عرض مشاركة واحدة
08-02-2010, 05:19 PM   #10
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245


شجاعة ..
ليست الشجاعة أن تصر على خطئك .. وإنما أن تعترف به .. ولا تكرره مرة أخرى ..

1. مفاتيح الأخطاء!
التعامل مع الأخطاء فن .. فلكل باب مفتاح .. وللقلوب دروب ..
إذا وقع أحد في خطأ كبير .. وانتشر خبره في الناس .. وبدأ الناس يترقبون ماذا تفعل فأشغلهم بشيء .. حتى يكون عندك وقت لدراسة الأمر .. حتى لا يتجرّأ أحد على مثل فعله .. أو يتعودوا على مثل هذا الخطأ ..
خرج مع أصحابه في غزوة بني المصطلق ..
وأثناء رجوعهم .. نزلوا يستريحون ..
فأرسل المهاجرون غلاماً لهم اسمه : جهجاه بن مسعود .. ليستقي لهم من البئر ماءً ..
وأرسل الأنصار غلاماً لهم اسمه : سنان بن وبر الجهني .. ليستقي لهم أيضاً ..
فازدحم الغلامان على الماء .. فكسع أحدهما صاحبه .. أي ضربه على مؤخرته ..
فصرخ الجهني : يااااا معشر الأنصار ..
وصرخ جهجاه : يااااا معشر المهاجرين ..
فثار الأنصار .. وثار المهاجرون ..
واشتد الخلاف .. والقوم قادمون من حرب .. ولا يزالون بسلاحهم !!
فانطلق .. حتى اطفأ ما بينهم ..
فتحركت الأفاعي ..
غضب عبد الله بن أبي بن سلول .. وعنده رهط من قومه الأنصار ..
فقال : أوقد فعلوها!! قد نافرونا .. وكاثرونا في بلادنا .. والله ما أعدُّنا وجلابيب قريش هذه .. إلا كما قال الأول : سَـمِّن كلبك يأكلك .. وجوِّع كلبك يتبعك !!
ثم قال الخبيث : أما والله لئن رجعنا الى المدينة .. ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ ..
ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم .. أحللتموهم بلادكم .. وقاسمتموهم أموالكم .. أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم .. لتحولوا إلى غير داركم ..
وجعل الخبيث يهدد ويتوعد .. والذين عنده من أنصاره المنافقين .. يؤيدونه ويشجعونه ..
كان من بين الجالسين غلام صغير .. اسمه زيد ابن أرقم ..
فمضى إلى رسول الله فأخبره الخبر ..
وكان عمر بن الخطاب جالساً عند النبي ..
فثار .. كيف يجرؤ هذا المنافق على رسول الله بهذا الأسلوب القبيح .. ورأى عمر أن قتل الأفعى أولى من قطع ذيلها .. ورأى أن قتل ابن سلول .. يقضي على الفتنة في مهدها ..
ولكن أن يقتله رجل من قومه الأنصار .. أسلم من أن يقتله رجل من المهاجرين ..
ففقال عمر : يا رسول الله ..
من مر به عباد ابن بشر الأنصاري فليقتله ..
لكن رسول الله كان أحكم .. فهم قادمون من حرب .. والناس بسلاحهم .. والنفوس مشحونة .. وليس من المناسب إثارتهم أكثر ..
فقال : فكيف يا عمر اذا تحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ؟!
لا يا عمر .. ولكن آذن الناس بالرحيل ..
وكان الناس قد نزلوا للتوّ واستظلوا .. فكيف يأمرهم بالرحيل .. في شدة الحر والشمس ..
ولم تكن عادته أن يرتحل في شدة الحر ..
ارتحل الناس ..
وبلغ عبد الله بن سلول أن رسول الله .. أخبره زيد بن أرقم بما سمع منه ..
فأقبل ابن سلول إلى رسول الله .. وجعل يحلف بالله .. ما قلت .. ولا تكلمت به .. كذب عليَّ الغلام ..
وكان ابن سلول رئيساً في قومه .. شريفا عظيما ..
فقال الأنصار : يا رسول الله .. عسى أن يكون الغلام أوْهمَ في حديثه .. ولم يحفظ ما قال الرجل ..
وجعلوا يدافعون عن ابن سلول ..
فأقبل سيد من سادة الأنصار .. أسيد بن حضير .. فحياه بتحية النبوة وسلم عليه .. وقال :
يا رسول الله .. والله لقد رحت في ساعة منكرة .. ما كنت تروح في مثلها !!
فالتفت إليه وقال : أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟
قال : أي صاحب يا رسول الله ؟
قال : عبد الله بن أبي ..
قال : وما قال ؟
قال : زعم أنه ان رجع الى المدينة أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ ..
فثار أسيد وقال : فأنت والله يا رسول الله تخرجه إن شئت .. هو والله الذليل .. وأنت العزيز ..
ثم قال أسيد مخففاً على رسول الله :
يا رسول الله .. ارفق .. لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه .. فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكاً ..
فسكت النبي .. ومضى براحلته .. والناس منهم من يجمع متاعه .. ومنهم من يرحل راحلته ..
وجعلت الحادثة تنتشر .. وصارت أحاديث الجيش : .. لماذا ارتحلنا في هذا الوقت .. ماذا قال ؟ كيف تعامل معه ؟ صدق ابن سلول .. لا بل كذب ..
وبدأت الشائعات تزيد .. والكلام يزاد فيه ويُنقَص .. واضطرب الجيش .. وهم في طريقهم من قتال .. ويمرون بقبائل أعداء يتربصون بهم ..
فشعر أن الجيش بدأ ينقسم .. فأراد أن يشغلهم عن المشكلة .. وعن النقاش فيها .. لأنهم يزيدون أوارها .. ويشعلون الفتنة بين المهاجرين والأنصار ..
وصار الناس يترقبون متى ينزلون حتى يجتمع بعضهم إلى بعض ويتحدثوا في الأمر ..
فمشى بالناس يومهم ذلك والشمس فوقهم .. ومشى ومشى حتى غابت الشمس .. فظن الناس أنهم سينزلون للصلاة ويرتاحون .. فلم ينزل إلا دقائق معدودات .. صلوا ثم أمرهم فارتحلوا .. وواصل المشي ليلتهم حتى أصبح ..
ثم نزل فصلى الفجر .. ثم أمرهم فارتحلوا ..
ومشوا صباحهم حتى تعبوا .. وآذتهم الشمس ..
فلما شعر أن الإرهاق والتعب سيطر عليهم .. فليس فيهم جهد للكلام ..
أمرهم فنزلوا .. فما كادت أجسادهم تمس الأرض .. حتى وقعوا نياما ..
وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عما حدث ..
ثم أيقظهم .. وارتحل بهم .. وواصل حتى دخل المدينة .. وتفرق الناس في بيوتهم عند أهليهم ..
وأنزل الله تعالى سورة المنافقين :
( هُمُالَّذِينَيَقُولُونَ لَاتُنفِقُواعَلَىمَنْعِندَرَسُولِاللَّهِحَتَّىيَنف َضُّواوَلِلَّهِ خَزَائِنُالسَّمَاوَاتِوَالْأَرْضِوَلَكِنَّالْمُنَا فِقِينَلَايَفْقَهُونَ * يَقُولُونَلَئِنرَّجَعْنَاإِلَىالْمَدِينَةِلَيُخْرِ جَنَّالْأَعَزُّ مِنْهَاالْأَذَلَّوَلِلَّهِالْعِزَّةُوَلِرَسُولِهِو َلِلْمُؤْمِنِينَوَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَلَايَعْلَمُونَ ) ..
فقرأها رسول الله .. ثم أخذ بأذن الغلام زيد بن أرقم .. وقال : هذا الذي أوفى لله بأذنه ..
وبدأ الناس يسبون ابن سلول .. ويلومونه ..
فالتفت إلى عمر وقال : أرأيت يا عمر .. لو قتلته يوم ذكرت ذلك .. لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ..
ثم سكت عنه .. فلم يتعرض له بشيء ..
وأحياناً إذا وقع الخطأ أمام الناس قد تحتاج أن تنكر عليه بأسلوب مناسب .. وإن كان أمام الناس ..
بينما رسول الله جالساً يوماً مع أصحابه .. وكانوا في أيام قحط .. واحتباس مطر .. وقلة زرع ..
إذ أتاه أعرابي فقال :
يا رسول الله جهدت الأنفس .. وضاعت العيال .. ونهكت الأموال .. وهلكت الأنعام ..
فاستسق الله لنا .. فإنا نستشفع بك على الله .. ونستشفع بالله عليك ..
فتغير رسول الله .. لما سمعه يقول نستشفع بالله عليك ..
فالشفاعة والواسطة تكون من الأدنى إلى الأعلى .. فلا يجوز أن يقال إن الله يشفع عند خلقه .. بل يأمرهم جل جلاله .. لأنه أعلى وأرفع ..
فقال : ويحك !! أتدري ما تقول ؟!!
ثم جعل يقدس الله .. ويردد .. سبحااان الله .. سبحااان الله ..
فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه ..
ثم قال :
ويحك !! إنه لا يُسْتَشفعُ بالله على أحد من خلقه .. شأنُ الله أعظم من ذلك ..
ويحك !! أتدري ما الله ؟! إن عرشه على سماواته لهكذا .. وقال بأصابعه مثل القبة عليه .. وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب .. ([1]) ..
ولكن إذا وقع الخطأ من الشخص لوحده قد يكون هناك شيء من اللين ..
أتى رسول الله إلى بيت عائشة t في ليلتها ..
فوضع نعليه من رجليه .. ووضع رداءه .. واضطجع على فراشه ..
فلبث كذلك .. حتى ظن أن عائشة قد رقدت ..
فقام من على فراشه .. ولبس رداءه ونعليه .. رويداً ..
ثم فتح الباب رويداً .. وخرج .. وأغلقه رويداً ..
فلما رأت عائشة ذلك .. دخلتها غَيْرةُ النساء .. وخشيت أنه ذهب إلى بعض نسائه ..
فقامت .. ولبست درعها .. وخمارها .. وانطلقت في إثره .. تمشي وراءه .. دون أن يشعر بها ..
فانطلق .. يمشي في ظلمة الليل .. حتى جاء مقبرة البقيع ..
فوقف عندها .. ينظر إلى قبور أصحابه .. الذين عاشوا عابدين .. وماتوا مجاهدين .. واجتمعوا تحت الثرى .. ليرضى عنهم من يعلم السرَّ وأخفى ..
أخذ ينظر إلى قبورهم .. ويتذكر أحوالهم ..
ثم رفع يديه فدعا لهم .. ثم أخذ ينظر إلى القبور .. ثم رفع يديه ثانية فدعا لهم ..
ثم لبث ملياً .. ثم رفعها فاستغفر لهم ..
وأطال القيام .. وعائشة تنظر إليه من بعيد ..
ثم التفت وراءه راجعاً ..
فلما رأت ذلك عائشة .. انحرفت إلى ورائها راجعة .. خشية أن يشعر بها ..
فأسرع مشيه .. فأسرعت عائشة ..
فهرول .. فهرولتْ .. فأحضرَ – أي جرى مسرعاً - فأحضرتْ وجرت ..
حتى سبقته إلى البيت فدخلت ..
ونزعت درعها وخمارها .. وأقبلت إلى فراشها فاضطجعت عليه .. كهيئة النائمة .. ونفَسها يتردد في صدرها ..
فدخل البيت .. فسمع صوت نَفَسها .. فقال :
مالك يا عائش .. حشياً رابية ..
قالت : لا شيء ..
قال : لتخبرني .. أو ليخبرني اللطيف الخبير ..
فأخبرته بالخبر .. وأنها غارت عليه .. فانطلقت تنظر أين يذهب ..
فقال : أنت الذي رأيتُ أمامي ؟
قالت : نعم ..
فدفعها في صدرها .. دفعة .. ثم قال :
أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله ..
فقالت عائشة : مهما يكتمِ الناسُ .. يعلمه الله عز وجل ..؟
قال : نعم .. ثم قال مبيناً لها خبر خروجه :
إن جبريل عليه السلام .. أتاني حين رأيت .. ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك ..
فناداني .. فأخفى منك فأجبته وأخفيته منك .. وظننت أنك قد رقدت .. فكرهت أن أوقظك .. وخشيت أن تستوحشي .. فأمرني أن آتي أهل البقيع فأستغفرَ لهم .. ([2]) ..
نعم .. كان .. سهلاً لـيِّناً لا يكبر الأخطاء ..
بل كان يرددها في الناس ويقول :
كما عند مسلم : لا يفرك مؤمن مؤمنة .. إن كره منها خلقاً .. رضي منها آخر ..
أي لا يبغضها بغضاً تاماً .. لأجل خلق عندها .. أو طبعٍ يلازمها ..
بل يغفر سيئتها لحسنتها .. فإذا رأى خطأها تذكر صوابها .. وإذا شاهد سوءها تذكر حسنها ..
ويتغاضى عما يكرهه من خلقها .. وما لا يرضاه من تعاملها ..
إضاءة ..
ليس اللوم على من لا يقبل النصيحة .. وإنما على من يقدمها بأسلوب غير مناسب ..

2. فَـكِّك الحزمة ..!!
إذا كان الخطأ واقعاً من مجموعة .. فالأصل أن تنصحهم وهم مجتمعون ..
ولكن قد تحتاج أحياناً أن تفكك الحزمة .. أعني ..أن تكلم كل واحد علىا حدة .. وتنصحه .
مثال : مررت بمجلس منزلكم .. وسمعت أخاك يتحدث مع أصدقائه – وكانوا ضيوفاً عنده – ويخططون أن يسافروا إلى بلد كذا .. وهذا البلد لا يسلم من يذهب إليه غالباً من التعرض للمحرمات الكبار .. كالزنا وشرب الخمر ..
أردت أن تنصح ..
من الأساليب أن تدخل عليهم وتنصحهم بكلمتين .. وتخرج .. لكن نتيجة ذلك قد لا تكون ناجحة كثيراً ..
فما رأيك أن تفكك الحزمة .. وتكسر كل عود على حدة ..
كيف ؟!
إذا تفرقوا اجلس مع من تظنه أعقلهم .. وقل : يا فلان .. بلغني أنكم ستسافرون .. وأنت أعقلهم .. وتعلم أن هذا البلد لا يسلم المسافر إليه من البلايا والفتن .. وقد يعود مريضاً أو مبتلى .. فما رأيك أن تكسب أجرهم .. وتقترح عليهم أن يسافروا إلى بلد آخر .. تستمتعون فيه بالأنهار والبحار .. واللعب والأنس .. من غير معصية ..
لا شك أنه إذا سمع منك هذا الكلام بالأسلوب الحسن .. سيقل حماسه إلى النصف ..
اذهب إلى آخر .. وقل له مثل ذلك ..
ثم قل للثالث مثله ..
دون أن يشعر كل منهم بحديثك لصاحبه ..
فتجد أنهم إذا اجتمعوا .. وتشجَّع أحدهم واقترح تغيير البلد .. وجد من يعاونه ..
أو لو اكتشفت يوماً أن أولادك يجتمعون في غرفة أحدهم .. وينظرون إلى شريط فيديو خليع .. أو مقاطع ( بلوتوث ) فيها صور خليعة .. أو نحو ذلك ..
فقد يكون من المناسب أن تنصح كلاً منهم على حدة .. لكيلا تأخذهم العزة بالإثم ..
هل لهذا شاهد من السيرة ؟ نعم ..
لما اشتد الخلاف بين رسول الله وبين قريش ..
اجتمعت قريش وقاطعت النبي وجميع أقاربه من بني هاشم .. وكتبت صحيفة أن بني هاشم لا يُشترى منهم .. ولا يُباع عليهم .. ولا يُزوَّجون .. ولا يُتزوَّج منهم ..
وحُبس النبي مع أصحابه في وادٍ غير ذي زرع ..
واشتدت الكربة على الصحابة حتى أكلوا الشجر ..
بل مضى أحدهم يوماً ليبول .. فسمع صوتاً تحته .. فنظر فإذا قطعة من جلد بعير .. فأخذها .. وغسلها وشواها بالنار .. ثم فتّـتَـتها .. وخلطها بالماء .. وجعل يتموَّن بها ثلاثة أيام !!
فقال يوماً لعمه أبي طالب – وكان محبوساً معهم في الشعب - :
يا عم إن الله قد سلط الأَرَضة على صحيفة قريش .. فلم تدع فيها اسماً هو لله إلا أثبتته فيها .. ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان ..
أي إن دابة الأرضة أكلت صحيفة قريشس فلم يبق منها إلا عبارة : باسمك اللهم !!
فعجب أبو طالب وقال : أربك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم ..
قال : فوالله ما يدخل عليك أحد .. حتى أخبر قريشاً بذلك ..
ثم خرج إلى قريش فقال :
يا معشر قريش .. إن ابن أخي قد أخبرني بكذا وكذا ..
فهلمَّ صحيفتكم ..
فإن كانت كما قال فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عنها ..
وإن كان كاذباً .. دفعت إليكم ابن أخي فافعلوا به ما شئتم ..
فقال القوم : قد رضينا .. فتعاقدوا على ذلك ..
ثم نظروا فإذا هي كما قال رسول الله .. فزادهم ذلك شراً ..
وظل بنو هاشم وبنو المطلب في واديهم .. حتى كادوا أن يهلكوا ..
وكان من كفار قريش رجال رحماء ..
منهم : هشام بن عمرو .. وكان ذا شرف في قومه ..
فكان يأتي بالبعير قد حمله طعاماً .. وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلاً ..
حتى إذا بلغ به فم الشعب .. خلع خطامه من رأسه ثم ضرب على جنبه فدخل الشعب عليهم ..
ومضت اليام ورأى هشام .. أنه لا طاقة له بإطعامهم كل ليلة .. وهم كثير ..
فقرر أن يسعى لنقض الصحيفة الظالمة .. ولكن أنى له ذلك وقريش قد أجمعت عليها ..
فاتبع أسلوب تفكيك الحزمة ..
مشى إلى زهير بن أبي أمية .. وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ..
فقال : يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء .. وأخوالك حيث علمت ؟ لا يباع لهم ولا يبتاع منهم .. ولا يُنَكَّحون ولا يُنكحُ إليهم ؟!
أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام .. - يعني أبا جهل .. وكان أشدهم عداوة للمؤمنين وتعصباً للمقاطعة .. – ما تركهم على هذا لاحال ..
قال : ويحك يا هشام .. فماذا أصنع ؟
إنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها ..
قال : قد وجدت رجلاً ..
قال : من هو ؟
قال : أنا ..
قال زهير : أبغنا ثالثاً ..
قال هشام : فاكتم عني ..
فذهب إلى المطعم بن عدي .. وكان رجلاً عاقلاً .. فقال له : يا مطعم .. أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف .. وأنت شاهد على ذلك .. موافق لقريش فيه ؟!
قال : ويحك فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ..
قال : وجدت لك ثانياً ..
قال : من ؟ قال : أنا ..
قال : أبغنا ثالثاً .
قال : قد فعلت .. قال : من هو ؟
قال : زهير بن أبي أمية ..
قال : أبغنا رابعاً ..
قال : فاكتم عني ..
فذهب إلى أبي البختري بن هشام .. فقال له ما قال لصاحبيه ..
فتحمس لذلك .. وقال : وهل تجد أحدا يعين على هذا ؟
قال : نعم ..
قال : من هو ؟
قال : زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك ..
قال : أبغنا خامساً ..
فذهب هشام إلى زمعة بن الأسود .. فكلمه وذكر له قرابتهم وحقهم ..
فقال له : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟
قال : نعم .. فلان وفلان ..
فاتفقوا جميعاً على هذا الرأي .. وتوعدوا عند "حطم الحجون " ليلاً بأعلى مكة .. فاجتمعوا هنالك ..
وأجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها ..
وقال زهير : أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم .. ثم تقموا أنتم فتتكلمون ..
فلما أصبحوا غدوا إلى مجالسهم حول الكعبة .. حيث يجتمع الناس ويتبايعون ..
وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة ..
فطاف بالبيت سبعاً .. ثم أقبل على الناس وصرخ :
ياااا أهل مكة أنأكل الطعام ..؟ ونلبس الثياب ..؟ وبنو هاشم هلكي !! لا يباع لهم ولا يبتاع منهم .. والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ..
فصرخ أبو جهل ..وكان في مجلس مع أصحابه .. قال : كذبت .. والله لا تشق ..
فقام زمعة بن الأسود وصرخ : بل أنت والله أكذب .. ما رضينا كتابتها حين كتبت ..
فالتفت إليه أبو جهل ليرد عليه .. ففاجأه البخترى قائماً يقول : صدق زمعة .. لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به ..
فالتفت أبو جهل إلى البخنري ..
فإذا بالمطعم بن عدى يصرخ : صدقتما وكذب من قال غير ذلك .. نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها ..
وقام هشام بن عمرو وقال مثل قولهم ..
فتحير أبو جهل .. وسكت هنية ثم قال : هذا أمر قُضِي بليل .. تشوور فيه بغير هذا المكان ..
ثم انطلق المطعم بن عدي إلى الكعبة .. وتوجه إلى الصحفية ليشقها .. فوجد دابة الأرضة قد أكلتها .. إلا باسمك اللهم ..

كن ذكياً ..
الطبيب الحاذق يتلمس أولاً بأصابعه .. فيختار الموضع المناسب قبل غرز الإبرة ..

3. جلد الذات !!
من الذكريات ..
أنا خرجنا مرة للبر .. وكان معنا أبو خالد .. صديق لنا نظره ضعيف جداً ..
كنا نخدمه .. نقرب إليه الماء .. التمر .. القهوة .. وهو يردد : لا بد أن أساعدكم .. أريد أن أشتغل معكم .. كلفوني بأي عمل ..
ونحن ننهاه عن ذلك ..
ذبحنا شاة معنا .. وقطعناها ووضعناها في القدر .. تمهيداً لطبخها .. ولم نشعل النار بعد ..
وانشغلنا بنصب الخيمة .. وترتيب الأغراض ..
تحركت الشهامة في أبي خالد – ويا ليتها لم تفعل - فقام وتوجه إلى القدر .. فرأى اللحم .. فأدرك أن أول شيء سنفعله هو أن نصب الماء على اللحم .. فتوجه إلى الأغراض في السيارة .. وجعل يتلمس الأغراض .. مولد كهرباء .. أسلاك .. مصابيح .. أربع مطارات بلاستيك فيها ماء .. وبنزين .. وأغراض أخرى ..
فالتقط أقرب مطارة إليه .. وأقبل بها مبتهجاً إلى القدر .. وأفرغ نصفها فيه ..
لمحه أحدنا .. فصرخ به .. لا .. لا .. أبو خالد ..
وهو يردد : خلوني أشتغل .. خلوني ..
فسحبنا المطارة منه فوراً .. وغرقنا في الضحك الذي يغالبه البكاء ..
لأننا اكتشفنا أنها مطارة البنزين .. وليست مطارة الماء ..!!
وتغدينا على خبز وشاي ..
لم تفسد الرحلة .. بل كانت من أمتع الرحلات ..
ولماذا نعذب أنفسنا بأمر قد انتهى ..
وأذكر أيضاً :
لما كنت في الثانوية خرجت مع بعض الزملاء في رحلة .. تعطلت بطارية إحدى السيارات ..
أقبلنا بسيارة أخرى وأوقفاناها أمامها لنوصل ببطاريتها البطارية المتعطلة ..
أقبل طارق ووقف بين السيارتين .. وشبك الأسلاك في بطارية السيارة الأولى .. ثم شبكها في البطارية المتعطلة .. ثم أشار لأحد الشباب .. شغل السيارة ..
ركب صاحبنا .. وكان ناقل الحركة ( القير ) على رقم واحد .. فما إن شغل السيارة حتى قفزت السيارة إلى الأمام وصكت ركبتي طارق بين صدامي السيارتين .. ووقع على الأرض مصاباً ..
وصاحبنا في السيارة يردد : أشغل مرة ثانية ؟!!
أبعدنا السيارتين .. وساعدنا طارق على المشي .. كان يعرج ويتألم من ركبتيه بشدة ..
لكنه أعجبني أنه لم يزد ألمه بصراخ أو سبّ .. أو توبيخ .. بل ابتسم وأظهر الرضى ..
وما فائدة الصراخ ؟ والأمر قد انتهى .. وصاحبنا أدرك خطأه ..
إذا أردت أن تستمتع بحياتك .. فاعمل بهذه القاعدة :
لا تهتم بصغائر الأمور ..
نحن أحياناً نعذب أنفسنا .. ونجلدها ..
ونضيق ونتألم .. والألم لا يحل المشكلة ..
افرض أنك دخلت إلى حفل عرس .. وقد لبست ثوباً حسناً .. ووضعت فوق رأسك غترة وعقالاً .. حتى صرت أجمل من العريس !!
وبدأت تصافح الناس واحداً واحداً .. وفجأة أقبل طفل من ورائك .. وتعلق بطرف غترتك .. وسحبها فسقطت الغترة والعقال .. والطاقية .. وصار شكلك مضحكاً ..
كيف تتصرف؟
كثير منا يتعامل مع هذه المشكلة بأسلوب هو ليس حلاً لها ..
يركض وراء الصغير .. يصرخ .. يسب .. يلعن ..
والنتيجة : أنه حقق ما كان يريده الطفل من جذب انتباه .. وضجة .. وأضحك الناس عليه ..
وربما صوره بعضهم وصار بلوتوثاً يتناقلونه ..!!
أنت هنا – حقيقة – لا تعذب الطفل إنما تعذب نفسك ..
أو افرض أنك ..
لبست ثوباً جديداً .. ربما لم تسدد قيمته بعد ..
وذهبت إلى شركة لتقدم على وظيفة ..
مررت بأحد الأبواب كان مدهوناً بالطلاء للتوّ .. وبجانبه لوحة تحذيرية لم تنتبه لها ..
وفجأة مسحت نصف الطلاء بثوبك .. وطفق عامل الطلاء يصرخ بك ساباً غضباباً ..
كيف تتعامل مع هذه المشكلة ؟
نحن في كثير من الأحيان أيضاً نتعامل معها بأسلوب ليس حلاً لها ..
نثور .. نسبُّ العامل .. لِمَ لم تضع لوحة واضحة .. فيرد عليك بغضب .. وقد تكون النتيجة أن تتلطخ بتراب الأرض أكثر مما تلطخت بطلاء الباب !!
على رسلك .. تدري أنت الآن ماذا تفعل ؟! إنك تعذب نفسك .. تجلد ذاتك ..
وقل مثل ذلك لو تزينت وذهبت خاطباً .. فمرت بك سيارة وأنت خارج من البيت .. ورشت عليك من ماء كان مجتمعاً على الأرض .. هل ستعذب نفسك فتصرخ وتزعق بالسيارة وركابها .. وهي قد ولَّتك ظهرها ..
وكذلك ..
لا داعي لنتذكر دائماً الآلام التي مستنا في حياتنا ..
محمد مرت به لحظات حزينة في حياته ..
حتى جلس يوماً مع زوجه الحنون عائشة t .. في لحظة ساكنة .. فسألته :
هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد ؟
مرَّت تلك المعركة في ذاكرة النبي ..
آآآه .. ما أقسى ذلك اليوم .. يوم قُتل عمه حمزة وهو من أحب الناس إليه ..
يوم وقف ينظر إلى عمه وقرة عينه .. وقد جُدع أنفه .. وقطعت أذناه .. وشُقَّ بطنه .. ومُزِّق جسده ..
يوم كسرت أسنانه .. وجُرح وجهه .. وسالت منه الدماء ..
يوم قتل أصحابه بين يديه ..
يوم عاد إلى المدينة .. وقد نقص سبعون من أصحابه .. فرأى النساء الأرامل والأطفال اليتامى .. يبحثون عن أحبابهم وآبائهم ..
فعلاً .. كان ذلك اليوم قاسياً ..
كانت عائشة تنتظر الجواب .. فقال :
ما لقيت من قومك كان أشد منه ..
يوم العقبة .. إذ عرضت نفسي ..
ثم ذكر لها قصة استنصاره بأهل الطائف .. وتكذيبهم له .. ورمي سفهائهم له بالحجارة حتى أدموا قدميه .. ([3]) ..
ومع وجود هذه الآلام في تاريخ حياته .. إلا أنه كان لا يسمح لها أن تنغص عليه استمتاعه بالحياة ..
لا تستحق الالتفات إليها .. وقد مضت آلامها وبقيت حسناتها ..
إذن لا تقتل نفسك بالهمّ ..
وكذلك لا تقتل الناس بالهم واللوم ..
نحن أحياناً نتعامل مع بعض المشاكل بأساليب هي في الحقيقة ليست حلاً لها ..
كان الأحنف بن قيس سيد بني تميم ..
لم يكن ساد قومه بقوة جسد .. ولا كثرة مال .. ولا ارتفاع نسب ..
وإنما سادهم بالحلم والعقل ..
حقد عليه قوم ..
فأقبلوا إلى سفيه من سفهائهم وقالوا له :
هذه ألف درهم على أن تذهب إلى سيد بني تميم .. الأحنف بن قيس .. فتلطمه على وجهه ..
مضى السفيه .. فإذا الأحنف جالس مع رجال .. محتبياً بكل رزانة .. قد ضم ركبتيه إلى صدره .. وجعل يحدث قومه ..
اقترب السفيه منه .. ودنا .. ودنا .. فلما وقف عنده .. مدَّ الأحنف إليه رأسه ظاناً أنه سيسرّ إليه بشيء ..
فإذا بالسفيه يرفع يده ويلطم الأحنف على وجهه لطمة كادت تمزق خده !!
نظر الأحنف إليه .. ولم يحلّ حبوته .. وقال بكل هدوووء :
لماذا لطمتني ؟!!
قال : قوم أعطوني ألف درهم على أن ألطم سيد بني تميم ..
فقال الأحنف .. آآآه .. ما صنعت شيئاً ..
لست سيد بني تميم ..!
قال : عجباً !! فأين سيد بني تميم ..
قال : هل ترى ذاك الرجل الجالس وحده .. وسيفه بجانبه ؟
وأشار إلى رجل اسمه حارثة بن قدامة .. امتلأ غضباً وغيظاً .. لو قُسِّم غضبه على أمةٍ لكفاهم ..
قال : نعم أراه .. الجالس هناك ..
قال : فاذهب والطمه لطمة .. فذاك سيد بني تميم ..
مضى الرجل إليه : واقترب من حارثة .. فإذا عينا حارثة تلتمع شرراً ..
وقف السفيه عليه .. ورفع يده ولطمه على وجهه .. فما كادت يده تفارق خده حتى التقط حارثة سيفه .. وقطع يده ..!!
وقديماً قيل : الفائز هو الذي يضحك في النهاية !!

قناعة ..
التعامل مع المشكلة بأساليب ليست حلاً لها .. يعذبك .. ولا يحل المشكلة !!

4. مشاكل ليس لها حل ..
كم ترى من الناس غاضباً وهو يقود سيارته ..
وربما ضرب بيديه على مقودها .. وردد .. أوووه دائماً زحمة .. زحمة ..
أو قد تراه يمشي في الطريق .. ولا يحتمل أن يكلمه أحد .. بل متضايق أشد الضيق .. ويردد : أوووف حررر شديييد ..!!
وربما كنت زميلاً له في مكتب واحد .. تبتلى برؤيته كل يوم .. ويشغلك كلما جلس .. " ياخي العمل كثييير .. أوووه إلى متى ما يزيدون رواتبنا " .. ويدخل عابساً .. ويخرج ساخطاً ..
وربما أكثر التشكي من آلام بدنه .. أو إعاقة ولده ..
لا بد أن نقتنع جميعاً أننا تواجهنا في حياتنا مشاكل ليس لها حل .. فلا بد أن نتعامل معها بأريحية ..
قال : السماء كئيبة وتجهما ***
قلت : ابتسم ، يكفي التجهم في السما!
قال : الصبا ولى ! فقلت له : ابتسم ***
لن يرجع الأسف الصبا المتصرما
قال : التي كانت سمائي في الهوى ***
صارت لنفسي في الغرام جهنما
خانت عهودي بعدما ملكتها ***
قلبي فكيف أطيق أن أتبسما
قلت : ابتسم واطرب فلو قارنتها ***
قضيت عمرك كله متألما
قال : العدى حولي علت صيحاتهم ***
أَأُسَرُّ والأعداء حولي في الحمى
قلت : ابتسم ، لم يطلبوك بذمهم ***
لو لم تكن منهم أجلَّ وأعظما!
قال : الليالي جرعتني علقماً ***
قلت : ابتسم ولئن جرعت العلقما
فلعل غيرك إن رآك مُرَنِّـماً ***
طرح الكآبة خلفه وترنما
أتراك تغنم بالترنم درهماً ***
أم أنت تخسر بالبشاشة مغنماً
فاضحك فإن الشهب تضحك والدجى ***
متلاطم ولذا نحب الأنجما ([4]) ..
نعم استمتع بحياتك ..
انتبه أن تكون ظروفك مؤثرة على سلوكك .. في عملك .. أولادك .. زملائك ..
فما ذنبهم أن يتعذبوا بأمور ليس هم طرفاً فيها .. ولا يملكون حلها ؟
لا تجعلهم إذا رأوك .. أو ذكروك . ذكروا معك الهم والحزن ..
لذا نهى عن النياحة على الميت .. والصراخ .. وشق الجيب .. وحلق الشعر .. و ..
لماذا ؟
لأن التعامل مع الموت يكون بتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. والدعاء له ..
أما الصراخ والعويل فلا ينفع شيئاً .. سوى أنه يقلب متعة الحياة إلى أحزان ..
مشى المعافى بن سليمان مع صاحب له .. فالتفت إليه صاحبه عابساً وقال : ما أشد البرد اليوم ؟
فقال المعافى : أستدفأت الآن ؟
قال : لا ..
قال : فماذا استفدت من الذم ؟ لو سبّحت لكان خيراً لك ..
عش حياتك ..
لا تنقب عن المشكلات .. ولا تدقق في صغائر الأمور .. وإنما استمتع بحياتك ..

5. لا تقتل نفسك بالهم ..
كان أحد طلابي في الجامعة ..
غاب أسبوعاً كاملاً .. ثم لقيته فسألته : سلامات .. سعد ..؟
قال : لا شيء .. كنت مشغولاً قليلاً ..
كان الحزن واضحاً عليه ..
قلت : ما الخبر ؟
قال : كان ولدي مريضاً .. عنده تليف في الكبد .. وأصابه قبل أيام تسمم في الدم .. وتفاجأت أمس أن التسمم تسلل إلى الدماغ ..
قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. اصبر .. وأسأل الله أن يشفيه ..
وإن قضى الله عليه بشيء .. فأسأل الله أن يجعله شافعاً لك يوم القيامة ..
قال : شافع ؟ يا شيخ .. الولد ليس صغيراً ..
قلت : كم عمره ؟
قال : سبع عشرة سنة ..
قلت : الله يشفيه .. ويبارك لك في إخوانه ..
فخفض رأسه وقال : يا شيخ .. ليس له إخوان .. لم أُرْزق بغير هذا الولد .. وقد أصابه ما ترى ..
قلت له : سعد .. بكل اختصار .. لا تقتل نفسك بالهم .. لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ..
ثم خففت عنه مصابه وذهبت ..
نعم لا تقتل نفسك بالهم .. فالهم لا يخفف المصيبة ..
أذكر أني قبل فترة .. ذهبت إلى المدينة النبوية ..
التقيت بخالد .. قال لي : ما رأيك أن نزور الدكتور : عبد الله ..
قلت : لماذا .. ما الخبر ؟
قال : نعزيه ..
قلت : نعزيه ؟!!
قال : نعم .. ذهب ولده الكبير بالعائلة كلها لحضور حفل عرس في مدينة مجاورة .. وبقي هو في المدينة لارتباطه بالجامعة ..
وفي أثناء عودتهم وقع لهم حادث مروع .. فماتوا جميعاً .. أحدى عشر نفساً !!
كان الدكتور رجلاً صالحاً قد جاوز الخمسين .. لكنه على كل حال .. بشر .. له مشاعر وأحاسيس ..
في صدره قلب .. وله عينان تبكيان .. ونفس تفرح وتحزن ..
تلقى الخبر المفزع .. صلى عليهم .. ثم وسدهم في التراب بيديه .. إحدى عشر نفساً ..
صار يطوف في بيته حيران .. يمر بألعاب متناثرة .. قد مضى عليها أيام لم تحرك .. لأن خلود وسارة اللتان كانتا تلعبان بها .. ماتتا ..
يأوي إلى فراشه .. لم يرتب .. لأن أم صالح .. ماتت ..
يمر بدراجة ياسر .. لم تتحرك .. لأن الذي كان يقودها .. مااات ..
يدخل غرف ابنته الكبرى .. يرى حقائب عرسها مصفوفة .. وملابسها مفروشة على سريرها .. ماتت .. وهي ترتب ألوانها وتنسقها ..
سبحان من صبّره .. وثبت قلبه ..
كان الضيوف يأتون .. معهم قهوتهم .. لأنه لا أحد عنده يخدم أو يُعين ..
العجيب أنك إذا رأيت الرجل في العزاء .. حسبت أنه أحد المعزين .. وأن المصاب غيره ..
كان يردد .. إنا لله وإنا إليه راجعون .. لله ما أخذ وله ما أعطى .. وكل شيء عنده بأجل مسمى ..
وهذا هو قمة العقل .. فلو لم يفعل ذلك .. لمات هماً ..
أعرف أحد الناس أراه دائماً سعيد .. وإذا تأملت حاله وجدت :
وظيفته متواضعة
بيته وضيق .. إيجار ..
سيارته قديمة ..
أولاده كثيرون ..
ومع ذلك كان دائم الابتسامة .. محبوباً .. يعيش حياته ..
صحيح .. لا يقتل نفسه بالهم ..
ولا تكثر التشكي..فيملّك الناس..
عنده ولد معوق .. ولدي مريض .. ضايق صدري .. يا أخي مسكين ولدي .. خلاص فهمنا ..
راتبي قليل ..
امرأة مع زوجها : بيتنا قديم .. سيارتنا متهالكة .. ثيابي ليست على الموضة ..
أفنيت يا مسكين عمرك بالتأوه والحزن
وظللت مكتوف اليدين تقول حاربني الزمن
إن لم تقم بالعبء أنت فمن يقوم به إذن

إضاءة
عش حياتك بما بين يدك من معطيات .. لتسعد

6. ارض بما قسم الله لك ..
كنت في رحلة إلى أحد البلدان لإلقاء عدد من المحاضرات ..
كان ذلك البلد مشهوراً بوجود مستشفى كبير للأمراض العقلية ..أو كما يسميه الناس "مستشفى المجانين" ..
ألقيت محاضرتين صباحاً .. وخرجت وقد بقي على أذان الظهر ساعة ..
كان معي عبد العزيز .. رجل من أبرز الدعاة ..
التفت إليه ونحن في السيارة .. قلت : عبد العزيز .. هناك مكان أود أن أذهب إليه ما دام في الوقت متسع ..
قال : أين ؟ صاحبك الشيخ عبد الله .. مسافر .. والدكتور أحمد اتصلت به ولم يجب .. أو تريد أن نمر المكتبة التراثية .. أو ..
قلت : كلا .. بل : مستشفى الأمراض العقلية ..
قال : المجانين !! قلت : المجانين ..
فضحك وقال مازحاً : لماذا .. تريد أن تتأكد من عقلك ..
قلت : لا .. ولكن نستفيد .. نعتبر .. نعرف نعمة الله علينا ..
سكت عبد العزيز يفكر في حالهم .. شعرت أنه حزين .. كان عبد العزيز عاطفياً أكثر من اللازم ..
أخذني بسيارته إلى هناك ..
أقبلنا على مبنى كالمغارة..الأشجار تحيط به من كل جانب..كانت الكآبة ظاهرة عليه..
قابلنا أحد الأطباء .. رحب بنا ثم أخذنا في جولة في المستشفى ..
أخذ الطبيب يحدثنا عن مآسيهم .. ثم قال :
وليس الخبر كالمعاينة ..
دلف بنا إلى أحد الممرات .. سمعت أصواتاً هنا وهناك ..
كانت غرف المرضى موزعة على جانبي الممر ..
مررنا بغرفة عن يميننا .. نظرت داخلها فإذا أكثر من عشرة أسرة فارغة .. إلا واحداً منها قد انبطح عليه رجل ينتفض بيديه ورجليه ..
التفتُّ إلى الطبيب وسألته : ما هذا !!
قال : هذا مجنون .. ويصاب بنوبات صرع .. تصيبه كل خمس أو ست ساعات ..
قلت : لا حول ولا قوة إلا بالله .. منذ متى وهو على هذا الحال ؟
قال :منذ أكثر من عشر سنوات ..كتمت عبرة في نفسي .. ومضيت ساكتاً ..
بعد خطوات مشيناها .. مررنا على غرفة أخرى .. بابها مغلق .. وفي الباب فتحة يطل من خلالها رجل من الغرفة .. ويشير لنا إشارات غير مفهومة ..
حاولت أن أسرق النظر داخل الغرفة .. فإذا جدرانها وأرضها باللون البني ..
سألت الطبيب : ما هذا ؟!! قال : مجنون ..
شعرت أنه يسخر من سؤالي .. فقلت : أدري أنه مجنون .. لو كان عاقلاً لما رأيناه هنا .. لكن ما قصته ؟
فقال : هذا الرجل إذا رأى جداراً .. ثار وأقبل يضربه بيده .. وتارة يضربه برجله .. وأحياناً برأسه ..
فيوماً تتكسر أصابعه .. ويوماً تكسر رجله .. ويوماً يشج رأسه .. ويوماً .. ولم نستطع علاجه .. فحبسناه في غرفة كما ترى .. جدرانها وأرضها مبطنة بالإسفنج .. فيضرب كما يشاء .. ثم سكت الطبيب .. ومضى أمامنا ماشياً ..
أما أنا وصاحبي عبد العزيز .. فظللنا واقفين نتمتم : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به
ثم مضينا نسير بين غرف المرضى ..
حتى مررنا على غرفة ليس فيها أسرة .. وإنما فيها أكثر من ثلاثين رجلاً .. كل واحد منهم على حال .. هذا يؤذن .. وهذا يغني .. وهذا يتلفت .. وهذا يرقص ..
وإذا من بينهم ثلاثة قد أُجلسوا على كراسي .. وربطت أيديهم وأرجلهم .. وهم يتلفتون حولهم .. ويحاولون التفلت فلا يستطيعون ..
تعجبت وسألت الطبيب : ما هؤلاء ؟ ولماذا ربطتموهم دون الباقين ؟
فقال : هؤلاء إذا رأوا شيئاً أمامهم اعتدوا عليه .. يكسرون النوافذ .. والمكيفات .. والأبواب ..
لذلك نحن نربطهم على هذا الحال .. من الصباح إلى المساء ..
قلت وأنا أدافع عبرتي : منذ متى وهم على هذا الحال ؟
قال : هذا منذ عشر سنوات .. وهذا منذ سبع .. وهذا جديد .. لم يمض له إلا خمس سنين !!
خرجت من غرفتهم .. وأنا أتفكر في حالهم .. وأحمد الله الذي عافاني مما ابتلاهم ..
سألته : أين باب الخروج من المستشفى ؟
قال : بقي غرفة واحدة .. لعل فيها عبرة جديدة .. تعال ..
وأخذ بيدي إلى غرفة كبيرة .. فتح الباب ودخل .. وجرني معه ..
كان ما في الغرفة شبيهاً بما رأيته في غرفة سابقة .. مجموعة من المرضى .. كل منهم على حال .. راقص .. ونائم ..
و .. و .. عجباً ماذا أرى ؟؟
رجل جاوز عمره الخمسين .. اشتعل رأسه شيباً .. وجلس على الأرض القرفصاء .. قد جمع جسمه بعضه على بعض .. ينظر إلينا بعينين زائغتين .. يتلفت بفزع ..
كل هذا طبيعي ..
لكن الشيء الغريب الذي جعلني أفزع .. بل أثور .. هو أن الرجل كان عارياً تماماً ليس عليه من اللباس ولا ما يستر العورة المغلظة ..
تغير وجهي .. وامتقع لوني .. والتفت إلى الطبيب فوراً .. فلما رأى حمرة عيني ..
قال لي .. هدئ من غضبك .. سأشرح لك حاله ..
هذا الرجل كلما ألبسناه ثوباً عضه بأسنانه وقطعه .. وحاول بلعه .. وقد نلبسه في اليوم الواحد أكثر من عشرة ثياب .. وكلها على مثل هذا الحال ..
فتركناه هكذا صيفاً وشتاءً .. والذين حوله مجانين لا يعقلون حاله ..
خرجت من هذه الغرفة .. ولم أستطع أن أتحمل أكثر .. قلت للطبيب : دلني على الباب .. للخروج ..
قال : بقي بعض الأقسام ..
قلت : يكفي ما رأيناه ..
مشى الطبيب ومشيت بجانبه .. وجعل يمر في طريقه بغرف المرضى .. ونحن ساكتان ..
وفجأة التفت إليّ وكأنه تذكر شيئاً نسيه .. وقال :
يا شيخ .. هنا رجل من كبار التجار .. يملك مئات الملايين .. أصابه لوثة عقلية فأتى به أولاده وألقوه هنا منذ سنتين ..
وهنا رجل آخر كان مهندساً في شركة .. وثالث كان ..
ومضى الطبيب يحدثني بأقوام ذلوا بعد عز .. وآخرين افتقروا بعد غنى .. و ..
أخذت أمشي بين غرف المرضى متفكراً ..
سبحان من قسم الأرزاق بين عباده ..
يعطي من يشاء .. ويمنع من يشاء ..
قد يرزق الرجل مالاً وحسباً ونسباً ومنصباً .. لكنه يأخذ منه العقل .. فتجده من أكثر الناس مالاً .. وأقواهم جسداً .. لكنه مسجون في مستشفى المجانين ..
وقد يرزق آخر حسباً رفيعاً .. ومالاً وفيراً .. وعقلاً كبيراً .. لكنه يسلب منه الصحة .. فتجده مقعداً على سريره .. عشرين أو ثلاثين سنة .. ما أغنى عنه ماله وحسبه ..!!
ومن الناس من يؤتيه الله صحة وقوة وعقلاً .. لكنه يمنعه المال فتراه يشتغل حمال أمتعة في سوق أو تراه معدماً فقيراً يتنقل بين الحرف المتواضعة لا يكاد يجد ما يسد به رمقه ..
ومن الناس من يؤتيه .. ويحرمه .. وربك يخلق ما يشاء ويختار .. ما كان لهم الخيرة ..
فكان حرياً بكل مبتلى أن يعرف هدايا الله إليه قبل أن يعد مصائبه عليه .. فإن حرمك المال فقد أعطاك الصحة .. وإن حرمك منها .. فقد أعطاك العقل .. فإن فاتك .. فقد أعطاك الإسلام .. هنيئاً لك أن تعيش عليه وتموت عليه ..
فقل بملء فيك الآن بأعلى صوتك : الحممممد لله ..
وكذلك كان الصحابة الكرام y ..
بعث رسول الله .. عمرو بن العاص t جهة الشام .. في غزوة ذات السلاسل ..
فلما صار إلى هناك رأى كثرة عدوه ..
فبعث إلى رسول الله يستمده ..
فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح .. أميراً على مدد .. فيه المهاجرون الأولون .. وفيهم أبو بكر وعمر .. وقال لأبي عبيدة حين وجهه : لا تختلفا ..
فخرج أبو عبيدة ..
حتى إذا قدم على عمرو قال له عمرو : إنما جئت مدداً لي ..
فقال له أبو عبيدة : لا ولكن على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه ..
وكان أبو عبيدة رجلاً ليناً سهلاً .. هيناً عليه أمر الدنيا ..
فقال له عمرو : بل أنت مددي ..
فقال له أبو عبيدة : يا عمرو إن رسول الله .. قد قال لي :
لا تختلفا .. وإنك إن عصيتني أطعتك ..
فقال له عمرو: فإني أمير عليك .. وإنما أنت مدد لي ..
قال : فدونك ..
فتقدم .. عمرو بن العاص t فصلى بالناس ..
وبعد الغزوة .. كان أول من وصل المدينة .. عوف بن مالك t ..
فمضى إلى رسول ..
فلما رآه .. قال له .. أخبرني ..
فأخبره عن الغزوة .. وما كان بين أبي عبيدة وعمرو بن العاص ..
فقال : يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح ..
نعم .. يرحم الله أبا عبيدة t ..


فكرة ..
انظر للجوانب المشرقة من حياتك .. قبل أن تنظر للمظلمة .. لتكون أسعد ..

1. كن جبلاً ..
في بداية سلوكي في طريق الدعوة .. دعيت لإلقاء محاضرة في إحدى القرى ..
استقبلني المسئول عن الدعوة هناك .. ركبت سيارته .. كانت قديمة متهالكة ..
تحدثت معه .. أخبرني أنه حديث عهد بزواج ..
ثم اشتكى إليَّ من غلاء المهور في قريتهم .. حتى إنه لم يستطع أن يشتري سيارة جديدة .. أو على الأقل أحسن من سيارته ..
دعوت له بالتوفيق ..
ثم دخلت وألقيت المحاضرة .. وفي آخرها .. قرئت عليَّ الأسئلة .. وكان من بينها سؤال عن غلاء المهور ..
ففرحت به وقلت : جاءك يا مهنا ما تتمنا !!
وانطلقت أتكلم عن غلاء المهور وتأثيره على الشباب والفتيات ..
ثم ذكرت إن رسول الله ما زوج بناته بأكثر من خمسمائة درهم .. ثم رفعت صوتي قائلاً : يعني بناتكم أحسن من بنات النبي ؟!!
فصرخ رجل مُسن من طرف الصف قائلاً : إيش فيهم بناتنا ؟
فثار آخر وقال : يتكلم على بناتنا !!
ونهض الثالث جاثياً على ركبتيه وقال : أوووه تتكلم على بناتنا ؟!!
كنت في حال لا أحسد عليه .. وكنت في أوائل طريق الدعوة .. وحديث التخرج من الجامعة ..
بقيت ساكتاً لم أنبس ببنت شفة .. نظرت إلى الأول لما تكلم وتبسمت .. فلما تكلم الثاني .. نظرت إليه أيضاً وتبسمت .. وكذلك الثالث ..
كان بعض الشباب في آخر المسجد يتضاحكون .. وبعضهم قاموا وقوفاً ينظرون .. وكأني بهم يقولون : وقف حمار الشيخ في العقبة !!
لما رأوا هدوئي .. هدؤوا .. ثم قام أحدهم وقال : يا جماعة .. خلوا الشيخ يوضح قصده ..
فسكتوا .. فشكرت له عمله .. ثم اعتذرت وأثنيت عليهم – وعلى بناتهم - ووضحت مرادي ..
عند تعاملك مع الناس .. أنت في الحقيقة تصنع شخصيتك .. وتبني في عقولهم تصورات عنك .. يبنون على أساسها أساليب تعاملهم معك .. واحترامهم لك ..
تأكد أن الأشجار الثابتة لا تقتلعها الرياح .. مهما اشتدت .. وإنما النصر صبر ساعة ..
كلما زاد عقلك .. قل جهلك .. وإذا زاد قدرك .. قل غضبك ..
كالبحر لا يحركه أي شيء .. ويا جبل ما تهزك ريح ..!
بل إنك لو استثارك شخص ما .. في مجلس .. أو بيت .. أو قناة فضائية .. أو محاضرة عامة ..
فإنك إذا بقيت هادئاً لم تغضب ولم تثر .. مال الناس معك ضده ..
كان أبو سفيان بن حرب مقبلاً بقافلة تجارة من الشام .. فخرج إليهم المسلمون لقتالهم ..
ففر أبو سفيان بالقافلة .. وأرسل إلى قريش فخرجت بجيش عرمرم ..
ووقعت معركة بدر بين المسلمين وقريش .. وانتصر المسلمون ..
قتل من كفار قريش سبعون .. وأُسِر منهم سبعون ..
رجع من تبقى من جيش قريش .. وهم جرحى .. وجوعى ..
ثم وصل أبو سفيان بقافلته إلى مكة ..
فمشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان ابن أمية ..
في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر ..
فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ..
فقالوا : يا معشر قريش .. إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم .. فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأراً .. ففعلوا ..
وقد قال الله فيهم : " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون " .
فخرجت قريش .. بحدها وحديدها .. وجدها وأحابيشها ..
وخرج معها من تابعها من بني كنانة وأهل تهامة .. وخرجوا معهم بالنساء لئلا يفر الرجال من القتال ..
فخرج أبو سفيان بزوجته هند بنت عتبة ..
وخرج عكرمة بن أبي جهل بزوجته أم حكيم بنت الحارث ..
وخرج الحارث بن هشام بفاطمة بنت الوليد بن المغيرة ..
فأقبل الكفار .. حتى نزلوا على شفير الوادي مقابل المدينة ..
فلما سمع بهم رسول الله .. استشار أصحابه .. ما رأيكم ؟‍
نبقى في المدينة فإذا دخلوها علينا ..
فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدراً : نخرج يا رسول الله إليهم نقاتلهم بـ "أحد" ..
ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر ..
فما زالوا برسول الله حتى لبس أداة الحرب ..
ثم ندموا .. وقالوا : يا رسول الله أقم .. فالرأي رأيك ..
فقال لهم : ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه ..
فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدراً بقدوم العدو عليهم ..
وقالوا : قد ساق الله علينا أمنيتنا ..
ثم قال النبي لأصحابه :
" من رجل يخرج بنا على القوم من كثب ـ أي من قريب ـ من طريق لا يمر بنا عليهم " ؟
فقال رجل من بني حارثة بن الحارث اسمه أبو خيثمة :
أنا يا رسول الله ..
فسلك به في أرض بني حارثة وبين أموالهم ومزارعهم ..
حتى سلك به في مال لرجل اسمه : مربع ابن قيظي ..
وكان رجلاً منافقاً ضرير البصر ..
فلما سمع حِسّ رسول الله .. ومن معه من المسلمين ..
قام يحثي في وجوههم التراب .. ويقول : إن كنت رسول الله فإني لا أحل لك أن تدخل في حائطي ..
ثم أخذ الخبيث حفنة من التراب في يده .. ثم قال :
والله لو أعلم أني لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك ..
فابتدره القوم ..
فقال النبي :
" لا تقتلوه .. فهذا الأعمى .. أعمى القلب .. أعمى البصر .. "
ومضى رسول الله .. ولم يلتفت إلى ذلك المنافق ..
نعم ..

لو كل كلب عوى ألقمته حجراً

لأصبح الصخر مثقالاً بدينار

والكلاب تنبح .. والقافلة تسييييير ..
قناعة ..
الرياح لا تحرك الجبال .. لكنها تلعب بالرمال .. وتشكلها كما تشاء ..

2. لا تلعنه .. إنه يشرب خمراً ..!!
أكثر الناس الذين نخالطهم مهما بلغ من السوء .. إلا أنه لا يخلو من خير وإن كان قليلاً ..
فلو استطعنا أن نعثر على مفتاح الخير لكان حسناً ..
اشتهر عن بعض المجرمين .. أنه كان يسطو على بيوت الناس ويسرق أموالهم .. لينفق بعضها على ضعفاء وأيتام !! أو يبني بها مساجد !!
أو كالتي ترى أيتاماً جوعى فتزني لتحصل مالاً تسد به جوعهم ..
بنى مسجداً لله من غير حله **
فكان بحمد الله غير موفق
كمطعمة الأيتام من كدِّ عرضها ! **
لك الويل لا تزني ولا تتصدقي
وكم من حامل سكين ليطعن بها .. فاستعطفه طفل أو امرأة فرق قلبه .. وألقى سكينه عنه ..
إذن عامل الناس جميعاً بما تعلم فيهم من خير .. قبل أن تسيء الظن بهم ..
محمد .. بلغ من خلقه أنه كان يلتمس المعاذير للمخطئين .. ويحسن الظن بالمذنبين .. وكان إذا قابل عاصياً ينظر فيه إلى جوانب الإيمان قبل جوانب الشهوة والعصيان ..
ما كان يسيء الظن بأحد .. يعاملهم كأنهم أولاده وإخوانه .. يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه ..
كان رجل في عهد النبي قد ابتلي بشرب الخمر ..
فأُتيَ به يوماً إلى رسول الله فأمر به فجُلد ..
ثم مرت أيام .. فشرب خمراً .. فجيء به أخرى فجلد ..
ومرت أيام .. ثم جيء به قد شرب خمراً .. فجلد ..
فلما ولى خارجاً .. قال رجل من الصحابة :
لعنه الله .. ما أكثر ما يؤتى به !!
فالتفت إليه .. وقد تغير وجهه فقال له : لا تلعنه .. فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله ..([1])

فن ..
قبل أن تبدأ في نزع شجرة الشر في الآخرين .. ابحث عن شجرة الخير واسقها ..

3. إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون ..!!
ما دمت مُلزما فاستمتع .. هكذا كنت أقول لشاب أصيب بمرض السكر .. فكان يشرب الشاي من غير سكر .. ويتأسف لحاله ..
كنت أقول له : هل إذا تأسفت وحزنت أثناء شربك الشاي .. هل تنقلب المرارة حلاوة ..
قال : لا ..
قلت : ما دمت ملزماً .. فاستمتع ..
أعني لن تأتي الدنيا دائماً على ما نحب ..
وهذا يقع في حياتنا كثيراً ..
سيارتك قديمة .. مكيف لا يشتغل .. مراتب ممزقة .. ولا تستطيع حالياً تغييرها .. ما الحل ؟
تقدمت للدراسة بالجامعة .. فقبلت في كلية لا ترغب في الدراسة فيها .. حاولت تعديل الحال فلم تستطع .. فاضطررت لمواصلة الدراسة .. وأكملت سنتين وثلاث .. فما الحل ؟
تقدمت لوظيفة فلم تقبل .. وقبلت في أخرى .. وبدأت دوامك فيها .. فما الحل؟
خطبت فتاتاً فرفضت .. وتزوجت آخر .. ما الحل ؟
كثير من الناس يجعل الحل هو الاكتئاب الدائم .. والتأفف من واقعه .. وكثرة التشكي إلى من عرف ومن لم يعرف ! وهذا لا يرد إليه رزقاً فاته .. ولا يعجل برزق لم يكتب له ..
إذن ما الحل ؟
العاقل فهو الذي يتكيف مع واقعه كيفما كان .. مادام لا يستطيع التغيير إلى الأحسن ..
أحد أصدقائي كان يشرف على بناء مسجد ..
فضاقت بهم النفقة .. فتوجهوا إلى أحد التجار للاستعانة به في إكمال البناء ..
فتح لهم الباب .. جلس معهم قليلاً .. وأعطاهم ما تيسر .. ثم أخرج دواء من جيبه وجعل يتناوله ..
قال له أحدهم : سلامات .. عسى ما شر !!
قال : لا .. هذه حبوب منومة .. منذ عشر سنين لا أنام إلا بها ..
دعوا له .. وخرجوا ..
فمروا على حفريات وأعمال طرق عند مخرج المدينة .. وقد وضع عندها أنوار تعمل بمولد كهربائي قد ملأ الدنيا ضجيجاً ..
ليس هذا هو الغريب ..
الغريب أن حارس المولد هو عامل فقير قد افترش قصاصات جرائد .. ونااااام ..
نعم .. عش حياتك .. لا وقت فيها لِلهمِّ .. تعامل مع المعطيات التي بين يديك ..
خرج مع أصحابه في غزوة فقلَّ طعامهم .. وتعبوا ..
فأمرهم .. أن يجمعوا ما عندهم من طعام ..
وفرش رداءه .. وصار الرجل يأتي بالتمرة .. والتمرتين .. وكسرة الخبز .. وكلها تجتمع فوق هذا الرداء .. ثم أكلوا .. وهم مستمتعون ..

لمحة ..
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ..
تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

4. نختلف ونحن إخوان !
ذُكر أن الشافعي رحمه الله تناظر يوماً مع أحد العلماء حول مسألة فقهية عويصة ..
فاختلفا .. وطال الحوار .. حتى علت أصواتهما ..
ولم يستطع أحدهما أن يقنع صاحبه ..
وكأن الرجل تغير وغضب .. ووجد في نفسه ..
فلما انتهى المجلس وتوجها للخروج .. التفت الشافعي إلى صاحبه .. وأخذ بيده وقال :
ألا يصح أن نختلف ونبقى إخواناً ..!
وجلس بعض علماء الحديث يوماً .. عند الخليفة ..
فتكلم رجل في المجلس بحديث ..
فاستغرب العالم منه .. وقال : ما هذا الحديث !! من أين جئت به ؟ تكذب على رسول الله ؟
فقال الرجل : بل هذا حديث .. ثابت ..
قال العالم : لا .. هذا حديث لم نسمع به .. ولم نحفظه ..
وكان في المجلس وزير عاقل ..
فالتفت إلى العالم وقال بهدوء : يا شيخ .. هل حفظت جمييييع أحاديث النبي ..؟
قال : لا ..
قال : فهل حفظت نصفها ؟
قال : ربما ..
فقال : فاعتبر هذا الحديث من النصف الذي لم تحفظه ..
وانتهت المشكلة ..
كان الفضيل بن عياض وعبد الله بن المبارك صاحبين لا يفترقان ..
وكانا عالمين زاهدين ..
عنَّ لعبد الله بن المبارك فخرج للقتال والرباط في الثغور ..
وبقي الفضيل بن عياض في الحرم يصلي ويتعبد ..
وفي يوم رق فيه القلب .. وأسبلت الدمعة ..
كتب الفضيل إلى ابن المبارك كتاباً يدعوه فيه إلى المجيء والتعبد في الحرم .. والاشتغال بالذكر وقراءة القرآن ..
فلما قرأ ابن المبارك الكتاب ..
أخذ رقعة وكتب إلى الفضيل :
ياعابد الحرمين لو أبصرتنا ***
لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ***
فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ***
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ***
رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا ***
قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في ***
أنف امريء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا***
ليس الشهيد بميت لا يكذب
ثم قال :
إن من عباد من فتح الله في الصيام .. فيصوم ما لا يصومه غيره .. ومنهم من فتح له في قراءة القرآن .. ومنهم من فتح له في طلب العلم .. ومنهم من فتح في الجهاد .. ومنهم من فتح له في قيام الليل ..
وليس ما أنت عليه بأفضل مما أنا عليه ..
وما أنا عليه .. ليس بأفضل مما أنت عليه ..
وكلانا على خير ..
وهكذا كان منهج الصحابة ..
اجتمع الكفار وتألبوا لحرب المسلمين في المدينة .. وجاؤوا في جيش لم تشهد العرب مثله كثرة وعتاداً ..
فحفر المسلمون خندقاً لم يستطع الكفار أن يتجاوزوه لدخول المدينة ..
فعسكر الكفار وراء الخندق ..
وكان في المدينة قبيلة بني قريظة .. وهم يهود يتربصون بالمؤمنين ..
فأقبلوا إلى الكفار يمدونهم .. ويعيثون في المدينة فساداً ونهباً ..
وقد انشغل المسلمون عنهم بالرباط عند الخندق ..
ومضت الأيام عصيبة .. حتى أرسل الله على الكفار ريحاً وجنوداً .. من عنده فتمزق جيشهم .. وانقلبوا خائبين .. يجرون أذيال هزيمتهم في ظلمة الليل ..
فلما أصبح رسول الله .. انصرف عن الخندق راجعاً إلى المدينة ..
ووضع المسلمون السلاح .. ورجعوا إلى بيوتهم ..
ودخل رسول الله بيته .. ووضع السلاح واغتسل ..
فلما كانت الظهر .. جاءه جبريل ..
فنادى رسول الله .. من خارج البيت ..
فقام رسول الله فزعاً ..
فقال له جبريل عليه السلام : أوقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟
قال : نعم ..
قال جبريل : ما وضعت الملائكة السلاح بعد .. وما رجعت الآن إلا من طلب القوم .. طلبناهم حتى بلغنا حمراء الأسد ..
إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة .. فإني عامد إليهم فمزلزل بهم ..
فأمر رسول الله مؤذناً فأذن في الناس :
" من كان سامعاً مطيعاً .. فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة " ..
فتسابق الناس إلى سلاحهم .. وسمعوا وأطاعوا .. ومضوا إلى ديار بني قريظة ..
فدخل عليهم وقت العصر وهم في الطريق ..
فقال بعضهم لا نصلي العصر إلا في بني قريظة ..
وقال بعضهم : بل نصلي لم يرد منا ذلك .. يعني إنما أراد الإسراع إليهم ..
فصلوا العصر وأكملوا مسيرهم ..
وأخرها الآخرون .. حتى وصلوا بني قريظة .. فصلوها ..
فذكر ذلك للنبي فلم يعنف واحداً من الفريقين ..
فحاصرهم النبي .. حتى نصره الله عليهم ..

وجهة نظر ..
ليست الغاية أن نتفق .. لكن الغاية أن لا نختلف ..

5. الرفق .. إلا زانه ..
يتكرر على ألسنتنا كثيراً عندما نعجب بشخص ما .. أن نصفه قائلين :
فلان رزين .. فلان ثقيل .. فلان راكد ..
وإذا أردنا مذمة شخص قلنا : فلان عجول .. فلان خفيّف ..
أما رسول الله فيقول : ما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه .. ([2])
هل تستطيع تحريك طن الحديد بأصبع ؟
نعم : إذا أحضرت رافعة .. ثم ربطته برفق .. وأحكمت ربطه ..
ثم رفعته .. فإذا تعلق في الهواء .. حركه بأصغر أصابعك ..
اتفق صديقان على أن يتقدما لرجل لخطبة ابنتيه .. كانت إحداهما أكبر من الأخرى ..
قال أحدهما للآخر : أنا آخذ الصغيرة .. وأنت تأخذ الكبيرة ..
فصاح صاحبه : لااااا .. بل أنت خذ الكبيرة .. وأنا آخذ الصغيرة ..
فقال الأول : طيب .. أنت تأخذ الصغيرة .. وأنا آخذ التي أصغر منها ..
قال : موافق ..!!
ولم يدرك أن صاحبه ما غير قراره .. سوى أنه غير أسلوب الكلام برفق ..
وفي الحديث : إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم الرفق .. وإذا أراد الله بأهل بيت شراً .. نزع منهم الرفق .. ([3])
وفيه : إن الله رفيق يحب الرفق .. ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف .. وما لا يعطي على ما سواه .. ([4])
الرفيق .. الهين اللين .. محبوب عند الناس .. تطمئن إليه النفوس .. وتثق فيه ..
خاصة إذا صاحب ذلك وزن للكلام .. وقدرة على التعامل الرائع ..
من أشهر طلاب علماء الحنفية الإمام أبو يوسف القاضي ..
هو أشهر طلاب أبي حنيفة ..
كان أبو يوسف في صغره فقيراً .. وكان أبوه يمنعه من حضور درس أبي حنيفة .. ويأمره بالذهاب للسوق لتكسب ..
كان أبو حنيفة حريصاً عليه .. وإذا غاب عاتبه ..
فاشتكى أبو يوسف يوماً إلى أبي حنيفة حاله مع والده .. فاستدعى أبو حنيفة والد أبي يوسف وسألأه : كم يكسب الولد كل يوم ؟
قال : درهمان ..
قال : أنا أعطيك الدرهمين .. ودعه يطلب العلم ..
فلازم أبو يوسف شيخه سنين ..
فلما بلغ أبو يوسف سن الشباب .. ونبغ على أقرانه .. أصابه مرض أقعده ..
فزاره أبو حنيفة .. وكان المرض شديداً متمكناً منه .. فلما رآه أبو حنيفة حزن .. وخاف عليه الهلاك ..
وخرج وهو يكلم نفسه قائلاً : آآآه يا أبا يوسف .. لقد كنت أرجوك للناس من بعدي !!
ومضى أبو حنيفة يجر خطاه حزيناً إلى حلقته وطلابه ..
ومضت يومان .. فشفي أبو يوسف .. واغتسل ولبس ثيابه ليذهب لدرس شيخه ..
فسأله من حوله : إلى أين تذهب ؟
قال : إلى درس الشيخ ..
قالوا : إلى الآن تطلب العلم ؟ أنت قد اكتفيت .. أما بلغك ما قال فيك الشيخ ؟
قال : وما قال ؟!
قالوا : قد قال : كنت أرجوك للناس من بعدي .. أي أنك قد حصلت كل علم أبي حنيفة .. فلو مات الشيخ اليوم جلست مكانه ..
فأعجب أبو يوسف بنفسه ..
ومضى إلى المسجد ورأى حلقة أبي حنيفة في ناحية .. فجلس في الناحية الأخرى .. وبدأ يدرس ويفتي ..
التفت أبو حنيفة إلى الحلقة الجديدة .. فسأل : حلقة من هذه ؟
قالوا : هذا أبو يوسف ..
قال : شُفي من مرضه ؟!
قالوا : نعم ..
قال : فلم لم يأت إلى درسنا ؟!
قالوا : حدثوه بما قلت .. فجلس يدرس الناس واستغنى عنك ..
ففكر أبو حنيفة كيف يتعامل مع الموقف برفق .. وجعل يفكر ثم قال :
يأبى أبو يوسف إلا أن نقشِّر له العصا!!
ثم التفت إلى أحد طلابه الجالسين وقال :
يا فلان .. اذهب إلى الشيخ الجالس هناك .. يعني أبا يوسف .. فقل له : يا شيخ .. عندي مسألة ..
فسيفرح بك ويسألك عن مسألتك .. فما جلس إلا ليسأل !!
فقل له : رجل دفع ثوباً له إلى خياط ليقصره .. فلما جاءه بعد أيام يريد ثوبه جحده الخياط .. وأنكر أنه أخذ منه ثوباً .. فذهب الرجل إلى الشرطة فاشتكاه فأقبلوا واستخرجوا الثوب من الدكان ..
والسؤال : هل يستحق الخياط أجرة تقصير الثوب أم لا يستحق ؟
فإن أجابك وقال : يستحق .. فقل له : أخطأت ..
وإن قال : لا يستحق .. فقل له : أخطأت ..
فرح الطالب بهذه المسألة المشكلة .. ومضى على أبي يوسف وقال : يا شيخ .. مسألة ..
قال : ما مسألتك ؟
قال : رجل دفع ثوباً إلى خياط ..
فأجاب أبو يوسف على الفور قائلاً : نعم يستحق الأجرة .. ما دام أتم العمل ..
فقال السائل : أخطأتَ ..
فعجب أبو يوسف .. وتأمل في المسألة أكثر .. ثم قال : لا .. لا يستحق الأجرة ..
فقال السائل : أخطأت ..
فنظر أبو يوسف إليه .. ثم سأله : بالله من أرسلك ..
فأشار إلى أبي حنيفة .. وقال : أرسلني الشيخ ..
فقام أبو يوسف من مجلسه .. ومضى حتى وقف على حلقة أبي حنيفة وقال : يا شيخ .. مسألة ..
فلم يلتفت أبو حنيفة إليه ..
فأقبل أبو يوسف حتى جثى على ركبتيه بين يدي الشيخ .. وقال بكل أدب : يا شيخ .. مسألة ..
قال : ما مسألتك ؟
قال : تعرفها ..
قال : مسألة الخياط والثوب ؟
قال : نعم ..
قال : اذهب وأجب .ز ألست شيخاً ..
قال : الشيخ أنت ..
فقال ابو حنيفة : ننظر في مقدار تقصير الخياط للثوب .. فإن كان قصره على مقاس الرجل .. فمعنى ذلك أنه قام بالعمل كاملاً .. ثم بدا له أن يجحد الثوب .. فيكون قام بالعمل لأجل الرجل .. فيستحق عليه الأجرة ..
وإن كان قصره على مقاس نفسه .. فمعنى ذلك أنه قام بالعمل لأجل نفسه .. فلا يستحق على ذلك أجرة ..
فقبل أبو يوسف رأس أبي حنيفة .. ولازمه حتى مات أبو حنيفة .. ثم قعد أبو يوسف للناس من بعده ..
فلو استعمل الزوجان الرفق مع بعضهما ..
وكذلك الأبوان ..
والمدراء .. والمدرسون ..
نستعمل الرفق دائماً .. في سواقة السيارة .. في التدريس .. في البيع والشراء ..
وإن كان المرء قد يحتاج الشدة أحياناً .. حتى في النصح .. وهذا هو الحكمة في النصيحة .. وهي وضع الأمور في مواضعها ..
وقد كان غضبه دائماً – إن غضب – في الأمور الدينية ..
فما غضب رسول الله لنفسه قط .. إلا أن تنتهك حرمة من محارم الله ..
قابل عمر بن الخطاب t يوماً رجلاً من اليهود ..
فأطلعه على كلام في التوراة .. فأعجبه .. فأمره فنسخه له ..
ثم جاء عمر بهذه الصحيفة من التوراة إلى رسول الله ..
فقرأها عليه ..
فلاحظ النبي أن عمر معجب بما معه .. وأن التلقي عن الديانات السابقة .. إن فُتح المجال له .. اختلط ذلك بالقرآن .. والتبس الأمر على الناس ..
وكيف يفعل عمر ذلك .. وينسخ .. ويكتب .. دون استئذان النبي !!
فغضب .. وقال : أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب ؟! أي شاكّون في شريعتي ..
والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية .. لا تسألوهم عن شيء .. فيخبروكم بحق فتكذبوا به .. أو بباطل فتصدقوا به .. والذي نفسي بيده لو أن موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني .. ([5]) ..
والله يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبح ..
في أوائل بعثة النبي .. كان يأتي عند الكعبة وقريش في مجالسهم .. ويصلي .. ولا يلتفت إليهم ..
وكانوا يؤذونه بأنواع الأذى .. وهو صابر ..
وفي يوم ..
اجتمع أشرافهم في الحجر .. فذكروا رسول الله فقالوا :
ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط .. سفّهَ أحلامنا .. وشتم آباءنا .. وعاب ديننا .. وفرق جماعتنا .. وسب آلهتنا .. وصرنا منه على أمر عظيم ..
فبينما هم في ذلك .. إذ طلع رسول الله .. فأقبل يمشي حتى استلم الركن ..
ثم مر بهم طائفاً بالبيت ..
فغمزوه ببعض القول ..
فتغير وجه رسول الله .. فرفق بهم .. وسكت عنهم .. ومضى ..
فلما مر بهم الثانية .. غمزوه بمثلها ..
فتغير وجهه أيضاً .. فسكت عنهم .. ومضى في طوافه ..
فمر بهم الثالثة .. فغمزوه بمثلها ..
فرأى أن الرفق لا يصلح مع أمثال هؤلاء .. فوقف عليهم وقال :
أتسمعون يا معشر قريش !! أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح .. ووقف أمامهم ..
فلما سمع القوم هذا التهديد .. الذبح .. وهو الصادق الأمين ..
انتفضوا .. حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر وقع .. حتى أن أشدهم عليه ليتلطف معه .. وصاروا يقولون : انصرف أبا القاسم راشدا .. فما كنت جهولاً ..
فانصرف رسول الله عنهم ..
نعم ..
إذا قيل : حلم ، قل : فللحلم موضع **
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وإن كان المتتبع لسيرة النبي يجد أنه كان يغلب الرفق دائماً ..
انتبه !! ليس الضعف والجبن .. وإنما الرفق ..
ومن مواقف الرفق :
أنه بعد وقعة بدر بشهر .. أراد أبو العاص زوج زينب بنت النبي أن يرسلها إلى المدينة عند أبيها ..
فبعث رسول الله زيد بن حارثة .. ورجلاً من الأنصار ..
فقال :كونا ببطن يأجح حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتياني بها ..
فخرجا مكانهما ..
فأمرها أبو العاص بالتجهز .. فبدأت في جمع متاعها ..
فبينا هي تتجهز .. لقيتها هند بنت عتبة .. زوجة أبي سفيان ..
فقالت : يا ابنة محمد .. ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك ؟
قالت : ما أردت ذلك ..
فقالت : أي ابنة عم .. أن أردت أن تفعلي ..
فإن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك .. أو بمال تتبلغين به إلى أبيك ..
فإن عندي حاجتك فلا تضطني مني .. أي لا تخجلي ..
فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال ..
قالت زينب : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل .. ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك ..
فلما أتمت جهازها .. قدّم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً ..
فركبته و أخذ قوسه و كنانته ..
ثم خرج بها نهاراً يقود بها و هي في هودج لها ..
فرآها الناس .. و تحدث بذلك رجال من قريش .. كيف تخرج إليه ابنته وقد فعل بنا ما فعل في بدر ..
فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ..
وكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود .. فروعها بالرمح و هي في الهودج ..
فقيل : إنها كانت حاملاً ففزعت .. وطرحت ولدها ..
وأقبل الكفار يتسابقون إليها .. وعهم السلاح ..
وهي ليس معها إلا أخو زوجها كنانة ..
فلما رأى ذلك ..
وبرك على الأرض .. ثم نثر كنانته وصف رماحه بين يديه .. ثم قال :
و الله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما .. وكان رامياً .. فتكركر الناس عنه وتراجعوا ..
وأخذوا ينظرون إليه من بعيد .. لا هو يقدر على الذهاب .. ولا هم يجترئون على الاقتراب منه ..
حتى بلغ أبا سفيان أن زينب خرجت إلى أبيها ..
فأقبل في جلة جمع من قريش .. فلما رأى كنانة قد تجهز بنبله .. ورأى القوم قد استوفزوا لقتاله ..
صاح به وقال :
يا أيها الرجل .. كف عنا نبلك حتى نكلمك ..
فكف نبله .. فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه .. فقال :
إنك لم تصب .. خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ..
وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا في بدر .. و ما دخل علينا من محمد .. قتل أشرافنا .. ورمل نساءنا ..
فإذا رآك الناس .ز وتسامعت القبائل .. أنك خرجت بابنته علانية .. على رؤوس الناس من بين أظهرنا ..
أن ذلك عن ذل أصابنا .. وأن ذلك ضعف منا ووهن ..
ولعمري مالنا بحبسها من أبيها من حاجة .. ومالنا من ثأر عليها ..
ولكن ارجع بالمرأة .. حتى إذا هدأت الأصوات .. وتحدث الناس أن قد رددناها ..
فسُلّها سراً .. وألحقها بأبيها ..
فلما سمع كنانة ذلك .. اقتنع به .. وعاد بها ..
فأقامت ليالي في مكة ..
حتى إذا هدأت الأصوات .. خرج بها ليلة من الليالي .. فمشى بها ..
حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ..
فقدما بها ليلاً على رسول الله ..
شريرة غير متواجد حالياً