتر يحب الوتر .. فأوتروا يا أهل القرآن ..
ومنها .. السعي في الإصلاح بين الناس .. بين الزملاء المتخاصمين .. بين الجيران .. بين الزوجين ..
قال : الا أخبركم بأفضل من درجة الصلاةوالصياموالصدقة ؟
قالوا : بلى ..
قال : إصلاح ذات البين .. وفساد ذات البين هي الحالقة ([2])
ومنها الإكثار من ذكر الله ..
فإن من أحب شيئاً أكثر من ذكره ..
وفي الحديث .. قال : ألا أنبئكم بخير أعمالكم .. وأزكاها عند مليككم .. وأرفعها في درجاتكم .. وخير لكم من إعطاء الذهب والورق .. وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ..؟
قالوا : بلى .. وما ذاك يا رسول الله ؟
قال : ذكر الله عز وجل ([3]) ..
ومنها .. صدقة السر .. فصدقة السرّ تطفئ غضب الرب ..
كان أبو بكر إذا صلى الفجر خرج إلى الصحراء .. فاحتبس فيها شيئاً يسيراً .. ثم عاد إلى المدينة ..
فعجب عمر من خروجه .. فتبعه يوماً خفية بعدما صلى الفجر ..
فإذا أبو بكر يخرج من المدينة ويأتي على خيمة قديمة في الصحراء .. فاختبأ له عمر خلف صخرة ..
فلبث أبو بكر في الخيمة شيئاً يسيراً .. ثم خرج ..
فخرج عمر من وراء صخرته ودخل الخيمة .. فإذا فيها امرأة ضعيفة عمياء .. وعندها صبية صغار ..
فسألها عمر : من هذا الذي يأتيكم ..
فقالت : لا أعرفه .. هذا رجل من المسلمين .. يأتينا كل صباح .. منذ كذا وكذا ..
قال فماذا يفعل : قالت : يكنس بيتنا .. ويعجن عجيننا .. ويحلب داجننا .. ثم يخرج ..
فخرج عمر وهو يقول : لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر .. لقد أتعبت الخلفاء من بعدك يا أبا بكر ..
* * * * * * * *
ولم يكن عمر بعيداً في تعبده وإخلاصه عن أبي بكر ..
فقد رآه طلحة بن عبيد الله ..
خرج في سواد الليل .. فدخل بيتاً ثم .. خرج منه ودخل بيتاً آخر .. فعجب طلحة .. ماذا يفعل عمر في هذه البيوت !!
فلما أصبح طلحة ذهب إلى البيت الأول..فإذا عجوز عمياء مقعدة..
فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟
قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا .. يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى ..
فخرج طلحة وهو يقول: ثكلتك أمك يا طلحة..أعثراتُ عمرَ تتبع؟
* * * * * * * *
وخرج مرة إلى ضواحي المدينة .. فإذا برجل عابر سبيل نازل وسط الطريق .. وقد نصب خيمة قديمة .. وقعد عند بابها .. مضطربَ الحال .. فسأله عمر : من الرجل ؟
قال : من أهل البادية .. جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله ..
فسمع عمر أنين امرأة داخل الخيمة .. فسأله عنه ؟
فقال : انطلق رحمك الله لحاجتك ..
قال عمر : هذا من حاجتي ..
فقال : امرأتي في الطلق - يعني تلد - وليس عندي مال ولا طعام ولا أحد ..
فرجع عمر إلى بيته سريعاً .. فقال لامرأته أم كلثوم بنت علي : هل لك في خير ساقه الله إليك ؟
قالت : وما ذاك .. فأخبرها بخبر الرجل .. فحملت امرأته معها متاعاً .. وحمل هو جراباً فيه طعام .. وقدراً وحطباً .. ومضى إلى الرجل ..
ودخلت امرأة عمر على المرأة في خيمتها ..
