منتديات ورد للفنون التشكيلية و اليدوية  

العودةالعودة   منتديات ورد للفنون التشكيلية و اليدوية > ورد للفنون منتديات عامة > منتدى ادبي موضوعات ادبية سيرة الادباء قصة قصيرة

منتدى ادبي موضوعات ادبية سيرة الادباء قصة قصيرة منتدى ادبي موضوعات ادبية سيرة كبار الادباء و اهم اعمالهم الادبية و اجمل القصص القصيرة

08-01-2010, 09:36 AM   #5
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

Facebook Twitter Google LinkedIn vkontakte messenger Digg
[][]فكرة ..
بالرفق واستعمال مهارات التعامل والإقناع .. نستطيع أن نحقق ما نريد ..


1. استمتع بالمهارات ..[/]
المهارات متعة حسية ، لا أعني بها الأجر الأخروي فقط ، لا وإنما هي متعة وفرح تشعر به حقيقة ..
فاستمتع بها ، ومارسها مع جميع الناس ، كبيرهم وصغيرهم ، غنيهم وفقيرهم ، قريبهم وبعيدهم .. كلهم .. مارس معهم هذه المهارات ..

إما لاتقاء أذاهم ..

أو لكسب محبتهم ..

أو لإصلاحهم .. نعم إصلاحهم ..

كان علي بن الجهم شاعراً فصيحاً .. لكنه كان أعرابياً جلفاً لا يعرف من الحياة إلا ما يراه في الصحراء ..

وكان المتوكل خليفة متمكناً .. يُغدى عليه ويراح بما يشتهي ..

دخل علي بن الجهم بغداد يوماً فقيل له : إن من مدح الخليفة حظي عنده ولقي منه الأعطيات ..

فاستبشر علي ويمم جهة قصر الخلافة ..

دخل على المتوكل .. فرأى الشعراء ينشدون ويربحون ..

والمتوكل هو المتوكل .. سطوة وهيبة وجبروت ..

فانطلق مادحاً الخليفة بقصيدة مطلعها :

يا أيها الخليفة ..

أنت كالكلب في حفاظك للود .. وكالتيس في قراع الخطوب

أنت كالدلو لا عدمتك دلواً .. من كبار الدلاْ كثير الذنوب

ومضى يضرب للخليفة الأمثلة بالتيس والعنز والبئر والتراب ..

فثار الخليفة .. وانتفض الحراس .. واستل السياف سيفه .. وفرش النطع .. وتجهز للقتل ..

فأدرك الخليفة أن علي بن الجهم قد غلبت عليه طبيعته .. فأراد أن يغيرها ..

فأمر به فأسكنوه في قصر منيف .. تغدو عليه أجمل الجواري وتروح يما يلذ ويطيب ..

ذاق علي بن الجهم النعمة .. واتكأ على الأرائك .. وجالس أرق الشعراء .. وأغزل الأدباء ..

ومكث على هذا الحال سبعة أشهر ..

ثم جلس الخليفة مجلس سمر ليلة .. فتذكر علي بن الجهم .. فسأل عنه ، فدعوه له .. فلما مثل بين يديه .. قال : أنشدني يا علي بن الجهم ..

فانطلق منشداً قصيدة مطلعها :

عيون المها بين الرصافة والجسر .. جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

أعدن لي الشوق القديم ولم أكن .. سلوت ولكن زدن جمراً على جمر

ومضى يحرك المشاعر بأرق الكلمات .. ثم شرع يصف الخليفة بالشمس والنجم والسيف ..

فانظر كيف استطاع الخليفة أن يغير طباع ابن الجهم ..

ونحن كم ضايقتنا طباع لأولادنا أو أصدقائنا فسعينا لتغييرها .. فغيرناها ..

فمن باب أولى أن تقدر أنت على تغيير طباعك .. فتقلب العبوس تبسماً .. والغضب حلماً .. والبخل كرماً .. وهذا ليس صعباً .. لكنه يحتاج إلى عزيمة ومراس .. فكن بطلاً ..

ومن نظر في سيرة محمد r وجد أنه كان يتعامل مع الناس بقدرات أخلاقية ، ملك بها قلوبهم ..
ولم يكن r يتصنع هذه الأخلاق أمام الناس .. فإذا خلا بأهل بيته .. انقلب حلمه غضباً .. ولينه غلظاً ..
لا .. ما كان بساماً مع الناس عبوساً مع أهل بيته ..

ولا كريماً مع الخلق إلا مع ولده وزوجه ..

لا .. بل كانت أخلاقه سجية .. يتعبد لله تعالى بها .. كما يتعبد بصلاة الضحى وقيام الليل ..

يحتسب ابتسامته قربة .. ورفقَه عبادة .. وعفوَه ولينَه حسنات ..

إن من اعتبر حسن الخلق عبادة .. تحلى بها في جميع أحواله .. في سلمه وحربه .. وجوعه وشبعه .. وصحته ومرضه .. بل وفرحه وحزنه ..

نعم .. كم من الزوجات تسمع عن أخلاق زوجها.. وسعة صدره .. وابتسامته وكرمه ..

ولكنها لم تر من ذلك شيئاً ..

فهو في بيته سيئَ الخلق .. ضيقَ الصدر .. عابسَ الوجه .. صخاباً لعاناً .. بخيلاً ومناناً ..

أما هو r فهو الذي قال : ( خيركم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ([1]) ..
وانظر كيف كان يتعامل مع أهله ..

قال الأسود بن يزيد : سألت عائشة t : ما كان رسول الله r يصنع في بيته ؟
فقالت : يكون في مهنة أهله .. فإذا حضرت الصلاة يتوضأ ويخرج للصلاة ..

وقل مثل ذلك مع الوالدين .. فكم هم أولئك الذين نسمع عن حسن أخلاقهم ..

وكرمهم وتبسمهم .. وجميل معاشرتهم للآخرين .. أما مع أقرب الناس إليهم .. وأعظم الناس حقاً عليهم .. مع الوالدين فجفاء وهجر ..

نعم .. خيركم خيركم لأهله .. لوالديه .. لزوجه .. لخدمه .. بل ولأطفاله ..
في يوم مليء بالمشاعر .. يجلس أبو ليلى t عند رسول الله e .. فيأتي الحسن أو الحسين يمشي إلى النبي e .. فيأخذه e .. فيقعده على بطنه .. فبال الصغير على بطن رسول الله e .. قال أبو ليلى : حتى رأيت بوله على بطن رسول الله e أساريع ..

قال : فوثبنا إليه .. فقال e : دعوا ابني .. لا تفزعوا ابني ..
فلما فرغ الصغير من بوله .. دعا e بماء فصبه عليه .. ([2])
فلله دره كيف تروضت نفسه على هذه الأخلاق .. فلا عجب إذن أن يملك قلوب الصغار والكبار ..
[]رأي ..
بدل أن تسب الظلام .. حاول إصلاح المصباح ..


2. مع الفقراء ..[/]
عدد من الناس اليوم أخلاقهم تجارية .. فالغني فقط هو الذي تكون نكته طريفة فيضحكون عند سماعها .. وأخطاؤه صغيرة .. فيتغاضون عنها ..
أما الفقراء فنكتهم ثقيلة .. يسخر بهم عند سماعها .. وأخطاؤهم جسيمة .. يصرخ بهم عند وقوعها ..

أما رسول الله r فكان عطفه على الغني والفقير سواء ..
قال أنس t :
كان رجل من أهل البادية اسمه زاهر بن حرام ..

وكان ربما جاء المدينة في حاجة فيهدي للنبي r من البادية شيئاً من إقط أو سمن ..
فيُجهزه رسول الله r إذا أراد أن يخرج إلى أهله بشيء من تمر ونحوه ..
وكان النبي r يحبه .. وكان يقول : ( إن زاهراً باديتنا .. ونحن حاضروه ).. وكان زاهراً دميماً ..
خرج زاهر tيوماً من باديته .. فأتى بيت رسول الله r .. فلم يجده ..
وكان معه متاع فذهب به إلى السوق .. فلما علم به النبي e مضى إلى السوق يبحث عنه ..
فأتاه فإذا هو يبيع متاعه .. والعرق يتصبب منه .. وثيابه ثياب أهل البادية بشكلها ورائحتها ..

فاحتضنه r من ورائه ، وزاهر لا يُبصره .. ولا يدري من أمسكه ..
ففزع زاهر وقال : أرسلني .. من هذا ؟ ..

فسكت النبي عليه الصلاة والسلام ..

فحاول زاهر أن يتخلص من القبضة ..

وجعل يلتفت وراءه .. فرأى النبي r .. فاطمأنت نفسه .. وسكن فزعه ..
وصار يُلصٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍق ظهره بصدر النبي r .. حين عرفه ..
فجعل النبي r يمازح زاهراً .. ويصيح بالناس يقول :من يشتري العبد ؟ .. من يشتري العبد ؟ ..
فنظر زاهر في حاله .. فإذا هو فقير كسير .. لا مال .. ولا جمال ..

فقال : إذاً والله تجدني كاسداً يا رسول الله ..

فقال r : لكن عند الله لست بكاسد .. أنت عند الله غال ..
فلا عجب أن تتعلق قلوب الفقراء به e وهو يملكهم بهذه الأخلاق ..
كثير من الفقراء .. قد لا يعيب على الأغنياء البخل عليه بالمال والطعام .. لكنه يجد عليهم بخلهم باللطف وحسن المعاشرة ..

وكم من فقير تبسمت في وجهه .. وأشعرته بقيمته واحترامه .. فرفع في ظلمة الليل يداً داعية .. يستنزل بها لك الرحمات من السماء ..

ورب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لا يؤبه له .. لو أقسم على الله لأبره ..

فكن دائم البشر مع هؤلاء الضعفاء ..


[]إشارة ..
لعل ابتسامة في وجه فقير .. ترفعك عند الله درجات ..


3. النساء ..[/]
كان جدي يستشهد بمثل قديم : " من غاب عن عنزه جابت تيس " ..
بمعنى أن من لم تجد عنده زوجته .. ما يشبع عاطفتها .. ويروي نفسها .. فقد تحدثها نفسها بالاستجابة لغيره .. ممن يملك معسول الكلام ..

وليس مقصودهم بهذا المثل تشبيه الرجل والمرأة بالتيس والعنز .. معاذ الله ..

المرأة شقيقة الرجل .. ولئن كان الله قد وهب الرجل جسماً قوياً .. فقد وهبها عاطفة قوية ..
وكم رأينا سلاطين الرجال وشجعانهم تخور قواهم عند قوة عاطفة امرأة ..

ومن مهارات التعامل مع المرأة أن تعرف المفتاح الذي تؤثر من خلاله فيها .. العاطفة .. تقاتلها بسلاحها ..

كان النبي e يوصيك بالإحسان إلى المرأة .. واحترام عاطفتها .. لأجل أن تسعد معها ..
وأوصى الأب بالإحسان إلى بناته .. فقال : ( من عال جاريتين حتى تبلغا .. جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) .. ([3])

وأوصى بها أولادها فقال فإنه لما سأله رجل فقال : من أحق الناس بحسن صحابتي ؟

قال : أمك .. ثم أمك .. ثم أمك .. ثم أبوك .. ([4])

بل أوصى r بالمرأة زوجها .. وذمّ من غاضب زوجته أو أساء إليها ..
وانظر إليه r وقد قام في حجة الوداع .. فإذا بين يديه مائةُ ألف حاج ..
فيهم الأسود والأبيض .. والكبير والصغير .. والغني والفقير ..

صاح r بهؤلاء جميعاً وقال لهم :
ألا واستوصوا بالنساء خيراً .. ألا واستوصوا بالنساء خيراً .. ([5])

وفي يوم من الأيام أطاف بأزواج رسول الله r نساء كثير يشتكين أزواجهن ..فلما علم النبي r بذلك .. قام .. وقال للناس :
لقد طاف بآل محمد r نساء كثير يشتكين أزواجهن .. ليس أولائك بخياركم .. ([6])
وقال e :
( خيرُكم خيرُكم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) .. ([7])

بل .. قد بلغ من إكرام الدين للمرأة .. أنها كانت تقوم الحروب .. وتسحق الجماجم .. وتتطاير الرؤوس .. لأجل عرض امرأة واحدة ..

كان اليهود يساكنون المسلمين في المدينة ..

وكان يغيظهم نزولُ الأمر بالحجاب .. وتسترُ المسلمات .. ويحاولون أن يزرعوا الفساد والتكشف في صفوف المسلمات .. فما استطاعوا ..

وفي أحد الأيام جاءت امرأة مسلمة إلى سوق يهود بني قينقاع ..

وكانت عفيفة متسترة .. فجلست إلى صائغ هناك منهم ..

فاغتاظ اليهود من تسترها وعفتها .. وودوا لو يتلذذون بالنظر إلى وجهها .. أو لمسِها والعبثِ بها .. كما كانوا يفعلون ذلك قبل إكرامها بالإسلام .. فجعلوا يريدونها على كشف وجهها .. ويغرونها لتنزع حجابها ..

فأبت .. وتمنعت ..

فغافلها الصائغ وهي جالسة .. وأخذ طرف ثوبها من الأسفل .. وربطه إلى طرف خمارها المتدلي على ظهرها ..

فلما قامت .. ارتفع ثوبها من ورائها .. وتكشفت أعضاؤها .. فضحك اليهود منها..

فصاحت المسلمة العفيفة .. وودت لو قتلوها ولم يكشفوا عورتها ..

فلما رأى ذلك رجل من المسلمين .. سلَّ سيفه .. ووثب على الصائغ فقتله ..فشد اليهود على المسلم فقتلوه ..

فلما علم النبي r بذلك .. وأن اليهود قد نقضوا العـهد وتعرضوا للمسلمات .. حاصرهم .. حتى استسلموا ونزلوا على حكمه ..
فلما أراد النبي r أن ينكل بهم .. ويثأر لعرض المسلمة العفيفة ..
قام إليه جندي من جند الشيطان ..

الذين لا يهمهم عرض المسلمات .. ولا صيانة المكرمات ..

وإنما هم أحدهم متعة بطنه وفرجه ..

قام أنمممرأس المنافقين .. عبد الله بن أُبيّ ابن سلول ..

فقال : يا محمد أحسن في موالي اليهود وكانوا أنصاره في الجاهلية ..

فأعرض عنه النبي r .. وأبـَى ..
إذ كيف يطلب العفو عن أقوام يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا !!

فقام المنافق مرة أخرى .. وقال : يا محمد أحسن إليهم ..

فأعرض عنه النبي r .. صيانة لعرض المسلمات .. وغيرة على العفيفات ..
فغضب ذلك المنافق .. وأدخل يده في جيب درع النبي r .. وجرَّه وهو يردد :
أحسن إلى مواليّ .. أحسن إلى مواليّ ..

فغضب النبي r والتفت إليه وصاح به وقال : أرسلني ..
فأبى المنافق .. وأخذ يناشد النبي r العدول عن قتلهم ..
فالتفت إليه النبي r وقال : هم لك ..
ثم عدل عن قتلهم .. لكنه r أخرجهم من المدينة .. وطرَّدهم من ديارهم ..
نعم المرأة العفيفة تستحق أكثر من ذلك ..

كانت خولة بنت ثعلبة t من الصحابيات الصالحات ..
وكان زوجها أوس بن الصامت شيخاً كبيراً يسرع إليه الغضب ..

دخل عليها يوماً راجعاً من مجلس قومه .. فكلمها في شيء فردت عليه .. فتخاصما .. فغضب فقال : أنت علي كظهر أمي .. وخرج غاضباً ..

كانت هذه الكلمة في الجاهلية إذا قالها الرجل لزوجته صارت طلاقاً .. أما في الإسلام فلا تعلم خولة حكمها ..

رجع أوس إلى بيته .. فإذا امرأته تتباعد عنه ..

وقالت له : والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت .. حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه ..

ثم خرجت خولة إلى رسول الله e فذكرت له ما تلقى من زوجها .. وجعلت تشكو إليه ما سوء خلقه معها ..
فجعل رسول الله e يصبرها ويقول : يا خويلة ابن عمك .. شيخ كبير .. فاتقي الله فيه ..
وهي تدافع عبراتها وتقول : يا رسول الله .. أكل شبابي .. ونثرت له بطني .. حتى إذا كبرت سني .. وانقطع ولدي .. ظاهر مني .. اللهم إني أشكو إليك ..

وهو e ينتظر أن ينزل الله تعالى فيهما حكماً من عنده ..
فبينما خولة عند رسول الله e إذ هبط جبريل من السماء على رسول الله e ..
بقرآن فيه حكمها وحكم زوجها ..

فالتفت e إليها وقال : يا خويلة .. قد أنزل فيك وفي صاحبك قرآناً .. ثم قرأ " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير " إلى آخر الآيات من أول سورة المجادلة ..
ثم قال لها e مُريه فليعتق رقبة ..
فقالت : يا رسول الله .. ما عنده ما يعتق ..

قال : فليصم شهرين متتابعين ..

قالت : والله إنه لشيخ كبير ما له من صيام ..

قال : فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر ..

قالت : يا رسول الله .. ما ذاك عنده ..

فقال e : فإنا سنعينه بعرق من تمر ..
قالت : والله يا رسول الله .. أنا سأعينه بعرق آخر ..

فقال e : قد أصبت وأحسنت .. فاذهبي فتصدقي به عنه .. ثم استوصي بابن عمك خيراً .. ([8])
فسبحان من وهبه اللين والتحمل مع الجميع .. حتى في مشاكلهم الشخصية .. يتفاعل معهم ..

وقد جربت بنفسي .. التعامل باللين والمهارات العاطفية مع البنت والزوجة .. وقبل ذلك الأم والأخت .. فوجدت لها من التأثير الكبير .. ما لا يتصوره إلا من مارسه ..

فالمرأة لا يكرمها إلا كريم .. ولا يهينها إلا لئيم ..


[]وقفة ..
قد تصبر المرأة على .. فقر زوجها .. وقبحه .. وانشغاله .. لكنها قل أن تصبر على سوء خلقه ..


4. الصغار ..[/]
كم هي المواقف التي وقعت لنا في صغرنا ولا تزال مطبوعة في أذهاننا إلى اليوم .. سواء كانت مفرحة أو محزنة ..
عُد بذاكرتك إلى أيام طفولتك .. ستذكر لا محالة جائزة كرمت بها في مدرستك .. أو ثناء أثناه عليك أحد في مجلس عام .. فهي مواقف تحفر صورتها في الذاكرة .. فلا تكاد تنسى ..

وإلى جانب ذلك .. لا نزال نتذكر مواقف محزنة .. وقعت لنا في طفولتنا .. مدرس ضربنا .. أو خصومة مع زملاء في المدرسة .. أو مواقف تعرضنا فيها للإهانة من أسرتنا .. أو تعرض لها أحدنا من زوجة أبيه .. أو نحو ذلك ..

وكم صار الإحسان إلى الصغار طريقاً إلى التأثير ليس فيهم فقط .. بل في آبائهم وأهليهم .. وكسب محبتهم جميعاً ..

يتكرر كثيراً لمدرس المرحلة الابتدائية أن يتصل به أحد أبوي طالب صغير ويثني عليه وأنه أحبه لمحبة ولده له وكثرة ذكره بالخير .. وقد يعبرون عن هذه المشاعر في لقاء عابر .. أو هدية أو رسالة ..

إذن لا تحتقر الابتسامة في وجه الصغير .. وكسب قلبه .. وممارسة مهارات التعامل الرائع معه ..

ألقيت يوماً محاضرة عن الصلاة لطلاب صغار في مدرسة ..
فسألتهم عن حديث حول أهمية الصلاة .. فأجاب أحدهم : قال e : بين الرجل وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة ..
أعجبني جوابه .. ومن شدة الحماس نزعت ساعة يدي وأعطيته إياها ..

وكانت – عموماً – ساعة عادية كساعات الطبقة الكادحة ..!

كان هذا الموقف مشجعاً لذلك الغلام .. أحب العلم أكثر .. وتوجه لحفظ القرآن .. وشعر بقيمته ..

مضت الأيام .. بل السنين .. ثم في أحد المساجد تفاجأت أن الإمام هو ذلك الغلام .. وقد صار شاباً متخرجاً من كلية الشريعة .. ويعمل في سلك القضاء بأحد المحاكم .. لم أذكره وإنما تذكرني هو ..

فانظر كيف انطبعت في ذهنه المحبة والتقدير بموقف عاشه قبل سنين ..

وأذكر أني دعيت ليلة لإحدى الولائم .. فإذا شاب مشرق الوجه يسلم علي بحرارة بي ويذكرني بموقف لطيف وقع له معي في محاضرة ألقيتها في مدرسته لما كان غلاماً صغيراً ..

وكم ترى من الناس الذين يحسنون التعامل مع الصغار من يخرج من المسجد .. فترى أباً يجره ولده الصغير بيده ليصل إلى هذا الرجل فيسلم عليه ويبلغه بمحبة ولده له ..

وقد يقع مثل هذا الموقف في وليمة كبيرة أو عرس .. يكثر فيه المدعوون ..

ولا أكتمك أنني أبالغ في إكرام الصغار والحفاوة بهم بعض الشيء .. بل والاستماع إلى أحاديثهم العذبة – وإن كانت في أكثر الأحيان غير مهمة – بل أزيد الحفاوة ببعضهم أحياناً إكراماً لوالده وكسباً لمحبته ..

أحد الأصدقاء كنت ألقاه أحياناً مع ولده الصغير .. فكنت أحتفي بالصغير وألاطفه ..

لقيني صديقي هذا يوماً في محفل كبير .. فأقبل إليَّ بولده يسلم علي .. ثم قال : ماذا فعلت بولدي ! يسألهم مدرسهم قبل أيام عن أمنياتهم في المستقبل .. فمنهم من قال : أكون طبيباً .. والآخر قال : أكون مهندساً .. وولدي قال : أكون محمد العريفي !!

ويمكنك أن تلاحظ أنواع الناس في التعامل مع الصغار .. عندما يدخل رجل إلى مجلس عام ويطوف بالحاضرين مصافحاً .. وولده من خلفه يفعل كفعله .. فمن الناس من يتغافل عن الصغير .. ومنهم من يصافحه بطرف يده .. ومنهم من يهز يده مبتسماً مردداً : أهلاً يا بطل .. كيف حالك يا شاطر .. فهذا الذي تنطبع محبته في قلب الصغير .. بل وقلب أبيه وأمه ..

كان المربي الأول e له أحسن التعامل مع الصغار ..
كان لأنس بن مالك أخ صغير .. وكان r يمازحه ويكنيه بأبي عمير .. وكان للصغير طير صغير يلعب به .. فمات الطير ..
فكان e يمازحه إذا لقيه .. ويقول : يا أبا عمير .. ما فعل النغير ؟ يعني الطائر الصغير ..
وكان يعطف على الصغار ويلاعبهم .. ويلاعب زينب بنت أم سلمة ويقول : ( يا زوينب .. يا زوينب .. ) ..

وكان إذا مر بصبيان يلعبون سلم عليهم ..

وكان يزور الأنصار ويُسلم على صبيانهم .. ويمسح رؤوسهم ..

وعند رجوعه r من المعركة كان يستقبله الأطفال فيركبهم معه ..
فعند عودة المسلمين من مؤتة ..

أقبل الجيش إلى المدينة راجعاً ..

فتلقاهم النبي عليه الصلاة والسلام .. والمسلمون ..

ولقيهم الصبيان يشتدون ..

فلما رأى r الصبيان .. قال : خذوا الصبيان فاحملوهم ..
وأعطوني ابن جعفر ..

فأُتي بعبد الله بن جعفر فأخذه فحمله بين يديه ..

وكان r يتوضأ يوماً من ماء .. فأقبل إليه محمود بن الربيع طفل عمره خمس سنوات .. فجعل r في فمه ماء ثم مجه في وجهه يمازحه .. ([9] ) ..
وعموماً .. كان r ضحوكاً مزوحاً مع الناس .. يدخل السرور إلى قلوبهم .. خفيفاً على النفوس لا يمل أحد من مجالسته ..
أقبل إليه رجل يوماً يريد دابة ليسافر عليها أو يغزو ..

فقال r ممازحاً له : ( إني حاملك على ولد ناقة ) ..
فعجب الرجل .. كيف يركب على جمل صغير .. لا يستطيع حمله .. فقال : يا رسول الله وما أصنع بولد الناقة ؟

فقال r : ( وهل تلد الإبل إلا النوق ) .. يعني سأعطيك بعيراً كبيراً .. لكنه - قطعاً - قد ولدته ناقة ..
وقال r يوماً لأنس ممازحاً : ( يا ذا الأذنين ) ..
وأقبلت إليه امرأة يوماً تشتكي زوجها .. فقال لها e : زوجك الذي في عينه بياض ؟
ففزعت المرأة وظنت أنه زوجها عمي بصره .. كما قال الله عن يعقوب عليه السلام " وابيضت عيناه من الحزن " أي : عمي ..
فرجعت فزعة إلى زوجها وجعلت تنظر في عينيه .. وتدقق ..
فسألها عن خبرها ؟!
فقالت : قد قال رسول الله e إن في عينك بياض ..
فقال لها : يا امرأة .. أما أخبرك أن بياضها أكثر من سوادها ..
أي أن كل أحد في عينه بياض وسواد ..
وكان e إذا مازحه أحد تفاعل معه .. وضحك وتبسم ..
دخل عليه عمر وهو r غضبان على نسائه .. لما أكثرن عليه مطالبته بالنفقة .. فقال عمر : يَا رَسُولَ اللَّهِ .. لَوْ رَأَيْتَنا وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ .. نَغْلِبُ النِّسَاءَ .. فكنا إذا سألت أحدَنا امرأتُه نفقةً قام إليها فوجأ عنقها ..

فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ .. فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ..
يعني فقويت علينا نساؤنا ..
فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ r .. ثم زاد عمر الكلام .. فازداد تبسم النبي r .. تلطفاً مع عمر t ..

وتقرأ في أحاديث أنه تبسم حتى بدت نواجذه ..
إذن كان لطيف المعشر .. أنيس المجلس ..
فلو وطّنا أنفسنا على مثل هذا التعامل مع الناس .. لشعرنا بطعم الحياة فعلاً ..

[]فكرة ..
الطفل طينة لينة نشكلها بحسب تعاملنا معه ..


5. العبيد والمماليك ..[/]
كان e يحسن الدخول إلى قلوبهم بما يناسب ..
لما توفي عم النبي r .. اشتد أذى قريش عليه r ..
فخرج r إلى الطائف .. يلتمس من ثقيف النصرة والمنعة بهم من قومه .. ورجا أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله تعالى ..
خرج إليهم وحده ..

وصل إلى الطائف .. وعمد إلى نفر ثلاثة من ثقيف وهم سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة .. عبد يا ليل .. ومسعود .. وحبيب .. بنو عمرو بن عمير ..

فجلس إليهم r .. فدعاهم إلى الله وكلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه ..
فقال أحدهم : هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك ..

وقال الآخر : أما وجد الله أحداً أرسله غيرك ؟

أما الثالث فقال – متفلسفاً - :

والله لا أكلمك أبداً ! لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام .. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك ..

فلما سمع e منهم هذا الرد القبيح .. قام من عندهم .. وقد يئس من خير ثقيف ..
لكنه خاف أن تعلم قريش بخبر ثقيف معه فيجترئون عليه أكثر .. فقال لهم :

إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا على ..

فلم يفعلوا .. وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به ..

حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة .. وشيبة بن ربيعة .. وهما فيه ..

ورجع عنه من سفهاء ثقيف ممن كان يتبعه ..

فعمد r إلى ظل حبلة من عنب فجلس فيه ..
وابنا ربيعة ينظران إليه ويريان ما يلقى من سفهاء أهل الطائف ..

فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة وما لقي تحركت له رحمهما ..

فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له عداس .. وقالا : له خذ قطفاً من هذا العنب فضعه في هذا الطبق .. ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه ..

ففعل عداس .. وجاء بالعنب .. حتى وضعه بين يدي رسول الله r ثم قال له : كل ..
فمد رسول الله r يده إليه وقال : " بسم الله " ثم أكل ..
نظر عداس إليه وقال :

والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد ..

فقال له r : " ومن أهل أي بلاد أنت يا عداس ؟ وما دينك ؟ " ..
قال : نصراني .. وأنا رجل من أهل نينوى ..

فقال r : " من قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ " ..
فقال عداس : وما يدريك ما يونس بن متى ؟

فقال r : " ذلك أخي .. كان نبياً .. وأنا نبي " ..
فأكب عداس على رسول الله r يقبل رأسه ويديه وقدميه ..
وابنا ربيعة ينظران إليهما .. فقال أحدهما لصاحبه : أما غلامك فقد أفسده عليك ..

فلما رجع عداس لسيده .. وقد بدا عليه التأثر برؤية رسول الله e وسماع كلامه ..
قال له سيده : ويلك يا عداس ! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه ؟

فقال : يا سيدي ما في الأرض شئ خير من هذا .. لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي ..

فقال سيده : ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك .. فإن دينك خير من دينه ..

فهل نستطيع نحن اليوم أن نجعل تعاملنا راقياً مع الجميع .. مهما كانت طبقاتهم ؟

[]لمحة ..
عامل البشر على أنهم بشر .. لا على أشكالهم .. أو أموالهم .. أو وظائفهم ..


6. مع المخالفين ..[/]
الكفار .. كان r يعاملهم بالعدل .. ويستميت في سبيل دعوتهم وإصلاحهم .. ويتحمل أذاهم ..
ويتغاضى عن سوئهم .. كيف لا .. وقد قال له ربه : ( وما أرسلناك إلا رحمة ) .. لمن ؟! للمؤمنين ؟! لا .. ( إلا رحمة للعالمين ) ..

وتأمل حال اليهود.. يذمونه ويبتدئون بالعداوة .. ومع ذلك يرفق بهم ..

وعن عائشة قالت : إن اليهود مروا ببيت النبي r فقالوا :
السام عليكم ( أي : الموت عليك ) ..

فقال r : وعليكم ..
فلم تصبر عائشة لما سنعتهم .. فقالت : السام عليكم .. ولعنكم الله وغضب عليكم ..

فقال e : مهلاً يا عائشة .. عليك بالرفق .. وإياك والعنف والفحش ..
فقالت : أو لم تسمع ما قالوا ؟

فقال : أو لم تسمعي ما قلت ؟! رددت عليهم فيستجاب لي .. ولا يستجاب لهم فيّ ..

نعم .. ما الداعي إلى مقابلة السباب بالسباب ! أليس الله قد قال له : ( وأعرض عن الجاهلين ) ..
وفي يوم .. خرج e مع أصحابه في غزوة ..

فلما كانوا في طريق عودتهم .. نزلوا في واد كثير الشجر ..

فتفرق الصحابة تحت الشجر وناموا .. وأقبل e إلى شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها .. وفرش رداءه ونام ..
في هذه الأثناء كان رجل من المشركين يتبعهم ..

فلما رأى رسول الله e خالياً .. أقبل يمشي بهدوء .. حتى التقط السيف من على الغصن .. وصاح بأعلى صوته :
يا محمد .. من يمنعك مني ؟


فاستيقظ رسول الله e .. والرجل قائم على رأسه .. والسيف صلتاً في يده .. يلتمع منه الموت ..
الرسول e وحيداً .. ليس عليه إلا إزار .. أصحابه متفرقون عنه .. نائمون ..
والرجل يعيش نشوة القوة والانتصار .. ويردد : من يمنعك مني ؟ من يمنعك مني ؟

فقال e بكل ثقة : الله ..
فانتفض الرجل وسقط السيف ..

فقام e والتقط السيف وقال : من يمنعك مني ؟
فتغير الرجل .. واضطرب .. وأخذ يسترحم النبي e .. ويقول : لا أحد .. كن خير آخذ ..
فقال له e : تسلم ؟
قال : لا .. ولكن لا أكون في قوم هم حرب لك ..

فعفا عنه e .. وأحسن إليه !!
وكان الرجل ملكاً في قومه .. فانصرف إليهم فدعاهم إلى الإسلام .. فأسلموا ..

نعم .. أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ..

بل حتى مع الأعداء الألداء كان r له خلق عظيم .. كسب به نفوسهم .. وهدى قلوبهم .. ودحر به كفرهم ..
لما ظهر e بدعوته بين الناس .. جعلت قريش تحاول حربه بكل سبيل ..
وكان مما بذلته أن تشاور كبارها في التعامل مع دعوته e .. وتسارع الناس للإيمان به ..
فقالوا : أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا .. وشتت أمرنا .. وعاب ديننا .. فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ..

فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة ..

فقالوا : أنت يا أبا الوليد ..

وكان عتبة سيداً حليماً ..

فقال : يا معشر قريش .. أترون أن أقوم إلى هذا فأكلمه .. فأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل منها بعضها ..

قالوا : نعم يا أبا الوليد ..

فقام عتبة وتوجه إلى رسول الله e ..
دخل عليه .. فإذا e جالس بكل سكينة ..
فلما وقف عتبة بين يديه .. قال : يا محمد ! أنت خير أم عبد الله ؟!

فسكت رسول الله e .. تأدباً مع أبيه عبد الله ..
فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟

فسكت e .. تأدباً مع جده عبد المطلب ..
فقال عتبة : فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ .. وإن كنت تزعم أنك خير منهم .. فتكلم حتى نسمع قولك ..

وقبل أن يجيب النبي e بكلمة .. ثار عتبة وقال :
إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك !!.. فرقت جماعتنا .. وشتت أمرنا .. وعبت ديننا .. وفضحتنا في العرب .. حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً .. وأن في قريش كاهناً .. والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى .. أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ..

كان عتبة متغيراً غضباناً .. والنبي e ساكت يستمع بكل أدب ..
وبدأ عتبة يقدم إغراءات ليتخلى النبي e عن الدعوة .. فقال :
أيها الرجل إن كنت جئت بالذي جئت به لأجل المال .. جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً ..

وان كنت إنما بك حب الرئاسة .. عقدنا ألويتنا لك فكنت رأساً ما بقيت ..

وإن كان إنما بك الباه والرغبة في النساء .. فاختر أيَّ نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً ..!!

وان كان هذا الذي يأتيك رئياً من الجن تراه .. لا تستطيع رده عن نفسك .. طلبنا لك الطب .. وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه .. فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يتداوى منه ..

ومضى عتبة يتكلم بهذا الأسلوب السيء مع رسول الله e .. ويعرض عليه عروضاً ويغريه .. والنبي عليه الصلاة والسلام ينصت إليه بكل هدوء ..
وانتهت العروض .. ملك .. مال .. نساء .. علاج من جنون !!

سكت عتبة .. وهدأ .. ينتظر الجواب ..

فرفع النبي عليه الصلاة والسلام بصره إليه وقال بكل هدووووء :

أفرغت يا أبا الوليد ؟

لم يستغرب عتبة هذا الأدب من الصادق الأمين .. بل قال باختصار : نعم ..

فقال e : فاسمع مني ..
قال : أفعل ..

فقال e : بسم الله الرحمن الرحيم " حم * تَنزِيلٌمِّنَالرَّحْمَنِالرَّحِيمِ * كِتَابٌفُصِّلَتْ آيَاتُهُقُرْآنًاعَرَبِيًّالِّقَوْمٍيَعْلَمُونَ * بَشِيرًاوَنَذِيرًافَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْفَهُمْلَايَسْمَعُونَ .. ) ..
ومضى النبي عليه الصلاة والسلام .. يتلوا الآيات وعتبة يستمع ..

وفجأة جلس عتبة على الأرض .. ثم اهتز جسمه ..

فألقى يديه خلف ظهره .. واتكأ عليهما ..

وهو يستمع .. ويستمع .. والنبي يتلو .. ويتلو ..

حتى بلغ قوله تعالى ..

( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ) .. فانتفض عتبة لما سمع التهديد بالعذاب .. وقفز ووضع يديه على فم رسول الله e .. ليوقف القراءة ..
فاستمر e يتلو الآيات .. حتى انتهى إلى الآية التي فيها سجدة التلاوة .. فسجد ..
ثم رفع رأسه من سجوده .. ونظر إلى عتبة وقال : سمعت يا أبا الوليد ؟

قال : نعم ..

قال : فأنت وذاك ..

فقام عتبة يمشي إلى أصحابه .. وهم ينتظرونه متشوقين ..

فلما أقبل عليهم .. قال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ..

فلما جلس إليهم .. قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟

فقال : ورائي أني والله سمعت قولاً ما سمعت مثله قط .. والله ما هو بالشعر .. ولا السحر .. ولا الكهانة ..

يا معشر قريش : أطيعوني واجعلوها بي .. خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه .. فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ..

يا قوم !! قرأ بسم الله الرحمن الرحيم " حم * تنزيل من الرحمن الرحيم " حتى بلغ : " فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " فأمسكته بفيه .. وناشدته الرحم أن يكف .. وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب .. فخفت أن ينزل بكم العذاب ..

ثم سكت أبو الوليد قليلاً متفكراً .. وقومه واجمون يحدون النظر إليه ..

فقال : والله إن لقوله لحلاوة .. وإن عليه لطلاوة .. وإن أعلاه لمثمر .. وإن أسفله لمغدق .. وإنه ليعلو وما يعلى عليه .. وإنه ليحطم ما تحته .. وما يقول هذا بشر .. وما يقول هذا بشر ..

قالوا : هذا شعر يا أبا الوليد .. شعر ..

فقال : والله ما رجل أعلم بالأشعار مني .. ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني .. ولا بأشعار الجن .. والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئاً من هذا ..

ومضى عتبة يناقش قومه في أمر رسول الله e .. صحيح أن عتبة لم يدخل في الإسلام .. لكن نفسه لانت للدين ..
فتأمل كيف أثر هذا الخلق الرفيع .. ومهارة حسن الاستماع في عتبة مع أنه من أشد الأعداء ..

وفي يوم آخر ..

تجتمع قريش .. فينتدبون حصين بن المنذر الخزاعي .. وهو أبو الصحابي الجليل عمران بن حصين ..

ينتبونه لنقاش النبي عليه الصلاة والسلام ورده عن دعوته ..

يدخل أبو عمران على النبي e وحوله أصحابه .. فيردد عليه ما تردده قريش دوماً .. فرقت جماعتنا .. شتت شملنا .. والنبي e ينصت بلطف ..
حتى إذا انتهى .. قال له e بكل أدب ..
أفرغت يا أبا عمران ..

قال : نعم ..

قال : فأجبني عما أسألك عنه ..

قال : قل .. أسمع ..

فقال e : يا أبا عمران .. كم إلهاً تعبد اليوم ؟
قال : سبعة ..!! ستة في الأرض .. وواحداً في السماء ..!!

قال : فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك ؟

قال : الذي في السماء ..

فقال e بكل لطف : يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك ..
فما كان من حصين إلا أن أسلم في مكانه فوراً ..

ثم قال : يا رسول الله .. علمني الكلمتين اللتين وعدتني ..

فقال e : قل : اللهم ألهمني رشدي .. وأعذني من شر نفسي ..
آآآه ما أروع هذا التعامل الراقي ! وشدة تأثيره في الناس عند مخالطتهم ..

وهذا التعامل الإسلامي الدعوي يفيد في دعوة الكفار وجذبهم إلى الخير ..

سافر أحد الشباب للدراسة في ألمانيا فسكن في شقة .. وكان يسكن أمامه شاب ألماني ، ليس بينهما علاقة ، لكنه جاره ..

سافر الألماني فجأة .. وكان موزع الجرائد يضع الجريدة كل يوم عند بابه .. انتبه صاحبنا إلى كثرة الجرائد .. سأل عن جاره .. فعلم أنه مسافر ..

لَـمَّ الجرائد ووضعها في درج خاص .. وصار يجمعها كل يوم ويرتبها ..

لما رجع صاحبه بعد شهرين أو ثلاثة .. سلم عليه وهنأه بسلامة الرجوع .. ثم ناوله الجرائد ..وقال له : خشيت أنك متابع لمقال .. أو مشترك في مسابقة .. فأردت أن لا يفوتك ذلك ..

نظر الجار إليه متعجباً من هذا الحرص .. فقال : هل تريد أجراً أو مكافأة على هذا ؟
[/]
[]قال صاحبنا : لا .. لكن ديننا يأمرنا بالإحسان إلى الجار .. وأنت جار فلا بد من الإحسان إليك [/]
[]
ثم ما زال صاحبنا محسناً إلى ذلك الجار .. حتى دخل في الإسلام ..

هذه والله هي المتعة الحقيقية بالحياة .. أن تشعر أنك رقم على اليمين .. تتعبد لله بكل شيء حتى بأخلاقك ..

وكم صدَّ أعداداً كبيرة من الكفار عن الدخول في الإسلام تعاملات فريق من المسلمين معهم .. فيظلمونهم عمالاً .. ويغشونهم متسوقين .. ويؤذونهم جيراناً ..

فهلمَّ نبدأ من جديد معهم ..




يتبع[/]
شريرة غير متواجد حالياً  
08-02-2010, 02:48 PM   #6
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

[][]الناس كلما أشعرتهم بقيمتهم وأظهرت الاهتمام بهم .. ملكت قلوبهم .. وأحبوك ..

