عرض مشاركة واحدة
09-16-2010, 07:25 PM   #5
راغب حواضري
شريك مميز
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: سوريا - حماة
المشاركات: 820

الميراث العظيم
أدى الفعل المتبادل بين الإنسان و الطبيعة على المستوى الفيزيكي إلى إحالة كثير من الظواهر الكونية التي وجود الإنسان إلى مواضيع فنية أسبغ عليها إبداعه الخاص بشكل خلاق ثم أخذت هذه المواضيع الإبداعية بعد حين استقلالاً نسبياً عن مدلولها البدائي و تحولت إلى منظومة جمالية إشارية مفتوحة قائمة بذاتها.
كما أضحت بحكم ضغط الواقع على الفكر الإنساني ذات إلحاحية خاصة بالتعامل معها وفق هذه الاستقلالية النسبية التي ما انفكت تتحول إلى استقلالٍ تام عن جوهر كنهها الأساسي لكن المحرض الفعلي على وجودها بقي مستمراً.
و إذا كان النور مع المجتمع العربي قد أخصب أولى العبادات الدينية الأمومية فإنه أيضاً قد أخصب الروح الفنية الجمالية المبدعة بنظام جمالي إشاري حدسي عبر عن نفسه بارتسامات هندسية ثم شبه هندسية عفوية في المستوى المادي و ارتسامات إشارية عميقة في المستوى الروحي...إن تمازج الإشارة بالهندسة مع الحدس ولد فنوناً جديدة باستمرار أعطت نتائج مهمة على أرض الواقع .و اليوم لا تستطيع هذه الفنون أن تصل من حيث مضمونها الإخصابي إلا إذا تم إدراك الدافع النوراني لوجودها التجادلي نور/خصب و تصبح معه هذه الإشارات الجمالية النورانية جزءاً من الاستيعاب الجمالي العام مخرطة في الفعل الجمالي الخلاق الذي يجب أن لا يفهم على أنه نوع من النمذجة المجسدة التي استمرت متكررة لآلاف السنين بل هي نوع من إشارة تصويرية أيقونة تختلف موضوعاتها و رموزها باستمرار من جيل إلى جيل و من طور حضاري إلى آخر لكن الذي يستمر فيها و يمكن أن يتنمذج هو الفعل و العقل الذي أنجبها عبر العلاقة النورانية الشفافة مع الواقع.
هنا يكمن السر الكبير الذي يقف وراء تواصل الفن العربي عبر آلاف السنين دون أن يفقد هويته و هذا ما نحن بحاجة إليه اليوم ,الهوية في الخطاب الجمالي المعاصر .
لقد استطاع الفنان العربي في ظل الفكر الديني الإسلامي آخر منتجات الحضارة العربية أن يتواصل بشكل فعال و خلاق مع الإرث الحضاري العظيم الحضاري العظيم السابق عليه من خلال إيقونولوجيا مبسطة الدائر_شجرة الحياة _ النور أن يبني كل طموحاته بالتعبير عن جوهر الوحدة التوحيد ال1ي يدعو له الإسلام على المستويين الكوني و الروحي إسباغه مقياس للجمال المجرد المتصل بالجوهر المتره عن تجلياته المادية لذلك كان هذا الفن تتريهي بطبيعته و متسام عن الواقع و مستفحل في الجوهر المطلق الله.
وقد اتخذ الفنان لتحقيق هذه المعادلة السهلة المنيعة عدد من الإجراءات التي تعطي السطح المعالج شكل الحالة الصوفية أكثر من الموضوع الخطي بعينه . فمن الدوران حول الكعبة ,استعار مركزة الرقش النباتي و هندسة الدائرة التي بدونها لا يمكن الحديث عن الخيط العربي , ومنه بالتوافق مع الرمز الأصلي اخترع الفنان التكوين اللولبي أو لنقل الدائري في فن التصوير , عندما خفت حدة التحريم كأمر طبيعي بعد نجاح الرسالة المحمية .
و علاوة على هندسة القديم بإغلاق الأبنية إلى الداخل و انفتاحها إلى المطلق الله نحى إلى مركزة البناء بالبحرة \الحياة كينبوع خصب يتدفق بماء الحياة كأنه ثدي الأم الكبرى كما أنه مركزها بالقبة التي لها نفس المفهوم و لعل دوران راقصي الملوية من فحوى ذلك.
و لما هدف إلى تحويل الأجسام المشخصة إلى اللامادية كان من الضروري اللجوء إلى التسطيح و إغفال المنظور و إحلال البعد الحدسي كآلية أساسية لبناء العمل الفني -13-و نلحظ ذلك في الطبيعة بخطوط الزراعة المتوازية و بيت المنبسط -14- و الصحراء اللانهائية ثم الخط العربي الذي سيشكله من بعدين و فراغ يصبح من خلالها نشيداً إيقاعياً متفرداً شبيهاً بكوكبة فرسان في عباب الصحراء -15-و بما أن الله لا نهائي في حضوره كما أنه لا نهائي في حضوره كما أنه لا نهائي البحث في الوصول إليه كان لا بد من الالتحام المطلق للعناصر المشكلة للعمل الفني مع بعضها متوحدةً ضمن إطار حركة أزلية يكون فيها التكرار وسيلة عبر التوالي المستمر في الصلاة من أجل طرد الشيطان حيث تتجاذب الخطوط و تتنافر أشبه بمصلين يقفون ثم يعودون للسجود في انطلاقة من الجوهر و العودة إليه.
وهكذا يفتح الفن العربي في صيغته الإسلامية المتطورة المستندة على إرث عربي أقدم بيزنطي ,آرامي , أكادي , آفاق لا حدود لها , لأنه فن لا نهائي و يدرك بالحدس و كلاهما أمران غير ملموسين يضعان أمام المشاهد آفاق من التطورات و الطرائق لا ستكننا هما وبالتالي يقدمان على الدوام إمكانات هائلة من أجل تلبية حاجاتنا الجمالية حتى اليوم .
لذا فكل حديث عن الجمالية الإسلامية و موقفها من الإبداع الفني و الأدبي و موقف هذا الأخير من المقدس و الديني يتطلب ليس اعتبار الإسلام , ثقافة و تراثاً يشمل المقدس فقط و لكن يحول إلى عناصر إبداعية دنيوية و تعبيرية عالية و راقية .
-16- هذا التراكم الهائل ن الصياغات الجمالية العربية , التي تراوحت ما بين التجريد البسيط في عصر الأم الكبرى و المحاكاة في عصر الطبقات , و التجريد العميق التترهي في عصر انتصار المستضعفين . يضع بين أيدين اليوم مهمات عاجلة من أجل استشراف خطاب و ذائقة جماليتين معاصرتين . بالأمس كان هذا الخطاب يعتمد على الدين كايقونوغرافيا و ايقونولجيا , و اليوم بعد أن خفت قسرية الدين و سطوته متحولاً إلى الإيمان الذاتي , و ابتعاده بحضور العلم و القانون عن الدولة بخطوات كبيرة أضحى هذا التراث كقيمة جمالية تاريخه ,
يتبع
راغب حواضري غير متواجد حالياً