وقعد هو عند الرجل .. فأشعل النار وأخذ ينفخ الحطب .. ويصنع الطعام .. والدخان يتخلل لحيته .. والرجل قاعد ينظر إليه ..
فبينما هو على ذلك .. إذ صاحت امرأته من داخل الخيمة .. يا أمير المؤمنين .. بشر صاحبك بغلام ..
فلما سمع الرجل .. أمير المؤمنين .. فزع وقال : أنت عمر بن الخطاب .. قال : نعم .. فاضطرب الرجل .. وجعل يتنحى عن عمر.. فقال له عمر : مكانك ..
ثم حمل عمر القدر .. وقربه إلى الخيمة وصاح بامرأته .. أشبعيها ..
فأكلت المرأة من الطعام .. ثم أخرجت باقي الطعام خارج الخيمة ..
فقام عمر فأخذه فوضعه بين يدي الرجل .. وقال له : كل .. فإنك قد سهرت من الليل ..
ثم نادى عمر امرأته فخرجت إليه ..
فقال للرجل : إذا كان من الغد .. فأتنا نأمر لك بما يصلحك ..
* * * * * * * *
وكان علي بن الحسين يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل .. فيتصدق بها..ويقول : إن صدقة السر تطفىء غضب الرب ..
فلما مات وجدوا في ظهره آثار سواد .. فقالوا : هذا ظهر حمال .. وما علمناه اشتغل حمالاً ..
فانقطع الطعام عن مائة بيت في المدينة .. من بيوت الأرامل والأيتام .. كان يأتيهم طعامهم بالليل .. لا يدرون من يحضره إليهم .. فعلموا أنه الذي ينفق عليهم ..
وصام أحد السلف عشرين سنة .. يصوم يوماً ويفطر يوماً .. وأهله لا يدرون عنه .. كان له دكان يخرج إليه إذا طلعت الشمس ويأخذ معه فطوره وغداءه .. فإذا كان يوم صومه تصدق بالطعام .. وإذا كان يوم فطره أكله ..
فإذا غربت الشمس .. رجع إلى أهله وتعشى معهم ..
نعم .. كانوا يستشعرون العبودية لله في جميع أحوالهم ..
هم المتقون .. والله يقول : } إِنَّلِلْمُتَّقِينَمَفَازًا * حَدَائِقَوَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَأَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لَّايَسْمَعُونَفِيهَالَغْوًاوَلَاكِذَّابًا * جَزَاءمِّنرَّبِّكَعَطَاء حِسَابًا { ..
فاطلب محبة الخالق .. وهو يتكفل بزرع محبتك في قلوب خلقه ..

إضاءة ..
ليس الغاية أن تكون ظواهر الآخرين تحبك .. إنما الغاية أن تحبك بواطنهم أيضاً ..

6. أخرجهم من الحفرة ..
ألم يقع مرة أن أحرجك شخص في مجلس عام بكلمة جارحة ..
أو ربما سخر منك .. بأي شيء وإن كان صغيراً .. بلباسك أو كلامك .. أو أسلوبك ..
فدافع عنك شخص ما .. فشعرت بامتنان عظيم له .. لأنه كأنما أمسك بطرف ثوبك عندما دفعك غيرك إلى هاوية ..
مارس هذه المهارة مع الآخرين .. وسترى لها تأثيراً ساحراً ..
لو دخلت على شخص وأقبل ولده يحمل طبقاً في طعام .. لكنه استعجل قليلاً .. فكاد أن يقع الطبق على الأرض .. فانطلق الأب عليه ثائراً .. لماذا العجلة ؟ كم مرة أعلمك ؟ ..
فاحمرَّ وجه الولد واصفرَّ ..
فقلت أنت : لا .. بل فلان بطل .. رجُل .. ما شاء الله عليه يحمل كل هذا لوحده .. ولعله استعجل لأن فيه أغراض أخرى أيضاً ..
أي امتنان سيشعر به الغلام لك ..
هذا مع الصغار .. فما بالك مع الكبار ..
لو أثنيت على زميل في اجتماع .. بعدما صبوا عليه وابلاً من اللوم ..
أو أثنيت على أحد إخوانك .. بعدما انكب الإراد الأسرة عليه معاتبين ..
شاب أحرجه شخص بسؤال أمام الناس : بَشَّرْ يا فلان .. كم نسبتك في الجامعة ؟!
بالله عليك .. هل هذا سؤال يسأله عاقل أمام الناس ؟!!
فانقلب وجه الشاب متلوناً .. فأنقذته قائلاً بلطف : ليش يا أبا فلان .. ستزوجه ؟!! أو عندك وظيفة له ؟ أو ..
فضحكوا ونُسي السؤال ..
أو لو عاتبه على دنوِّ معدله الدراسي .. فقلت : يا أخي لا تلمه .. تخصصه صعب .. لكن سيشد حيله إن شاء الله ..
كسب محبة الناس فرص يقتنصها الأذكياء ..
إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
كان عبد الله بن مسعود .. يمشي مع النبي ..
فمرا بشجرة فأمره النبي أن يصعدها ويحتزَّ له عوداً يتسوك به ..
فرقى ابن مسعود وكان خفيفاً .. نحيل الجسم .. فأخذ يعالج العود لقطعه ..
فأتت الريح فحركت ثوبه وكشفت ساقيه .. فإذا هما ساقان دقيقتان صغيرتان ..
فضحك القوم من دقة ساقيه ..
فقال النبي : ممّ تضحكون ؟! .. من دقة ساقيه ؟!
والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد .. ([4])

وجهة نظر ..
كسب محبة الناس فرص يقتنصها الأذكياء ..
7. الاهتمام بالمظهر ..
كان أبو حنيفة جالساً يوماً بين طلابه في المسجد يدرس ..
وكان به ألم في ركبته .. وقد مد رجله .. واتكأ على جدار ..
في هذه الأثناء .. أقبل رجل عليه لباس حسن .. وعمامة حسنة .. ومظهر مهيب .. كان وقوراً في مشيته .. جليلاً في خطوته ..
أفسح له لطلاب حتى جلس بجانب أبي حنيفة ..
فلما رأى ابو حنيفة مظهره .. ورزانته .. ورتابة هيئته ,, استحى من طريقة جلسته وثنى رجله .. وتحمل ألم ركبته لأجله ..
استمر أبو حنيفة في درسه والرجل يسمع ..
فلما انتهى من الدرس ..
بدأ الطلاب يسألون .. فرفع ذلك الرجل يده ليسأل ..
التفت إليه الشيخ .. وقال : ما سؤالك ؟
فقال : يا شيخ .. متى وقت صلاة المغرب ؟
قال : إذا غربت الشمس .. !!
قال : وإذا جاء الليل والشمس لم تغرب .. فماذا نفعل ؟!
فقال أبو حنيفة : آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه .. ومد رجله كما كانت ..
وسكت عن هذا السؤال المتناقض !!.. إذ كيف يأتي الليل والشمس لم تغرب ؟!!
يقولون إن النظرة الأولى إليك تكوِّن في ذهن المقابل أكثر من 70% من تصوره عنك ..
ويبدو أنه عند التأمل ستجد أن النظرة الأولى تكون أكثر من 95% عنك .. حتى تتكلم .. أو تعرِّف بنفسك ..
ولو مشيت في ممر في مستشفى أو شركة وبجانبك شخص عليه ثياب حسنة .. وعليه وقار في مشيته .. لرأيت أنك – ربما لا شعورياً – إذا وصلت إلى باب في الممر التفتَّ إليه وقلت له : تفضل .. طال عمرك !!
ولو ركبت سيارة أحد أصدقائك فرأيتها فوضى .. هنا فردة حذاء مرمي .. وهنا روق شاورما .. وهما منديل .. وأشرطة كاسيت متناثرة ..
لكونت فكرة عن الشخص مباشرة أنه فوضوي .. غير مبال بالترتيب ..
وكذلك في لباس الناس .. ومظهرهم العام ..
والذي أعنيه هنا هو الاهتمام بالمظهر لا الإسراف في اللباس أو السيارة .. أو الأثاث .. أوغيرها ..
كان رسول الله يعتني بهذه النواحي كثيراً ..
فكان له حلة حسنة يلبسها في العيدين والجمعة ..
وكانت له حلة يلبسها في استقبال الوفود ..
كان يعتني بمظهره ورائحته ..
وكان يحب الطيب ..
قال أنس : كان رسول الله .. أزهر اللون كأن عرقه اللؤلؤ .. إذا مشا تكفأ ..
وما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله ..
ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة النبي .. وكانت يدُه مطيبةً كأنما أخرجت من جؤنة عطار ..
وكان .. يعرف بريح الطيب إذا أقبل ..
وقال أنس ( كان رسول الله لا يرد الطيب ) ..
قال أنس : ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف رسول الله ..
وكان أحسن الناس وجهاً .. كان وجهه مستنيراً كالشمس ..
وكان إذا سُرّ استنـار وجهه .. حتى كأن وجهه قطعة قمر ..
قال جابر بن سمرة رأيت رسول الله في ليلة مضيئة مقمرة ..
فجعلت أنظر إلى رسول الله وإلى القمر .. وعليه حلة حمراء .. فإذا هو عندي أحسن من القمر ..
وكان يأمر المسلمين بذلك يأمر المسلمين بمراعاة المظهر ..
عن أبي الأحوص عن أبيه .. قال : أتيت النبي وعليّ ثوب دون ( أي ردئ ) ..
فقال : ألك مال ؟ قلت : نعم ..
قال : من أي المال ؟ قلت : من الإبل والبقر والغنم والخيل والرقيق ..
فقال : فإذا آتاك الله مالاً .. فلُيرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه ..
وقال : ( من أنعم الله عليه نعمة .. فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ) .
وعن جابر بن عبدالله قال :
أتانا رسول الله .. زائراً في منزلنا فرأى رجلاً شعثاً قد تفرق شعره ..
فقال : أما كان يجد هذا ما يُسكن به شعره ؟
ورأى رجلاً آخر وعليه ثياب وسخة فقال : أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه ؟ ..
وقال : ( من كان له شعر فليكرمه ) ..
وكان يحرّص على حسن السمت .. وجمال الشكل .. واللباس .. وطيب الرائحة ..
وكان يردد في الناس قائلاً : ( إن الله جميل يحب الجمال ) ([5]) ..

تجربة ..
النظرة الأولى إليك تطبع في ذهن المقابل 70% من تصوره عنك ..

8. الصدق..
أذكر أني كنت أراقب على الطلاب يوماً في قاعة الامتحان .. وكان الامتحان يوم خميس .. ومع أن يوم الخميس هو إجازة أصلاً إلا أننا اضطررنا أن نجعل فيه امتحاناً لزحمة المواد ..
بعد مضي ربع ساعة من بداية الامتحان .. أقبل أحد الطلاب متأخراً .. كان المسكين يبدو عليه الاضطراب الشديد ..
قلت له : عفواً .. أتيت متأخراً ولن أسمح لك بدخول الامتحان ..
فبدأ يرجوني أن أسمح له ..
قلت : ما الذي أخرك ؟!
قال : والله يا دكتور .. راحت علي نومة !!
أعجبني صدقه .. وقلت تفضل .. فدخل وامتحن ..
بعده بدقائق أقبل طالب آخر .. قلت : ما أخرك ؟
قال : يا دكتور والله الطريق زححححمة .. تعرف الناس في الصباح طالعين لدواماتهم .. هذا رايح جامعته .. وهذا لشركته .. وهذا ..
وجعل يعدد عليَّ ليقنعني أن الطريق زحمة ..
ونسي المسكين أن اليوم إجازة للموظفين .. وربما ليس في الطرق إلا طلابنا !!
قلت له : يعني الشوارع زحمة .. والسيارات تملأ الطرق ؟
قال : إي والله يا دكتور كأنك ترى ..
قلت : يا شاطر !! إذا أردت أن تكذب فاضبط الكذبة .. يا أخي اليوم خمييييس .. يعني ما فيه دوامات .. من أين جاءت الزحمة ؟!!
قال : آه يا دكتور .. نسيت .. " بنشر علي الكفر " .. أي تعطلت إحدى إطارات السيارة فوقف لإصلاحها ..!!
كان المسكين مضطرباً متورطاً .. فضحكت ودخل ليمتحن ..
نعم .. ما أقبح أن يكتشف الناس أنك تكذب عليهم ..
الكذب ينفر الناس عنك .. ويفقدك المصداقية عندهم ..
ويجعلهم لا يثقون فيك ..
فلو وقعت لأحدهم مشكلة .. فلن يشكوها إليك ..
ولو تكلمت بشيء لن يسمعوه بتقبل ..
قال : يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانةوالكذب ([6])
وسئل .. فقيل له : يا رسول الله .. أيكون المؤمن جباناً ؟
فقال : نعم ..
فقيل : أيكون المؤمن بخيلاً ؟
فقال : نعم ..
فقيل : أيكون المؤمنكذاباً ؟
فقال : لا .. ([7])
وقال عبد الله بن عامر :
دعتني أمي يوماً .. ورسول الله قاعد في بيتنا .. فقالت :
ها .. تعالأعطيك ..
فقال لها رسول الله : وما أردت أن تعطيه ؟
قالت : أعطيه تمراً ..
فقال لها : أما إنك لو لم تعطيه شيئاً .. كتبت عليك كذبة ([8])
وكان إذا اطلع على أحد من أهل بيته كذب كذبة .. لم يزل معرضاً عنه ..
في كثير من الأحيان يندفع بعض الناس إلى الكذب .. لأجل إظهار أنفسهم بصورة أكبر من الحقيقة ..
فتجده يكذب في بطولات يؤلفها .. ومواقف يخترعها ..
أو يزيد في القصص .. ليملّحها ..
أو يدعي أشياء عنده .. وهو كاذب .. فيتشبع بما لم يعط ..
أو تجد الكذاب يعد ويخلف ..
أو يتورط بأمور .. فيختلق أعذاراً متنوعة .. وسرعان ما يكتشف الناس كذبه فيها ..
وقف أحد العلماء أمام السلطان .. فشهد على شيء ..
فقال السلطان : كذبت ..
فصاح العالم : أعوذ بالله .. والله لو نادى منادٍ من السماء : إن الله أحلَّ الكذب .. لما كذبت .. فكيف وهو حرام !!

حقيقة ..
الكذب لون واحد كله أسود ..

9. الشجاعة ..
قال لي بعدما خرجنا من الوليمة : تصدق كنت أعرف اسم الصحابي الذي تكلمتم عنه ..
قلت : عجباً !! ليش ما ذكرته .. وقد رأيتنا متحيرين ؟!
خفض رأسه وقال : خجلت أتكلم ..
قلت في نفسي : تباً للجُبن ..
وآخر كان يدرس في السنة الأخيرة من الثانوية ..
التقيت به يوماً فقال لي : قبل يومين دخلت الفصل .. فرأيت الطلاب واجمين .. والمدرس جالس على كرسيه .. بدون شرح ..
جلست وسألت الذي بجانبي : ما الخبر ؟!
قال : زميلنا عساف مات البارحة ..
كان في الفصل عدد من أصدقاء عساف .. تاركون للصلاة .. والغون في عدد من المحرمات ..
كان تأثير الخبر عليهم واضحاً .. حدثتني نفسي أن ألقي عليهم كلمة وعظية أحثهم فيها على الصلاة .. وبر الولدين .. وإصلاح النفس ..
قلت له : ممتااااز .. هل فعلت ؟
قال : بصراحة .. لا .. خجلت ..
سكت .. وكظمت غيظي وأنا أقول في نفسي : تباً للـجُبْن ؟!!
امرأة تسألها : لماذا لم تصارحي زوجك بالموضوع ؟
فتقول : أستحي !! خفت يزعل !! خفت يهجرني .. خفت ..
شاب تسأله : لـمَ لم تخبر أباك بالمشكلة قبل أن تتفاقم ؟!
فيقول : أخاف .. ما أتجرأ ..
أو ربما رفع أحدهم ضغطك بقوله : أستحي أبتسم .. أخجل أثني عليه ..
أخاف يقولون يجامل .. يستخف دمه ..
أسمع هذه التصرفات كثيراً .. فأتمنى أن أصرخ فيهم : يا جبناااااء .. إلى متى ؟!
الجبان لا يبني مجداً .. هو صفر على الشمال دائماً ..
إن حضر مجلساً تلحّف بـجُـبْنه ولم يشارك برأي .. أو ينطق بكلمة ..
وإن ذكروا نكتة ضحكوا وعلّقوا .. ولم يستطع أن يزيد على أن خفض رأسه وتبسم ..
وإن حضر مجلساً .. لم ينتبه أحد لوجوده ..
والأعظم من ذلك إن كان أباً .. أو زوجاً .. أو مديراً ..
أو حتى زوجة أو أماً ..
الناس يكرهون الجبان .. وليس له قدر ..
فعود نفسك على الشجاعة في الإلقاء ..
الشجاعة في النصح ..
الشجاعة في تطبيق مهارات التعامل مع الناس ..

وجهة نظر ..
عوّد نفسك ودربها .. وإنما النصر : صبر ساعة ..

10. الثبات على المبادئ ..
كلما كانت شخصية الشخص أقوى .. وثباته على مبادئه أشد .. كان أهم في الحياة ..
أحيناً يكون من مبادئك عدم أخذ الرشوة .. مهما ملَّحوا أسماءها .. بخشيش .. هدية .. عمولة ..
زوجة يكون من مبادئها .. عدم الكذب على زوجها .. مهما زينوه لها .. تمشية حال .. كذب أبيض ..
من المبادئ .. عدم تكوين علاقات محرمة مع الجنس الآخر .. عدم شرب الخمر ..
شخص لا يدخن .. جلس مع أصحابه .. ليثبت على مبادئه ..
الشخص الثابت على مبادئه وإن انتقدته أصحابه أحياناً .. واتهموه بعدم المرونة .. إلا أن مشاعرهم الداخلية تؤمن أنها أمام بطل ..
فتجد أن أكثرهم يلجأ إليه ويشعر بأهميته أكثر ن غيره ..
وليش هذا خاصاً بأحد الجنسين دون الآخر .. بل الرجال والنساء في ذلك سواء ..
فاثبت على مبادئك ولا تقدم تنازلات .. عندها سيرضخ الناس لها ..
لما ظهر الإسلام في الناس جعلت لقبائل تفد إلى رسول الله ..
فجاء وفد قبيلة ثقيف وكانوا بضعة عشر رجلاً ..
فلما قدموا أنزلهم رسول الله المسجد ليسمعوا القرآن ..
فسألوه : عن الربا والزنا والخمر ؟
فحرم عليهم ذلك كله ..
وكان لهم صنم ورثوا عبادته وتعظيمه عن آبائهم .. اسمه " الربة " .. ويصفونه بـ " الطاغية " .. وينسجون حوله القصص والحكايات للدلالة على قوته ..
فسألوه عن " الربة " ما هو صانع بها ؟
قال : اهدموها ..
ففزعوا .. وقالوا : هيهات .. لو تعلم الربة أنك تريد أن تهدمها .. قتلت أهلها !!
وكان عمر حاضراً .. فعجب من خوفهم من هدم صنم ..
فقال : ويحكم يا معشر ثقيف !! ما أجهلكم !! إنما الربة حجر ..
فغضبوا .. وقالوا : إنا لم نأتك يا ابن الخطاب ..
فسكت عمر ..
فقالوا : نشترط أن تدع لنا الطاغية ثلاث سنين .. ثم تهدمه بعدها إن شئت ..
فرأى النبي أنهم يساومونه على أمر في العقيدة !! هو أصل من أصول الإسلام .. فما دام أنهم سيسلمون .. فما الداعي للتعلق بالصنم .. !!
فقال : لا ..
قالوا : فدعه سنتين .. ثم اهدمه ..
قال : لا ..
قالوا : فدعه سنة واحدة ..
قال : لا ..
قالوا : فدعه شهراً واحداً !!
قال : لا ..
فلما رأوا أنه لم يستجب لهم في ذلك .. فالمسألة شرك وإيمان .. لا مجال فيها للمفاوضة !!
قالوا : يا رسول الله .. فتولَّ أنت هدمها .. أما نحن فإنا لن نهدمها أبداً ..
فقال : سأبعث إليكم من يكفيكم هدمها ..
فقالوا : والصلاة .. لا نريد أن نصلي .. فإننا نأنف أن تعلو إست الرجل رأسه !!
فقال : أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك ..
وأما الصلاة .. فلا خير في دين لا صلاة فيه ..!!
فقالوا : سنؤتيكها .. وإن كانت دناءة ..
فكاتبوه على ذلك ..
وذهبوا إلى قومهم .. ودعوهم إلى الإسلام .. فأسلموا على مضض ..
ثم قدم عليهم رجال من أصحاب رسول الله لهدم الصنم ..
فيهم خالد بن الوليد .. والمغيرة بن شعبة الثقفي ..
فتوجه الصحابة إلى الصنم ..
ففزعت ثقيف .. وخرج الرجال والنساء والصبيان ..
وجعلوا يرقبون الصنم .. وقد وقع في قلوبهم أنه لن ينهدم .. وأن الصنم سيمنع نفسه ..
فقام المغيرة بن شعبة .. فأخذ الفأس .. والتفت إلى الصحابة الذين معه وقال :
والله لأضحكنكم من ثقيف !!
ثم اقبل إلى الصنم .. فضرب الصنم بالفأس .. ثم سقط وجعل يرفس برجله ..
فصاحت ثقيف .. وارتجوا .. وفرحوا .. وقالوا : أبعد الله المغيرة .. قتلته الربة ..
ثم التفتوا إلى بقية الصحابة وقالوا :
من شاء منكم فليقترب ..
عندها قام المغيرة ضاحكاً .. وقال :
ويحكم يا معشر ثقيف .. إنما هي لكاع ( أي مزحة ) .. وهذا صنم .. حجارة ومدر .. فاقبلوا عافية الله واعبدوه ..
ثم أقبل يهدم الصنم .. والناس معه .. فما زالوا يهدمونها حجراً حجراً .. حتى سووها بالارض ..
شريرة غير متواجد حالياً  
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ocllapseimg_forumrules تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

ward2u المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
استمتع بحياتك مع من تحب Blume التصوير الفوتوغرافي صور فوتوغرافية تقنيات ابداع المصور الفنان 6 10-06-2016 06:38 AM
الرسم بالالوان المائية استمتع وتعلم moh004 منتدى تعليم فن الرسم التصوير اسس التصميم الابتكارى 21 01-18-2014 09:20 PM
وصفات زيوت طبيعية لمزيد من النعومة والجاذبية نورهان منتدى حواء جمال اناقة اتيكيت مرأة امومة طفل طفولة اسرة 1 05-24-2008 07:01 PM
اجمل ايميل ستقراه بحياتك شذى الورود منتدى اسلامي القرآن الكريم السنة النبوية موضوعات قصص دينية 4 03-16-2008 05:00 PM


الساعة الآن 12:31 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc