منتديات ورد للفنون التشكيلية و اليدوية  

العودةالعودة   منتديات ورد للفنون التشكيلية و اليدوية > ورد للفنون منتديات عامة > منتدى ثقافي موضوعات ثقافية عامة خواطر شعر سيرة شعراء

منتدى ثقافي موضوعات ثقافية عامة خواطر شعر سيرة شعراء منتدى ثقافي موضوعات ثقافية خواطر سيرة شعراء اجمل قصائد

01-13-2008, 10:02 AM   #1
ثامر داود
vip
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق - امريكا
المشاركات: 785
الشاعر العراقى بدر شاكر السياب

Facebook Twitter Google LinkedIn vkontakte messenger Digg

basmala

[]غربال الذاكرة : بدر شاكر السياب[/]

[]فيصل الياسري[/]

[]في ليلة عيد الميلاد من عام 1964 توفي في الكويت الشاعر العراقي البصراوي بدر شاكر السياب عن 38 سنة ( ولد عام 1926 في قرية جيكور من ضواحي البصرة ) ومثل الكثير من العباقرة في التاريخ الذين عاشوا عمرا قصيرا ترك السياب اثرا رياديا في الشعر العربي الحديث ، تأثر وسيتأثر به الكثيرون ..

وكتب وسيكتب عنه الكثيرون ، ولن اضيف شيئا لذوي الاختصاص لو كتبت في النقد الشعري والبنية اللغوية والنظمية او تحليل الاساليب والمعاني ، او التركيب المعماري لشعر السياب ، ولكنني - وكما اعتدت في غربال الذاكرة - ارغب ان اتذكر لحظات شخصية علقت في الذاكرة عمن اكتب عنهم ، ربما تساعد على تجسيد صورة عن قرب لبعض من صفاتهم وخصائصهم او لحظات حياتية لا يكتب عنها الانادرا !!
[/]

[]الشاعر العراقى بدر شاكر السياب[/]

[]عرفت السياب في بداية الخمسينات حيث كنا نلتقي امام واحدة من المكتبات الاربع التي كانت تتوزع في اركان باب المعظم حيث المحطات النهائية لاهم خطوط الحافلات التي تسيرها امانة بغداد في انحاء المدينة ..والتي اعتاد الناس ان يستعملوا كلمة امانة غي تسميتها لا باص .. فيقولون ( نركب الامانة ) ..!![/]

[]كانت مكتبتنا المفضلة هي الاولى على يمين القادم من الاعظمية ، وكان صاحب المكتبة يهودي عراقي اسمه سميع ، يحب الشعر والادب ، ويسمح لنا ان نقف طويلا امام مكتبته ( التي هي في الواقع كشك كبير ) نتصفح المجلات والجرائد ونطلع على اصدارت الكتب الجديدة .وكان السياب قارئا مثابرا فقد قرأ الكثير في الادب العالمي والثقافة العالمية، كما انه قرأ لكبار الشعراء المعاصرين قراءة اصيلة عن طريق اللغة الانكليزية التي كان يجيدها . وكان يقرأ الكتب الدينية كما يقرأ الكتب اليسارية !![/]

[]كانت ساحة باب المعظم - الملتصقة بالسجن المركزي المقابل لوزارة الخارجية- تمتاز بحيوية رائعة تتعدى كونها ملتقى خطوط الباص ، فقد كانت تعج بالطلبة والاساتذة ، الذين يملاْون المقاهي المنتشرة حولها وذلك لقربها من جامعة بغداد وخصوصا كلية الاداب ودار المعلمين العالية حيث كان يدرس بدر شاكر السياب ليصبح معلما !! [/]

[]كان سميع نادرا ما يتذمر من ازدياد عددنا ونحن نتجمهر امام مكتبته ، نقرأ مجانا ، ونسد عليه باب رزقه !! بل كان يفرح لوجودنا وينشغل عن البيع بالحوار الثقافي وحتى السياسي .. وعندما يقول له احدنا ( كأنك لست يهوديا ) يقول باصرار ( انا عراقي ) .. [/]

[]كان السياب احد المدمنين على الوقوف امام مكتبة ( كشك) سميع حيث تتحول وقفاتنا تلك الى نقاش وجدل بصورة عفوية ، يشترك فيها من يحضر فيقف دقائق قصيرة او طويلة ، وكنت اصغر الحاضرين سنا ، واقلهم كلاما ، وكذلك السياب على ما اذكر لم يكن كثير الكلام ، ولكنه كان يفتخر انه من البصرة المدينة التي انجبت الاخفش وبشار بن برد والجاحظ وسيبويه والفرزدق وابن المقفع. ..والفراهيدي واضع عروض الشعر !! [/]

[]وكان يقول انه كالمتنبي ربته جدته لامه ، بعد وفاة امه كريمة بنت مرزوق وهو في السادسة من عمره ، واتم دراسته الابتدائية في البصرة ، وانهى الثانوية عام 1942 ، وفي السنة نفسها توفيت جدته وبفقدانها فقد السياب صدرا حنونا فقرر ترك البصرة الى بغداد ، كما فعل المتنبي قبل الف سنة عندما ترك الكوفة وتوجه الى بغداد بحثا عن افاق جديدة !![/]

[]في السنوات التي كنت التقي فيها بالسياب امام مكتبة باب المعظم كان السياب قد تغلب على غربته في بغداد الى حد كبير ووجد اصدقاء بين المثقفين والشعراء الذين اهتموا بعطائه الشعري مع اول قصائده التي نشرها في جريدة الاتحاد وهو مازال طالبا في دار المعلمين التي فصل منها عام 1946 لمشاركته في المظاهرات ضد السياسة البريطانية في فلسطين ! ولكنه عاد لاكمال دراسته وتخرج معلما ليعين مدرسا في ثانوية الرمادي !!
ثم منع من التدريس لمواقفه السياسية ، وسجن لفترة ، وتنقل باعمال مختلفة متناقضة مع جسده الضئيل ونحافته الشديدة التي كانت احيانا مادة للتندر بين اصحابه ... وعندما جرحت يده مرة وسال دمه قال احد الخبثاء ( كنت اعتقد ان جسد بدر خالي من الدم !!)
[/]

[]تخيلوا بدر شاكر السياب في الوظائف التي شغلها في تلك الفترة : مأمور مخزن في شركة لتعبيد الطرق ، عامل في شركة التمور العراقية - و مستخدم في شركة نفط البصرة !! [/]

[]اهتم السياب بما كنت اكتبه وانا ما زلت طالبا في الثانوي ، واغتبط عندما علم انني نشرت اول قصة لي وانا في الصف السادس ابتدائي !وقال انه ايضا بدأ كتابة الشعر وهو طالب في الابتدائية !! وعندما نشرت موضوعا بعنوان ( من انا ) في جريدة الراية الموصلية قرأه ثم نظر الي طويلا وقال ( هذا اكبر من عمرك ..)[/]

[]واهداني نسخة من ديوانه ( أزهار ذابلة) وقد سحرني كونه رومانسيا غارقا في الرومانسية، كان يعيش في عالم خيالي مليء بالضباب ويعبر عن حزن عميق غامض مليء بالخيالات والاوهام والهروب من الواقع ، وهذا ينسجم مع مشاعرنا في تلك المرحلة حيث تغلب الروح الرومانسية الحزينة الغامضة ونحلم بعالم افضل .[/]

[]وشجعني السياب على قراءة الكتب السياسة وخاصة الماركسية والتقدمية قائلا انها تفسر لك العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وبدون ادراك ذلك يكون تفكيرنا قاصرا !! [/]

[]( من المعروف ان السياب ارتبط بالماركسيين عدة سنوات ، ثم انفصل عنهم وارتبط بالاتجاهات السياسية القومية . وكتب سلسلة من المقالات في بداية الستينات من القرن الماضي بعنوان( كنت شيوعيا) ، وقد تبنته بعض الحركات القومية او المناهضة للشيوعية ، مع انه لم يكن منتميا الى أي حزب من الاحزاب القومية. )[/]

[]في عام 1952 حينما اضطربت الاوضاع السياسية في العراق بعد الانتفاضة اختفى السياب عن مسامراتنا الواقفة امام مكتبة سميع في باب المعظم ، وعلمنا انه هرب متخفيا الى ايران ومنها الى الكويت حيث حصل على وظيفة متواضعة في شركة الكهرباء ! وسافرت انا لاكمال دراستي في فيينا !! [/]

[]وفي عام 1954 وصلتنا مجلة الاداب وفيها قصيدته الرائعة والفريدة ( انشودة المطر )
ومنذ ان كنا صغارا كانت السماء
[/]

[]تغيم في الشتاء[/]

[]مطر[/]

[]مطر[/]

[]مطر[/]


[]الشاعر العراقى بدر شاكر السياب[/]

[]عدت الى بغداد في تموز 1958 وشاءت الصدفة ان يكون من اوائل الذين التقيت بهم بدر شاكر السياب في مقهى سينما روكسي .
وكان يشكو من الام شديدة قال انه يعاني منها منذ سنة .. مرض غامض لم يجد له الاطباء شفاء وكان هذا المرض كفيلا بأن يضاعف حساسيته وقلقه واضطرابه ، ومما كان يزيد من مرارته واضطرابه انه كان يعاني من ضيق ذات اليد .. لقد بقى السياب طوال حياته القصيرة فقيرا ، يعاني العوز و يصارع صروف الحياة القاسية ومتاعبها الكثيرة بلا مورد مالي يضمن له حياة مريحة !! [/]

[]في تلك الفترة حدثت ثورة 14 تموز ، وكان السياب متحمسا لها ، وشاءت الصدف ان التقيه يوم 17 تموز هو والشاعر المبدع حسين مردان (1927- 1972) امام مطعم وفندق النهرين قرب ساحة حافظ القاضي ، وطلبا مني ان ادعوهما الى وجبة قوزي او تشريب !![/]

[]الشاعر العراقى بدر شاكر السياب
حسين مردان [/]

[]وبينما نحن نتناول غداءنا ، سمعنا ضجة في الشارع صارت تتزايد ، مما دفعنا الى الخروج نستطلع الامر ، فعلمنا بان الناس قد امسكوا بنوري السعيد ، وشاهدنا المنظر البشع لجثته يسحبها الهائجون بالحبال !! وبينما وقف حسين مردان يراقب المنظر بصمت وكأنه لا يصدق ما يرى ، سحبني السياب الى داخل المطعم معبرا عن رفضه وادانته للاعمال الغوغائية التي اعتبرها مسيئة للثورة ! [/]

[]**********[/]

[]في عام 1961 بدأ ت صحة السياب تتدهور حيث بدأ يشعر بثقل في حركة واخذ الالم يزداد في اسفل ظهره بعد ذلك ظهرت حالة الضمور في جسده وقدميه [/]

[]انا قد اموت غدا فان الداء يقرض غير وان[/]

[]حبلا يشد الى الحياة حطام جسم مثل دار[/]

[]نخرت جوانبها الرياح وسقفها سيل القطار [/]

[]وظل يتنقل بين بغداد وبيروت وباريس ولندن للعلاج دون فائدة اخيرا توجه الى الكويت للعلاج فتوفي بالمستشفى هناك في 24 كانون الاول عام 1964 عن 38 عاما ونقل جثمانه الى البصرة حيث دفن في مقبرة الحسن البصري في الزبير.. [/]

[]الشاعر العراقى بدر شاكر السياب[/]


[]بعد ثلاثين سنة من وفاة بدر شاكر السياب ، عادت سيرته تملاء دارنا في بغداد حيث بدأت هند كامل بتمثيل دور البطولة في مسلسل ( السياب ) الذي كتبه سامي محمد واخرجه فارس طعمة التميمي وانتجه المطرب سعدون جابر والذي يقام بالتمثيل فيه بدور مغني صديق للسياب ومثل دوره حكيم جاسم !![/]

[]وكعادة هند كامل عند استعدادها لاداء دور في فيلم او مسلسل تلفزيوني قامت بتحضير نفسها للعمل الجديد، خاصة وانه يدور حول شخصية حقيقية واقعية لا افتراضية ،وكانت اصلا من المعجبين بشعر السياب ، فاخرجت من مكتبتنا المنزلية الكتب التي لها علاقة بالسياب ، واقتنينا كتبا جديدة ، وصار السياب وحياته وشعره شغلها الشاغل لبضعة اشهر وكثيرا ما يصبح الحديث عنه جزء من جلسات السمر مع الاصدقاء ، وفي تلك الفترة ، ومن خلال قراءة هند لسيرة السياب - وهي تحضر لدورها في المسلسل عن حياته - ازدادت معرفتنا بالسياب كشاعر كبير بكل معنى الكلمة ، شاعر ترك وراءه رغم انه مات في الثامنة والثلاثين من عمره ثروة من الشعر الغزير الخصب الذي جعل منه احد اعظم شعراء العربية المعاصرين في تنوع انتاجه وغزارته وشموله لكثير من القضايا والتجارب الانسانية ، وبالرغم من شهرته عاش فقيرا طيلة حياته ونكب بمحنة المرض وهو في قمة شبابه، ورحل بعد ان تألم كما لم يتألم أحد، لقد كان يعاني آلام المرض العنيف الذي سكن جسده ولم يبرحه ولكنه مع ذلك كان يحس بالامل وكان يحتمل في صبر كل جراحه وكان يحلم ان يعود من المستشفيات الى قريته ( جيكور) فيخاطب ربه قائلا : [/]

[]لانه منك حاو عندي المرض[/]

[]حاشا، فلست على ما شئت اعترض[/]

[]والمال؟ رزق سيأتي منك موفور[/]

[]هيهات ان يذكر الموتى وقد نهضوا[/]

[]من رقدة الموت كم مص الدماء بها دود[/]

[]ومد بساط الثلج ديجور[/]

[]اني سأشفى ، سأنسى كل ما جرح قلبي[/]

[]وعرى عظامي فهي راعشة والليل مقرور[/]

[]وسوف أمشي الى جيكور ذات ضحى[/]

[]وكان السياب يشبه نفسه بايوب حيث ابتلته الاقدار بمرض قاس أليم كما ابتلت أيوب، وكان عليه ان يصبر ويتحمل كما صبر أيوب . ففي قصيدته ( سفر أيوب) تعبير عن هذه المحنة التي جعلت منه ايوبا معاصرا:[/]

[]يا رب أيوب قد اعيا به الداء[/]

[]في غربة دونما مال ولا سكن[/]

[]يدعوك في الدجن[/]

[]يدعوك في ظلموت الموت أعباء [/]

[]ناء الفؤاد بها فارحمه ان هتفا[/]

[]اعدني الى داري الى وطني[/]

[]لك الحمد مهما استطال البلاء[/]

[]ومهما استبد الالم[/]

[]لك الحمد ان الرزايا عطاء[/]

[]وان المصيبات بعض الكرم[/]

[]فهل تشكر الارض قطر المطر؟[/]

[]وتغضب ان لم تجدها الغمام؟[/]

[]شهور طوال وهذى الجراح[/]

[]ولا يهدأ الداء عند الصباح[/]

[]ولا يمسح الليل اوجاعه بالردى[/]

[]ولكن أيوب ان صاح صاح:[/]

[]" لك الحمد ، ان الرزايا ندى[/]

[]وان الجراح هدايا الحبيب[/]

[]اضم الى الصدر باقاتها،[/]

[]هداياك في خافقي لا تغيب[/]

[]هداياك مقبولة . هاتها"[/]

[]الشاعر العراقى بدر شاكر السياب
هند كامل في مسلسل السياب
[/]
ثامر داود غير متواجد حالياً  
01-13-2008, 10:10 AM   #2
ثامر داود
vip
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق - امريكا
المشاركات: 785

ولد الشاعر بدر شاكر السياب في 25/12/1925 في قرية جيكور التي اغرم بها وهام أحدهما الآخر... وهي من قري قضاء (أبي الخصيب) في محافظة البصرة.
والده: شاكر بن عبدالجبار بن مرزوق السياب، ولد في قرية (بكيع) واكمل دراسته في المدرسة الرشيدية في أبي الخصيب وفي البصرة أثناء العهد العثماني، زاول التجارة والأعمال الحرة وخسر في الجميع ثم توظف في دائرة (تموين أبي الخصيب) توفي في 7/5/1963. وأولاده (د. عبدالله وبدر ومصطفي).
والدته: هي كريمة بنت سياب بن مرزوق السياب، توفيت قبله بمدة طويلة، وتركت معه اخوان اصغر منه، فتزوج ابوه امرأة أخري.
قريته : هي قرية جيكور... قرية صغيرة لا يزيد عدد سكانها آنذاك علي (500) نسمة، اسمها مأخوذ في الأصل من الفارسية من لفظة (جوي كور) أي (الجدول الأعلي)، تحدثنا كتب التاريخ علي أنها كانت موقعاً من مواقع الزنج الحصينة، دورها بسيطة مبنية من طابوق اللبن، الطابوق غير المفخور بالنار وجذوع أشجار النخيل المتواجدة بكثرة في بساتين جيكور التي يملك (آل السياب) فيها أراضٍ مزروعة بالنخيل تنتشر فيها انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب...، وحين يرتفع المد تملئ الجداول بمائه، وكانت جيكور وارفة الظلال تنتشر فيها الفاكهة بأنواعها ـ مرتعاً وملعباً ـ وكان جوّها الشاعري الخلاب أحد ممهدات طاقة السياب الشعرية وذكرياته المبكرة فيه ظلت حتي أخريات حياته تمد شعره بالحياة والحيوية والتفجر (كانت الطفولة فيها بكل غناها وتوهجها تلمع أمام باصرته كالحلم... ويسجل بعض اجزائها وقصائده ملأي بهذه الصور الطفولية...) كما يقول صديقه الحميم، صديق الطفولة : الشاعر محمد علي إسماعيل. هذه القرية تابعة لقضاء أبي الخصيب الذي اسسه (القائد مرزوق أبي الخصيب) حاجب الخليفة المنصور عام 140 هـ والذي شهد وقائع تاريخية هامة سجّلها التاريخ العربي، ابرزها معركة الزنج ما تبعها من أحداث. هذا القضاء الذي برز فيه شعراء كثيرون منهم (محمد محمود) من مشاهير المجددين في عالم الشعر والنقد الحديث و(محمد علي إسماعيل) صاحب الشعر الكثير في المحافظة و(خليل إسماعيل) الذي ينظم المسرحيات الشعرية ويخرجها بنفسه ويصور ديكورها بريشته و(مصطفي كامل الياسين) شاعر و(مؤيد العبد الواحد) الشاعر الوجداني الرقيق وهو من رواة شعر السياب و(سعدي يوسف) الشاعر العراقي المعروف و(عبد اللطيف الدليشي) الاديب البصري و(عبد الستار عبد الرزاق الجمعة) وآخرين...
نهر بويب : تنتشر في أبي الخصيب انهار صغيرة تأخذ مياهها من شط العرب وتتفرع إلي انهار صغيرة... منها (نهر بويب) ، النهر الذي ذكره الشاعر كثيراً في قصائده... هذا النهر الذي كان في الأصل وسيلة اروائية بساتين النخيل، يبعد عن شط العرب اكثر من كيلومتر واحد، والذي لا ينبع منه بل يأخذ مياهه من نهر آخر اسمه (بكيع) بتصغير كلمة (بقعه )، يتفرع إلي فرعين احدهما نهر بويب، أما الآن فهو مجري عادي صغير جفّت مياهه وغطّي النهر نباتات (الحلفاء) وبعض الحشائش. وفي السابق كان علي جانبيه أشجار الخوخ والمشمش والعنب، وكان بدر يحب ان يلعب في ماء بويب ويحلو له ان يلتقط المحار منه ويجلس علي نخلة ينظر الماء المنساب..
وفي لقاء مع (عبدالمجيد السياب) عم الشاعر قال...: (كنت أعرف مكان السياب علي النهر (نهر بويب) من الأوراق... إذ كان عندما يكتب يمزق كثيراً من الأوراق ويرميها في النهر فأهتدي بها إليه...). وعن سر اهتمام السياب بـ (بويب) قال السيد عبد المجيد..lفي نهاية الأربعينيات قرأت قصيدة لبابلو نيرودا يتحدث عن نهر لا اذكر اسمه وكان السياب قريب مني، فقرأ القصيدة واعتقد انه تأثر بها فكتب قصيدته (بويب)..).
منزل الأقنان: قال أحمد عبدالعزيز السياب..: (ان دار السياب قد قسمت إلي قسمين... دار جدي... ومنزل الأقتان الذي خلّده كثيراً في شعره، يبعد هذا المنزل عشرين متراً عن الدار الحقيقية وهو بيت فلاحي جد بدر الذين استغلتهم عائلة السياب، وهو بيت واسع قديم مهجور كان يدعي (كوت المراجيح) وكان هذا البيت في العهد العثماني مأوي عبيد (أسرة السياب) وكان الشعر بدر قد جعل من منزل الأقتان في أيام طفولته مقر الجريدة كان يخطّها ويصدرها الشاعر بإسم (جيكور) يتناقلها صبيان القرية ثم تعود في ختام قراءتها من قبل أصدقاء بدر ليلصقها الشاعر علي حائط منزل الأقتان.
بعض من ارتبط بهن وأحبهنّ: ,لآق. ولابد من ذكر من ارتبط بهن وأحبهن...:
ـ كانت الراعية (هويله) هي أول امرأة خفق لها قلبه وأحبها، حيث كانت اكبر منه سنا ترعي أغنام لها، يقابلها خارج قريته، وفجأة تحول إلي حب فتاة جميلة عمرها آنذاك (15) سنة، كانت تأتي إلي قريته والسياب في عنفوان شبابه وهو الباحث عن الحنين فالتجأ يتشبث بحب (وفيقه) التي كانت تسكن علي مقربة من بيت الشاعر. كان البيت فيه شباكاً مصبوغاً باللون الأزرق يعلو عن الأرض مترا أو يطل علي درب قرب من بيت قديم، شباك وفيقة التي لم يسعده حظه في الزواج منها، في شباكها قال شعرا جميلا، ولم يعرف لحد الآن هل ان وفيقة كانت تبادله الحب أم لا. ولم يكن في جيكور مدرسة في ذلك الوقت، لذا كان علي السياب ان يسير مشيا إلي قرية (آل إبراهيم) الواقعة بالقرب من جيكور بعد ان انهي الصف الرابع بنجاح وانتقل إلي مدرسة المحمودية والتي كانت إدارة المدرسة مطلة علي الشارع، شناشيل ملونة، وكان بيت الجلبي يقع خلف المدرسة، كان الشاعر يجول في هذه الطرقات المؤدية إليه سيما وان له زملاء وهو بعيد عن جيكور، وكانت (ابنة الجلبي) فتاة جميلة كان يراها السياب وهو ماراً بزقاق يؤدي لمسكنها، فان يتغزل بها ويحبها من طرف واحد فقط.
ـ وفي دار المعلمين العالية في بغداد وقع في حب جديد، فتاة بغدادية اخذت حظها من العلم والمعرفة ولها فوق ثقافتها جمال يأخذ بالالباب وهي التي يصفها بأن لها في وجهها غمّازة، تلبس العباءة وكانت عندما تمر به تضع العباءة علي وجهها كي لا تراه وكانت (نازك الملائكة) صديقة (لباب) التي احبها الشاعر من جانب واحد وكانت ذكية وجميلة جدا وكان أهلها يوصونها ان تعبس عندما تسير لكي لا يطمع الآخرون بملاحقتها وقد اعرضت عن كل الذين خطبوها.
وأحب زميلة له حبا من طرف واحد أيضا وكان حبا افلاطونيا ارتفع حب الخيال حتي جاوز الحد وتضاءلت فيه رغبة الجسم فما كان منها إلا ان تتزوج رجلا ثريا وتترك السياب بآلامه.
وتعرّف علي الشاعرة (لميعة عباس عمارة) في دار المعلمين العالية، وكانت علاقة...
كانت بادئ ذي بدء ذات طابع سياسي ولكن ـ كعادته ـ وقع في حبها لأنها كانت من اخلص صديقاته، وقال فيها قصائد كثيرة ودعاها السياب لزيارته في جيكور وبقيت في ضيافته ثلاثة أيام كانا يخرجان سوية إلي بساتين قريته ويقرأ لها من شعره وهما في زورق صغير. ويتعرف الشاعر علي صديقة بلجيكية، اسمها (لوك لوران) وقد وعدته ان تزور قريته جيكور فكتب قصيدة تعتبر من أروع قصائده الغزلية... وشاء حظه ان يلتقي بمومس عمياء اسمها (سليمه) فاكتشف من خلالها عالم الليل والبغاء واكتشف اسرارا غريبة واعطانا صورة صادقة لما كانت تعانيه هذه الطبقة من الناس، فكانت قصيدته الرائعة (المومس العمياء) التي صوّر فيها الواقع الاجتماعي آنذاك وواقع المرأة بصورة خاصة.
زواجه : ويتزوج السياب إحدي قريباته، وأحب زوجته فكان لها الزوج المثالي الوفي، وكانت هي كذلك، فقد انجبت منه غيداء وغيلان والاء، ولمّا اصابه المرض كانت مثال المرأة الحنونة، المحتملة كل متاعب والأم الحياة، حيث كانت الأيام معه اياما قاسية. تقول عنها زوجته السيدة اقبال...: (عندما تغدو قسوة الأيام ذكريات، تصبح جزءا لا يتجزأ من شعور الإنسان، تترسب في أعماقه طبقة صلبة يكاد يشعر بثقلها إذ ما تزال تشدني ذكرياتي معه كلما قرأت مأساة وسمعت بفاجعة).
تقول عن كيفية زواجها منه...: لم أتعرف عليه بمعني الكلمة (التعارف والحب واللقاء) إنما كانت بيننا علاقة مصاهرة حيث ان اختي الكبري كانت زوجة لعم الشاعر (السيد عبدالقادر السياب) في أوائل الثلاثينات، وكان أخي قد تزوج من أسرة السياب، وبعد نيل الموافقة الرسمية تم عقد الزواج في 19 حزيران (يونيو) 1955 في البصرة ثم انتقلنا إلي بغداد
كانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياته فترة رهيبة عرف فيها صراع الحياة مع الموت. لقد زجّ بجسمه النحيل وعظامه الرقاق إلي حلبة هذا الصراع الذي جمع معاني الدنيا في سرير ضيق حيث راح الوهن وهو يتفجرعزيمة ورؤي وحبا، يقارع الجسم المتهافت المتداعي، وجه الموت يحملق به كل يوم فيصدّه الشاعر عنه بسيف من الكلمة... بالكلمة عاش بدر صراعه، كما يجب ان يعيش الشاعر، ولعل ذلك لبدر، كان الرمز الأخير والأمضّ، للصراع بين الحياة والموت الذي عاشه طوال عمره القصير علي مستوي شخصه ومستوي دنياه معاً. فهو قبل ذلك إذ كان جسده الضامر منتصبا، خفيفا، منطلقا يكاد لا يلقي علي الأرض ظلا لشدة شفافيته.
للسياب اثار مطبوعة هي:
ازهار ذابلة (شعر)، اساطير (شعر)، المومس العمياء (ملحمة شعرية)، حفار القبور (قصيدة طويلة)، الاسلحة والاطفال (قصيدة طويلة)، مختارات من الشعر العالمي الحديث (قصائد مترجمة)، انشودة المطر (شعر)، المعبد الغريق (شعر)، منزل الاقنان (شعر)، شناشيل ابنة الجلبي (شعر)، ديوان بجزئين (اصدار دار العودة).
أما اثاره المخطوطة فهي:
زئير العاصفة (شعر)، قلب اسيا (ملحمة شعرية)، القيامة الصغري (ملحمة شعرية)، من شعر ناظم حكمت (تراجم)، قصص قصيدة ونماذج بشرية، مقالات وبحوث مترجمة عن الانكليزية منها السياسية والادبية.. مقالات وردود نشرها في مجلة الاداب... شعره الاخير بعد سفره إلي الكويت ولم يطبع في ديوانه الاخير (شناشيل ابنة الجلبي) قصائد من ايديث ستويل.
ثامر داود غير متواجد حالياً  
01-13-2008, 10:13 AM   #3
ثامر داود
vip
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق - امريكا
المشاركات: 785

كانت قرية عراقية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها ألفا ومائتي نسمة والقابعة على نهر أبوفلوس من شط العرب ، على موعد مع شاعر مرهف الحس ذاق من عذابات الحياة الكثير غير أنها ما زادت كلماته إلا رنينا في أذن من استمع إليها أو من تابعت عيناه انسيابها في إحدى قصائده المعبرة .. إنه بدر شاكر السياب صاحب بعض روائع القصائد التى قيلت فى الشعر العربى والذي يتذكره العالم الآن في ذكرى مولده.
بدر طفل يداعب الطبيعة الغناء

على امتداد شط العرب إلى الجنوب الشرقي من البصرة، تقع أبوالخصيب التي تمثل مركز قضاء تابع للواء البصرة يضم عددا من القرى من بينها قرية جيكور، حيث ولد السياب في منطقة (بكيع) وجيكور محلة صغيرة فيها وهي كلمة فارسية تعني (بيت العميان) ، وأمام القرية جزيرة جميلة اسمها (الطويلة) كثيرا ما كان السياب يقضي الساعات الطوال فيها ، أما نهر بويب فأحبه الشاعر كثيرا وهو من الأنهار الصغيرة المنتشرة آنذاك في أبي الخصيب حيث تأخذ مياهها من شط العرب.. ،

أما الآن فهو مجري عادي صغير جفّت مياهه وغطّي النهر نباتات الحلفاء. وفي السابق كان علي جانبيه أشجار الخوخ والمشمش والعنب، وكان بدر يحب أن يلعب في ماء بويب ويحلو له أن يلتقط المحار منه ويجلس علي نخلة ينظر الماء المنساب.. وهو يسأل النهر بقوله :
البيئة الغناء

…أغابة من الدموع أنت أم نهر؟

والسمك الساهر هل ينام في السحر؟

وهذه النجوم هل تظل في انتظار

تطعم بالحرير آلاف من الإبر ؟

وأنت يا بويب

أود لو غرقت فيك ألقط المحار

أشيد منه دار

يضيء فيها خضرة المياه و الشجر

ما تنضح النجوم و القمر

وأغتدي فيك مع الجزر إلى البحر

فالموت عالم غريب يفتن الصغار

وبابه الخفي كان فيك يا بويب…


كان آل السياب يملكون أراضي مزروعة بالنخيل، وهم مسلمون سنيون عرفتهم جيكور لأجيال عدة، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا من كبار الملاكين في جنوب العراق، فانهم كانوا يحيون حياة لائقة محترمة حسب المعايير المحلية. . وقد تزوج شاكر بن عبدالجبار - وهو والد شاعرنا - ابنة عمه كريمة، وأسكنها معه في دار والده على ما تقضي به العادات المرعية، وفي الرابع والعشرين من شهر ديسمبر 1926 ولدت له ابنا دعاه (بدرا)، وقد طار به فرحا وسجل تاريخ ميلاده حتى يتذكره، لكنه ما لبث أن فقده وبقي تاريخ ميلاد بدر مجهولا ..!

إذ لم تكن إدارة البلاد في ذلك الوقت متفرغة لتنظيم تسجيل المواليد، ولا سيما في النواحي النائية. وفي 1928 ولدت له ابنا ثانيا دعاه عبدالله، وفي 1930 ولدت له ابنا ثالثا دعاه مصطفى ، وورد أن أعضاء الأسرة من الذكور لا يزيدون على ثلاثين في الوقت الحاضر لكن الأسرة كانت أكبر مما هي اليوم في أوائل القرن التاسع عشر إذ كانت تضم عائلة المير. لكن كثيرين من أعضائها ماتوا في الطاعون الذي انتشر في العراق سنة 1831 وكان سياب بن محمد بن بدران المير أحد أعضائها، وكان قد فقد جميع أهله الأقربين وكلمة سياب بتشديدها بضم السين أو فتحها : اسم يطلق على البلح أو البسر الأخضر. لكن قصة تروى في العائلة تزعم أنه دعي بهذا الاسم لأنه فقد جميع أقربائه وسيب وحيدا.

أما في البيت فقد كان بدر يلعب مع أصدقائه فيشاركه أخواه الأصغران، وكان الأماكن المحببة للعبهم بيت واسع قديم مهجور يدعى (كوت المراجيح) باللهجة المحلية ، وكان هذا البيت في العهد العثماني يؤوي عبيد الأسرة (مصطفى السياب، ومن هنا اسمه ، إذا معنى (المراجيح) المراقيق أي الرقي أو العبيد) ، وقد دعاه بدر في شعره فيما بعد (منزل الأقنان) كانوا يلعبون في فنائه بالقفز على مربعات ودوائر تخطط على الأرض وما شابه ذلك من العاب القفز، وكان يلذ لهم كذلك أن يرووا عنه قصص الأشباح، وقد جعله بدر مقرا لجريدة خطية كان يصدرها مدة باسم (جيكور) تتناقلها أيدي صبيان القرية.

كان بدر يلعب على شاطئ بويب ، وأحب بدر بيتا هناك كان أشد ما يجذب انتباهه إليه تلك الشناشيل - هي شرفة مغلقة مزينة بالخشب المزخرف والزجاج الملون - غير أن الشاعر لم يقض سنواته الأولى في هذا البيت وإنما قضاها في ظل أمه، وقضى فترات متقطعة من صباه وشبابه الباكر في جنبات هذا البيت ، أما سبب هجر عائلة السياب لهذا البيت أو بالأحرى لجيكور فهو بسبب ذهاب الشباب إلى المدن بعد توظيفه.
السياب يدرك واقع الحياة منذ الصغر

دخل السياب في أول مراحله الدراسية مدرسة باب سليمان الابتدائية في أبي الخصيب، ثم انتقل إلى المحمودية الابتدائية التي أسسها المرحوم محمود باشا العبدالواحد في سنة 1910 في العهد العثماني، وبقيت تحمل اسمه حتى الآن وتخرج من هذه المدرسة في عاش بدر طفولة سعيدة غير إنها قصيرة سرعان ما تحطمت إذ توفيت أمه عام 1932 أثناء المخاض لتـترك أبناءها الثـلاثة وهى في الثالثة والعشرين من عمرها.

الأمر الذي صدم بدر في طفولته ، وما كان أمامه سوى اللجوء إلى جدته لأبيه (أمينة) وفترت علاقته الوثيقة بأبيه بعد أن تزوج من امرأة أخرى سرعان ما رحل بها إلى دار جديدة بعيدا عن بدر وأخـويه، ومع أن هذه الدار في بقيع أيضا، غير أن السياب وأخويه انضموا إلى دار جده في جيكورالقرية الأم ، غير أن العائلة تورطت في مـشكلات كبيرة ورزحت تحت عبء الديون، فبيعت الأرض تدريجيا وطارت الأملاك ولم يبق منها إلا القليل ، كان بدر يضطر للمشي إلى قرية باب سليمان غرب جيكور للذهاب للمدرسة ثم بعد الانتقال إلى المدرسة المحمودية الابتدائية للبنين في أبي الخصيب بدأت علاقته بالبيت الفخم الذي تزينه الشرفات الخشبية المزججة بالزجاج الملون "الشناشيل" والتي ستكون فيما بعد اسما لمجموعة شعرية متميزة هي شناشيل ابنة الجلبي- الجلبي لقب للأعيان الأثرياء- وفى هذه المدرسة تعلم أن يردد مع أترابه أهزوجة يرددها أبناء الجنوب عند هطول المطر، انظر إليه حينما ينشد :

… وأبرقت السماء … فلاح، حيث تعرج النهر

وطاف معلقا من دون يلثم الماءا

شناشيل ابنة الجلبي نور حوله الزهر

عقود ندى من اللبلاب تسطع منه بيضاءا

وآسية الجملية كحل الأحداق

منها الوجد والسهر

يا مطرا يا حلبي

عبر بنات الجلبي

يا مطرا يا شاشا

عبر بنات الباشا…

وفى هذه المرحلة المبكرة بدأ ينظم الشعر باللهجة العراقية الدارجة في وصف الطبيعة أو في السخرية من زملائه، وكانت محبة جدته أمينة تمنحه العزاء والطمأنينة والعطف غير انه سرعان ما فقدها إذ توفيت في أيلول 1942 استمع إليه وهو حين يبكيها يقول :

جدتي من أبث بعدك شكواي

طواني الأسى وقل معيني

أنت يا من فتحت قلبك بالأمس لحبي

أوصدت قبرك دوني

فقليل على أن اذرف الدمع

ويقضى على طول أنيني


وتفاقم الأمر إذ باع جده ما تبقى من أملاكه مرغما، إذ وقع صغار الملاك ضحية للمالكين الكبار وأصحاب مكابس التمر والتجار والمرابين الأمر الذي ضاعف معاناة بدر الرومانسي الذي ما كان يدرك في ذاك الوقت معنى صراع القوي والضعيف في مدينة بغداد صيف 1943 أنهى بدر دراسته الثانوية، وقـبل في دار المعلمين العالية ببغداد (كلية التربية) وكان في السابعة عشرة من عمره ليقضى فيها أربعة أعوام ، وكتب خلال تلك الفترة قصائد مترعة بالحنين إلى القرية والى الراعية هالة التي احبها ويكتب قصائده العمودية أغنية السلوان وتحية القرية.. الخ ،

كما اكتسب في بغداد ومقاهيها صداقة بعض من أدبائها وينشر له ناجي العبيدي قصيدة لبدر في جريدته الاتحاد هي أول قصيدة ينشرها بدر في حياته .

تكونت في دار المعلمين العالية في السنة الدراسية جماعة أسمت نفسها "أخوان عبقر " كانت تقيم المواسم و الحفلات الشعرية حيث ظهرت مواهب الشعراء الشبان، كان السياب من أعضاء الجماعة، كما كانت الشاعرة نازك الملائكة من أعضائها أيضا، بالإضافة إلى شاعرين يعتبران المؤسسين للجماعة هما الأستاذان كمال الجبوري والدكتور المطلبي، ويتعرف بدر على مقاهي بغداد الأدبية ومجالسها مثل مقهى الزهاوي ومـقـهى البلدية ومقهى البرازيلية وغيرها يرتادها مع مجموعة من الشعراء الذين غدوا فيما بعد (رواد حركة الشعر الحر) مثل رشيد ياسين وعبد الوهاب البياتي وغيرهم ، والتقى امرأة يحبها وهي لا تبادله هذا الشعور حيث كانت تكبره في العمر كما لم يكن بدر وسيما وهذا الأمر أثر في نفسه كثيرا .

أيها الظلام متى تنقشع..؟

مرحلة أخرى في حياة بدر حيث يتعرف على شعر وود وورث وكيتس وشيلى بعد أن انتقل إلى قسم اللغة الإنجليزية ويعجب بشعر اليوت واديث سيتويل ومن ثم يقرأ ترجمة لديوان بودلير أزهار الشر فتستهويه ، ويتعرف على فتاة أضحت فيما بعد شاعرة معروفة غير أن عائق الدين يمنع من لقائهما فيصاب بإحباط آخـر، فيجـد سلوته في الانتماء السياسي الذي كانت عاقبته الفـصل لعـام دراسي كامل من كليته ومن ثم سجنه عام 1946 لفترة وجيزة أطلق سراحه بعدها ليسجن مرة أخرى عام 1948 بعد أن صدرت مجموعته الأولى أزهار ذابلة عام 1947 تضمنت قصيدة "هل كان حبا " حاول فيها أن يقوم بتجربة جديدة في الوزن والقافية تجمع بين بحر من البحور ومجزوءاته أي أن التفاعيل ذات النوع الواحد يختلف عددها من بيت إلى آخر .


ويتخرج السياب ويعين مدرسا للغة الإنجليزية في مدرسة ثانوية في مدينة الرمادي وظل يرسل منها قصائده إلى الصحف البغدادية تباعا، وفى يناير 1949 ألقي عليه القـبض في جـيكور أثناء عطلة نصف السنة ونقل إلى سجن بغداد واستغني عن خدماته في وزارة المعارف رسميا فى25 يناير 1949 وافرج عنه بكفالة بعد بضعة أسابيع ومنع إداريا من التدريس لمدة عشر سنوات، فعاد إلى قريته يرجو شيئا من الراحة بعد المعاملة القاسية التي لقيها في السجن .


توجه بعد ذلك إلى البصرة ليعمل (ذواقة) للتمر في شركة التمور العراقية، ثم كاتبا في شركة نفط البصرة، وفى هذه الأيام ذاق الفقر والظلم والشقاء ولم ينشر شعرا قط، ليعود إلى بغداد يقضي نهاره في مقهى حسن عجمي يتلقى المعونة من أصحابه اكرم الوتري ومحي الدين إسماعيل وخالد الشواف، عمل بعدها مأمورا في مخزن لإحدى شركات تعبيد الطرق في بغـداد ، وهكذا ظل يتنقل من عمل يومي إلى آخر.

وتستعد المحنة للرحيل ..

وفى عام 1950 ينشر له الخاقاني مجموعته الثانية (أساطير) بتشجيع من أكرم الوتري مما أعاد إلى روحه هناءتها وأملها بالحياة، ويبدأ بدر بكتابة المطولات الشعرية مثل أجنحة السلام و اللعنات وحفـار القـبور و المومس العمياء وغيرها ، ويضطرب الوضع السياسي في بغداد عام 1952 ويخشى بدر أن تطاله حملة الاعتقالات فيهرب متخفيا إلى إيران ومنها إلى الكويت بجواز سفر إيراني مزور باسم (على آرتنك) على ظهر سفينة شراعية انطلقت من عبادان في يناير 1953، كتب عنها فيما بعد قصيدة اسمها فرار 1953 وهناك وجد له وظيفة مكتبية في شركة كهرباء الكويت حيث عاش حياة اللاجئ الذي يحن بلا انقطاع إلى أهله ووطنه، وهناك كـتب أروع قصائده "غريب على الخليج " إنه يئن حنينا لوطنه هذه بعض من كلماته ..

أيخون إنسان بلاده؟

إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟

الشمس أجمل في بلادي من سواها ، و الظلام

.حتى الظلام - هناك أجمل ، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه ، متى أنام

فأحس أن على الوساده


ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق ؟
بزوغ فجر جديد


غير أنه ما يلبث أن يعود إلى بغداد بعد انقضاء عدة اشهر يلتقي بأصدقائه القدامى في مقهى حسن، ويقطع صلته بالحركة السياسية التي كان ينتمي إليها بعد تجربته المريرة في الكويت مع بعض رفاقه السابقين الذين عاشوا معه في بيت واحد. ثم يصدر أمر وزاري بتعيينه في مديرية الاستيراد والتصدير العامة، ويستأجر بيتا متواضعا في بغداد ويستدعى عمته آسيه لترعى شؤونه اليومية ثم تنشر له مجلة الآداب في يونيو 1954"أنشودة المطر" ولعلها من أروع ما كتب السياب منها ينشد ويقول :

السياب يفكر

…في كلّ قطرةٍ من المطر

حمراءَ أو صفراءَ من أجنّة الزهر

و كلّ دمعةٍ من الجياعِ و العراة

وكلّ قطرةٍ تُراقُ من دمِ العبيد

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد

أو حلمةٌ تورّدتْ على فمِ الوليد

في عالمِ الغدِ الفتيّ واهبِ الحياة

مطر مطر مطر…


ويكتب بعدها المخبر تليها الأسلحة والأطفال وفي المغرب العربي ورؤيا فوكاي ومرثية الآلهة ومرثية جـيكور وينشغل بالترجمة والكتـابة، وتحل سنة1955 حـيث يتزوج من "إقبال" شقيقة زوجة عمه عبداللطيف، وهى معلمة في إحدى مدارس البصرة الابتدائية .

في العام نفسه نشر ترجماته من الشعر المعاصر في كتاب سماه قصائد مختارة من الشعر العالمي الحديث يحتوى على عشرين قصيدة لأليوت وستويل وباوند سبندر ودي لويس وغيرهم ، وتقوم حرب السويس اثر العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ليكتب بعـدها السـيـاب قصيدته بورسعيد ألقاها في اجتماع عقد في دار المعلمين العالية ببغداد تضامنا مع شعب مصر وفى،2 ديسمبر 1956 تولد ابنته البكر غيداء.

ويتعرف في شتاء1957 على مجلة جديدة ستلعب دورا هاما في مرحلته الفنية الجديدة تلك هي مجلة (شعر) اللبنانية كان محررها يوسف الخال وسرعان ما أصبح السياب أحد كتابها العديدين من دعاة التجديد في الشعر العربي مثل أدونيس وأنسي الحاج وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ، لتبدأ قطيعته مع مجلة الآداب التي تبنت نتاجه المدة السابقة، وبدعـوة من المجلة الجديدة يسافر إلى بيروت لاحياء أمسية شعرية تعرف خلالها على أدونيس و أنسي الحاج وشوقي أبى شقرا وفؤاد رفقه ويوسف الخال، ويعود إلى بغداد أشد ثقة بشاعريته.

واكثر إحساسا بالغبن في بلده حيث يجابه وعائلته مصاعب الحياة براتب ضئيل .
وتستهويه الأساطير التي دلها عليه (الغصن الذهبي) لجو فريزر والذي ترجم جبرا فصلا منه، فيكتب قصائد مثل (جيكور والمدينة ) و(سربروس في بابل) و (مـدينة السندباد) ، ويجئ يوم 23 نوفمبر 1957 ليولد للشاعر ابنه غيلان وقد كثف بدر فرحه بمولوده في قـصيـدته مرحى غيلان وفيها يقول :

…بابا .. بابا

ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير

ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟

وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير

وتأتى صبيحة 14 يوليو 1958 لتعلن عن نهاية الحكم الملكي على يد الجيش وتنسحب الجمهورية الوليدة من حلف بغداد تركيا، إيران، باكستان، العراق وتخرج من كتلة الإسترليني وتعلن قانون الإصلاح الزراعي وتطلق سـراح السجناء السياسيين، ويحس بدر أن ما تمناه طويلا قد تحقق، غير أن آمال بدر قد تهاوت اثر الانقسامات والاحترابات التي عصفت بالمجتمع آنذاك .
لك الحمد مهما استطال البلاء

وفى السابع من أبريل 1959 فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات بأمر وزاري لتبدأ من جديد رحلة التشرد والفقر، كان نتاجها عدد من القصائد مثل العودة لجيكور ورؤيا في عام 1956 والمبغى .

في يوليو 1960 يذهب إلى بيروت لنشر مجموعة من شعره هناك، وتوافق وجوده مع مسابقة مجلة شعر لأفضل مجموعة مخطوطة فدفع بها إلى المسابقة ليفوز بجائزتها الأولى (1000 ل. ل) عن مجموعته "أنشودة المطر" التي صدرت عن دار شعر بعد ذلك ، وعاد إلى بغداد بعد أن ألغي فصله وعين في مصلحة الموانئ العراقية لينتقل إلى البصرة ويقطن في دار تابعة للمصلحة في الوقت نفسه بدأت صحته تتأثر من ضغط العمل المضني والتوتر النفسي، غير أن صحته استمرت بالتدهور فقد بدا يجد صعوبة في تحريك رجليه كلتيهما وامتد الألم في القسم الأسفل من ظهره .

في 7 يوليو 1961 رزق بابنته آلاء في وقت ساءت فيه أحواله المالية، وغدا مثل قصبة مرضوضة. وحملته حالة العوز إلى ترجمة كتابين أمريكيين لمؤسسة فرانكلين، جرت عليـه العـديد من الاتهامـات والشكوك ، ثم تسلم في العام نفسه دعوة للاشتراك في (مؤتمر للأدب المعاصر) ينعقد في روما برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة .

يعود بدر بعدها إلى بغداد ومن ثم إلى البصرة حيث الدار التي يقطنها منذ تعين في مصلحة الموانئ، يكابد أهوال المرض إذ لم يعد قادرا على المشي إلا إذا ساعده أحد الناس ولم يعد أمامه سوى السفر وهكذا عاد إلى بيروت في أبريل 1962 وأدخل مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت، وبعد محاولات فاشلة لتشخيص مرضه غادر المستشفى بعد أسبوعين من دخوله إليه بعد أن كتب قصيدته الوصية يخاطب فيها زوجته :

إقبال، يا زوجتي الحبيبه

لا تعذليني، ما المنايا بيدي

ولست، لو نجوت، بالمخلد

كوني لغيلان رضى وطيبه

كوني له أبا و أما وارحمي نحيبه


ويزوره اكـثر من طبيب في مرضه الميؤوس منه، وتنفد النقود التي تبرع بها أصدقاؤه له، وينشر له أصحابه ديوانه المعبد الفريق عن دار العلم للملايين ، وازدادت حاله سوءا وابتدأت فكرة الموت تلح عليه وهو ما نراه في قصيدة نداء الموت ليعود بعدها مدمرا نهاية سبتمبر 1962 تلاحقه الديون إلى البصرة، وتكفلت المنظمة العالمية لحرية الثقافة بنفقاته لعام كامل بعد أن رتبت له بعثة دراسية حيث كان الاقتراح أن ينخرط طالبا في جامعة إنجليزية للدراسة من أجل الدكتوراه وفي أثناء ذلك ينصرف أيضا لمعالجة مرضه، حيث سعى له جبرا ابراهيم جبرا المفكر العربي عند ألبرت حوراني، الأستاذ في جامعة أكسفورد لقبوله بأسرع ما يمكن، وكان التأكيد على السرعة فأبدى حوراني حماسة للفكرة، غير أن قبوله لم يكن ليتم في الحال ولما لم يكن ثمة مجال للانتظار ومرض بدر في تصاعد سريع أخذ يعيق عليه سيره .

استطاع الأستاذ حوراني أن يجد له قبولا في جامعة درم وهي من جامعات شمال إنجلترا، المعروفة بدراساتها الشرقية وفي أوائل خريف 1962 سافر بدر إلى إنجلترا لأول مرة والمرض يكاد يقعده، وتوجه إلى مدينة درم، وهو شديد القلق والمخاوف على حالته الصحية . درم مدينة جبلية صغيرة، ابتنت شهرتا على وجود جامعة فيها هي من أفضل الجامعات البريطانية، غير أنها مدينة يلفها الضباب في معظم أيام السنة، ولقربها من مناجم الفحم المحيط بها من كل صوب، يشتد فيها الضباب قتاما أيام الخريف والشتاء لدرجة الكآبة واستقل بدر قطار عائدا إلى مستشفي في لندن، حيث نظم شعرا كثيرا يحمل بعض ما أحس به من كآبة في تلك المدينة الصغيرة ومن أبرز ما كتبه في هذه الفترة سفر أيوب ولك الحمد ، ومن الثانية نستمع إلى صوته الحزين يردد :

لكَ الحَمدُ مهما استطال البلاء

ومهما استبد الألم

لكَ الحمدُ إن ٌ الرزايا عطاء

وإنٌ المَصيبات بعض الكَرَم

ألم تُعطني أنت هذا الظلام

وأعطيتني أنت هذا السّحر؟

فهل تشكر الأرض قطر المطر

وتغضب إن لم يجدها الغمام؟


وبين الأمل واليـأس والمراسلات المستمرة انقضت أيامه في المستشفى موحشة باردة حتى صدرت مجموعته منزل الأقنان في بيروت- مارس 1963 بعد أن غادر بدر المستشفى بأيام قليلة، ليكتب بعدها مجموعة قصائد اشهرها شناشيل ابنة الجلبي مستذكرا كعادته طفولته وصباه في جيكور وأبي الخصيب وبين أفياء النخيل الوارفة وظلال البساتين ومجارى الأنهار، وفى15 مارس 1963 طار إلى باريس في طريق العودة إلى الوطن تحت إلحاح زوجته ورسائلها التي تصف الحالة المزرية التي ترزح تحت وطأتها العائلة، وفى باريس عرفه أصحابه بلا جـدوى على عـدد من الأطباء الفرنسيين، وفى 23 مارس 1963 غادر باريس على كرسي متحرك من مطار أورلي .


ولم يمر أسبوعان على وصول بدر إلى البصرة، حتى فصل من الخدمة الحكومية لمدة ثلاث سنوات ابتداء من 4 نيسان 1963 بناء على مقتضيات المصلحة العامة، وكانت هذه صدمة شديدة زادت من هموم بدر ، بعد ذلك بدأ يعمل كمراسل أدبي لمجلة حوار في العراق، بعد أن نال موافقة جون هنت، سكرتير المنظمة العالمية لحرية الثقافة في باريس. وبدأ يرسل إلى توفيق صايغ محررها في بيروت، تقارير فصلية عن الحركة الأدبية في العراق، وكان يدفع له أربعين دولارا على التقرير ، وصار ينشر شعره كذلك في هذه المجلة وكانت الأوساط الفكرية القومية قد بدأت ترتاب بها وتهاجمها على أنها أداة من أدوات الاستعمار الغربي وتسلله الثقافي.


ومن شدة مرضه فإنه حينما توفى أبيه في أوائل 1963 ، لم يستطع أن يذهب إلى المسجد لحضور جنازته، ولم يكتب شعرا مدة طويل، ولكنه عمل على ترجمة فصول عينها له جبرا من كتاب الشعر والنثر الأمريكيين الذي كان سينشر في بيروت بتكليف من مؤسسة فرنكلين في بغداد باشتراك مترجمين آخرين ، وقد فكر بدر، وهو يعيش ذكريات الماضي وينتج القليل من الشعر، أن يعيد شيء من شعر الباكر فاختار من أزهار ذابلة وأساطير عددا من القصائد ولا سيما من المجموعة الأخيرة، فشذبها وهذبها وحذف منها قليلا، ونشرها في بيروت في تشرين الأول 1963 بعنوان أزهار وأساطير .


وكان مجرى الأحداث السياسية في العراق يسوء فحيث كان بدر يأمل أن يرى جبهة متضامنة تؤيد العهد الجديد الذي أطاح بقاسم، كان هناك صراع على السلطة، وكان البعثيون يحاولون السيطرة على البلاد، لكن الرئيس عبدالسلام عارف والجيش أحبطا خططهم في تشرين الثاني 1963 ، وكان بدر في غضون ذلك هدفا لحملات صحفية بسبب تناقضاته السياسية في الماضي وموقفه غير الملتزم في الحاضر، وكانت علاقاته بمجلة جوار والمنظمة العالمية لحرية الثقافة تذكر ضده .

رصاصة الرحمة يا إلهي .. هكذا ناجى ربه

كتب ذات مرة إلى صديق له يقول ".. لم أعد أخاف من الموت ، ليأت متى شاء، أشعر أنني عشت طويلا. لقد رافقت جلقامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشت التاريخ العربي كله ألا يكفي هذا؟ .."ومرت بامرأته أيام عصيبة وهي تتفانى في خدمته وتوفر أسباب الراحة له وعلى الرغم من أنه كان يتمتع بكامل قواه العقلية فإنه كان أحيانا يتهمها بعدم العطف عليه ..! وكانت ترتيبات خاصة أخرى قد اتخذت قبل ذلك لمعالجة بدر في الكويت بترتيب من الشاعر الكويتي علي السبتي حيث كانت وظائف الجهاز العصبي قد بدأت تهزل لديه.

وقد بدا متشائما للغاية من شدة المرض وفساد العظام بأعضائه المشلولة وطلب من الله أن يعجل بموته قائلا :

هات الردى ، أريد أن أنام ..

بين قبور أهلي المبعثرة

وراء ليل المقبرة

رصاصة الرحمة يا اله….

وما أعظم ما كنت سعادته حين تسلم رسالة من زوجته في 3 اغسطس 1964، فكتب قصيدة عنوانها (رسالة) يصف فيها شعوره بالقلق على أسرته. وفي ليلة 5 اغسطس 1964 كان يفكر مشتاقا بابنتيه غيداء وآلاء وينتظر وصولهما مع غيلان وزوجته إقبال في اليوم التالي، فكتب قصيدة عنوانها (ليلة انتظار)، وفيها يقول وينتهي فيها بعبارة ..
قصائد .. كنت أكتبها لأجلك في دواويني

أحبيها تحبيني

ووصلت إقبال وأولادها إلى الكويت في اليوم التالي ونزلوا في بيت علي السبتي خلال إقامتهم في الكويت، وكانت إقبال تزور زوجها في المستشفى كل يوم فتؤنسه وتخدمه ، وكان بدر خلال إقامته في المستشفى يكسب بعض المال بنشر قصائده في الصحف الكويتية التي كانت تدفع له جيدا، وبدأت تنتاب بدرا نوبات من الهذيان والتصورات الوهمية، فان هزاله وضعفه الشديد واضطراب جهازه العصبي بدأت تؤثر في دماغه، وأخيرا، وفي يوم الخميس الموافق الرابع والعشرين من كانون الأول 1964 وقع في غيبوبة وفاضت روحه في الساعة الثالثة بعد الظهر ، وسيق الجثمان إلى المسجد حيث اجتمع قلة من الأهل والأصحاب، وبعد صلاة الجنازة أخذ جثمان بدر يرافقه بضعة رجال فقط، فووري التراب في مقبرة الحسن البصري غير بعيد عن قبر ذلك الرجل العظيم في يوم شديد المطر …!
قيل عن بدر

يقول الأديب محمد لطفي اليوسفي : بدر شاكر السياب مبدع "أنشودة المطر" جمع في شعره كل المفارقات التي خلخلت البلاد العربية وهزتها جذريا منذ بداية الخمسينات ثقافيا واجتماعيا انه شاعر الحب، والثورة، والموت.

أما أدونيس : بدر شاكر السياب من شهودنا الأول على الحضور، ولادة محتوى جديد، وولادة تعبير جديد من دلائل هذه الشهادة رفض الفصل بين التعبير والحياة، الشكل والمحتوى .

جبرا إبراهيم جبرا: ولعل بدر شاكر السياب كان أول من يرضى بأن تبدأ أسطورته بموته، فالأسطورة فيما يخص كبار المبدعين نوع من استنباع المعاني الحية من الشتات الذي يملأ حياته، وطريقة تتم، على مر السنين دونما إرادة من أحد لجمع هذه المعاني في كل متصل، مبلور.

محمد الماغوط : ولو افترضنا أن قيمة العمل الشعري تتوقف مثلا على ما سيلقيه الشاعر على قبر صغير في الصحراء لوجدنا أن السياب يلقي زهرة وغيره يلقي فراشة .

يقول الصحفي عبد الوهاب الشيخلي أنه حينما سأل بدر شاكر عن أنواع الشعر في الوطن العربي فقال: هناك شعر تعجب به لأول وهلة ويزداد إعجابك به على مر الزمن، وهذا هو أرفع أنواع الشعر وهو نادر الوجود، والنوع الثاني من الشعر هو الذي لا يعجبك للمرة الأولى ولكنك تعجب به عندما تقرأه في المرة الثانية أو الثالثة.. وشعر نازك الملائكة من هذا النوع, وأردف قائلا ً: وهناك نوع آخر من الشعر الذي يبهرك عند قراءته لأول مرة ثم يفقد بريقه وقيمته بمرور الزمن. وهذا هو الشعر المزوق البراق الفارغ الذي لا معنى له ..
وقد تربع السياب على عرش الشعر الحر في العراق وترك لنا دواوين "أزهار ذابلة" 1947، "أساطير" 1950، "حفار القبور" 1952، "المومس العمياء" 1954، "الأسلحة والأطفال" 1955، "أنشودة المطر" 1962، "المعبد الغريق" 1962، "منزل الأقنان"1963 ، و "شناشيل ابنة الجلبي" 1964. ثم نشر ديوان "اقبال" عام 1965. وله قصيدة "بين الروح والجسد" في ألف بيت تقريباً ضاع معظمها. وقد جمعت دار العودة "ديوان بدر شاكر السياب" 1971. وله من الكتب "مختارات من الشعر العالمي الحديث"، و"مختارات من الأدب البصري الحديث".
ثامر داود غير متواجد حالياً  
01-13-2008, 10:23 AM   #4
ثامر داود
vip
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق - امريكا
المشاركات: 785

في الليل .. قصيدة بدر شاكر السياب والاستثناء الشعري


الشاعر العراقى بدر شاكر السياب

في الليل .. قصيدة بدر شاكر السياب والاستثناء الشعري
كمال سبتي

نصُّ القصيدة :

في الليل..

الغُرفَةُ موصَدَةُ البابِ

والصَمتُ عميقْ

وستائرُ شبّاكي مرخاةٌ..

ربَّ طَريقْ

يتنصَّتُ لي ، يترصَّدُ بي خلفَ الشبّاكِ ، وأثوابي

كمفزِّعِ بستانٍ ، سودُ

أعطاها البابُ الموصودُ

نَفَساً، ذرَّ بها حسّاً ، فَتَكادُ تفيقْ

من ذاك الموتِ ، وتهمسُ بي ، والصمتُ عميقْ :

{ لم يبقَ صديقْ

ليزورَكَ في الليلِ الكابي

والغرفةُ موصدَةُ البابِ } .

ولبستُ ثيابيَ في الوهمِ

وسريتُ : ستلقاني أُمّي

في تلكَ المقبرةِ الثكلى ،

ستقولُ : { أَتَقْتحمُ الليلا

من دونِ رفيقْ ؟

جوعانُ ؟ أتأكلُ من زادي :

خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟

والماءُ ستنهلُهُ نَهلا

من صدرِ الأرضِ :

ألا ترمي

أثوابَكَ ؟ والبَسْ من كَفَني ،

لم يبلَ على مرِّ الزمنِ ؛

عزريل الحائكُ ، إذْ يبلى ،

يرفوهُ . تعالَ ونمْ عندي :

أعددتُ فراشاً في لَحدي

لكَ يا أغلى من أشواقي

للشمسِ ، لأمواهِ النهرِ

كَسْلى تجري ،

لهُتافِ الديكِ إذا دوّى في الآفاقِ

في يومِ الحشرِ } .

سَآخِذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أُمّي .

* الخَرّوب : شجر مثمرٌ من الفصيلة القرنيَّة ، ثماره قرون تؤكَل وتُعلفها الماشية.

*الصادي : من صَديَ صَدىً : اشتدَّ عطشه . فهو صادٍ . والهامشان من كاتب المقال..


لندن.. 27-2-1963

ديوان شناشيل ابنة الجلبي





هذه القصيدة شغل كلاسيكيّ نادرٌ في الشعر العربيّ الحديث .

كلاسيكيٌّ لأنَّ البناء فيه يحتّمُ ربطاً عضوياً بين الأبيات ، فلا يأتي بيتٌ بدون تحفيز مسبّق من البيت الذي يسبقه،أوبلا تهيئة له ، وهو ما اعتدناه في الشغل الكلاسيكيّ . ونادرٌ لأنَّ الشعر الحديث قد لا يتطلّبُ صرامةً ودقّةً كاللتين تتحكمان بهذه القصيدة..بل انّ بعضهم كان قد فهم الشعر الحديث تحرراً أو تخلّصاُ منهما ، تحديداً.

وقد شاع الحديث عن أهمية هذه القصيدة في الأوساط الأدبية العراقية في نهاية السبعينيّات ، وحين كتبتُ عنها للمرة الأولى في ذلك الوقت ، اكتشفتُ أنْ لا أحدَ من العراقيين أو من العرب كان قد أشار إليها قبلاً..لا في الدراسات النقدية التي كتبتْ عن بدر ، ولا في الكتب التي اختارت قصائد له.

وهي الآن قصيدة معروفة على نطاقٍ واسع ، بل انَّ أحد دارسي المسرح في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ، أخبرني بعد خروجه من العراق بأنَّ طلبة قسم المسرح قد درسوها في التسعينيات.. وهو أمرٌ يبعث على التفاؤل حقاً في انّ الشعر الرائع لا يهمَلُ لفترةٍ طويلةٍ من الوقت ، ثمة دائماً من يأتي ويستخرجه من بين الركام.

كتب بدر قصيدته هذه قبل عشرين شهراً من موته ، وهي تنتمي زمنياً وشعرياً الى تلك المرحلة التي كان يكتب فيها شعره وهوعلى فراش المرض.

وقد كتبها في لندن ، عندما كان راقداً في أحد مستشفياتها ، وعندما كان يكتب قصيدةً ، وربما أكثر من قصيدة ، كلّ يوم. بل انه في يوم27-2-1963 نفسه ، تاريخ قصيدة " في الليل " كتب قصيدة أخرى ، أيضاً ، اسمها : " وغداً سألقاها " .

وهذه كتابة جديدة عن القصيدة لا تشبه ما كتبت عنها سابقاً قبل ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاما .
أبدأ الحديث برسم المشهد الأوّل الذي يبدأ بـ " الغرفة موصدة البابِ " وينتهي بـ "والغرفة موصدة البابِ " أيضاً :

غرفة موصدة الباب ، ليس فيها أحد غير الشاعر، صمت عميق وستائر الشباك مسدلة.
يفكّر الشاعر بإمكانية وجود طريق خلف الشباك ، والتفكير هنا هو تمنٍّ ، ثمة أثوابه المعلقة على الشماعة كما نتكهن ، التي تشبه مفزّع البستان ، وهي سود أيضاً ، ممّا يجعلنا نتكهن أيضاً بأنَّ الغرفة كانت مطفأة الأضواء . يحتاج الشاعر أو لنقل القصيدة كما في المسرح إلى أحدٍ يقول شيئاً حتّى ينمو الفعل الدراميّ ، فلماذا لا تكون الأثواب التي أصبحت مفزعاً يشبه الكائن الآدميّ.لكنها أثوابٌ ، والفعل الكلاسيكيّ يحتاج إلى تبرير ، وإلى إقناع . يرى الشاعر انَّ الباب الموصود هو الذي أعطى الأثواب حياة ، نفساً وحساً ، فنفكر في انّ هواجس الشاعر المريض الراقد على السرير هي التي تخيلت هذا الخلق الربانيّ ، الذي سيجعلها تفيق من موتها ، أي جمادها ، فتهمس بالشاعر في الصمت العميق ، وهو ما كان ينشده الفعل الدراميّ ، للمضيّ عميقاً في نموّه :

"لم يبق صديقْ

ليزورَكَ في الليلِ الكابي

والغرفة موصدةُ البابِ ".

إذن فقد تكوّن المشهد الأوّل بصرامة ودقة متناهيتين..

بابٌ مغلق وصمتٌ عميق وستائر مسدلة وليل ، ولا أحد غير الأثواب التي لم تصبح بشراً ، انما ما يشبه البشر : مفزّع البستان . والشاعر يقول في دليل على البناء الكلاسيكيّ الصارم " تكاد"تفيقُ ، فلم يقل انها أفاقت بل " تكاد ".. بعد أن وهبها غلق الباب حياة : نفساً وحساً ، كما رأت رؤى الشاعر وهواجسه.

إذن بعد أن رسم الشاعرُ المشهدَ الأول رسماً دقيقاً،احتاج إلى محدّث ، وتذكّروا اننا في حضرة البناء الكلاسيكيّ الذي لا يجوّز لنا خلقَ أفعالٍ بلا إقناع ، فلم يكن أمامه غير محدّث واحد في الغرفة : الأثواب المعلقة على الشماعة،التي ستتراءى له مفزّعاً..أو محدثاً ، وهو نذير ومذكّر في مقطع :" لم يبق صديقْ.."الخ

ستكون القصيدة أمام فعلين لا ثالث لهما : امّا أن ينهي الشاعر قصيدته هنا وهي بعد غير مكتملة. أو انّ مقطع المحدّث انّما هو تحفيز يحتاجه الشغل الكلاسيكيّ عادة لنموّ الفعل الدراميّ ، لشقّ طريق آخرَ فيه :

"ولبستُ ثيابي في الوهمِ

وسريتُ : ستلقاني أُمّي"

لدينا هنا علامتان على البناء الصارم ، وعلى نموّ الفعل الدراميّ شيئاً فشيئاً.العلامة الأولى هي انّ الشاعر، قد خرج من الغرفة بشبه الجملة " في الوهم" فهو يلبس ثيابه " في الوهم "، أيْ انه، بعدُ ، في السرير، وحينما خرج ، فإنما قد خرج في الوهم . وشبه الجملة : "في الوهم" هي عنصر أساسٌ في البناء الكليّ للقصيدة كما سنرى . والعلامة الثانية : هي البيت الثاني ، ولننتبه إلى الفعلين الماضيين : لبسَ ، وسرى الذي يُقرَنُ عادة بالسير ليلاً..لأنَّ نهاية القصيدة ستخالفهما بتغيير زمن الفعل.

استخدام الزمن الماضي هو إيحاءٌ لنا بأنّ الفعل الدراميّ ، ونستطيع أن نسميه هنا بـ " الفعل الشعريّ " طالما نحن نتحدث عن شغلٍ كلاسيكيّ..، يتحقق في الوهم. وأمّا " الأم " فإنّ أيّ تحليل سيكولوجيّ مبتدىء ، سيقرّ بحتمية ورودها في قصيدة اِبنٍ غريبٍ ، ووحيد في مشهدِ مريضٍ راقدٍ في المستشفى.
وكان الشاعر قد مهّد لورودها أيضاً بـ " لم يبق صديقْ / ليزورَكَ في الليل الكابي " ، والذهاب إلى الأم ، هو في علم النفس فعل عودة ، غريزيّ ، وهو واضح المعنى لايحتاج منّا إلى أيّ تفسير. إذن سيكون الخروج قد بُرِّرَ بيتاً فبيتاً وبتدرّج منذ البيت الأوّل.

لكنّ الأمّ ميتة ، وهي الآن في مقبرة.أمرٌ لا يفوت الشاعر أن يشير إليه :

"وسريتُ : ستلقاني أمّي

في تلكَ المقبرةِ الثكلى ،"

وأن تكون الأمّ في مقبرة ، ويريد الشاعر أن يحقق حلماً بلقائها هو أمرٌ سيتخطّى فعل العودة إلى الأم ، إلى تمني الموت معها. وهو معنى تتمركز عليه القصيدة في مشهدها الثاني.

وفي غمرة لقاء مربكٍ ، كلقاء شاعر مريض بأمه وإن كان في الوهم ، لا ينسى السيّاب صرامة البناء الكلاسيكيّ ، فيختار لأداء أمه سين الإستقبال..للمحافظة على الإيحاء السابق الذي تحقق بإستخدام الفعل الماضي :

ستقول : " أتقتحمُ الليلا

من دون رفيق ْ ؟

ولننتبه الى القوسين الصغيرين اللذين وضعهما الشاعر لقولها ، ولن يغلقا بقوسين صغيرين آخرين حتّى ينتهي كلام الأم وحتى تكون القصيدة قد شارفت على نهايتها ، بل حتى تكون قد انتهت فعلياً ، لكن الشاعر كما سنرى ، شاء أن يجعل لها نهاية أخرى قد تكون مما كان العرب يسمونه بالإعجاز الشعريّ.

إذن سيكون الفعل الماضي في " ولبستُ ثيابي في الوهمِ / وسريتُ ستلقاني أمي " يشبه في إيحائه الشعريّ هنا فعل المستقبل حامل سين الإستقبال في " ستقول ، وفي غيره من الأفعال المضارعة التي تحمل سين الإستقبال أوالتي لا تحملها ، الواردة في صوت الأم " ، أو حتى في " ستلقاني أمي " في نصف جملة بنيتْ ابتداءً بالفعل الماضي ، بعد الخروج من الغرفة بشبه الجملة : "في الوهم " .
لننتبه أيضاً بأنّ كلام الأمّ عن اقتحام الليل من دون رفيق ، انما يبدأ مردِّداً بصيغة أخرى كلامَ المحدّث ، المذكّر ، مفزّع البستان ، الأثواب المعلقة على الشماعة :

" لم يبقَ صديقْ

ليزوركَ في الليل الكابي "

ومثلما يهيّىء الصوتان المذكوران رسم المشهد الثاني ، معاً ، فإنّ في نبرة صوت الأمّ ما يتخطّى هذا إلى تمنيها هي نفسها أن يأتي ابنها الى القبر ، فتحبّبَ له ، في المشهد الثاني كلّه ، عالمها هناك :

"جوعانُ ؟ أتأكلُ من زادي

خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟ "

تأخذ القصيدة هنا مساراً آخر إذن ، تتحدث الأم عن ماء سيُنهَلُ من صدر الأرض ، ثمّ تدعو اِبنها إلى رمي ثوبه ، ولبس شيءٍ من كفنها الذي إذا بليَ فإنّ عزريل سيرفوه : تعال ونمْ عندي ، تقول الأمّ ، وكأيّة أمّ تعدّ فراشاً لولدها ، تقول :

" أعددتُ فراشاً في لحدي

لكَ يا أغلى من أشواقي"

هذا عالمٌ آخر" الموت " مرويّ هنا بلسان الأمّ ، يعاكسُ عالم الشاعر المريض " الحياة " في غرفة المستشفى.ومثلما تمنّى هو نفسه أن يلقى أمه فإنها لم تخيّب آماله ، بل ستستقبله في عالمها المبهج حين نقرأها تقول:

" لك يا أغلى من أشواقي

للشمسِ ، لأمواه النّهرِ

كسلى تجري ،

لهتاف الديكِ إذا دوّى في الآفاقِ

في يوم الحشرِ " .

أهي مصادفة أن ينتهي كلام الأمّ الميتة بيوم الحشر وهي تتحدث عن عالمها المبهج ؟
انَّ الصرامة والدقة اللتين تتحكمان بهذه القصيدة بناءً ومعنىً ، تجعلاننا نحار في أمر بدر حقاً وهو المريض الذي كان يكتبُ شعراً كلّ يوم. وقد كتب قصيدته ، موضوع كتابتنا هذه ، بعد قصيدتين معروفتين ، بعد "إرم ذات العماد" بستة أيام ، وبعد "شناشيل ابنة الجلبي" بثلاثة ايام ليس إلاّ.
ستكون القصيدة قد انتهت ، خيرَ نهاية يريدها شاعر ماهر، ذو موهبة كبيرة.

لكنَّ بدراً شاء أن يضع نهاية أخرى ، ماذا لو قلنا شاءت القصيدة ؟، مستخدماً هذه المرة سين الإستقبال في صوته لأوّل مرة :

"سآخذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أمّي "

هذا قرارٌ يقرره الشاعر ، سيكون في الوهم أيضاً . لكنه قرارٌ، يختلف عن التمني الأوّل حين استخدم الفعلَ الماضي : "ولبستُ ثيابي في الوهمِ" ، انه الآن ذاهب لا محالة ، واهباَ شبه الجملة : "في الوهمِ" إمكاناتٍ عدّة للنموّ، وللإيحاء ، بعد أن غير من زمن الفعل . ولعمري انّ ما فعله بدر في نهاية هذه القصيدة قد يكون هو الإعجاز الشعريّ ، فبهِ ميّزنا سيره الأوّل ، الذي وإن جاء فعلاً ماضياً ، فقد بقي تخيلاً ليس إلاّ . لكننا الآن بعد إستخدامه سين الإستقبال سنكون أمام فعل قرار وإن يكن في الوهم.
وهذا انتباه معجز قد لا يخطرعلى بال شاعر غير عليل، انتباه حقّق به بدر مستوى فنيّا راقياً لقصيدته. ستتساءلون : كيف يمكن أن يكون الفعل الماضي فعلاً غير متحقق ، بينما يكون الفعل المضارع حامل سين الإستقبال في نهاية القصيدة فعلاً متحققاً ؟ والجواب : انَّ هذه القصيدة ، القصيرة ، البسيطة كما تبدو للوهلة الأولى تثير الكثير من الأسئلة المتعلقة بالبناء والمعنى ، حتى لتتخيلها ، وهي كذلك ، أكبر من حجمها كثيراً.

ما حاولت أن أفعله هنا ، هو كشف شغلٍ كلاسيكيّ شاقّ لشاعر مؤسس في الشعر الحديث . وما حاولت أن أفعله هنا هو أن أحبِّبَ للقراء هذا الشغل ، وأن نعرف جميعاً بأنَّ كتابة الشعر الحديث لاتعني في أية حال من الأحوال ، القفزعلى الموروث المعرفيّ والجماليّ للفنّ الشعريّ.

هذه هي قصيدة "في الليل" . استثناء شعريّ في الشعر العربيّ الحديث ، جاء كلاسيكياً بناءً ومعنىً ..
ثامر داود غير متواجد حالياً  
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الشاعر, السياب, العراقي, بحر, شاكر

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ocllapseimg_forumrules تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

ward2u المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الفنان العراقى شاكر الالوسى Shakir AlAlousi ابو نيرة منتدى الفنانين العرب سيرة الفنان روائع اللوحات الفنية 44 02-28-2017 09:45 PM
بدر شاكر السياب سندباد العراق Amany Ezzat منتدى ثقافي موضوعات ثقافية عامة خواطر شعر سيرة شعراء 136 05-03-2016 08:53 PM
الفنان العراقي ياسين شاكر ياسين محمد محي الدين منتدى الفنانين العرب سيرة الفنان روائع اللوحات الفنية 4 11-14-2012 12:04 AM
مؤسس الشعر الحر الشاعر بدر شاكر السياب قاسم نايف منتدى ثقافي موضوعات ثقافية عامة خواطر شعر سيرة شعراء 7 06-29-2011 10:06 PM
سعد شاكر رائد الخزف العراقي زيد لقمان منتدى الخزف طرق التشكيل الزخرفة ابداع الخزافين العرب العالميين 11 04-25-2010 10:19 PM


الساعة الآن 07:19 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.9
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc