عرض مشاركة واحدة
09-16-2010, 07:22 PM   #4
راغب حواضري
شريك مميز
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Feb 2010
الدولة: سوريا - حماة
المشاركات: 820

من أجل تبرير السلب (بشواهد الحضارة العربية) ابتكر الغرب لنا شخصية عجيبة هي شخصية الشعوب الشرقية الروحانية التي تنأى عن عالم (المادة )بفطرتها .-9-و هو بذلك يتناسب إن جهود العلماء العقليين العرب ظهرت في مرحلة كانت نصف أوربا ما تزال تأكل لحوم موتاها . ليتحول بذلك أطناب بارينو إلى تهديد مبطن فحواه :إن قدر لأي فن في العالم أن يرى النور في صالات أوربا أو فنادقها لن يكون إلا فناً أوربيأً من خلال مفاهيم لوحة الحامل تحديداً و علاوة على ذلك فإن نزعة استعمارية مغلفة بألوان جذابة تنضح من تصريح بارينو ترمي إلى طمس المعالم التي تميز وجودنا الحضاري و تذويبها في ما هو غربي لأنه يسعى بأعماقه إلى ممارسة سيطرة منطقية على سائر التظاهرات الثقافية في مجتمعنا من أجل دمج كل الفن العربي و حروفيينا اليوم في معطياته الثقافية تحت شعار سري يقضي :بأن بلداً متخلفاً لا يمكنه أن ينتج إلى معطيات متخلفة لا تجد رفعتها إلا إذا توحدت وذات بصلح مهين مع المعطيات الثقافية الغربية من هنا نقدر لماذا هذا الاحتفاء وهذا الاحتضان الأمومي الذي يلاقيه حروفيونا وتراثيونا في الغرب عما ونفهم أيضاً لماذا اشترى أندره مالرو لوحات (الورديغي ) الشعبية المغربية يعرضها في متاحف باريس و لماذا ساعد تاجر الفن (بول باولز) (أحمد الإدريسي و اليعقوبي ) على تنظيم معرض لهما في نيويورك -10- كما احتضن الصهاينة (عبد الله الكرا ) وقدموه في معرض عام \1965\ في نيويورك باسم (عوفادية الكرا) -11- عدا عن بهورات كولير و بارينو ...وغيرهم كثير اليوم إن عمليات المثاقفة التاريخية هي أمر لا بد حاصل و ثقافات العالم أجمع ثبت أن لا ثقافة جاءت من انعزال أو تقوقع لكن ما يجري اليوم هو عملية تذويب و ليس مثاقفة خصوصاً أن الأمر لا يتمظهر إلا عبر تقديم تنازلات عن أشياء تعتبر العمود الفقري لثقافتنا و الحرف العربي لا يمثل أقل من ذلك .إن هذا التحول في موقف النقاد الغربيين لا يكفي للمثاقفة و لا يكفي لكي يستقيم الحوار بيننا و بينهم و في عصر العولمة القادم غير مسموح لهذا الحوار بالوجود على الإطلاق لعدم وجود أطراف للحوار أصلاً. و لأن الاستقلالية الفنية (التي عبرت عن نفسها اليوم بالحروفية و التراثية العربية ) لن تنجح من دون الاستقلالية المالية فنحن لا نزال في عالم تهيمن عليه المؤسسات المرتبطة بالأفكار و التوجيهات السياسية و الاجتماعية و الحضارية ...-12-
3-هنا أمام هذا الخلل الذي تحدثنا عنه في علاقتنا مع الغرب و علاقته معنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه في النقطة التي انتهى إليها الفن الإفريقي أي في البورصات و المزادات العلنية التي تقرع أجرستها بعنف مشيرة إلى أن الخط العبي بما يمثل قد بيع.
دون أن نقصد التجريح بأي واحد من الفنانين الحروفيين الذين هم نحترم فعلاً المبدعين منهم فإنا نقر بصراحة أن هذا النوع غير المتزن من الحوار و المثاقفة مع الغرب لم يمنحنا إلا احتواءاً عولمياً هو في النهاية في خدمة آلة رأس المال التي لا تعرف بالحوار و لا تعرف بوجود الطرف الآخر إلا كموضوع للنهب. فهي العولمة التي شيأت كل الأفكار و العواطف و الثقافات التي ستترجمها فيما بعد إلى دورات هذا الشيء الجديد عليهم يطلبون و يزمرون له تحت اعتبارات نَسْفه فيما بعد و تحوله إلى آثار فعلية تكون محط أنظار رأس المال ليتداولوا بيعه و شرائه و من ثم انتقاله إلى القصور الفخمة و المتاحف الخاصة و ليحفظ بوصفه قيمة نقدية عالمية تمثل أثرا استطاعوا تحطيم كسائه الثقافي.
من المثال السابق نلحظ كيف أن مصطلحات مثل الغرب و المثاقفة قد تكررت و هي قادمة من نهاية عصر مضى قلنا عنه أنه عصر الحداثة الأوربية (الغربية).لكننا اليوم مع العولمة عصر ما بعد الحداثة يصعب أن نحدد مصدر تضاداتنا و انسجاماتنا لأننا على موعد مع عدو أو صديق ليس له اسم يتعلق بالجغرافيا و لا بالتاريخ و لا بالمدارس الفنية أنه رأس المال العابر للقارات الذي لا وطن له .مع هذا الرأس مال الذي لا يمكن التوقع بخطواته العالمية و أهدافه الربحية كما لا يمكن التوقع بأن للفن سيكون معنى يذكر أم لا .فهو غير معني بالفن كما رأينا مع الإفريقية ة الحروفية إلا بوصفه رأس مال.و عندما تصبح أي ظاهرة فنية ذات مغزى مالي ستكون حتماً من أوليات اهتماماته و هو لن يسعى لها بعكس ما فعله الغرب الأوربي أيام المركزية الأوربية ذي التراث و الحضارة المعروفين الذي سعى إلى هضم كل تراثات العالم و جعلها من معطياته الثقافية و الفنية و حيث العولمة لا وطن و لا تراث و لا ثقافة أصلية يصبح الفن معوماً على شاشات التلفاز و الكمبيوتر و لم يعد هناك من مكان لصياغات فنية عالمية إلا بقدر ما تحترم لعبة الدعاية و الإبهار للرجل الصغير.
إن ما ينتظرنا من فن مع العولمة لن يرقى إلى إبداعات الفن المركزي الأوربي في عصر الحداثة و الأنوار ,و كما يرى بعض النقاد و هم أحياناً على حق بأن الفن منذ ذروات عصر النهضة هو في تراجع مستمر و سينكفئ فيما بعد إلى الموات . فالعولمة وعن طريق مخاطبة كل البشر بلغة و أسلوب و حيدين ونظراً لصعوبة هذه المسألة سيبذل فيها مجهودات كبيرة من أجل إنجادها كما ستصرف المزيد من الأموال على أبحاثها . و مرة أخرى لن يكون العرب حاضرين أو الإسلام الحضاري موجوداً في هذه الصياغة إلا كمستهلكين . لأنها ستنتج عن جمل إشعاريه واسعة المدلول بسيطة الصياغة و كأننا نعود آلا ف السنين إلى الخلف حيث لم يكن هناك إلا الماموث و العصا و الإنسان قاتل أو قتيل . و حتى لا شكل قطيعة مع أنفسنا و نصبح نحن غير نحن لا بد لنا من التأكيد على ميراثينا العظيم و نتاجات مثاقفتنا الحقيقية مع الآخرين.

يتبع
راغب حواضري غير متواجد حالياً