1. أشعرهم أنك تحب الخير لهم ..[/]
كلما كان قلبك مملوءاً بالمحبة والنصح للآخرين .. كلما صرت صادقاً في مهاراتك في التعامل معهم ..
وكلما أحس الناس بحبك لهم .. ازدادوا هم أيضاً لك محبة وقبولاً ..
كانت إحدى الطبيبات تمتلئ عيادتها الخاصة دائماً بالمراجِعات ..
وكانت المريضات يرغبن في المجيء إليها دائماً وكل واحدة تشعر أنها صديقة خاصة لهذه الطبيبة ..
كانت هذه الطبيبة تمارس مهارات متعددة تسحر بها قلوب الآخرين ..
من ذلك .. أنها اتفقت مع السكرتيرة أنها إذا اتصلت إحدى المريضات تريد أن تتحدث مع الطبيبة أو تسألها عن شيء يخص المرض ..
فإن السكرتيرة تسألها عن اسمها .. وترحب بها .. ثم تطلب منها التكرم بالاتصال بعد خمس دقائق ..
ثم تأخذ السكرتيرة الملف الخاص بهذه المريضة .. وتناوله للطبيبة .. فتقرأ الطبيبة معلومات المرض .. وتنظر إلى بطاقتها الخاصة .. ومعلوماتها الكاملة بما فيها وظيفتها وأسماء أولادها ..
فإذا اتصلت المريضة .. رحبت بها الطبيبة .. وسألتها عن مرضها .. وعن فلان ولدها الصغير .. وأخبار وظيفتها .. و ..
فتشعر المريضة أن هذه الطبيبة تحبها جداً لدرجة أنها تحفظ أسماء أولادها وتتذكر مرضها .. ولم تنس مكان عملها .. فترغب في المجيء إليها دائماً ..
أرأيت أن امتلاك القلوب وأسرها سهل جداً ..
ولا بأس أن تعبر عن محبتك للآخرين بكل صراحة .. سواء كانوا أباً أو أماً .. أو زوجة أو أبناء .. أو زملاء وجيران ..
لا تكتم مشاعرك نحوهم .. قل لمن تحبه : أنا أحبك .. أنت غالٍ إلى قلبي ..
حتى لو كان عاصياً قل له : إنك أحب إلي من أناس كثيييير ..
ولم تكذب فهو أحب إليك من ملايين اليهود .. أليس كذلك .. كن ذكياً ..
أذكر أني ذهبت مرة لأداء العمرة .. وكنت خلال طوافي وسعيي أدعو للمسلمين جميعاً .. بالحفظ والنصر والتمكين .. وربما قلت : اللهم اغفر لي واغفر لأحبابي وأصحابي ..
وبعد انتهائي من شعائرها .. حمدت الله على التيسير ..
ثم اكتريت فندقاً لأبيت فيه .. فلما وضعت رأسي على وسادتي كتبت رسالة عبر الهاتف الجوال أقول فيها :
"الآن أنهيت العمرة وتذكرت أحبابي وأنت منهم فلم أنسك من الدعاء الله يحفظك ويوفقك " ..
انتهت الرسالة ..
أرسلتها إلى الأسماء المخزنة في ذاكرة الهاتف .. كانت خمسمائة اسم ..
لم أكن أتصور التأثير العجيب لهذه الرسالة في قلوب الآخرين ..
منهم من أرسل إليّ : والله إني أبكي وأنا أقرأ رسالتك .. أشكرك أنك ذكرتني بدعائك ..
وآخر كتب : والله يا أبا عبد الرحمن ما أدري بم أرد عليك ! ولكن جزاك الله خيراً ..
والثالث كتب : أسأل الله أن يستجيب دعاءك .. ونحن والله لا ننساك ..
نحن في الحقيقة نحتاج بين الفينة والأخرى أن نُذَكّر الناس بأننا نحبهم .. وأن كثرة مشاغل الدنيا لم تنسنا إياهم ..
ولا بأس أن يكون ذلك بمثل هذه الرسائل ..
يمكن أن تكتب إلى أحبابك : دعوت لكم بين الأذان والإقامة .. أو في ساعة الجمعة الأخيرة ..
وإذا كانت نيتك صالحة فلن يكون في هذا إظهار للعمل أو رياء .. وإنما زيادة ألفة ومحبة بين المسلمين ..
أذكر أني ألقيت محاضرة في مخيم دعوي صيفي في مدينة الطايف .. في جبال الشفاء وهي متنزه يجتمع فيه أعداد كبيرة من الشباب ..
كان أكثر الحاضرين هم من الشباب الذين يظهر عليهم الخير والصلاح .. أما الشباب الآخرون فقد بقوا في أطراف المتنزهات ما بين لهو وطرب ..
انتهت المحاضرة ..
أقبل جمع من الشباب يسلمون ..
كان من بينهم شاب له قصة شعر غريبة ويلبس بنطال جينز ضيق .. أقبل يصافح ويشكر .. فسلمت عليه بحرارة .. وشكرته على حضوره وهززت يده وقلت : وجهك وجه داعية .. تبسم وانصرف ..
بعدها بأسبوعين تفاجأت باتصال يقول : هاه ما عرفتني .. يا شيخ أنا الذي قلت لي وجهك وجه داعية .. والله لأصبحن داعية إن شاء الله .. ثم صار يشرح لي مشاعره بعد تلك الكلمات ..
أرأيت كيف يتأثر الناس بصدق العبارة .. والمحبة ..!
أما رسول الله e فقد كان ياسر قلوب الناس بروعة أخلاقه .. وقدرته على إظهار محبته الصادقة لهم ..
كان أبو بكر وعمر .. أجلّ الصحابة ..
وكانا يتنافسان في الخير دوماً ..
وكان أبو بكر يسبق غالباً .. فإن بكر عمر للصلاة وجد أبا بكر سبقه .. وإن أطعم مسكيناً وجد أبا بكر سبقه ..
وإن صلى ليلة .. وجد ابا بكر قبله ..
وفي يوم أمر النبي e الناس بالصدقة لسد حاجة نازلة نزلت بالمسلمين ..
وافق ذلك الوقت أن عمر عنده سعة من المال ..
فقال : اليوم أسبق أبا بكر .. إن سبقته يوماً ..
ذهب عمر فجاء بنصف ماله .. فدفعه إلى رسول الله r ..
فما أول كلمة قالها e لعمر لما رأى المال ؟
هل سأله عن مقدار المال ؟ أم سأله عن نوعه ذهب أم فضة ؟
لا .. بل لما رأى e كثرة المال .. تكلم بكلمات يستنتج منها عمر أنه محبوب عند رسول الله e ..
قال لعمر : ( ما أبقيت لأهلك يا عمر ؟ ) ..
قال عمر : يا رسول الله .. أبقيت لهم مثله " ..
ويجلس عمر عند رسول الله r منتشياً .. ينتظر أبا بكر ..
فيأتي أبو بكر t بمالٍ كثير فيدفعه إلى رسول الله r وعمر واقف مكانه .. يرى العطاء ويسمع الحوار ..
فإذا بالنبي e قبل أن يلتفت إلى ما يحتاجه من مال .. يسأل أبا بكر : ( يا أبا بكر .. ما أبقيت لأهلك ؟ ) ..
نعم فهو يحب أبا بكر .. ويحب أهله .. ولا يرضى بالضرر عليه ..
قال أبو بكر : يا رسول الله .. أبقيت لهم الله ورسوله .. أما المال فقد أتيت به جميعاً ..
لم يأت بنصفه .. ولا بربعه .. وإنما أتى به كله ..
فما كان من عمر t إلا أن قال :" لا جرَم .. لا سابقت أبا بكر أبداً " ..
كان الناس يشعرون أنه e يحبهم..فكانوا يهيمون به حباً ..صلى بهم e إحدى الصلوات .. فكأنه عجل بصلاته قليلاً حتى بدت أقصر من مثيلاتها ..
فلما انقضت الصلاة .. رأى e تعجب أصحابه ..
فقال لهم : لعلكم عجبتم من تخفيفي للصلاة ؟
قالوا : نعم ! ..
فقال e : إني سمعت بكاء صبي فرحمت أمه ..!!
أرأيت كيف يحب الآخرين .. ويظهر لهم هذه المحبة من خلال تعامله ..
[]لست وحدك ..
أظهر عواطفك .. كن صريحاً : أنا أحبك .. فرحت بلقياك .. أنت غال إلى قلبي ..

2. اِحفظ الأسماء ..[/]
وهذا من الاهتمام بالناس ..
ما أجمل أن تقابل شخصاً ما في موقف عارض .. كلقاء عند بنك .. أو في طائرة .. أو في وليمة عامة ..
فتتعرف على اسمه .. ثم تراه في موقف آخر .. فتقبل عليه قائلاً : مرحباً يا فلان ..
لا شك أن ذلك يطبع في قلبه لك محبة وتقديراً ..
حفظك لاسم الشخص الذي أمامك يشعره باهتمامك به ..
فرق بين المدرس الذي يحفظ أسماء طلابه .. والذي لا يحفظ ..
قولك للطالب : قم يا فلان .. أحسن من : قم يا طالب ..
حتى في الرد على الهاتف .. أيهما أحب إليك .. أن يجيبك من تتصل به بقوله : نعم ..أو ألو ..
أو يقول محتفياً : مرحباً يا خالد .. هلا أبو عبد الله ..
بلا شك ان استماعك لاسمك له في القلب رنة قبل الأذن ..
جرت العادة بعد المحاضرات العامة أن يزدحم علي بعض الشباب يصافحون ويشكرون ..
كنت أحرص على ترديد كلمة : الاسم الكريم ؟ حياك الله من الأخ ؟ .. أقولها لكل واحد أسلم عليه لأبدي له اهتمامي به .. فكان كل واحد يجيبني مستبشراً : أخوك زياد .. ابنك ياسر ..
وأذكر يوماً أنه بعدما سلم عدد كبير منهم ومضوا .. عاد أحدهم ليسأل .. فأول ما أقبل عليَّ قلت له : حياك الله يا خالد .. فابتهج وقال : ما شاء الله !! تعرف اسمي !!
الناس عموماً يحبون مناداتهم بأسمائهم ..
من المعروف أن الموظف العسكري يعلق لوحة صغيرة على صدره فيها اسمه ..
فأذكر أني ألقيت محاضرة في إحدى المناطق العسكرية .. فازدحم أكثرهم مسلماً بعد المحاضرة ..
كان أحدهم يقترب ويبتعد .. وكأنه يريد السلام لكنه يخجل من مزاحمة الآخرين ..
التفت إليه ولمحت لوحة اسمه .. فمددت يدي إليه وقلت : مرحباً فلان !! فتغير وجهه وتعجب .. ومد يده مصافحاً وهو يتبسم ويقول : هاه !! كيف عرفت اسمي ؟
فقلت : يا أخي الذين نحبهم .. لازم نعرف أسماءهم ..
فكان لهذا تأثير كبير عليه ..
كثير من الناس يقتنع بهذا ويتمنى لو استطاع حفظ أسماء الآخرين ..
أما أسباب عدم حفظ الأسماء .. فهي كثيرة ..
منها .. عدم الاهتمام بالأشخاص أثناء مقابلتهم ..[/]
[]ومنها .. التشاغل وقت التعارف وعدم التركيز أثناء استماع الاسم ..
ومنها .. موقفك تجاه الشخص
المقابل ..
[/]
[]
كاعتقادك بأنك لن تقابله مرة أخرى .. فتقول في نفسك : لا داعي لحفظ الاسم ..
أو كان إنساناً بسيطاً لا يستثير اهتمامك ..[/]
[]أو عندما لا تسمع الاسم جيداً وتشعر بحرج من طلب إعادة اسمه ..
فهذه أسباب تجعل الناس لا يحفظون الأسماء ..
[/]

[]أما العلاج لحفظ الأسماء .. فله طرق .. منها :[/]

[]الاقتناع بأهمية تذكر الاسم واستشعارك أنك بسماعك له ستسأل عنه بعد دقائق .. [/]

[]ومنها .. التركيز على وجه الشخص أثناء الاستماع إلى اسمه ..
حاول أن تلاحظ الشخص المقابل وطبيعة حديثه وابتسامته
لينطبع في ذاكرتك ..[/]

[]أثناء حديثك معه ناده باسمه مراراً .. صحيح يا فلان ..؟ سمعت يا فلان ..؟ أنت معي يا فلان ..؟ وكرره أكثر من مرة ..

[/]

[][]باختصار ..
أشعرني باهتمامك بي .. بحفظك اسمي .. ونادني به .. لأحبك ..

3. كن لماحاً[/]
قسم كبير من الأشياء التي نمارسها في الحياة .. نفعلها لأجل الناس لا لأجل أنفسنا ..
عندما تُدعى لوليمة عرس .. فتلبس أحسن ثيابك .. إنما تفعل ذلك لأجل لفت انتباه الناس وجذب إعجابهم .. لا لأجل لفت انتباه نفسك ..
وتفرح إذا لاحظت أنهم أُعجبوا بجمال هيئتك .. أو رونق ثيابك ..
وعندما تؤثث مجلس ضيوفك .. وتتكلف في تزويقه والعناية به .. إنما تفعل ذلك أيضاً لأجل نظر الناس .. لا لأجل نظر نفسك .. بدليل أنك تعتني بغرفة استقبال الضيوف أكثر من عنايتك بالصالة الداخلية .. أو بحمام أطفالك !!
عندما تدعو أصحابك إلى طعام .. ألا ترى أن زوجتك – وربما أنت - تعتني بترتيب الطعام وتنويعه أكثر من العادة .. بلى .. وكلما زادت أهمية هؤلاء الأصحاب .. زادت العناية بالطعام ..
وكم تكون سعادتنا غامرة عندما يثني أحد على لباسنا أو ديكورات بيوتنا .. أو لذة طعامنا ..
وقد قال e : " وليأت إلى الناس الذي يحب أن يأتوا إليه " أي عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ..
كيف ..؟!
رأيت على صاحبك ثوباً جميلاً .. انتبه له .. أثن عليه .. أسمعه كلمات رنانة .. ما شاء الله !! ما هذا الجمال !! اليوم كأنك عريس !!
زارك يوماً فشممت من ثيابه عطراً فواحاً جميلاً .. أثن عليه .. تفاعل معه .. كن لماحاً .. فهو ما وضع الطيب إلا لأجلك ..
ردد عبارات جميلة :.. ما هذه الروائح .. ما أحسن ذوقك ..
دعاك شخص لطعام .. أثن على طعامه .. فإنك تعلم أن أمه أو زوجته أو أخته وقفت ساعات في المطبخ لأجلك .. أو لأجل المدعويين عموماً .. وأنت منهم ..
أو أنه على الأقل تعب في إحضاره من المطعم ومحل الحلويات .. و .. فأسمعه كلمات تجعله يشعر أنك ممتن له بما قدم لك .. وأن تعبه لم يذهب سُدَى ..
دخلت بيت أحد أصدقائك – أو دخلتي بيت إحدى صديقاتك – فرأيت أثاثاً جميلاً .. فأثن على الأثاث .. والذوق الرفيع .. ( لكن انتبه لا تبالغ حتى لا يشعر أنه استهزاء ) ..
حضرت في مجلس عام .. فسمعت حمد يتكلم مع الحاضرين بانطلاق .. وقد أحيا المجلس .. وأسعد الحاضرين .. أثن عليه .. خذ بيده إذا قمتم .. قل له : ما شاء الله ..!! ما هذه القدرات !! بصراحة ما ملَّح المجلس إلا حضورك ..
جرب افعل ذلك .. فسوف يحبك ..
رأيت موقفاً جميلاً لولد مع أبيه .. قبَّل يدَه .. قرَّبَ إليه نعليه .. أثن على الولد .. كن لماحاً ..
لبس ثوباً جديداً .. أثن عليه .. كن لماحاً ..
زرت أختك .. رأيت عنايتها بأولادها .. كن لماحاً .. أثن عليها ..
رأيت عناية صاحبك بأولاده .. أو روعة ترحيبه بضيوفه .. كن جريئاً .. لماحاً .. أثن عليه .. أخرج ما في صدرك من الإعجاب به ..
ركبت مع شخص في سيارته .. أو استأجرت تاكسي .. لاحظت نظافة سيارته .. حُسنَ قيادته .. كن لماحاً .. أثن عليه ..
قد تقول : هذه أمور عادية .. صحيح لكنها مؤثرة ..
لقد جربت ذلك بنفسي .. ومارست هذه المهارة مع أعداد من الناس .. كباراً وصغاراً .. وعمالاً بسطاء .. ومدرسين .. بل مارستها مع أشخاص يشغلون مناصب عليا .. ورأيت من تأثرهم أعاجيب ..
خاصة في الأشياء التي ينتظرها الناس منك .. كيف ؟
عريس .. رأيته بعد زواجه بأسبوع ..
رجل حصل على شهادة عليا ..
شخص سكن بيتاً جديداً ..
كلهم بلا شك ينتظرون منك كلمات .. كن كما يتوقعون ..
كان عبد المجيد - ابن عمي - شاباً في المرحلة الثانوية .. بعد تخرجه طلب مني الذهاب معه للجامعة لتسجيله فيها .. اتصلت به ذات صباح ومررت على بيته بسيارتي ليرافقني للجامعة ..
كانت المشاعر تتزاحم في قلبه .. فهو ينتقل إلى مرحلة جديدة .. ويفكر في الكلية التي ستقبله ..
أول ما ركب سيارتي شممت رائحة عطره .. كانت رائحة نفاثة جداً .. ويبدو أنه قد أفرغ العلبة كلها ذلك اليوم على ملابسه ..
بصراحة خنقني بالرائحة .. فتحت النوافذ لأتنفس .. شعرت أن المسكين تكلف في تزويق ثيابه .. وتطييبها ..
ثم التفتُّ إليه وابتسمت وقلت :
ماااا شاااااء الله !!.. إيش هالروائح الحلوة !! أخاف عميد الكلية أول ما يشم هالرائحة الحلوة يصرخ بأعلى صوته يقول : مقبوووووول ..
لا تتصور مدى السرور الذي غطى على قلبه .. والبشر الذي طفح على وجهه ..
التفت إليَّ .. وقال بحماس : أشكرك يا أبا عبد الرحمن .. أشكرك .. والله إنه عطر غااال .. وأضعه دائماً والناس ما يلاحظونه .. ثم بدأ يشمه من طرف غترته ويقول : بالله عليك : ذوقي حلو ..؟!
آآآه .. مر على هذا الموقف أكثر من عشر سنوات .. فقد تخرج عبد المجيد من الجامعة وتعين في وظيفة منذ سنوات .. إلا أن ذلك الموقف لا يزال عالقاً في أذنه .. ربما ذكرني به مازحاً في بعض اللقاءات ..
نعم .. كن لماحاً .. التحكم بعواطف الناس وكسب محبتهم سهل جداً .. لكننا في أحيان كثيرة نغفل عن ممارسة مهارات عادية نكسبهم بها ..
ولا تعجب إن قلت إن صاحب الخلق العظيم e كان يمارس هذه المهارات .. وأحسن منها ..
في أول سنين الإسلام .. لما ضيق على المسلمين في دينهم بمكة .. هاجروا إلى المدينة ..
تركوا ديارهم وأموالهم ..
قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة مهاجراً .. وكان في مكة تاجراً ممكناً .. لكنه جاء المدينة فقيراً معدماً ..
كحل سريع للمشكلة .. آخى النبي e بين المهاجرين والأنصار ..
آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري ..
كانت نفوسهم سليمة .. وقلوبهم صافية ..
فقال سعد لعبد الرحمن : أي أُخيَّ .. أنا أكثر أهل المدينة مالاً ..
فأقسم مالي نصفين .. فخذ نصفه وأبق لي نصفه ..
ثم خشي سعد أن عبد الرحمن يريد أن يتزوج .. ولا يجد زوجة ..
فعرض عليه أن يزوجه ..
فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلكومالك .. دُلّني على السوق ..!!
صحيح .. عبد الرحمن ترك ماله في مكة واستولى عليه الكفار ..
لكنه كان ذا عقل راجح .. وخبرة تجارية واسعة ..
دله سعد على السوق .. فذهب فاشترىوباع فربح ..
يعني اشترى بضاعة بالآجل ثم باعها حالة .. فصار عنده رأس مال تاجر فيه ..
وكان يتقن فن البيع والشراء والمماكسة .. حتى جمع مالاً فتزوج ..
ثم جاءإلى النبي عليه الصلاة والسلام .. وعليه ودْعُ زعفران .. أي أثر طيب نساء ..!!
ليس غريباً فهو ( عريس ) ..
النبي e طبيب النفوس .. كان لماحاً .. يترقب الفرص لاصطياد القلوب .. أول ما رآه .. انتبه لهذا التغير .. وجعل ينظر إلى أثر الطيب ويقول لعبد الرحمن : " مهيم ؟ " .. أي ما الخبر ؟
ابتهج عبد الرحمن .. وقال : يا رسول الله .. تزوجت امرأة من الأنصار ..
عجب النبي e .. كيف استطاع أن يتزوج وهو حديث عهد بهجرة ..!!
فقال : " فما أصدقتها ؟"
فقال : وزن نواة من ذهب ..
فأراد r أن يزيد من فرحته .. فقال " أولِمْولو بشاة " ..
ثم دعا له النبي e .. بالبركة في ماله وتجارته ..
فحلت البركة عليه ..
قال عبد الرحمن وهو يصف كسبه وتجارته : فلقد رأيتنيولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباًوفضة ..
وكان e لماحاً حتى مع الضعفاء والمساكين ..
يشعرهم بقيمتهم .. يجعلهم يحسون أنه منتبه لهم .. وأنهم مهمون عنده .. وأنه يقدر لهم أعمالهم التي يقومون بها مهما كانت متواضعة ..
فإذا افتقدهم .. ذَكَرهم بالخير .. وتلمّح أعمالهم .. فتشجع الآخرون أن يفعلوا كفعلهم ..
كان في المدينة امرأة سوداء .. مؤمنة صالحة .. كانت تكنس المسجد ..
كان e يراها أحياناً .. فيعجب بحرصها ..
مرت أيام .. ففقدها رسول الله r .. فسأل عنها ؟
فقالوا : ماتت يا رسول الله ..
فقال : أفلا كنتم آذنتموني ..
فصغّروا أمرها .. وأنها مسكينة مغمورة لا تستحق أن يخبر عنها رسول الله e .. وقالوا أيضاً : ماتت بليل .. فكرهنا أن نوقظك ..
فحرص e على أن يصلي عليها .. فعملها وإن رآه الناس صغيراً فهو عند الله كبير .. ولكن كيف يصلي عليها وقد ماتت ودفنت ؟!
قال r : دلوني على قبرها ..
فمشوا معه حتى أوقفوه على قبرها .. دلوه فصلى عليها ..
ثم قال e : إن هذه القبور .. مملوءة ظلمة على أهلها .. وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم ..
فبالله عليك .. ما هو شعور من رأوه e ينتبه إلى هذا العمل الصغير من امرأة ضعيفة .. كيف سيكون حماسهم للقيام بمثل فعلها وأعظم ..
دعني أهمس في أذنك :
نحن في مجتمع لا يقدر أحياناً مثل هذه المهارات .. فانتبه !! لا يطفئْ حماسَك فريق من الثقلاء الغلاظ الذين مهما لمحت ما عندهم من لطائف .. وأثنيت عليهم بالكلمات الرقيقة الرنانة .. لم يتأثروا .. أو ردوا على تلطفك بكلمات سامجة ممجوجة .. لا طعم لها .. بل ولا لون ولا رائحة !!
ومن لطائف هؤلاء ..
أن شاباً – أعرفه – دُعي إلى وليمة كبيرة .. فيها أشخاص مهمون .. مر على السوق في طريقه .. ودخل محل عطور وأظهر أنه سيشتري فجعل الموظف يحتفي به .. ويرش عليه من أنواع العطور ما غلا ثمنه وزكا ريحه .. ليختار من بينها ما يناسبه ..
فلما امتلأت ثياب صاحبنا طيباً .. قال للبائع بلطف : أشكرك .. وإن أعجبني شيء منها فقد أعود إليك ..
ذهب سريعاً إلى الوليمة متداركاً رائحة العطر قبل أن تزول ..
جلس على العشاء بجانب صديقه خالد .. لم يلاحظ خالد الرائحة .. ولم يعلق بكلمة ..
فقال له صاحبنا باستغراب : ما تشم رائحة عطر جميلة ؟!
قال خالد : لا ..
فقال صحبنا : أكيد أنفك مسدود ..!!
فأجاب خالد فوراً : .. لو كان أنفي مسدوداً .. ما شممت رائحة عرقك ..!!

[]اعتراف ..
مهما بلغ الشخص من النجاح .. إلا أنه يبقى بشراً يطرب للثناء ..

4. انتبه : كن لمّـّاحاًًًً للجمال فقط ..[/]
بعض الناس يتحمس كثيراً لأنْ يكون لماحاً .. فلا يكاد يسكت عن الملاحظة والثناء ..
لكنهم قالوا قديماً : الشيء إذا زاد عن حده .. انقلب إلى ضده ..
ومن تعجل الشيء قبل أوانه .. عوقب بحرمانه ..
فكن لماحاً للأشياء الجميلة الرائعة .. التي يفرح الشخص برؤية الناس لها .. وينتظر ثناءهم عليها .. ويطرب لسماع ألفاظ الإعجاب بها ..
أما الأشياء التي يستحي من رؤيتها .. أو يخجل من ملاحظتها فحاول أن تتعامى عنها ..
مثلاً :
دخلت بيت صاحبك فرأيت الكراسي قديمة ..
فانتبه من أن تكون من الثقلاء الذي لا يكفون عن تقديم اقتراحات لم تطلب منهم ..
انتبه من أن يفرط لسانك بقول : لماذا ما تغير الكراسي ؟!
الثريات نصفها ما يشتغل ..!!
لماذا لا تشتري ثريات جديدة !!
دهان الجدار قديييييم .. لماذا ما تدهنه بألوان جديدة !!
يا أخي هو لم يطلب منك اقتراحات .. ولست مهندس ديكور اتفق معك على أن يستفيد من آرائك .. ابق ساكتاً ..
لعله لا يستطيع تغييرها ..
لعله يمر بضائقة مالية ..
لعله ..
ليس أثقل على الناس ممن يحرجهم بالنظر إلى ما يستحون منه .. ثم يثيره ويبدأ في التعليق عليه ..
ومثل ذلك .. لو كان ثوبه قديماً .. أو مكيف سيارته متعطل .. قل خيراً أو اصمت ..
ذكروا أن رجلاً زار صاحباً له فوضع له خبزاً وزيتاً ..
فقال الضيف : لو كان مع هذا الخبز زعتر !!
فدخل صاحب الدار وطلب من أهله زعتراً للضيف فلم يجد ..
فخرج ليشتري ولم يكن معه مال ..! فأبى صاحب الدكان أن يبيعه بالآجل .. فرجع وأخذ وأخذ مطهرته ( وهي الإناء الذي يضع فيه الماء ليتوضأ منه ) فخرج بها ودفعها إلى صاحب الدكان – رهناً – حتى إذا لم يسدد له قيمة الزعتر يبيع صاحب الدكان المطهرة ويستوفي الثمن لنفسه ..
ثم أخذ الزعتر ورجع به إلى ضيفه .. فأكل ..
فلما انتهى الضيف من الطعام قال : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا .. وقنعنا بما آتانا ..
فتأوَّه صاحب الدار تأوُّه الحزين وقال : لو قنّعَك الله بما آتاك .. لما كانت مطهرتي مرهونة !!
وكذلك لو زرت مريضاً فلا تردد عليه :
أووووه .. وجهك أصفر .. عيناك زائغتان .. جلدك يابس ..
عجباً !! هل أنت طبيبه ؟ قل خيراً أو اصمت ..
ذكروا أن رجلاً زار مريضاً .. فجلس عنده قليلاً .. ثم سأله عن علته .. فأخبره المريض بها .. وكانت علة خطيرة ..
فصرخ الزائر :
آآآآ .. هذه العلة أصابت فلاناً صاحبي فمات منها .. وأصابت فلاناً صديق أخي ولا يزال مقعداً منها أشهراً ثم مات .. وأصابت فلاناً جار زوج أختي ومات ..
والمريض يستمع إليه ويكاد أن ينفجر ..
فلما أنهى الزائر كلامه وأراد الخروج التفت إلى المريض وقال : هاه .. توصيني بشيء ؟
قال المريض : نعم .. إذا خرجت فلا ترجع إلي َّ .. وإذا زرت مريضاً فلا تذكر عنده الموتى ..
وذكروا كذلك أن امرأة عجوزاً مرضت عجوز صديقة لها ..
فجعلت هذه العجوز تلتمس من أبنائها واحداً وَاحداً أن يذهبوا بها لتلك المريضة لزيارتها وهم يتعللون ويعتذرون ..
حتى رضي أحد أبنائها على مضض .. وذهب بها بسيارته ..
فلما وصل بيت العجوز المريضة نزلت أمه وجعل ينتظرها في سيارته ..
دخلت الأم على المريضة فإذا هي قد تمكّن منها المرض .. فسلمت عليها ودعت لها ..
فلما مشت خارجة مرت ببنات المريضة وهن يبكين في صالة البيت ..
فقالت بكل براءة : أنا لا يتيسر لي المجيء أليكن كلما أردت .. وأمكم مريضة ويبدو لي أنها ستموت .. فأحسن الله عزاءكم من الآن ..!!
فانتبه يا لبيب .. كن لماحاً لما يفرح ويسر .. لا لما يحزن ..

[]مشكلة :
إذا اضطررت للمح سيء .. كوسخ ثوبه .. أو رائحة سيئة .. فأحسن التنبيه .. كن لطيفاً ذكياً ..

5. لا تتدخل فيما لا يعنيك ..[/]
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ..
ما أجمل هذه العبارة وأنت تسمعها من الفم الزكي الطاهر .. فم رسول الله r ..
صحيح .. تركه ما لا يعنيه ..
كم هم ثقلاء أولئك الذين يزعجونك بالتدخل فيما لا يعنيهم ..
يشغلك إذا رأى ساعتك .. بكم اشتريتها ..
فتقول : جاءتني هديه ..
فيقول : هدية !! ممن ؟
فتجيب : من أحد الأصدقاء ..
فيقول : صديقك في الجامعة .. أم في الحارة .. أم أين ؟!
فتقول : والله .. آآآ .. صديقي في الجامعة ..
فيقول : طيب .. ما المناسبة ؟!
فتقول : يعني .. مناسبة أيام الجامعة ..
فيقول : مناسبة إيش ؟!! نجاح .. أم كنتم في رحلة .. أو يمكن .. أأ ..
ويستمر في استجوابه لك على قضية تافهة ..!!
بالله عليك ألا تحدثك نفسك أن تصرخ به : لااااا تتدخل فيما لا يعنيك ..
وقد يزداد الأمر سوءاً لو أحرجك بالسؤال في مجلس عام فسبب لك إحراجاً ..
أذكر أني كنت في مجلس مع عدد من الزملاء .. بعد المغرب ..
رن هاتف أحدهم .. كان جالساً بجانبي ..
أجاب : نعم ؟
زوجته : ألو .. وينك يا حمار ؟!
كان صوتها عالياً لدرجة أني سمعت حوارهما ..
قال : بخير .. الله يسلمك ( !!! ) ..
( يبدو أنه كان قد وعدها أن يذهب بها بعد المغرب لبيت أهلها وانشغل بنا ) ..
غضبت الزوجة : الله لا يسلمك .. أنت مبسوط أنك مع أصحابك وأنا أنتظر .. والله انك ثور ( !! ) ..
قال : الله يرضى عليك .. أمرُّك بعد العشاء ..
لاحظتُ أن كلامه لا يتوافق مع كلامها .. فأدركت أنه يفعل ذلك لكيلا يحرج نفسه ..
انتهت مكالمته .. جعلت ألتفت إلى الحاضرين وأتخيل أن واحداً منهم سأله :
من كلمك ؟ وماذا يريد منك ؟ ولماذا تغير وجهك بعد المكالمة ..؟!!
لكن الله رحِمَه لأن أحداً لم يتدخل فيما لا يعنيه ..
ومثله لو زرت مريضاً .. فسألته عن مرضه .. فأجابك بكلمات عامة : الحمد لله .. شيء بسيط .. مرض صغير وانتهى .. أو نحرها من العبارات التي لا تحمل جواباً صريحاً .. فلا تحرجه بالتدقيق عليه : عفواً .. يعني ما هو المرض بالضبط ؟ وضح أكثر ..!! ماذا تعني ..!! ونحو ذلك ..
عجباً !! ما الداعي لإحراجه ..؟ من حسن إسلام المرء تركه ما يعنيه .. يعني .. تنتظر أن يقول لك : أنا مريض بالبواسير .. أو مصاب بجرح في .. أو ..
ما دام أنه أجاب إجابة عامة فلا داعي للتطويل معه ..
ولا أعني بهذا عدم سؤال المريض عن مرضه ؟ إنما أعني عدم التدقيق في الأسئلة ..
ومثله .. الذي ينادي طالباً أمام الناس في مجلس عام .. ويسأله بصوت عالٍ :
هاه يا أحمد .. نجحت ..
فيقول : نعم ..
فيسأله : كم نسبتك ؟ كم ترتيبك في الفصل ؟
إن كنت صادقاً في اهتمامك به فاسأله على انفراد بينك وبينه ..
ثم لا داعي للتدقيق .. كم نسبتك .. لماذا لم تذاكر .. لماذا لم تقبل في الجامعة .. إن كنت مستعداً لإعانته فقف معه جانباً وحدثه بما تريد .. أما نشر غسيله أمام الناس .. فلا ..
قال e : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ..
لكن انتبه !! لا تعط الموضوع أكبر من حجمه ..
سافرت إلى المدينة النبوية قبل مدة .. كنت مشغولاً بعدد من المحاضرات ..
فاتفقت مع شاب فاضل أن يأخذ ولدي عبد الرحمن وأخاه بعد العصر إلى حلقة تحفيظ أو مركز صيفي ترفيهي .. ويعيدهم بعد العشاء ..
كان عبد الرحمن في العاشرة من عمره .. خشيت أن يسأله ذلك الشاب من باب الفضول أسئلة لا داعي لها .. ما اسم أمك ؟ أين بيتكم ؟ كم عدد إخوانك ؟ كم يعطيك أبوك من المال ؟
فنبهت عبد الرحمن قائلاً : إذا سألك سؤالاً غير مناسب .. فقل له : قال e : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .. وكررت عليه الحديث حتى حفظه ..
ركب عبد الرحمن وأخوه .. مع الشاب .. كان عبد الرحمن مشدوداً متهيباً ..
قال الشباب متلطفاً : حياك الله يا عبد الرحمن ..
فأجابه بحزم : الله يحييك ..
أراد الشاب المسكين أن يلطّف الجو .. فقال : الشيخ عنده محاضرة اليوم ؟!
حاول الولد أن يتذكر الحديث فلم تسعفه ذاكرته .. فصرخ قائلاً : لا تتدخل فيما لا يعنيك !!
قال الشاب : لا .. أقصد .. بل حتى أحضر وأستفيد ..
فظن عبد الرحمن أنه يتذاكى عليه : فأعاد الجواب : لا تتدخل فيما لا يعنيك ..
قال الشاب : عفواً عبد الرحمن أعني ..
فصرخ عبد الرحمن : لااااا تتدخل فيما لا يعنيك !!
ولم يزل هذا حالهما حتى رجعا !!
أخبرني عبد الرحمن بالقصة مفتخراً .. فضحكت وفهمته الأمر مرة أخرى ..

[]ورشة عمل ..
مجاهدة النفس على التحرر من التدخل في شئون الآخرين .. متعبة في البداية .. لكنها مريحة في النهاية ..

6. كيف تتعامل مع "الملاقيف " ([1]) ؟[/]
أحياناً يتناول بعض الناس هاتفك الجوال - بدون استئذان - ويقرأ الرسائل التي فيه ..
كان صاحبي في دعوة عامة .. وليمة عشاء عند أحد القضاة .. كل من في المجلس مشايخ فضلاء ..
جلس صاحبي بينهم .. يتجاذب أطراف الحديث معهم ..
ضايقه وجود هاتفه الجوال في جيبه فأخرجه ووضعه على الطاولة التي بجانبه ..
كان الشيخ الذي بجانبه متفاعلاً في الحديث معه ..
من باب العادة أخذ الشيخ الهاتف الجوال .. رفع إليه .. فلما نظر إلى الشاشة تغير وجهه .. وأرجعه مكانه ..
كتم صاحبي ضحكة مدوية ..
لما خرج ركبت معه في سيارته .. وقد وضع هاتفه الجوال بجانبه .. فرفعته إليَّ - كما فعل الشيخ – فلما نظرت إلى الشاشة ضحكت .. بل غرقت في الضحك ..
تدري لماذا ؟
جرت عادة بعضهم أن يكتب عبارات على شاشة الهاتف .. يكتب اسمه .. أو "اذكر الله" .. أو غيرها ..
أما صاحبي فقد كتب : " أرجع الجهاز يا ملقوف " ..
كثير من الناس من هذا النوع يتدخلون في أمور الآخرين الشخصية ..
فمن الطبيعي أن يركب معك في سيارتك ثم يفتح الدرج الذي أمامه .. وينظر ما بداخله ..!!
وامرأة تفتح حقيبة امرأة أخرى لتأخذ أحمر الشفاه أو ظل العينين ..
وقد يتصل بك فيسألك أين أنت فتقول " طالع مشوار " فيقول : أين ..؟ من معك ؟
مجموعة من الناس نخالطهم يعاملوننا بمثل هذا الأسلوب ..
فكيف نتعامل معهم ؟
أهم شيء أن لا تفقده .. حاول أن تتجنب المصادمة معه ..
حاول أن لا ( يزعل ) منك أحد ..
كن ذكياً في الخروج من الموقف .. دون أن يحدث بينك وبينه مشكلة ..
لا تتساهل بكسب الأعداء أو فقدان الأصدقاء .. مهما كانت الأسباب ..
ومن أحسن الأساليب للتعامل مع الطفيليين .. هو إجابة السؤال بسؤال .. أو الانتقال إلى موضوع آخر تماماً لينسى سؤاله الأول ..
فلو سألك مثلاً : كم مرتبك الشهري ؟
قل له بلطف وتبسم : لماذا هل وجدت لي وظيفة مغرية ..
سيقول : لا .. لكن أريد أن أعرف ..
قل : المرتبات هذه الأيام مشاكل .. ويبدو أن ذلك بسبب ارتفاع أسعار البترول !!
سيقول : ما دخل البترول ..
فقل : البترول هو الذي يتحكم فغي الأسعار .. ألا تلاحظ أن الحروب تقوم لأجله ..
سيقول : لا .. ليس صحيحاً ..
فالحروب لها أسباب أخرى .. والهالمم اليوم مليء بالحروب .. و ..
وينسى سؤاله الأول ..
( هاه .. ما رأيك ألم تخرج من الموقف بذكاء ؟ ) ..
وكذلك لو سألك عن وظيفتك ..
أو أين ستسافر ..
اسأله : لماذا .. هل ستسافر معي ..
سيقول : لا أدري!! أول شيء أخبرني ..
قل : لكن إن سافرت معي .. فالتذاكر عليك ..
عندها سيدخل في موضوع التذاكر وينسى الموضوع الأصلي ..
وهكذا .. نستطيع الخروج من مثل هذه المواقف من غير وقوع مشاكل بيننا وبين ألآخرين ..

[]وقفة ..
إذا ابتليت بمتدخل فيما لا يعنيه .. فكن خيراً منه .. أحسن الخروج من الموقف من غير أن تجرحه ..

7. لا تنتقد !![/]
ركب سيارة صاحبه .. فكانت أول كلمة قالها : ياااه !! ما أقدم سيارتك !!
ولما دخل بيته .. رأى الأثاث فقال : أووووه .. ما غيرت أثاثك ؟!
ولما رأى أولاده .. قال : ما شاء الله .. حلوين .. لكن لماذا ما تلبسهم ملابس أحسن من هذه !!
ولما قدّمت له زوجته طعامه .. وقد وقفت المسكينة في المطبخ ساعات .. رأى أنواعه فقال : ياااا الله .. لماذا ما طبختي رزّ ؟ أوووه .. الملح قليل ! لم أكن أشتهي هذا النوع !!
دخل محلاً لبيع الفاكهة .. فإذا المحل مليء بأصناف الفواكه ..
فقال : عندك مانجو ؟
قال صاحب المحل : لا .. هذه في الصيف فقط ..
فقال : عندك بطيخ ؟ قال : لا ..
فتغير وجهه وقال : ما عندك شيء .. ليش فاتح المحل ! وخرج ..
ونسي أن في المحل أكثر من أربعين نوعاً من الفواكه ..
نعم ..
بعض الناس يزعجك بكثرة انتقاده .. ولا يكاد أن يعجبه شيء ..
فلا يرى في الطعام اللذيذ إلا الشعرة التي سقطت فيه سهواً ..
ولا في الثوب النظيف إلا نقطة الحبر التي سالت عليه خطئاً ..
ولا في الكتاب المفيد إلا خطئاً مطبعياً وقع سهواً ..
فلا يكاد يسلم أحد من انتقاده .. دائم الملاحظات .. يدقق على الكبيرة والصغيرة ..
أعرف أحد الناس .. زاملته طويلاً في أيام الثانوية والجامعة .. ولا تزال علاقتنا مستمرة .. إلا أني لا ذكر أنه أثنى على شيء ..
أسأله عن كتاب ألفته وقد أثنى عليه أناس كثيراً وطبع منه مئات الآلاف فيقول ببرود : والله جيد .. ولكن فيه قصة غير مناسبة .. وحجم الخط ما أعجبني .. ونوعية الطباعة أيضاً سيئة .. و ..
وأسأله يوماً عن أداء فلان في خطبته .. فلا يكاد يذكر جانباً مشرقاً ..
حتى صار أثقل علي من الجبل .. وصرت لا أسأله أبداً عن رأيه في شيء لأني أعرفه سلفاً ..
قل مثل ذلك فيمن يفترض المثالية في جميع الناس ..
فيريد من زوجته أن يكون بيتها نظيفاً 24ساعة 100% ..
ويريدها أيضاً أن يبقى أطفالها نظيفين متزينين على مدى اليوم ..
وإن زاره ضيوف افترض أن تطبخ أحسن الطعام ..
وإن جالسها افترض أن تحدثه بأجمل الأحاديث ..
وكذلك هو مع أولاده .. يريدهم 100% في كل شيء ..
ومع زملائه .. ومع كل من يخالطه في الشارع والسوق .. و ..
وإن قصّر أحد من هؤلاء أكله بلسانه وأكثر عليه الانتقاد وكرر الملاحظات .. حتى يمل الناس منه .. لأنه لا يرى في الصفحة البيضاء إلا الأسودَ ..
من كان هذا حاله عذب نفسه في الحقيقة .. وكرهه أقرب الناس إليه واستثقلوا مجالسته ..
[]إذا أنت لم تشرب مراراً على القذا
ظمئت , وأي الناس تصفو مشاربه؟![/]
إذا كـنت فـي كل الأمور معاتباً
رفـيقك لن تلـق الـذي ستعاتبه
قالت أمنا عائشة t وهي تصف حال تعامله e معهم :
ما عاب رسول الله r طعاماً قط .. إن اشتهاه أكله وإلا تركه .. ([2]) .. نعم ما كان يصنع مشكلة من كل شيء ..
وقال أنس t : والله لقد خدمت رسول الله r تسع سنين .. ما علمته قال لشيء صنعته : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب عليّ شيئاً قط .. ووالله ما قال لي أفَّ قط ..
هكذا كان .. وهكذا ينبغي أن نكون ..
وأنا بذلك لا أدعو إلى ترك النصيحة أو السكوت عن الأخطاء .. ولكن لا تكن مدققاً في كل شيء .. خاصة في الأمور الدنيوية .. تعود أن تمشّي الأمور ..
لو طرق بابك ضيف فرحبت به وأدخلته غرفة الضيوف فلما أحضرت الشاي تناول الفنجان .. فلما نظر إلى الشاي بداخله قال : لـمَ لم تملأ الفنجان ؟ فقلت : أزيدك ؟ قال : لا .. لا .. يكفي ..
فطلب ماء فأحضرت له كأس ماء فشكرك وشربه .. فلما انتهى قال : ماؤكم حار ..
ثم التفت إلى المكيف وقال : مكيفكم لا يبرّد !! وجعل يشتكى الحر .. ثم ..
ألا تشعر بثقل هذا الإنسان .. وتتمنى لو يخرج من بيتك ولا يعود ..
إذن الناس يكرهون الانتقاد ..
لكن إن احتجت إليه فغلفه بغلاف جميل ثم قدمه للآخرين ..
قدمه في صورة اقتراح .. أو بأسلوب غير مباشر .. أو بألفاظ عامة ..
كان رسول الله e إذا لاحظ خطئاً على أحد لم يواجهه به وإنما يقول : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ..
يعني : إياكِ أعني واسمعي يا جارة ..
في يوم من الدهر أقبل ثلاثة شباب متحمسين .. إلى المدينة النبوية ..
كانوا يريدون معرفة كيفية عبادة النبي e وصلاته ..
سألوا أزواج النبي r عن عمله في السر ..
فأخبرتهم زوجات النبي r أنه يصوم أحياناً ويفطر أحياناً .. وينام بعضاً من الليل ويصلي بعضه ..
فقال بعضهم لبعض : هذا رسول الله r قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ..
ثم اتخذ كل واحد منهم قراراً ..!
فقال أحدهم : أنا لن أتزوج .. أي سأبقى عزباً .. متفرغاً للعبادة ..
وقال الآخر : وأنا سأصوم دائماً .. كل يوم ..
وقال الثالث : وأنا لا أنام الليل .. أي سأقوم الليل كله ..
فبلغ النبي r ما قالوه ..
فقام على منبره .. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
ما بال أقوام !! ( هكذا مبهماً ، لم يقل ما بال فلان وفلان ) ..
ما بال أقوام قالوا : كذا وكذا .. لكني أصلي وأنام .. وأصوم وأفطر .. وأتزوج النساء ..
فمن رغب عن سنتي فليس مني ([3]) .
وفي يوم آخر .. لاحظ النبي r أن رجالاً من المصلين معه .. يرفعون أبصارهم إلى السماء في أثناء صلاتهم ..
وهذا خطأ فالأصل أن ينظر أحدهم إلى موضع سجوده ..
فقال r : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ..
فلم ينتهوا عن ذلك واستمروا يفعلونه .. فلم يفضحهم أو يسمهم بأسمائهم .. وإنما قال :
لينتهُنَّ عن ذلك .. أو لتخطفن أبصارهم ([4]) ..
وكانت بريرة جارية أمةً مملوكة في المدينة .. أرادت أن تعتق من الرق .. فطلبت ذلك من سيدها .. فاشترط عليها مالاً تدفعه إليه ..
فجاءت بريرة .. إلى عائشة تلتمس منها أن تعينها بمال ..
فقالت عائشة : إن شئت أعطيت أهلك ثمنك .. فتعتقين .. لكن يكون الولاء لي ..([5])
فأخبرت الجارية أهلها فأبوا ذلك .. وأرادوا أن يربحوا الأمرين .. ثمن عتقها .. وولاءها !!
فسألت عائشة النبي r .. فعجب e من حرصهم على المال .. ومنعهم للمسكينة من الحرية !!
فقال لعائشة : ابتاعيها .. فأعتقيها .. فإنما الولاء لمن أعتق ..
أي الولاء لك ما دام أنك دفعت المال .. ولا تلتفتي إلى شروطهم فهي ظالمة ..
ثم قام رسول الله r على المنبر فقال :
ما بال أقوام ( ولم يقل آل فلان ) .. يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله .. من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله .. فليس له .. وإن اشترط مائة شرط ([6]) ..
نعم هكذا .. لوّح بالعصا من بعيد ولا تضرب بها ..
فما أجمل أن تقول لزوجتك المهملة في نظافة بيتها : البارحة تعشينا عند صاحبي فلان .. وكان الجميع يثني على نظافة منزله ..
أو تقول لولدك المهمل للصلاة في المسجد .. : أنا أعجب من فلان ابن جيراننا ما نكاد نفقده في المسجد أبداً ..!!
يعني .. إياك أعني واسمعي يا جارة !!
ويحق لك أن تسأل : لماذا يكره الناس الانتقاد ؟
فأقول : لأنه يشعرهم بالنقص .. فكل الناس يحبون الكمال ..
ذكروا أن رجلاً بسيطاً أراد أن يكون له شيء من التحكم ..
فعمد إلى ترمسي ماء أحدهما أخضر والثاني أحمر .. وعبأهما بالماء البارد ..
ثم جلس للناس في طريقهم .. وجعل يصيح : ماء بارد مجاناً ..
فكان العطشان يقبل عليه ويتناول الكأس ليصب لنفسه ويشرب .. فإذا رآه صاحبنا قد توجه للترمس الأخضر ..
قال له : لا .. اشرب من الأحمر .. فيشرب من الأحمر ..
وإذا أقبل آخر .. وأراد أن يشرب من الأحمر .. قال له : لا .. اشرب من الأخضر ..
فإذا اعترض أحدهم .. وقال : ما الفرق ؟!
قال : أنا المسئول عن الماء .. يعجبك هذا النظام أو دبر لنفسك ماءً ..
إنه شعور الإنسان الدائم بالحاجة إلى اعتباره والاهتمام به ..




[]نحلة .. وذباب !!
كن نحلة تقع على الطيب وتتجاوز الخبيث .. ولا تك كالذباب يتتبع الجروح !!

1. لا تكن أُستاذيّاً !!..[/]
قارن بين ثلاثة آباء .. رأى كل واحد ولده جالساً عند التلفاز في أيام الامتحانات ..
فقال الأول لولده : يا محمد .. ذاكر دروسك ..
وقال الثاني : ماجد .. إذا ما ذاكرت دروسك والله لأضربك .. وأحرمك من المصروف .. و ..
أما الثالث فقال : صالح .. لو تذاكر دروسك .. أحسن لك من التلفاز .. صح ؟!
أيهم أحسن أسلوباً ..؟
لا شك أنه الثالث .. لأنه قدم أمره على شكل اقتراح ..
وكذلك في التعامل مع زوجتك .. سارة ليتك تعملين شاي .. هند أتمنى أتغدى مبكراً اليوم ..
وكذلك ..
عندما يخطئ إنسان .. عالج خطأه بأسلوب يجعله يشعر أن الفكرة فكرته هو .. ولدك يغيب عن الصلاة في المسجد ..
قل له – مثلاً – : سعد .. ما تريد تدخل الجنة .. بلى .. إذن حافظ على صلاتك ..
في يوم من الأيام .. وفي خيمة أعرابي في الصحراء ..
جعلت امرأة تتأوه تلد .. وزوجها عند رأسها ينتظر خروج المولود ..
اشتد المخاض بالمرأة حتى انتهت شدتها وولدت ..
لكنها ولدت غلاماً أسود !!
نظر الرجل إلى نفسه .. ونظر إلى امرأته فإذا هما أبيضان .. فعجِبَ كيف صار الغلام أسود !!
أوقع الشيطان في نفسه الوساوس ..
لعل هذا الولد من غيرك !!
لعلها زنى بها رجل أسود فحملت منه !!
لعل ..
اضطرب الرجل وذهب إلى المدينة النبوية .. حتى دخل على رسول الله e وعنده أصحابه ..
فقال : يا رسول الله .. إن امرأتي ولدت على فراشي غلاماً أسود !! وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط !!
نظر النبي e إليه .. وكان قادراً على أن يسمعه موعظة حول حسن الظن بالآخرين .. وعدم اتهام امرأته ..
لكنه أراد أن يمارس معه في الحل أسلوباً آخر ..
أراد أن يجعل الرجل يحل مشكلته بنفسه .. فبدأ يضرب له مثلاً يقرب له الجواب ..
فما المثل المناسب له ..؟ هل يضرب له مثلاً بالأشجار ؟ أم بالنخل ؟ أم بالفُرْس والروم ؟
نظر إليه e فإذا الرجل عليه آثار البادية .. وإذا هو مضطرب تتزاحم الأفكار في رأسه حول امرأته ..
فقال له e : هل لك من إبل ؟
قال : نعم ..
قال : فما ألوانها ؟
قال : حمر ..
قال : فهل فيها أسود ؟
قال : لا ..
قال : فيها أورق ؟
قال : نعم ..
قال : فأنى كان ذلك ؟!
يعني : ما دام أنها كلها حمر ذكوراً وإناثاً .. وليس فيها أي لون آخر .. فكيف ولدت الناقة الحمراء ولداً أورق .. يختلف عن لونها ولون الأب ( الفحل ) ..
فكر الرجل قليلاً .. ثم قال : عسى أن يكون نزعه عرق .. يعني قد يكون من أجداده من هو أورق .. فلا زال الشبه باقياً في السلالة .. فظهر في هذا الولد ..
فقال e : فلعل ابنك هذا نزعه عرق ([1]) ..
سمع الرجل هذا الجواب .. فكر قليلاً فإذا هو جوابه هو .. والفكرة فكرته .. فاقتنع وأيقن .. ومضى إلى امرأته ..
وفي يوم آخر ..
جلس e مع أصحابه .. فجعل يحدثهم عن أبوب الخير ..
وكان مما ذكره .. أن قال : وفي بضع أحدكم صدقة ..
أي وطء أحدكم امرأته له فيه أجر ..
فعجب الصحابة وقالوا : يا رسول الله .. يأتي أحدنا شهوته .. ويكون له أجر ؟!!
فأجابهم e بجواب يشعرون به أن الفكرة فكرتهم .. فلا يحتاجون لنقاش لإقناعهم بها ..
فقال e : أرأيتم لو وضعها في حرام .. أكان عليه وزر ..
قالوا : نعم ..
قال : فكذلك لو وضعها في حلال كان له أجر ..
بل حتى أثناء الحوار مع الآخر ..
تدرج معه عند النصح في الأشياء التي أنتما متفقان عليها ..
خرج r إلى مكة معتمراً في ألف وأربعمائة من أصحابه .. فمنعتهم قريش من دخول مكة ..
ووقعت أحداث قصة الحديبية المشهورة ..
في آخر الأمر وبعد مشاورات طويلة بين النبي r وقريش .. اتفقوا على صلح ..
كان الذي تولى الاتفاق على بنود الصلح من جانب قريش هو سهيل بن عمرو ..
اتفق النبي r مع سهيل على شروط ..
منها :
· أن يعود المسلمون أدراجهم إلى المدينة من غير عمرة ..
· وأن من دخل في الإسلام من أهل مكة وأراد أن يهاجر إلى المدينة فإن المسلمين في المدينة لا يقبلونه ..
· أما من ارتد عن إسلامه وأراد الذهاب إلى المشركين في مكة فإنه يقبل ..!!
إلى غير ذلك من الشروط التي في ظاهرها أنها هزيمة للمسلمين وإذلال لهم ..
كانت قريش في الواقع خائفة من هذا العدد الكبير من المسلمين .. وتعلم أن المسلمين لو شاءوا لفتحوا مكة .. ولهذا كانت قريش تضطر إلى التلطف والمصانعة ..
وكأني بهم .. ما كانوا يحلمون أن يظفروا ولا بربع هذه الشروط ..
كان أكثر الصحابة متضايقاً من شروط العقد ..
لكن أنى لهم أن يعترضوا .. والذي يكتب العقد ويمضيه رجل لا ينطق عن الهوى ..
كان عمر متحفزاً .. ينظر يميناً وشمالاً .. يتمنى لو يستطيع عمل شيء ..
فلم يصبر ..
وثب عمر فأتى أبا بكر .. وأراد أن يناقشه ..
فمن حكمته .. لم يبدأ بالاعتراض .. وإنما بدأ بالأشياء التي هما متفقان عليها ..
وجعل يسأل أبا بكر أسئلة جوابها .. بلى .. نعم .. صحيح ..
فقال : يا أبا بكر .. أليس برسول الله ..؟!
قال : بلى ..
قال : أولسنا بالمسلمين ؟!
قال : بلى ..
قال : أوليسوا بالمشركين ؟!
قال : بلى ..
قال : أولسنا على الحق ؟
قال : بلى ..
قال : أوليسوا على الباطل ؟
قال : بلى ..
قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟!
فقال أبو بكر : يا عمر .. أليس هو رسول الله .؟
قال : بلى ..
قال : فالزم غِرْزه .. فإني أشهد أنه رسول الله ..
أي كن وراءه تابعاً لا تخالفه أبداً .. كما أن غرزات الخيط في الثوب تكون متتابعة ..
قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله ..
مضى عمر .. حاول أن يصبر .. فلم يستطع ..
فذهب إلى رسول الله r ..
فقال : يا رسول الله .. ألست برسول الله ؟!
قال : بلى ..
قال : أولسنا بالمسلمين .. ؟
قال : بلى ..
قال : أوليسوا بالمشركين .. ؟!
قال : بلى ..
قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟!
فقال e : أنا عبد الله ورسوله .. لن أخالف أمره .. ولن يضيعني ..
سكت عمر .. ومضى الكتاب .. ورجع المسلمون إلى المدينة ..
ومضت الأيام .. ونقضت قريش العهد .. وأقبل رسول الله r فاتحاً مكة .. مطهراً البيت الحرام من الأصنام ..
وأدرك عمر أنه كان في اعتراضه حينذاك على غير السبيل ..
فكان t يقول :
ما زلت أصوم .. وأتصدق .. وأصلي .. وأعتق .. من الذي صنعت يومئذ .. مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ .. حتى رجوت أن يكون خيراً ..
فلله در عمر .. ودر رسول الله r قبله ..
كيف نستفيد أكثر من هذه المهارة ؟
لو كان ولدك لا يعتني بحفظ القرآن .. وتريده أن يزداد حرصاً ..
ابدأ بالأشياء التي أنتما متفقان عليها .. ألا تريد أن يحبك الله .. ألا تريد أن ترتقي في درجات الجنة ..
سيجيبك حتماً : بلى ..
عندها قدم النصيحة على شكل اقتراح .. : إذن فلو أنك شاركت في حلقة تحفيظ القرآن ..
وكذلك أنتِ : لو رأيتِ امرأة لا تعتني بحجابها ..
ابدئي معها بالأشياء التي أنتما متفقتان عليها ..
أنا أعلم أنك مسلمة .. وحريصة على الخير ..
ستقول : صحيح .. الحمد لله ..
وامرأة عفيفة .. وتحبين الله ..
ستقول : إي والله .. الحمد لله ..
عندها قدمي النصيحة على شكل اقتراح : فلو أنك اعتنيت بحجابك أكثر .. وحرصت على الستر ..
هكذا يمكننا أن نحصل على ما نريد من الناس من غير أن يشعروا ..

[]بارقة ..
تستطيع أن تأكل العسل دون تحطيم الخلية ..

2. أمسك العصا من النصف !![/]
أشكرك على اختيارك مهنة التدريس .. وقد آتاك الله أسلوباً حسناً .. وطلابك يحبونك كثيراً .. و ..
ولكن : ليتك ما تتأخر على الدوام في الصباح ..
أنت جميلة .. والبيت مرتب .. ولا أنكر أن الأولاد متعبون .. و ..
ولكن : أتمنى أن تهتمي بملابسهم أكثر ..
هكذا كان أسلوب صالح مع الناس .. يذكر الجوانب المشرقة عند المخطئ ثم ينبهه على أخطائه .. ليكون عادلاً ..
عندما تنتقد حاول أن تذكر جوانب الصواب في المخطئ .. قبل غيرها ..
حاول دائماً أن تشعر الذي أمامك أن نظرتك إليه مشرقة .. وأنك عندما تنبهه على أخطائه لا يعني ذلك أنه سقط من عينك .. أو أنك نسيت حسناته ولا تذكر إلا سيئاته ..
لا .. بل أشعره أن ملاحظاتك عليه تغوص في بحر حسناته ..
كان النبي e محبوباً بين أصحابه .. وكان يمارس أساليب رائعة في التعامل معهم ..
وقف مرة بينهم .. فشخص ببصره إلى السماء .. كأنه يفكر أو يترقب شيئاً ..
ثم قال : هذا أوانُ يختلس العلم من الناس .. حتى لا يقدروا منه على شيء ..
أي : يُعرض الناس عن القرآن وتعلمه .. وعن العلم الشرعي .. فلا يحرصون عليه ولا يفهمونه ..
فيُختلسُ منهم .. أي : يرفع عنهم ..
فقام صحابي جليل .. هو زياد بن لبيد الأنصاري وقال بكل حماس :
يا رسول الله ، وكيف يختلس منا ؟! وقد قرأنا القرآن ! فوالله لنقرأنه ، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا ..
فنظر إليه النبي e .. فإذا شاب يتفجر حماساً وغيرة على الدين .. فأراد أن ينبهه على فهمه .. فقال :
ثكلتك أمك يا زياد ، إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ..
وهذا ثناء على زياد .. أن يقول له رسول الله e أمام الناس إنه من فقهاء المدينة .. هذا ذكر لجوانب الصواب والصفحات المشرقة لزياد ..
ثم قال e : هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم ؟! ([2]) ..
أي ليست العبرة يا زياد بوجود القرآن .. وإنما العبرة بقراءته ومعرفة معانيه والعمل بأحكامه ..
هكذا كان تعامله رائعاً ..
وفي يوم آخر .. يمر e ببعض قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام .. وكان يختار أحسن العبارات لأجل ترغيبهم في الاستجابة له والدخول في الإسلام ..
فمر بقبيلة منهم .. اسمهم : بنو عبد الله .. فدعاهم إلى الله .. وعرض عليهم نفسه .. وجعل يقول لهم :
يا بني عبد الله .. إن الله قد أحسن اسم أبيكم ..
يعني لستم ببني عبد العزى .. أو بني عبد اللات .. وإنما أنتم بنو عبد الله .. فليس في اسمكم شرك فادخلوا في الإسلام ..
بل كان من براعته r أنه كان يرسل رسائل غير مباشرة إلى الناس .. يذكر فيها إعجابه بهم .. ومحبته الخير لهم .. فإذا بلغتهم هذه الرسائل .. عملت فيهم من التأثير أكثر مما تعمله – ربَّما – الدعوة المباشرة ..
كان خالد بن الوليد t بطلاً .. ولم يكن بطلاً عادياً .. بل كان بطلاً مغواراً .. يضرب له ألف حساب ..
وكان النبي r يتشوق لإسلامه .. لكن أنى له ذلك .. وخالد ما ترك حرباً ضد المسلمين إلا خاضها .. بل كان هو من أكبر أسباب هزيمة المسلمين في معركة أحد ..
قال فيه النبي r يوماً .. لو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
فكيف كان تأثير ذلك ؟
خذ القصة من أولها ..
كان خالد من أشداء الكفار وقادتهم ..
لا يكاد يفوت فرصة إلا حارب فيها رسول الله e أو ترصّد له ..
فلما أقبل رسول الله r مع المسلمين إلى الحديبية .. وأرادوا العمرة ..
خرج خالد في خيل من المشركين .. فلقوا النبي e وأصحابه بموضع يقال له : عسفان ..
فقام خالد قريباً منهم يتحين الفرصة ليصيب رسول الله e برمية سهم أو ضربة سيف ..
جعل يترصد ويترقب ..
فصلى النبي e بأصحابه صلاة الظهر أمامهم .. فهموا أن يهجموا عليهم .. فلم يتيسر لهم ..
فكأن النبي e علم بهم .. فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ..
أي قسم أصحابه إلى فريقين .. فريق يصلي معه وفريق يحرس ..
فوقع ذلك من خالد وأصحابه موقعاً .. وقال في نفسه : الرجل ممنوع عنا .. أي هناك من يحميه ويمنع عنه الأذى !!
ثم ارتحل e وأصحابه .. وسلكوا طريقاً ذات اليمين .. لئلا يمروا بخالد وأصحابه ..
وصل e إلى الحديبية .. صالح قريشاً على أن يعتمر في العام القادم .. ورجع إلى المدينة ..
رأى خالد أن قريشاً لا يزال شأنها ينخفض في العرب يوماً بعد يوم ..
فقال في نفسه : أي شيء بقي ؟ أين أذهب ؟
إلى النجاشي ؟ .. لا .. فقد اتبع محمداً وأصحابه عنده آمنون ..
فأخرج إلى هرقل ؟.. لا .. أخرج من ديني إلى نصرانية ؟.. أو يهودية ؟ وأقيم في عجم ؟..
فبنما خالد يفكر في شأنه .. ويتردد .. والأيام والشهور تمضي عليه ..
إذ جاء موعد عمرة المسلمين .. فأقبلوا إلى المدينة ..
دخل r مكة معتمراً ..
فلم يحتمل خالد رؤية المسلمين محرمين .. فخرج من مكة .. وغاب أياماً أربعة وهي الأيام التي قضاها النبي e في مكة ..
قضى النبي e عمرته .. وجعل ينظر في طرقات مكة وبيوتها .. ويستعيد الذكريات ..
تذكر البطل خالد بن الوليد ..
فالتفت إلى الوليد بن الوليد .. وهو أخو خالد .. وكان الوليد مسلماً قد دخل مع النبي r معتمراً ..
وأراد e أن يبعث إلى خالد رسالة غير مباشرة .. يرغبه فيها بالدخول في الإسلام ..
قال e للوليد : أين خالد ؟
فوجئ الوليد بالسؤال .. وقال : يأتي الله به يا رسول الله ..
فقال e : " مثله يجهل الإسلام !! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّه مع المسلمين .. كان خيراً له ..
ثم قال : ولو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
استبشر الوليد .. وجعل يطلب خالداً ويبحث عنه في مكة .. فلم يجده ..
فلما عزموا على الرجوع للمدينة ..
كتب الوليد كتاباً إلى أخيه :
بسم الله الرحمن الرحيم .. أما بعد .. فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام .. وعقلك عقلك ! ومثل الإسلام يجهله أحد ؟
وقد سألني رسول الله r عنك وقال : أين خالد ؟ فقلت : يأتي الله به ..
فقال : " مثله جهل الإسلام !! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّه مع المسلمين .. كان خيراً له .. ولو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة ..
قال خالد : فلما جاءني كتابه .. نشطت للخروج .. وزادني رغبة في الإسلام ..
وسرني سؤال رسول الله r عني ..
وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة .. فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة ..
فقلت : إن هذه لرؤيا حق ..
فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله r قلت :
من أصاحب إلى رسول الله r ؟!
فلقيت صفوان بن أمية .. فقلت :
يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه ؟ إنما نحن كأضراس يطحن بعضها بعضاً ..
وقد ظهر محمد على العرب والعجم ..
فلو قدمنا على محمد واتبعناه .. فإن شرف محمد لنا شرف ؟
فأبى أشد الإباء .. وقال : لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً ..
فافترقنا .. وقلت في نفسي :
هذا رجل مصاب .. قتل أخوه وأبوه بمعركة بدر ..
فلقيت عكرمة بن أبي جهل .. فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية ..
فقال لي مثل ما قال لي صفوان بن أمية ..
قلت : فاكتم علي خروجي إلى محمد ..
قال : لا أذكره لأحد .
فخرجت إلى منزلي .. فأمرت براحلتي فخرجت بها ..
إلى أن لقيت عثمان بن طلحة .. فقلت :
إن هذا لي صديق .. فلو ذكرت له ما أرجو ..
ثم ذكرت من قتل من آبائه في حربنا مع المسلمين .. فكرهت أن أذكِّره ..
ثم قلت : وما علي أن أخبره .. وأنا راحل في ساعتي هذه !..
فذكرت له ما صار أمر قريش إليه .. وقلت :
إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر .. لو صُب عليه ذنوب من ماء لخرج ..
وقلت له نحواً مما قلت لصاحبَيْ .. فأسرع الإستجابة وعزم على الخروج معي للمدينة !..
فقلت له : إني خرجت هذا اليوم .. وأنا أريد أن أمضي للمدينة ..
وهذه راحلتي مجهزة لي على الطريق ..
قال : فتواعدنا أنا وهو في موضع يقال له "يأجج " .. إن سبقني أقام ينتظرني .. وإن سبقته أقمت أنتظره ..
فخرجت من بيتي آخر الليل سَحَراً .. خوفاً من أن تعلم قريش بخروجنا ..
فلم يطلع الفجر حتى التقينا في "يأجج" .. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة ..
فوجدنا عمرو بن العاص على بعيره ..
قال : مرحباً بالقوم .. إلى أين مسيركم ؟
فقلنا : وما أخرجك ؟
فقال : وما أخرجكم ؟
قلنا : الدخول في الإسلام .. واتباع محمد r ..
قال : وذاك الذي أقدمني .
فاصطحبنا جميعاً حتى دخلنا المدينة ..
فأنخنا بظهر الحرة ركابنا ..
فأُخبر بنا رسول الله r فسر بنا ..
فلبست من صالح ثيابي .. ثم توجهت إلى رسول الله r .. فلقيني أخي فقال :
أسرع .. فإن رسول الله r .. قد أُخبر بك فسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم ..
فأسرعنا السّير .. فأقبلت إلى رسول الله أمشي .. فلما رآني من بعيد تبسّم .. فما زال يتبسم إليَّ حتى وقفت عليه ..
فسلمت عليه بالنبوة .. فرد على السلام بوجه طلْق ..
فقلت : إني أشهد أن لا إله إلا الله .. وأنك رسول الله ..
فقال : " الحمد لله الذي هداك .. قد كنت أرى لك عقلاً .. رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير " ..
قلت : يا رسول الله .. إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك .. معانداً للحق .. فادع الله أن يغفرها لي ..
فقال r : " الإسلام يجب ما كان قبله " ..
قلت : يا رسول الله .. على ذلك .. فاستغفر لي ..
قال : " اللهم اغفر لخالد بن الوليد .. كل ما أَوْضع فيه .. من صد عن سبيل الله " ..
ومن يعدها كان خالد رأساً من رؤوس هذا الدين ..
أما إسلامه فكان برسالة غير مباشرة وصلت إليه من رسول الله e ..
فما أحلمه e وأحكمه ..
فلنتبع مثل هذه المهارات في التأثير في الناس ..
فلو رأيت شخصاً يبيع دخاناً في بقالة فأردت تنبيهه ..
فأثن أولاً على بقالته ونظافتها .. وادعُ له بالبركة في الربح .. ثم نبهه على أهمية الكسب الحلال .. ليشعر أنك لم تنظر إليه بمنظار أسود .. بل أمسكت العصا من النصف ..
كن ذكياً .. ابحث عن أي حسنات فيمن أمامك تغمر فيها سيئاته .. أحسن الظن بالآخرين .. ليشعروا بعدلك معهم فيحبوك ..

[]لمحة ..
عندما يقتنع الناس أننا نلحظ حسناتهم .. كما نلحظ سيئاتهم .. يقبلون منا التوجيه ..

3. اجعل معالجة الخطأ سهلة ..[/]
تتنوع الأخطاء التي تقع من الناس كبراً وصغراً ..
ومهما كان حجم الخطأ فإنه يمكن علاجه ..
نعم قد لا يفيد العلاج في إصلاح ما أفسده الخطأ 100% .. لكنه على الأقل يصلح أكثر الفاسد ..
عدد غير قليل من الناس لا يسعى إلى إصلاح أخطائه لشكه في قدرته أصلاً على علاجها ..
وأحياناً تكون طريقتنا في التعامل مع الأخطاء هي جزء من الخطأ نفسه ..
يقع ولدي في خطأ فألومه وأحقره وأعظِّم عليه الخطأ حتى يشعر بأنه سقط في بئر ليس له قاع !! فييأس من الإصلاح .. ويبقى على ما هو عليه ..
وقد تقع في الخطأ زوجتي أو يقع فيه صديقي ..
فإذا أشعرته أنه أخطأ ولكن الطريق لم ينقطع بعد فمعالجة الخطأ سهلة .. والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ..
جاء رجل إلى النبي r يبايعه على الهجرة .. وقال : إني جئت أبايعك على الهجرة .. وتركت أبوي يبكيان ..
فلم يعنفه e .. أو يحقر فِعْله .. أو يصغر عقله .. فالرجل جاء بنية صالحة ويرى أنه فعل الأصلح ..
أشعره e أن معالجة الخطأ سهلة فقال له بكل بساطة : ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ..([3]) ..
وانتهى الأمر ..
كان e يتعامل مع الناس بأساليب تربي فيهم الرغبة في الخير وتشعرهم أنهم إلى الخير أقرب .. حتى وإن وقعوا في أخطاء ..
وبين يدي حادثة مروّعة .. الشاهد منها آخرُها .. لكني سأوردها من أولها رغبة في الفائدة ..
كان رسول الله r إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه .. فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ..
فلما أراد الخروج إلى غزوة بني المصطلق .. أقرع بينهن فخرج سهم عائشة ..
فخرجت مع رسول الله r .. وذلك بعدما أنزل الحجاب ..وكانت تحمل في هودج .. فإذا نزلوا نزلت من هودجها .. وقضت حاجاتها .. فإذا أرادوا الارتحال ركبت فيه ..
فلما فرغ رسول الله r من غزوته .. توجه قافلاً إلى المدينة .. حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً فبات به بعض الليل ..
ثم آذن الناس بالرحيل .. فبدأ الناس يجمعون متاعهم للرحيل ..فخرجت عائشة لبعض حاجتها .. وفي عنقها عقد لها فيه جزع ظفار ..
فلما فرغت من حاجتها .. انسل العقد من عنقها وهي لا تدري ..
فلما رجعت العسكر .. وأرادت الدخول في هودجها .. لمست عنقها فلم تجد العقد .. وقد بدأ الناس في الرحيل ..
فرجعت سريعاً إلى مكانها الذي قضت فيه حاجتها .. فأخذت تبحث عنه .. وأبطأت ..
وجاء القوم فحملوا هودجها وهم يظنون أنها فيه .. فاحتملوه .. فشدوه على البعير .. ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ..
وسار الجيش .. أما عائشة فبعد بحث طويل .. وجدت العقد .. فعادت إلى مكان الجيش ..
[]* * * * * * * * *[/]
قالت عائشة :
. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب .. قد انطلق الناس ..
فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي ..
فتلففت بجلبابي .. فبينما أنا جالسة في منزلي إذ غلبتني عيني فنمت ..
فوالله إني لمضطجعة إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل ..
وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته .. فلم يبت مع الناس ..
فرأى سواد إنسان نائم .. فأتاني فعرفني حين رآني .. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علينا ..
فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون .. ظعينة رسول الله r ؟
فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ..
ووالله ما كلمني كلمة .. ولا سمعت منه غير استرجاعه ..
حتى أناخ راحلته .. فوطئ على يديها .. فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس ..
فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدوني حتى أصبحنا .. فوجدناهم نازلين .. فبينما هم كذلك .. إذ طلع الرجل يقود بي البعير ..
فقال أهل الإفك ما قالوا .. وارتجَّ العسكر .. ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ..
[]* * * * * * * * *[/]
ثم قدمنا المدينة .. فلم ألبث أن مرضت واشتكيت شكوى شديدة .. وأنا لا يبلغني من كلام الناس شيء ..
وقد انتهى الحديث إلى رسول الله r وإلى أبويَّ .. وهم لا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيراً .. إلا أني قد أنكرت من رسول الله r بعض لطفه بي ..
كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي .. فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ..
بل كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك ..
حتى وجدت في نفسي ..فلما رأيت جفاءه لي قلت :
يا رسول الله .. لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني ..
قال : لا عليك ..
[]* * * * * * * * *[/]
فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان .. حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ..
فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت خالة أبي بكر t ..
فوالله إنها لتمشي معي إذ تعثرت في مِرطها .. وسقطت أو كادت ..
فقالت : تعس مسطح ..
قلت : بئس لعمر الله ما قلت .. تسبين رجلاً قد شهد بدراً ؟
فقالت : أي هنتاه .. أولم تسمعي ما قال ؟ أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ..
قلت : وما الخبر ؟
فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ..
قلت : أوقد كان هذا ؟
قالت : نعم والله لقد كان ..
فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت .. فازددت مرضاً إلى مرضي ..
فوالله ما زلت أبكي .. حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي ..
وقلت لأمي : يغفر الله لك .. تحدث الناس بما تحدثوا يه .. ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ..
قالت : أي بنية خففي عليك الشأن .. فوالله لقلَّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها .. ولها ضرائر إلا كثّرن .. وكثّر الناس عليها ..
قلت : سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا ؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت .. لا يرقأ لي دمع .. ولا أكتحل بنوم ..
ثم أصبحت أبكي ..
[]* * * * * * * * *[/]
هذا حال عائشة .. تتهم بذلك وهي الفتاة التي لم يتجاوز عمرها خمس عشرة سنة ..
تتهم بالزنا .. وهي العفيفة الشريفة .. زوجة أطهر الناس .. التي ما كشفت سترها .. ولا هتكت عرضها .. هذا حالها تبكي في بيت أبويها ..
أما حال رسول الله r .. فلا يبعد حزناً وهماً .. عن عائشة ..
فلا جبريل يرسل .. ولا القرآن ينزل .. ويبقى r متحيراً في أمره .. وقد كبر عليه اتهام المنافقين .. وكلام الناس في عرضه زوجه ..
[]* * * * * * * * *[/]
فلما طال الأمر عليه .. قام r في الناس فخطبهم .. فحمد الله .. وأثنى عليه .. ثم قال :
أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي .. ويقولون عليهم غير الحق .. والله ما علمت عليهم إلا خيراً .. ويقولون ذلك لرجل .. والله ما علمت منه إلا خيراً .. ولا يدخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي ..
فلما قال رسول الله r تلك المقالة ..
قام أمير الأوس سعد بن معاذ فقال :
يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفك إياهم .. وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم ..
فلما سمع ذلك أمير الخزرج سعد بن عبادة قام .. وكان رجلاً صالحاً .. لكن أخذته الحمية ..
قام فقال : كذبت لعمر الله .. ما تضرب أعناقهم .. أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ؟ ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ..
فقال أسيد بن حضير : كذبت لعمر الله .. والله لنقتلنه .. ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ..
ثم ثار الناس بعضهم إلى بعض .. حتى كادوا أن يقتتلوا ..
ورسول الله r قائم على المنبر .. فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا .. وسكت ..
فلما رأى r ذلك .. نزل فدخل بيته ..
[]* * * * * * * * *[/]
ولما رأى أن الأمر لا يمكن حله من جهة عموم الناس ..
أراد أن يجد حلاً من جهة أهل بيته .. وأخص الناس به ..
فدعا علياً وأسامة بن زيد .. فاستشارهما ..
فأما أسامة فأثنى على عائشة خيراً وقال : يا رسول الله .. أهلك وما نعلم منهم إلا خيراً .. وهذا الكذب والباطل ..
وأما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء لكثير .. وإنك لقادر على أن تستخلف .. وسل الجارية فإنها ستصدقك .. فدعا رسول الله r بريرة ..[/]
فقال : أي بريرة .. هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟

[]فقالت بريرة : لا .. والذي بعثك بالحق نبياً ..
والله ما أعلم إلا خيراً .. وما كنت أعيب على عائشة شيئاً .. إلا أنها جارية حديثة السن .. فكنت أعجن عجيني .. فآمرها أن تحفظه فتنام عنه .. فتأتي الشاة فتأكله ..
نعم .. كيف ترى الجارية على عائشة ريبة .. وهي الفتاة الصالحة التي رباها صديق الأمة أبو بكر .. وتزوجها سيد ولد آدم ..
بل كيف تقع في ريبة .. وهي أحب الناس إلى رسول الله .. ولم يكن r يحب إلا طيباً .. [/]
[]فهي البريئة المبرأة .. ولكن الله يبتليها ليعظم أجرها .. ويرفع ذكرها ..[/]
[]
[]* * * * * * * * *[/]
وتمضي على عائشة الأيام .. والآلام تلد الآلام .. وهي تتقلب على فراش مرضها .. لا تهنأ بطعام ولا شراب ..[/]
[]وقد حاول رسول الله r أن يحل المشكلة .. بخطبة على رؤوس الناس فكادت أن تقع الحرب بين المسلمين .. وحاول أن يحلها في بيته ويسأل علياً وزيداً .. فلم يخرج بشيء ..[/]
[]
فلما رأى ذلك .. أراد أن ينهي الأمر من جهة عائشة ..
قالت رضي الله عنها :
وبكيت يومي ذلك لا ترقأ لي دمعه .. ولا اكتحل بنوم ..
ثم بكيت ليلتي المقبلة لا ترقأ لي دمعه ولا أكتحل بنوم ..
وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ..
[]* * * * * * * * *[/]
فأقبل يحث الخطى إلى بيت أبي بكر ..
فاستأذن .. ودخل عليها وعندها أبوها وأمها.. وامرأة من الأنصار ..
وهي أول مرة يدخل فيها بيت أبي بكر .. منذ قال الناس ما قالوا .. وما رأى عائشة منذ قرابة الشهر .. وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شيء في شأن عائشة ..
دخل r على عائشة ..
فإذا طريحة الفراش .. وكأنها فرخ منتوف من شدة البكاء والهم ..
وإذا هي تبكي .. والمرأة تبكي معها .. لا يملكان من الأمر شيئاً ..
فجلس رسول الله r .. فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال :
أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا .. وذكر e خبر الإفك .. وما أشيع من وقوعها في خطأ كبير ..ثم أراد e أن يبين لها أن الإنسان مهما وقع في خطأ فإن معالجة هذا الخطأ ليست صعبة .. فقال لها :
فإن كنت بريئه فسيبرئك الله عز وجل ..
وإن كنت ألممت بذنب .. فاستغفري الله عز وجل وتوبي إليه .. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب .. تاب الله عليه ..
هكذا .. حل سهل للخطأ – إن كان قد وقع – دون تعقيد وتطويل ..
قالت عائشة :
فلما قضى رسول الله r مقالته .. قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ..
وانتظرت أبويَّ أن يجيبا عني رسول الله r فلم يتكلما ..
فقلت لأبي : أجب عني رسول الله r فيما قال ..
فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله r ! ..
فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله r ..
فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله r !
ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام ..
فلما استعجما علي .. استعبرت فبكيت ؟
ثم قلت : لا .. والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً ..
إني والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به .. ولئن قلت لكم إني بريئة - والله عز وجل يعلم إني بريئة - لا تصدقوني ..
وإن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - تصدقوني ..
وإني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف : ] فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ ..
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ..
وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ..
ولكن والله ما كنت أظن أن يَنزِلَ في شأني وحيٌ يتلى ..
ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى ..
ولكن كنت أرجو أن يرى رسولُ الله r في النوم رؤيا يبرئني الله عز وجل بها ..
[]* * * * * * * * *[/]
فوالله ما برح رسول الله r مجلسه .. ولا خرج من أهل البيت أحد ..
حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه .. وأنزل الله على نبيه ..
فأما أنا حين رأيته يوحى إليه .. فوالله ما فزعت .. وما باليت .. قد عرفت أني بريئة .. وأن الله غير ظالمي ..
وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده .. ما سُرّي عن رسول الله r حتى ظننت لتخرجن أنفسهما .. فرقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس ..
فلما سُرّي عنه r .. فإذا هو يضحك .. فجعل يمسح العرق عن وجهه ..
وكان أول كلمة تكلم بها أن قال :
أبشري يا عائشة قد أنزل الله عز وجل براءتك ..
فقلت : الحمد لله ..
وأنزل الله تعالى : ] إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عظيم * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ ..
وتوعد الله أولئك بقوله : ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ ..
ثم خرج رسول الله r إلى الناس .. فخطبهم .. وتلا عليهم ما أنزل الله من القران في ذلك .. ثم أقام حد القذف على من قذف ..
إذن .. ينبغي أن تتعامل مع المخطئ على أنه مريض يحتاج إلى علاج .. لا أن تبالغ في كبته وتعنيفه .. لأنه قد يصل إلى درجة يشعر معها أنك فرحٌ بهذا الخطأ ..
والطبيب الناصح هو الذي يهتم بصحة مرضاه أكثر من اهتمامهم هم بأنفسهم ..
قال r :
إنما مثلي ومثل الناس .. كمثل رجل استوقد ناراً ..
فلما أضاءت ما حوله .. جعل الفَرَاشُ وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها ..
فجعل ينزعهن .. ويغلبنه فيقتحمن فيها !!
فأنا آخذٌ بحجَزِكُم عن النار .. وأنتم تقحمون فيها ..
يتبع

[/]
شريرة غير متواجد حالياً  
08-02-2010, 02:56 PM   #7
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

[][]رأي ..[/]
[] أحياناً تكون طريقتنا في التعامل مع الأخطاء أكبر من الخطأ نفسه ..[/]

[]1. [/]
كما أن الناس يختلفون في طباعهم وأشكالهم .. كذلك هم يختلفون في وجهات نظرهم .. وفي قناعاتهم وتصرفاتهم ..
فإذا شعرت أن أحداً خالف الصواب .. ونصحته وحاولت إصلاح خطئه ولم يقتنع ..
فلا تصنف اسمه من بين أعدائك .. وخذ الأمور بأريحية قدر المستطاع ..
فلو حاولت إصلاح خطأ عند أحد زملائك فلم يستجب .. فلا تقلب الصداقة عداوة .. وإنما استمر في التلطف فلعله أن يبقى على خطئه ولا يزيد ..
وقد قيل : حنانيك بعض الشر أهون من بعض ..
إذا تعاملت مع الناس بهذه الأريحية .. فلم تغضب على كل صغيرة وكبيرة .. عشت سعيداً ..
قالت عائشة t :
· ما انتقم رسول الله r لنفسه قط ..
· وما ضرب شيئاً قط بيده .. ولا امرأة .. ولا خادماً .. إلا أن يجاهد في سبيل الله ..
· وما نيل منه شيء قط .. فينتقم من صاحبه .. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله .. ([1])
إذن .. كان r يغضب .. لكنه غضبه لله .. لا يغضب لنفسه .. وحتى نفهم الفرق بين الغضبين :
افرض أن ولدك الصغير جاءك ذات صباح وطلب ريالاً أو ريالين مصروفاً للمدرسة .. فبحثت في محفظة نقودك .. فلم تجد إلا فئة الخمسمائة ريال .. فأعطيتها له .. وقلت :
هذه خمسمائة ريال .. اصرف منها ريالين .. وأرجع الباقي .. وأكدت عليه وكررت ..
فلما رجع بعد الظهر فإذا المال كله قد صرفه ..
فماذا ستفعل ؟.. وكيف سيكون غضبك ..؟ قد تضرب وتعنف وتمنعه من مصروفه أياماً ..
ولكن لو رجعت مرة من صلاة العصر ووجدته يلعب بالكمبيوتر .. أو عند التلفاز .. ولم يصل في المسجد .. فهل ستغضب كغضبك الأول ؟
أظننا نتفق أن غضبنا ألول سيكون أشد وأطول وأكثر تأثيراً من غضبنا الثاني ..
أما رسول الله r فكان غضبه لله ..
وكان يعرض النصيحة أحياناً ولا تقبل .. فياخذ الأمر بهدووووء .. فالهداية بيد الله ..
قدم رسول الله e إلى تبوك على حدود الشام ..
اقترب من مملكة الروم .. فبعث دحية الكلبي t رسولاً إلى هرقل ملك الروم ..
وصل دحية t إلى هرقل .. دخل عليه .. ناوله كتاب رسول الله e ..
فلما أن رأى هرقل الكتاب دعا قسيسي الروم وبطارقتها .. ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال :
" قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم .. وقد أرسل إليَّ أن يدعوني إلى ثلاث خصال .. يدعوني :
· أن أتبعه على دينه ..
· أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ..
· أو نلقي إليه الحرب ..
ثم قال هرقل :
والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن أرضنا .. فهلمَّ فلنتبعه على دينه .. أو نعطيه مالنا على أرضنا ..
فلما سمع القساوسة ذلك .. ورأوا أنه يدعوهم لترك دينهم ! غضبوا .. ونخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم .. أي سقطت أرديتهم من شدة الغضب والانتفاض !!
وقالوا : تدعونا إلى أن نذر النصرانية .. أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز .!!
أسقط في يد هرقل .. وأيقن أنه تورط بعرضه عليهم ..
وكان هؤلاء القساوية لهم سطوة وجمهور قوي ..
فعلم هرقل أنهم إن خرجوا من عنده .. أفسدوا عليه الروم ..
فجعل يهدئهم .. ويقول : إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ..
كان هرقل يعلم أن النبي e هو الرسول الذي بشر به عيسى e ..
فأراد أن يتأكد من ذلك ..
دعا هرقل رجلاً من عرب قبيلة "تجيب" .. كان من نصارى العرب ..
وقال له :
ادع لي رجلاً حافظاً للحديث .. عربيَّ اللسان .. أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ..
مضى ذاك التجيبي .. وجاء برجل من بني تنوخ .. من نصارى العرب ..
دفع هرقل كتاباً لهذا التنوخي ليوصله لرسول الله e .. وقال له : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ..
فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال :
· انظر هل يذكر صحيفته إلى التي كتب بشيء ..؟
· وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ؟
· وانظر في ظهره هل به شيء يريبك ؟
مضى التنوخي كفارقاً للشام .. حتى وصل إلى تبوك ..
فإذا رسول الله e جالس بين ظهراني أصحابه .. محتبياً على الماء ..
فوقف التنوخي عليهم .. وقال : أين صاحبكم ؟
قيل : ها هو ذا ..
فأقبل يمشي حتى جلس بين يديه ..
فناوله كتاب هرقل ..
فأخذه e .. فوضعه في حِجْره .. ثم قال : " ممن أنت " .. ؟
قال : أنا أخو تنوخ ..
فقال e : " هل لك إلى الإسلام .. الحنيفية .. ملة أبيك إبراهيم ؟
كان e راغباً في دخول هذا الرجل في الإسلام ..
في الحقيقة لم يكن هناك ما يمنع التنوخي من اتباع الحق .. إلا التعصب لدين قومه .. فحسب !!
فقال التنوخي بكل صراحة : إني رسول قوم .. وعلى دين قومي .. لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم ..
فما رأى e هذا التعصب .. لم يغضب .. ولم يعمل مشكلة .. وإنما ضحك وقال :
" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " ..
ثم قال e بكل هدوء :
يا أخا تنوخ ..
· إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه والله ممزقه وممزق ملكه ..
· وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرق ملكه ..
· وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها .. فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير " ..
تذكر التنوخي وصية هرقل .. وقال في نفسه : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ..
فخشي أن ينساها .. فأخذ سهماً من جعبته فكتبها في جنب سيفه ..
ثم إن رسول الله e ناول الصحيفة رجلاً عن يساره ..
فقال التنوخي : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟
قالوا : معاوية ..
بدأ معاوية t يقرأ .. فإذا هرقل قد كتب إلى النبي e :
تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين !! فأين النار ؟
فقال r : " سبحان الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!‍ أين الليل إذا جاء النهار " .
فانتبه التنوخي أن هذه الثانية التي أمره هرقل بترقبها .. فأخذ سهماً من جعبته فكتبه في جلد سيفه ..
فلما أن فرغ معاوية من قراءة الكتاب ..
التفت e إلى التنوخي .. الذي لم يقبل النصح .. ولم يدخل في الدين .. وقال له متلطفاً :
إن لك حقاً وإنك لرسول .. فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها .. إنا سِفْر مُرمِلون ..
يعني أتمنى أن أعطيك هدية .. لكننا كما ترانا مسافرين جالسين على الرمال !!
فقال عثمان t : أنا أجوزه يا رسول الله ..
ثم قام عثمان ففتح رحله .. فأتى بحلة ولباس فوضعها في حجر التنوخي ..
ثم قال r الكريم : " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " .. يعني يقوم بحق ضيافته !!
فقال فتى من الأنصار : أنا ..
فقام الأنصاري وقام التنوخي يمشي معه .. وباله مشغول بالأمر الثالث الذي أمره هرقل أن يتأكد له منه .. وهو خاتم النبوة بين كتفي النبي e ..
مشى التنوخي خطوات .. وفجأة .. إذا برسول الله e يصيح به :
" تعال يا أخا تنوخ " ..!!
فأقبل التنوخي يهوي مسرعاً .. حتى قام بين يدي النبي e ..
فحل e حبوته .. ثم أسقط رداءه عن ظهره .. فانكشف ظهره للتنوخي .. فقال e : " هاهنا امض لما أمرت به " ..
قال التنوخي : فنظرت في ظهره .. فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحجمة الضخمة .. ([2])

[]فكرة ..[/]
[] المقصود أن يدرك الناس أخطاءهم .. وليس شرطاً أن يصححوها أمامك .. فلا تغضب ..[/]

[]2. قابل الإساءة بالإحسان ..[/]
عندما تتعامل مع الناس فإنهم يعاملونك في الغالب على ما يريدون هُم .. لا على ما تريد أنت ..
فليس كل من قابلته ببشاشة بادلك بشاشة مثلها .. فبعضهم قد يغضب ويسيء الظن ويسألك : مم تضحك ؟!
ولا كل من أهديت له هدية .. رد لك مثلها .. فبعضهم قد تهدي إليه ثم يغتابك في المجالس ويتهمك بالسفه وتضييع المال ..!!
ولا كل من تفاعلت معه في كلامه .. أو أثنيت عليه وتلطفت معه في عباراتك قابلك بمثلها ..
فإن الله قسم الأخلاق كما قسم الأرزاق ..
والمنهج الرباني هو : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ..
وبعض الناس لا حل له ولا إصلاح إلا أن تتعامل معه بما هو عليه .. فتصبر عليه أو تفارقه ..
ذُكر أن أشعب سافر مع رجل من التجار .. وكان هذا الرجل يقوم بكل شيء من خدمة وإنزال متاع وسقي دواب .. حتى تعب وضجر ..
وفي طريق رجوعهما .. نزلا للغداء ..
فأناخا بعيريهما ونزلا .. فأما أشعب فتمدد على الأرض ..
وأما صاحبه فوضع الفرش .. وأنزل المتاع ..
ثم التفت إلى أشعب وقال : قم اجمع الحطب وأنا أقطع اللحم ..
فقال أشعب : أنا والله متعب من طول ركوب الدابة .. فقام الرجل وجمع الحطب ..
ثم قال : يا أشعب ! قم أشعل الحطب .. فقال : يؤذيني الدخان في صدري إن اقتربت منه .. فأشعلها الرجل ..
ثم قال : يا أشعب ! قم أمسك علي لأقطع اللحم .. فقال : أخشى أن تصيب السكين يدي .. فقطع الرجل اللحم وحده ..
ثم قال : يا أشعب ! قم ضع اللحم في القدر واطبخ الطعام .. فقال : يتعبني كثرة النظر إلى الطعام قبل نضوجه ..
فتولى الرجل الطبخ والنفخ .. حتى جهز الطعام وقد تعب .. فاضجع على الأرض .. وقال : يا أشعب ! قم جهز سفرة الطعام .. وضع الطعام في الصحن ..
فقال أشعب : جسمي ثقيل ولا أنشط لذلك ..
فقام الرجل وجهز الطعام ووضعه على السفرة ..
ثم قال : يا أشعب ! قم شاركني في أكل الطعام ..
فقال أشعب : قد استحييت والله من كثيرة اعتذاري وها أنا أطيعك الآن .. ثم قام وأكل !!
فقد تلاقي من الناس من هو مثل أشعب .. فلا تحزن .. وكن جبلاً ..
كان المربي الأول e يتعامل مع الناس بعقله لا بعاطفته .. كان يتحمل أخطاء الآخرين ويرفق بهم ..
وانظر إليه r وقد جلس في مجلس مبارك يحيط به أصحابه ..
فيأتيه أعرابي يستعينه في دية قتيل .. قد قتل - هو أو غيره -رجلاً .. فأقبل يريد من النبي e أن يعينه بمال .. يؤديه إلى أولياء المقتول ..
فأعطاه رسول الله e شيئاً .. ثم قال تلطفاً معه : أحسنت إليك ؟
قال الأعرابي : لا .. لا أحسنت ولا أجملت ..
فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه .. فأشار النبي e إليهم أن كفوا ..
ثم قام e إلى منزله .. ودعا الأعرابي إلى البيت فقال له :
إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت ..
ثم زاده r شيئاً من مال وجده في بيته ..
فقال : أحسنت إليك ؟
فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ..
فأعجبه r هذا الرضى منه .. لكنه خشي أن يبقى في قلوب أصحابه على الرجل شيء .. فيراه أحدهم في طريق أو سوق .. فلا يزال حاقداً عليه ..
فأراد أن يسلَّ ما في صدورهم ..
فقال له e : إنك كنت جئتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت .. وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء .. فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي .. حتى يذهب عن صدورهم ..
فلما جاء الأعرابي .. قال e : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال .. وإنا قد دعوناه فأعطيناه .. فزعم أنه قد رضي ..
ثم التفت إلى الأعرابي وقال : أكذاك ؟
قال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ..
فلما هم الأعرابي أن يخرج إلى أهله ..
أراد r أن يعطي أصحابه درساً في كسب القلوب .. فقال لهم :
إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه .. فاتبعها الناس .. يعني يركضون وراءها ليمسكوها .. وهي تهرب منهم فزعاً .. ولم يزيدوها إلا نفوراً .. فقال صاحب الناقة :
خلوا بيني وبين ناقتي .. فأنا أرفق بها وأعلم بها ..
فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قشام الأرض .. ودعاها ..
حتى جاءت واستجابت .. وشد عليها رحلها .. واستوى عليها ..
ولو أني أطعتكم حيث قال ما قال .. دخل النار ..
يعني لو طردتموه .. لعله يرتدّ عن الدين .. فيدخل النار .. ([3])
وما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه .
( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ..
ذُكر أنه r لما فتح مكة .. جعل يطوف بالبيت ..
فأقبل فضالة بن عمير .. رجل يظهر الإسلام ..
فجعل يطوف خلف النبي e .. ينتظر منه غفلة .. ليقتله ..!!
فلما دنا من النبي e ..
انتبه e إليه .. فالتفت إليه وقال : أفضالة !!
قال : نعم .. فضالة يا رسول الله ..
قال : ماذا كنت تحدث به نفسك ؟
قال : لاشيء .. كنت أذكر الله ..!!
فضحك النبي r .. ثم قال : أستغفر الله ..
قال فضالة .. : ثم وضع رسول الله r يده على صدري .. فسكن قلبي ..
فوالله ما رفع رسول الله r يده عن صدري ..
حتى ما خلق الله شيء أحب إلي منه ..
ثم رجع فضالة إلى أهله .. فمر بامرأة كان يجالسها .. ويتحدث إليها ..
فلما رأته .. قالت : هلم إلى الحديث ..
فقال : لا .. ثم قال ..
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ** يأبى عليك الله و الإسلام
لو ما رأيت محمداً وقبيله ** بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ
لرأيت دين الضحى بينا ** والشرك يغشى وجهه الإظلام
وكان فضالة بعدها من صالحي المسلمين ..
كان e يملك قلوب الناس بالعفو عنهم .. يتحمل الأذى في سبيل التأثير فيهم .. وجرهم إلى الخير ..
كان أبو طالب يكف عن النبي e كثيراً من أذى قريش ..
فلما مات أبو طالب .. ضيقت قريش كثيراً على النبي e في مكة ..
ونالت من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب ..
فجعل e يفكر في مكان آخر يلجأ إليه .. يجد فيه النصرة والتأييد ..
فخرج إلى الطائف يلتمس من قبيلة ثقيف النصرة والمنعة ..
دخل الطائف ..
فتوجه إلى ثلاثة رجال هم سادة ثقيف وأشرافهم ..
وهم أخوة ثلاثة :
عبد ياليل بن عمرو ..
وأخوه مسعود ..
وحبيب ..
جلس اليهم .. دعاهم إلى الله .. كلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام .. والقيام معه على من خالفه من قومه ..
فكان ردهم بذيئاً !!
أما أحدهم فقال : أنا أمرط ثياب الكعبة .. إن كان الله أرسلك !!
وقال الآخر : أما وجد الله أحداً يرسله غيرك ؟!
وجعل الثالث يبحث متحذلقاً عن عبارة يرد بها .. حرص على أن تكون أبلغ من كلام صاحبيه ..
فقال : والله لا أرد عليك أبداً .. لئن كنت رسولاً من الله كما تقول .. لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام .. ولئن كنت تكذب على الله .. فما ينبغي لي أن أكلمك ..
فقام e من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ..
وخشي أن تعلم قريش أنهم ردوه .. فيزدادون أذى له ..
فقال لهم : إن فعلتم ما فعلتم .. فاكتموا عليَّ ..
فلم يفعلوا .. بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم .. فجعلوا يركضون وراء رسول الله e .. يسبونه ويصيحون به ..
وقد اصطفوا صفين .. وهو يسرع الخطى بينهم .. وكلما رفع رجلاً رضخوها بالحجارة ..
وهو e يحاول .. أن يسرع فيخطاه ليتقي ما يرمونه به من حجارة ..
وجعلت قدماه الشريفتان e تسيلان بالدماء ..
وهو الكهل الذي جاوز الأربعين ..
فأبعد عنهم .. ومشى .. ومشى ..
حتى جلس في موضع آمن يستريح .. تحت ظل نخلة ..
وهو منشغل البال .. كيف ستستقبله قريش .. كيف سيدخل مكة ..
فرفع طرفه إلى السماء وقال :
اللهم اليك أشكو ضعف قوتي .. وقلة حيلتي .. وهواني على الناس ..
يا أرحم الراحمين ..
أنت رب المستضعفين .. وأنت ربي .. إلى من تكلني ! إلى بعيد يتجهمني .. أم إلى عدو ملكته أمري !
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي .. ولكن عافيتك هي أوسع لي ..
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات .. وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..
من أن تنزل بي غضبك .. أو تحل عليَّ سخطك ..
لك العتبى حتى ترضى .. ولا حول ولا قوة الا بك ..
فبينما هو كذلك .. فإذ بسحابة تظله e ..
وإذا فيها جبريل عليه السلام .. فناداه :
يا محمد .. إن الله قد سمع قول قومك لك .. وما ردوا عليك .. وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ..
وقبل أن ينطق e بكلمة ..
ناداه ملك الجبال .. السلام عليك يا رسول الله ..
يا محمد .. إن الله قد سمع قول قومك لك .. وأنا ملك الجبال .. قد بعثني اليك ربك لتأمرني ما شئت ..
ثم قبل أن ينطق e أو يختار ..
جعل ملك الجبال يعرض عليه .. ويقول :
إن شئت تطبق عليهم الأخشبين .. وهما جبلان عظيمان في جانبي مكة ..
وجعل ملك الجبال ينتظر الأمر ..
فإذا به e يطأ على حظوظ النفس .. وشهوة الانتقام .. ويقول :
بل .. أستأني بهم .. فإني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً ..

[]كن بطلاً ..[/]
[]وإن الذي بيني وبين بني أبي [/]
[]وبين بني عمي لمختلف جداً [/]
[]فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم [/]
[]وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً[/]
[]وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم[/]
[]دعوني إلى نصر أتيتهم شداً [/]
[]ولا أحمل الحقد القديم عليهم [/]
[]وليس رئيس القوم من يحمل الحقد[/]

[]3. أقنعه بخطئه ليقبل النصح .. [/]
بعض الناس يشغل الآخرين بكثرة التوجيهات والملاحظات حتى يوصلهم إلى مرحلة الملل والاستثقال ..
خاصة إذا كانت النصائح والتوجيهات مبنية على آراء وأمزجة شخصية ..
كمن ينصحك بعد وليمة دعوت الناس إليها وتعبت في إعدادها وتعب معك أهلك ومالك ! ثم يقول لك هذا الناصح : يا أخي الوليمة ما كانت مناسبة .. وتعبك ذهب هدراً .. وكنت أظن أنها ستكون بمستوى أعلى من هذا .. فتقول لماذا ؟ فيقول : يا أخي أكثر اللحم كان مشوياً .. وأنا أحب اللحم المسلوق !!
والسلطات كانت حامضة بسبب اللليمون .. وأنا لا أحب ذلك ..
وكذلك الحلويات كانت مزينة بالكريمة .. وهذا يجعل طعمها غير مقبول ..
ثم يقول لك : وعموماً أكثر الناس أيضاً تضايقوا .. وما أكلوا إلا مجاملة .. أو لأنهم اضطروا إليه ..
فقطعاً .. أنت هنا ستنظر إلى هذا الناصح نظرة ازدراء وإعراض .. ولن تقبل منه نصيحته ؛ لأنها مبنية على آراء وأمزجة شخصية ..!!
قل مثل ذلك فيمن ينصح آخر حول طريقة تعامله مع أولاده .. أو مع زوجته .. أو طريقة بنائه لبيته .. أو نوع سيارته .. بناء على ذوقه الخاص ..
انتبه دائماً أن تكون هذه النصائح والانتقادات مبنية على مجرد أمزجة شخصية ..
نعم لو طلب رأيك .. أبده له واعرضه عليه .. أما أن تتكلم معه وتنصح كما تنصح المخطئ .. فلا ..
وأحياناً .. المنصوح لا يشعر أنه مخطئ فلا بد أن تكون حجتك قوية عند نصحه ..
جلس أعرابي صلف مع قوم صالحين .. فتكلموا حول بر الوالدين .. والأعرابي يسمع ..
فالتفت إليه أحدهم وقال : يا فلان .. كيف برك بأمك ..
فقال الأعرابي : أنا بها بار ..
قال : ما بلغ من برك بها ؟
قال : والله ما قرعتها بسوط قط !!
يعني إن احتاج إلى ضربها .. ضربها بيده أو عمامته .. أما السوط فلا يضربها به .. من شدة البرّ!!
فالمسكين ما كان ميزان الخطأ والصواب عنده مستقيماً ..
فكن رفيقاً لطيفاً .. حتى يقتنع الذي أمامك بخطئه ..
كان في عهده e امرأة من بني مخزوم تستلف المتاع من النساء .. وتتغافل عن رده فإذا سألوها عنه جحدته .. وأنكرت أنها أخذت شيئاً ..
حتى زاد أذاها في الجحد والسرقة فرفع أمرها إلى رسول الله e .. فقضى فيها أن تقطع يدها ..
فشق على قريش أن تقطع يدها وهي من قبيلة من كبار قبائل قريش ..
فأرادوا أن يكلموا النبي e ليخفف هذا الحكم إلى حكم آخر .. كجلد أو غرامة مال .. أو نحو ذلك ..
وكلما توجه رجل منهم لنقاش النبي e في هذا الأمر .. تردد ورجع ..
فقالوا لن يجترئ على رسول الله e إلا أسامة بن زيد .. حِبُّ رسول الله e وابن حِبِّه .. تربى هو وأبوه في بيت النبي e حتى صار كولده ..
فكلموا أسامة ..
أقبل أسامة إلى رسول الله e .. فرحب به وأجلسه عنده ..
جعل أسامة يكلم النبي e ليخفف الحكم .. ويبين أن هذه المرأة من أشراف الناس ..
وأسامة يواصل الكلام والنبي e يستمع .. كان أسامة يحاول إقناع النبي e برأيه ..
نظر النبي e إلى أسامة .. فإذا هو يحاول ويناقش .. بكل قناعة .. ولا يدري أنه يطلب منه ما لا يجوز ..!!
فتغير النبي وغضب e وكان أول كلمة قالها أن بين له خطأه فقال :
أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟
فكأنه يبين سبب غضبه لأسامة .. وأن حدود الله تعالى التي أوجب على عباده إقامتها لا تجوز الشفاعة فيها ..
فانتبه أسامة .. وقال فوراً : استغفر لي يا رسول الله ..
فلما كان الليل .. قام e فخطب في الناس وأثنى على الله بما هو أهله .. ثم قال :
" أما بعد .. فإنما أهلك الذين من قبلكم :
أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه .. وإذا سرق فيهم الضعيف .. أقاموا عليه الحد ..
وإني والذي نفسي بيده .. لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .."
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها ..
قالت عائشة t : فحسنت توبتها بعدُ .. وتزوجت ..
وكانت تأتيني بعد ذلك .. فأرفع حاجتها إلى رسول الله e ([4]) ..
أسامة t له مواقف متعددة مع رسول الله e .. كلها تفيض بالرحمة والتعامل الراقي ..
قال أسامة بن زيد : بعثنا رسول الله e إلى الحرقات من جهينة ..
فهزمناهم وخرجنا في آثارهم .. فلحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ..
فلاذ منا بشجرة ..
فلما أدركناه .. ورفعنا عليه السيف .. قال : لا إله إلا الله ..
فأما صاحبي الأنصاري فخفض سيفه ..
وأما أنا فظننت أنه يقولها فرقاً من السلاح .. فحملت عليه فقتلته ..
فعرض في نفسي من أمره شيء .. فأتيت النبي e ..
فأخبرته ..
فقال لي : أقال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!
قلت : إنه لم يقلها من قِبَلِ نفسه .. إنما قالها فرقاً من السلاح ..
فأعاد علي : أقال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!
فهلا شققت عن قلبه .. حتى تعلم أنه إنما قالها فرقاً من السلاح ..
سكت أسامة .. فهو لم يشق عن قلب الرجل فعلاً ..!! لكنه كان في ساحة حرب .. والرجل مقاتل !!
فأعاد عليه e السؤال مستنكراً : أقال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!
يا أسامة قتلت رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله !! كيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟!
فما زال يقول ذلك حتى وددت إني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ([5]) ..
فتأمل كيف تدرج معه ببيان الخطأ وإقناعه به .. ثم وعظه ونصحه ..
ولأجل أن يقتنع المنصوح بما تقول .. ناقشه بأفكاره ومبادئه هو قدر المستطاع ..
نعم فكر من وجهة نظره ..
بينما رسول الله e في مجلسه المبارك .. يحيط به أصحابه ألأطهار ..
إذ دخل شاب إلى المسجد وجعل يتلتفت يميناً وشمالاً كأنه يبحث عن أحد ..
وقعت عيناه على رسول الله e .. فأقبل يمشي إليه ..
كان المتوقع أن يجلس الشاب في الحلقة ويستمع إلى الذكر .. لكنه لم يفعل ..!
إنما نظر الشاب إلى رسول الله e وأصحابه حوله .. ثم قال بكل جرأة :
يا رسول الله .. ائذن لي بـ .. بطلب العلم ؟!
لا .. لم يقلها .. ويا ليته قالها ..
ائذن لي بالجهاد .. لا .. ويا ليته قالها ..
أتدري ماذا قال ؟
قال : يا رسول الله .. ائذن لي بالزنا ..
عجباً !! هكذا بكل صراحة ؟!!
نعم .. هكذا : ائذن لي بالزنا ..
نظر النبي e إلى الشاب .. كان يستطيع أن يعظه بآيات يقرؤها عليه .. أو نصيحة مختصرة يحرك بها الإيمان في قلبه .. لكنه e سلك أسلوباً آخر ..
قال له e بكل هدوء : أترضاه لأمك ؟
فانتفض الشاب وقد مرَّ في خاطره أن أمه تزني .. فقال : لا .. لا أرضاه لأمي ..
فقال له e بكل هدوء : كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ..
ثم فاجأه سائلاً : أترضاه لأختك ؟!
فانتفض الشاب أخرى .. وقد تخيل أخته العفيفة تزني .. وقال مبادراً : لا .. لا أرضاه لأختي ..
فقال e : كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم ..
ثم سأله : أترضاه لعمتك ؟! أترضاه لخالتك ؟!
والشاب يردد : لا .. لا ..
فقال e : فأحب للناس ما تحب لنفسك .. واكره للناس ما تكره لنفسك ..
أدرك الشاب عند ذلك أنه كان مخطئاً .. فقال بكل خضوع :
يا رسول الله .. ادعُ الله أن يطهر قلبي ..
فدعاه e .. فجعل الشاب يقترب .. ويقترب .. حتى جلس بين يديه .. ثم وضع يده على صدره .. وقال :
اللهم اهد قلبه .. واغفر ذنبه .. وحصن فرجه ..
فخرج الشاب وهو يقول : والله لقد دخلت على رسول الله e .. وما شيء أحب إليَّ من الزنا .. وخرجت من عنده وما شيء أبغض إليَّ من الزنا ..
ثم انظر إلى استعمال العواطف .. دعاه .. وضع يده على صدره .. دعا له ..
يعني استعمل جميع الأساليب لإصلاح من أمامه .. بعدما جعله يقتنع بشناعة الفعل ليتركه عن قناعة .. فلا يفعله أبداً .. لا أمامه ولا خلفه ..

[]قاعدة ..[/]
[]إذا شعر المخطئ ببشاعة خطئه اقتنع بحاجته للنصيحة .. وصار قبوله أكثر .. وقناعته أكبر .. [/]

[]4. لا تلمني !! انتهى الأمر .. ؟[/]
يظن بعض الناس أنه عندما يلوم الآخرين على أخطائهم التي ربما تكون لا ترى إلا بالمجهر ..
يظن أنه يتقرب منهم أكثر .. أو أنه يقوي شخصيته بذلك ..
والحق أنه ليس الذكاء والفطنة أن تستطيع اللوم .. وإنما هو أن تتجنبه قدر المستطاع .. وتسعى إلى إصلاح الأشخاص بأساليب لا تجرح .. ولا تحرج ..
أحياناً تحتاج في بعض الأمور أن تتعامى .. خاصة الأشياء الدنيوية .. والحقوق الخاصة ..[/]
ليس الغبي بسيد في قومه 00 لكن سيد قومه المتغابي

[]والملوم يعتبر اللوم سهماً حاداً يوجه إليه .. لأنه يشعره بنقصه ..
هذا أولاً ..
ثانياً : تجنب النصح في الملأ قدر المستطاع ..
[]تغمدني بنصحك في انفرادي ..[/]
[]وجنبني النصيحة في الجماعة[/]
[]فإن النصح بين الناس نوع .. [/]
[]من التوبيخ لا أرضى استماعه[/]
بل .. إذا انتشر خطأ معين .. واضطررت إلى النصح العام .. فاعمل بقاعدة : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا .. كما تقدم معنا ..
إذن .. اللوم كالسوط الذي يجلد به اللائم ظهر الملوم ..
وبعض الناس ينفر الآخرين إما بكثرة لومه .. أو بلومه على أمور انتهت ولا يقدم اللوم أو يؤخر فيها شيئاً ..
أذكر أن رجلاً فقيراً .. تغرب عن أهله إلى بلد آخر .. واشتغل سائق شاحنة .. كان في أحد الأيام متعباً لكنه ركب الشاحنة ومضى بها في طريق طويل بين مدينتين ..
غلبه النوم أثناء الطريق .. فجعل يصارعه وأسرع قليلاً .. فتجاوز سيارة أمامه دون أن ينتبه إلى الطريق فإذا أماه سيارة صغيره فيها ثلاثة أشخاص .. حاول أن يتفاداها .. لم يستطع .. فاصطدم بها وجهاً لوجه ..
ثار الغبار .. وجعل المارة يوقفون سياراتهم ويتفرجون على الحادث ..
نزل سائق الشاحنة .. ونظر إلى السيارة المصدومة .. وإلى من بداخلها فإذا هم موتى ..
أنزلهم الناس واتصلوا بالإسعاف ..
قعد سائق الشاحنة ينتظر ووصول الإسعاف .. ويفكر فيما سيحصل له بعد الحادث من سجن ودية .. ويفكر في أولاده الصغار .. وزوجته ..
مسكين .. هموم انهدت عليه كالجبال ..!!
جعل الناس يمرون به ويلومونه ..
عجباً ..!! أهذا وقت اللوم .. ألا يمكن أن يؤجل قليلاً ؟
قال أحدهم : لماذا تسرع ؟ هذه عواقب السرعة ..
وقال آخر : أكيد أنك كنت نعسان ومع ذلك استمريت في القيادة ..! لم توقف سيارتك وتنام ..؟
وقال ثالث : المفروض أن مثلك لا تصرف لهم رخص قيادة !!
كانوا يقولون هذه العبارات بأسلوب حاد .. فيه تعنيف وصراخ ..
كان الرجل واجماً .. جالساً على صخرة ساكتاً .. متكئاً برأسه على يديه ..
وفجأة هوى على جنبه .. و .. و .. مااات ..
قتلوه بلومهم .. ولو صبروا قليلاً لكان خيراً له ولهم ..
ضع نفسك موضع الملوم ..المخطئ .. وفكر من وجهة نظره ..
فأحياناً لو كنت مكانه قد تقع في خطأ أكبر من خطئه ..
كان رسول الله e يراعي ذلك كثيراً ..
لما انصرف r من خيبر.. أطالوا المسير حتى تعبوا ..
فلما أقبل الليل .. نزلوا في موضع في الطريق ليناموا ..
فقال r : من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام ؟
كان بلال t متحمساً فقال : أنا يا رسول الله أحفظه عليك ؟
فاضطجع رسول الله r .. ونزل الناس فناموا ..
وقام بلال يصلي حتى تعب .. وقد كان متعباً من طول الطريق قبل ذلك ..
فقعد واستند إلى بعيره مستريحاً .. واستقبل الفجر يرمقه .. فغلبته عينه .. فناااام ..
كان الجميع في تعب شديد .. فطال نومه ونومهم .. ومضى الليل .. وطلع لاصبح .. والكل نيام .. ولم يوقظهم إلا حر الشمس ..
استيقظ رسول الله r .. وهبَّ الناس من نومهم .. فلما رأوا الشمس اضطربوا .. وكثر لغطهم ..
الكل ينظر إلى بلال ..
التفت r إلى بلال وقال : ماذا صنعت بنا يا بلال ؟
فأجاب بلال بجواب مختصر .. لكنه موضح للواقع تماماً ..
قال : يا رسول الله .. أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ..
يعني أنا بشر .. حاولت أن أقاوم النوم .. فلم أستطع .. غلبني النوم كما غلبكم !!
فقال e : صدقت .. وسكت عنه ..
نعم فما فائدة اللوم هنا ..
فلما رأى r اضطراب الناس .. قال r : ارتحلوا ..
فارتحلوا .. فمشى شيئاً يسيراً ..
ثم نزل ونزلوا .. فتوضأ وتوضئوا ..
ثم صلى بالناس ..
فلما سلم .. أقبل على الناس فقال :
إذا نسيتم الصلاة .. فصلوها إذا ذكرتموها ..
فلله دره ما أعقله وأحكمه e ..
كان مدرسة لكل قائد ..
ليس مثل بعض الرؤساء اليوم لا تكاد عصا اللوم والتقريع تنزل من يده ..
بل كان e يضع نفسه مكان من تحته ويفكر بعقولهم .. ويتعامل مع القلوب قبل الأجساد ..
يعلم أنهم بشر .. وليسوا آلات !!
في السنة الثامنة من الهجرة ..
جمع الروم جيشاً .. وأقبل من جهة الشام .. لقتال النبي r وأصحابه ..
وقيل إنهr جمع جيشاً لغزوهم ابتداءً ..
بدأ r يجهز جيشاً لإرساله إليهم .. فلم يزل يحث الناس حتى جمع ثلاثة آلاف ..
فزودهم بما وجد من سلاح وعتاد ..
قال لهم : أميركم زيد بن حارثة ..
فإن أصيب زيد .. فجعفر بن أبي طالب على الناس ..
فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ..
وخرج معهم r يودعهم ..
وخرج الناس يودعون الجيش ..
ويقولون : صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين ..
كان عبد الله بن رواحة مشتاقاً إلى الشهادة .. فقال :
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ياأرشد الله من غازٍوَقد رشدا
ثم مضى الجيش حتى نزلوا "معان" من أرض الشام ..
فبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ..
وانضم إليه من القبائل حوله مائة ألف .. فصار جيش الروم مائتي ألف ..
فلما تيقن المسلمون من ذلك .. أقاموا في "معان" ليلتين ينظرون في أمرهم ..
فقال بعضهم : نكتب إلى رسول الله r نخبره بعدد عدونا ..
فإما أن يمدنا بالرجال ..
أو يأمرنا بما يشاء فنمضي له .. وكثر كلام الناس في ذلك ..
فقام عبد الله بن رواحة .. ثم صاح بالناس وقال :
يا قوم .. والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون .. الشهادة في سبيل الله .. تفرون منها !!
وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة .. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به .. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين .. إما ظهور وإما شهادة ..
فمضى الناس .. يسيرون ..
حتى إذا دنوا من جيش الروم .. في موقعة "مؤتة" فإذا أعداد عظيمة لا قبل لأحد بها ..
قال أبو هريرة t : شهدت يوم مؤتة .. فلما دنا منا المشركون .. رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة .. والسلاح .. والكراع .. والديباج .. والحرير .. والذهب ..
فبرق بصري ..
فقال لي ثابت بن أرقم : يا أبا هريرة .. كأنك ترى جموعاً كثيرة ؟
قلت : نعم ..
قال : إنك لم تشهد بدراً معنا .. إنا لم ننصر بالكثرة ..
ثم التقى الناس فاقتتلوا ..
فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله r حتى كثرت عليه الرماح وسقط صريعاً شهيداً t ..
فأخذ الراية جعفر بكل بطولة .. فاقتحم عن فرس له شقراء فجعل يقاتل القوم .. وهو يقول :
يا حبذا الجنة واقـترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت ..
فأخذ اللواء بشماله فقطعت ..
فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ..
قال ابن عمر : وقفت على جعفر يومئذ .. وهو قتيل .. فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره ..
فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء ..
إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعته نصفين ..
فلما قتل جعفر .. أخذ عبد الله بن رواحة الراية ..
ثم تقدم بها وهو على فرسه ..
فجعل يستنزل نفسه .. ويتردد بعض التردد .. ويقول :
أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة
ثم قال :
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل .. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم ..
شد بهذا صلبك .. فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ..
فأخذه من يده فانتهش منه نهشة .. ثم سمع الحطمة في ناحية الناس ..
فقال : وأنت في الدنيا ! فألقاه من يده .. ثم أخذ سيفه ثم تقدم ..
فقاتل حتى قتل t ..
فوقعت الراية .. واضطرب المسلمون .. وابتهج الكافرون ..
والراية تطؤها الخيل .. ويغلوها الغبار ..
فأقبل البطل ثابت بن أرقم ..
ثم رفعها .. وصاح ..
يا معاشر المسلمين .. هذه الراية .. فاصطلحوا على رجل منكم ..
فتصايح من سمعه وقالوا : أنت .. أنت ..
قال : ما أنا بفاعل ..
فأشاروا إلى خالد بن الوليد ..
فلما أخذ الراية .. قاتل بقوة .. حتى إنه كان يقول :
لقد اندقَّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية ..
ثم انحاز خالد بالجيش .. وانحاز الروم إلى معسكرهم ..
خشي خالد أن يرجع بالجيش إلى المدينة من ليلته .. فيتبعهم الروم ..
فلما أصبحوا .. غير خالد مواقع الجيش ..
فجعل مقدمة الجيش .. في المؤخرة ..
وجعل مؤخرة الجيش مقدمة ..
ومن كانوا يقاتلون في يمين الجيش .. أمرهم بالانتقال إلى يساره ..
وأمر من في الميسرة أن يذهبوا للميمنة ..
فلما ابتدأ القتال .. وأقبل الروم ..
فإذا كل سرية منهم ترى رايات جديدة .. ووجوهاً جديدة ..
فاضطرب الروم .. وقالوا : قد جاءهم في الليل مدد .. فرعبوا في القتال ..
فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة .. ولم يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلاً ..
وانسحب خالد بالجيش .. آخر النهار من ساحة القتال .. ثم واصل مسيره نحو المدينة ..
فلما أقبلوا إلى المدينة ..
لقيهم الصبيان يتراكضون إليهم .. ولقيتهم النساء ..
فجعلوا يحثون التراب في وجوه الجيش .. ويقولون :
يا فرار .. فررتم في سبيل الله ..
فلما سمع النبي r ذلك ..
علم أنهم لم يكن أمامهم إلا ذلك ..
وأنهم فعلوا ما بوسعهم ..
فقال r مدافعاً عنهم :
ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار .. إن شاء الله عز وجل " .
نعم انتهى الأمر .. وهم أبطال ماقصروا .. لكنهم بشر والأمر كان فوق طاقتهم ..
إذن الصلاة على الميت الحاضر .. أحياناً انتهى الأمر فلا فائدة من اللوم ..
كان هذا منهجه e دائماً ..
لما سمع الكفار برسول الله r قادماً بجيشه إلى مكة فاتحاً .. دخلهم الرعب ..
فأرسل إليهم رسول الله r من يقول لهم :
· من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ..
· ومن دخل المسجد فعو آمن ..
· ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..
فبدأ الناس يفرون من بين يديه r ..
فاجتمع بعض فرسان قريش .. وأردوا أن يحاربوا .. فأبى عليهم قومهم ..
فاجتمع نفر منهم في مكان يقال له الخندمة ..
اجتمع صفوان بن أمية .. وعكرمة بن أبي جهل .. وسهيل بن عمرو ..
وجمعوا ناساً معهم بالخندمة ليقاتلوا ..
وكان حماس بن قيس ..
يعد سلاحاً قبل قدوم النبي e .. ويصلحه ..
فقالت له امرأته : لماذا تعد ما أرى ؟
قال : لمحمد وأصحابه ..!!
كانت امرأته تعلم بقوة المسلمين .. فقالت : والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء !
قال : والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم .. يعين ياسر بعضهم ويجيء بهم إليها خدماً ..
ثم قال مفتخراً :
إن يقبلوا اليوم فما لي علة هذا سلاح كامل وأله
[]وذو غرارين سريع السلة[/]
ثم خرج من عندها .. إلى موقع "الخندمة" .. حيث اجتمع أصحابه ..
فما هو إلا أن لقيهم المسلمون .. يتقدمهم سيف الله خالد بن الوليد ..
فابتدأ القتال .. وصال الأبطال ..
فقتل في لحظة واحدة .. أكثر من اثني عشر أو ثلاثة عشر .. من الكفار ..
فلما رأى حماس بن قيس ذلك ..
التفت إلى صفوان وعكرمة .. فإذا هما يفران إلى بيوتهما ..
فانهزم معهم .. وذهب يعدو إلى بيته .. فدخله سريعاً ..
وأخذ يصيح بامرأته فزعاً : أغلقي علي بابي .. فإنهم يقولون من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن ..!!
فقالت : فأين ما كنت تقول ؟ أن تهزمهم .. وتخدمني بعضهم ..!!
فقال :
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وهمهمة لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
صحيح .. لو رأت امرأته ما رأى من شدة القتال .. ما نطقت في لومه كلمة ..
وفي موقف آخر ..
لما دخل النبي e .. مكة فاتحاً .. فقد كان يعلم عظمة البلد الحرام .. فقاتل قتالاً يسيراً ..
ثم قال : إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض .. وإنما حلَّ لي ساعة من نهار " ..
فقيل له : يا رسول الله .. أنت تنهى عن القتل .. وهذا خالد بن الوليد في كتيبته .. يقتل من لقيه من المشركين ؟
فقال r : " قم يا فلان .. فأت خالد بن الوليد .. فقل له : فليرفع يده من القتل " .
هذا الرجل يعلم أنهم الآن يعيشون حالة حرب .. وأن النبي e أمرهم قريشاً بالبقاء في بيوتهم لئلا يقتلوا .. فمن كان في غير بيته استحق المقاتلة ..
ففهم من قول النبي r : يرفع يده من القتل .. أي يقتل كل من وقف أمامه .. حتى يرفع يده بالسيف لأنه لا يجد من يقتل ..!!
فأتى الرجل خالداً فصاح به : يا خالد .. إن رسول الله r .. يقول : اقتل من قدرت عليه !
فقتل خالد سبعين إنساناً ..
فأتي رجل النبي r .. قال : يا رسول الله .. هذا خالد يقتل ..
فعجب النبي r .. كيف يقتل وقد نهاه ..؟!
فأرسل إلى خالد ليأتيه .. فأتاه .. فقال e : " ألم أنهك عن القتل ؟ "
فعجب خالد وقال : يا رسول الله .. جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه ..
فأرسل النبي r إلى ذاك الرجل .. فجاء ورأى خالداً .. فقال له e : " ألم أقل يرفع يده من القتل ؟ "
فأدرك الرجل خطأه .. لكن الأمر انتهى .. فقال : يا رسول الله .. أردتَّ أمراً .. وأراد الله أمراً .. فكان أمرُ الله فوق أمرك .. وما استطعتُ إلا الذي كان ..
فسكت عنه النبي r وما ردَّ عليه شيئاً ..
من تأمل في مسيرة الحياة .. وجد هذا الأمر ظاهراً ..
أحياناً يكون الشخص قد فعل أحسن ما يستطيع ..
ركبت مع أحد الشباب في سيارته .. فإذا قيادته جيدة ..
وكنت أعلم أنه وقع له حادث تصادم قبل اسبوع ..
فسألته : ألاحظ أن قيادتك جيدة .. فلماذا صدمت قبل أسبوع ؟!
قال : كان لا بد أن أصدم !!
قلت عجباً !!
قال : نعم .. كان لا بد أن أصدم .. أتدري لماذا ؟
قلت : لماذا ؟!
قال :
أقبلت بسيارتي على جسر .. وكنت مسرعاً ..
فلما نزلت منه فإذا السيارات أمامي متوقفة صفوفاً ..
لا أدري ما السبب .. حادث في الأمام .. أو نقطة تفتيش .. لا أدري .. المهم أني تفاجات بها ..
كان أمامي أربعة مسارات كلها مليئة بالسيارات .. وكنت مخيراً بين أن أنحرف عنها كلها وأسقط من فوق الجسر .. أو أمسك فرامل بأقوى ما أستطيع وعندها ستلعب بي السيارة في الطريق ..
أو الاختيار الثالث .. وهو أهونها ..
قلت : وما هو ؟!
قال : أن أصدم إحدى السيارات الأربع الواقفة أمامي ..
ضحكت .. وقلت .. هاه وماذا فعلت ؟
قال : خففت سرعتي قدر استطاعتي .. واخترت أرخص السيارات التي أمامي .. و .. و .. صدمتها ..
فكرت فيما قال .. فرأيت أنه لا يستحق اللوم كثيراً .. وذلك أن الاختيارات التي كانت أمامه محدودة ..
يعني بعض المشاكل ليس لها حل .. شخص أبوه عصبي .. نصحه بجميع الأساليب .. ما نفع .. ماذا يفعل ؟



يتـــــــــــــبع[/]
شريرة غير متواجد حالياً  
08-02-2010, 03:57 PM   #8
بنت تونس
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
الدولة: تونس - قفصه
المشاركات: 8,386

[]غاليتي شريرة
ماشاء الله كتاب رائع جاز الله
الشيخ العريفي
وجزاك كل خير وجعله
في ميزان حسناتكم
لي عوده لمزيد التمعن والاستفاده
جعل لكما بكل حرف حسنه
[/]
بنت تونس غير متواجد حالياً  
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ocllapseimg_forumrules تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

ward2u المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
استمتع بحياتك مع من تحب Blume التصوير الفوتوغرافي صور فوتوغرافية تقنيات ابداع المصور الفنان 6 10-06-2016 06:38 AM
الرسم بالالوان المائية استمتع وتعلم moh004 منتدى تعليم فن الرسم التصوير اسس التصميم الابتكارى 21 01-18-2014 09:20 PM
وصفات زيوت طبيعية لمزيد من النعومة والجاذبية نورهان منتدى حواء جمال اناقة اتيكيت مرأة امومة طفل طفولة اسرة 1 05-24-2008 07:01 PM
اجمل ايميل ستقراه بحياتك شذى الورود منتدى اسلامي القرآن الكريم السنة النبوية موضوعات قصص دينية 4 03-16-2008 05:00 PM


الساعة الآن 09:05 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc