عرض مشاركة واحدة
08-02-2010, 02:56 PM   #7
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

[][]رأي ..[/]
[] أحياناً تكون طريقتنا في التعامل مع الأخطاء أكبر من الخطأ نفسه ..[/]

[]1. [/]
كما أن الناس يختلفون في طباعهم وأشكالهم .. كذلك هم يختلفون في وجهات نظرهم .. وفي قناعاتهم وتصرفاتهم ..
فإذا شعرت أن أحداً خالف الصواب .. ونصحته وحاولت إصلاح خطئه ولم يقتنع ..
فلا تصنف اسمه من بين أعدائك .. وخذ الأمور بأريحية قدر المستطاع ..
فلو حاولت إصلاح خطأ عند أحد زملائك فلم يستجب .. فلا تقلب الصداقة عداوة .. وإنما استمر في التلطف فلعله أن يبقى على خطئه ولا يزيد ..
وقد قيل : حنانيك بعض الشر أهون من بعض ..
إذا تعاملت مع الناس بهذه الأريحية .. فلم تغضب على كل صغيرة وكبيرة .. عشت سعيداً ..
قالت عائشة t :
· ما انتقم رسول الله r لنفسه قط ..
· وما ضرب شيئاً قط بيده .. ولا امرأة .. ولا خادماً .. إلا أن يجاهد في سبيل الله ..
· وما نيل منه شيء قط .. فينتقم من صاحبه .. إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله .. ([1])
إذن .. كان r يغضب .. لكنه غضبه لله .. لا يغضب لنفسه .. وحتى نفهم الفرق بين الغضبين :
افرض أن ولدك الصغير جاءك ذات صباح وطلب ريالاً أو ريالين مصروفاً للمدرسة .. فبحثت في محفظة نقودك .. فلم تجد إلا فئة الخمسمائة ريال .. فأعطيتها له .. وقلت :
هذه خمسمائة ريال .. اصرف منها ريالين .. وأرجع الباقي .. وأكدت عليه وكررت ..
فلما رجع بعد الظهر فإذا المال كله قد صرفه ..
فماذا ستفعل ؟.. وكيف سيكون غضبك ..؟ قد تضرب وتعنف وتمنعه من مصروفه أياماً ..
ولكن لو رجعت مرة من صلاة العصر ووجدته يلعب بالكمبيوتر .. أو عند التلفاز .. ولم يصل في المسجد .. فهل ستغضب كغضبك الأول ؟
أظننا نتفق أن غضبنا ألول سيكون أشد وأطول وأكثر تأثيراً من غضبنا الثاني ..
أما رسول الله r فكان غضبه لله ..
وكان يعرض النصيحة أحياناً ولا تقبل .. فياخذ الأمر بهدووووء .. فالهداية بيد الله ..
قدم رسول الله e إلى تبوك على حدود الشام ..
اقترب من مملكة الروم .. فبعث دحية الكلبي t رسولاً إلى هرقل ملك الروم ..
وصل دحية t إلى هرقل .. دخل عليه .. ناوله كتاب رسول الله e ..
فلما أن رأى هرقل الكتاب دعا قسيسي الروم وبطارقتها .. ثم أغلق عليه وعليهم الدار فقال :
" قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم .. وقد أرسل إليَّ أن يدعوني إلى ثلاث خصال .. يدعوني :
· أن أتبعه على دينه ..
· أو على أن نعطيه مالنا على أرضنا والأرض أرضنا ..
· أو نلقي إليه الحرب ..
ثم قال هرقل :
والله لقد عرفتم فيما تقرأون من الكتب ليأخذن أرضنا .. فهلمَّ فلنتبعه على دينه .. أو نعطيه مالنا على أرضنا ..
فلما سمع القساوسة ذلك .. ورأوا أنه يدعوهم لترك دينهم ! غضبوا .. ونخروا نخرة رجل واحد حتى خرجوا من برانسهم .. أي سقطت أرديتهم من شدة الغضب والانتفاض !!
وقالوا : تدعونا إلى أن نذر النصرانية .. أو نكون عبيداً لأعرابي جاء من الحجاز .!!
أسقط في يد هرقل .. وأيقن أنه تورط بعرضه عليهم ..
وكان هؤلاء القساوية لهم سطوة وجمهور قوي ..
فعلم هرقل أنهم إن خرجوا من عنده .. أفسدوا عليه الروم ..
فجعل يهدئهم .. ويقول : إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم على أمركم ..
كان هرقل يعلم أن النبي e هو الرسول الذي بشر به عيسى e ..
فأراد أن يتأكد من ذلك ..
دعا هرقل رجلاً من عرب قبيلة "تجيب" .. كان من نصارى العرب ..
وقال له :
ادع لي رجلاً حافظاً للحديث .. عربيَّ اللسان .. أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه ..
مضى ذاك التجيبي .. وجاء برجل من بني تنوخ .. من نصارى العرب ..
دفع هرقل كتاباً لهذا التنوخي ليوصله لرسول الله e .. وقال له : اذهب بكتابي إلى هذا الرجل ..
فما سمعت من حديثه فاحفظ لي منه ثلاث خصال :
· انظر هل يذكر صحيفته إلى التي كتب بشيء ..؟
· وانظر إذا قرأ كتابي فهل يذكر الليل ؟
· وانظر في ظهره هل به شيء يريبك ؟
مضى التنوخي كفارقاً للشام .. حتى وصل إلى تبوك ..
فإذا رسول الله e جالس بين ظهراني أصحابه .. محتبياً على الماء ..
فوقف التنوخي عليهم .. وقال : أين صاحبكم ؟
قيل : ها هو ذا ..
فأقبل يمشي حتى جلس بين يديه ..
فناوله كتاب هرقل ..
فأخذه e .. فوضعه في حِجْره .. ثم قال : " ممن أنت " .. ؟
قال : أنا أخو تنوخ ..
فقال e : " هل لك إلى الإسلام .. الحنيفية .. ملة أبيك إبراهيم ؟
كان e راغباً في دخول هذا الرجل في الإسلام ..
في الحقيقة لم يكن هناك ما يمنع التنوخي من اتباع الحق .. إلا التعصب لدين قومه .. فحسب !!
فقال التنوخي بكل صراحة : إني رسول قوم .. وعلى دين قومي .. لا أرجع عنه حتى أرجع إليهم ..
فما رأى e هذا التعصب .. لم يغضب .. ولم يعمل مشكلة .. وإنما ضحك وقال :
" إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " ..
ثم قال e بكل هدوء :
يا أخا تنوخ ..
· إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه والله ممزقه وممزق ملكه ..
· وكتبت إلى النجاشي بصحيفة فخرقها والله مخرق ملكه ..
· وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها .. فلن يزال الناس يجدون منه بأساً ما دام في العيش خير " ..
تذكر التنوخي وصية هرقل .. وقال في نفسه : هذه إحدى الثلاث التي أوصاني بها صاحبي ..
فخشي أن ينساها .. فأخذ سهماً من جعبته فكتبها في جنب سيفه ..
ثم إن رسول الله e ناول الصحيفة رجلاً عن يساره ..
فقال التنوخي : من صاحب كتابكم الذي يقرأ لكم ؟
قالوا : معاوية ..
بدأ معاوية t يقرأ .. فإذا هرقل قد كتب إلى النبي e :
تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين !! فأين النار ؟
فقال r : " سبحان الله ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!‍ أين الليل إذا جاء النهار " .
فانتبه التنوخي أن هذه الثانية التي أمره هرقل بترقبها .. فأخذ سهماً من جعبته فكتبه في جلد سيفه ..
فلما أن فرغ معاوية من قراءة الكتاب ..
التفت e إلى التنوخي .. الذي لم يقبل النصح .. ولم يدخل في الدين .. وقال له متلطفاً :
إن لك حقاً وإنك لرسول .. فلو وجدت عندنا جائزة جوزناك بها .. إنا سِفْر مُرمِلون ..
يعني أتمنى أن أعطيك هدية .. لكننا كما ترانا مسافرين جالسين على الرمال !!
فقال عثمان t : أنا أجوزه يا رسول الله ..
ثم قام عثمان ففتح رحله .. فأتى بحلة ولباس فوضعها في حجر التنوخي ..
ثم قال r الكريم : " أيكم ينزل هذا الرجل ؟ " .. يعني يقوم بحق ضيافته !!
فقال فتى من الأنصار : أنا ..
فقام الأنصاري وقام التنوخي يمشي معه .. وباله مشغول بالأمر الثالث الذي أمره هرقل أن يتأكد له منه .. وهو خاتم النبوة بين كتفي النبي e ..
مشى التنوخي خطوات .. وفجأة .. إذا برسول الله e يصيح به :
" تعال يا أخا تنوخ " ..!!
فأقبل التنوخي يهوي مسرعاً .. حتى قام بين يدي النبي e ..
فحل e حبوته .. ثم أسقط رداءه عن ظهره .. فانكشف ظهره للتنوخي .. فقال e : " هاهنا امض لما أمرت به " ..
قال التنوخي : فنظرت في ظهره .. فإذا أنا بخاتم في موضع غضون الكتف مثل الحجمة الضخمة .. ([2])

[]فكرة ..[/]
[] المقصود أن يدرك الناس أخطاءهم .. وليس شرطاً أن يصححوها أمامك .. فلا تغضب ..[/]

[]2. قابل الإساءة بالإحسان ..[/]
عندما تتعامل مع الناس فإنهم يعاملونك في الغالب على ما يريدون هُم .. لا على ما تريد أنت ..
فليس كل من قابلته ببشاشة بادلك بشاشة مثلها .. فبعضهم قد يغضب ويسيء الظن ويسألك : مم تضحك ؟!
ولا كل من أهديت له هدية .. رد لك مثلها .. فبعضهم قد تهدي إليه ثم يغتابك في المجالس ويتهمك بالسفه وتضييع المال ..!!
ولا كل من تفاعلت معه في كلامه .. أو أثنيت عليه وتلطفت معه في عباراتك قابلك بمثلها ..
فإن الله قسم الأخلاق كما قسم الأرزاق ..
والمنهج الرباني هو : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ..
وبعض الناس لا حل له ولا إصلاح إلا أن تتعامل معه بما هو عليه .. فتصبر عليه أو تفارقه ..
ذُكر أن أشعب سافر مع رجل من التجار .. وكان هذا الرجل يقوم بكل شيء من خدمة وإنزال متاع وسقي دواب .. حتى تعب وضجر ..
وفي طريق رجوعهما .. نزلا للغداء ..
فأناخا بعيريهما ونزلا .. فأما أشعب فتمدد على الأرض ..
وأما صاحبه فوضع الفرش .. وأنزل المتاع ..
ثم التفت إلى أشعب وقال : قم اجمع الحطب وأنا أقطع اللحم ..
فقال أشعب : أنا والله متعب من طول ركوب الدابة .. فقام الرجل وجمع الحطب ..
ثم قال : يا أشعب ! قم أشعل الحطب .. فقال : يؤذيني الدخان في صدري إن اقتربت منه .. فأشعلها الرجل ..
ثم قال : يا أشعب ! قم أمسك علي لأقطع اللحم .. فقال : أخشى أن تصيب السكين يدي .. فقطع الرجل اللحم وحده ..
ثم قال : يا أشعب ! قم ضع اللحم في القدر واطبخ الطعام .. فقال : يتعبني كثرة النظر إلى الطعام قبل نضوجه ..
فتولى الرجل الطبخ والنفخ .. حتى جهز الطعام وقد تعب .. فاضجع على الأرض .. وقال : يا أشعب ! قم جهز سفرة الطعام .. وضع الطعام في الصحن ..
فقال أشعب : جسمي ثقيل ولا أنشط لذلك ..
فقام الرجل وجهز الطعام ووضعه على السفرة ..
ثم قال : يا أشعب ! قم شاركني في أكل الطعام ..
فقال أشعب : قد استحييت والله من كثيرة اعتذاري وها أنا أطيعك الآن .. ثم قام وأكل !!
فقد تلاقي من الناس من هو مثل أشعب .. فلا تحزن .. وكن جبلاً ..
كان المربي الأول e يتعامل مع الناس بعقله لا بعاطفته .. كان يتحمل أخطاء الآخرين ويرفق بهم ..
وانظر إليه r وقد جلس في مجلس مبارك يحيط به أصحابه ..
فيأتيه أعرابي يستعينه في دية قتيل .. قد قتل - هو أو غيره -رجلاً .. فأقبل يريد من النبي e أن يعينه بمال .. يؤديه إلى أولياء المقتول ..
فأعطاه رسول الله e شيئاً .. ثم قال تلطفاً معه : أحسنت إليك ؟
قال الأعرابي : لا .. لا أحسنت ولا أجملت ..
فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه .. فأشار النبي e إليهم أن كفوا ..
ثم قام e إلى منزله .. ودعا الأعرابي إلى البيت فقال له :
إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت ..
ثم زاده r شيئاً من مال وجده في بيته ..
فقال : أحسنت إليك ؟
فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ..
فأعجبه r هذا الرضى منه .. لكنه خشي أن يبقى في قلوب أصحابه على الرجل شيء .. فيراه أحدهم في طريق أو سوق .. فلا يزال حاقداً عليه ..
فأراد أن يسلَّ ما في صدورهم ..
فقال له e : إنك كنت جئتنا فأعطيناك .. فقلت ما قلت .. وفي نفس أصحابي عليك من ذلك شيء .. فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي .. حتى يذهب عن صدورهم ..
فلما جاء الأعرابي .. قال e : إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال .. وإنا قد دعوناه فأعطيناه .. فزعم أنه قد رضي ..
ثم التفت إلى الأعرابي وقال : أكذاك ؟
قال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ..
فلما هم الأعرابي أن يخرج إلى أهله ..
أراد r أن يعطي أصحابه درساً في كسب القلوب .. فقال لهم :
إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه .. فاتبعها الناس .. يعني يركضون وراءها ليمسكوها .. وهي تهرب منهم فزعاً .. ولم يزيدوها إلا نفوراً .. فقال صاحب الناقة :
خلوا بيني وبين ناقتي .. فأنا أرفق بها وأعلم بها ..
فتوجه إليها صاحب الناقة فأخذ لها من قشام الأرض .. ودعاها ..
حتى جاءت واستجابت .. وشد عليها رحلها .. واستوى عليها ..
ولو أني أطعتكم حيث قال ما قال .. دخل النار ..
يعني لو طردتموه .. لعله يرتدّ عن الدين .. فيدخل النار .. ([3])
وما كان الرفق في شيء إلا زانه .. وما نزع من شيء إلا شانه .
( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ..
ذُكر أنه r لما فتح مكة .. جعل يطوف بالبيت ..
فأقبل فضالة بن عمير .. رجل يظهر الإسلام ..
فجعل يطوف خلف النبي e .. ينتظر منه غفلة .. ليقتله ..!!
فلما دنا من النبي e ..
انتبه e إليه .. فالتفت إليه وقال : أفضالة !!
قال : نعم .. فضالة يا رسول الله ..
قال : ماذا كنت تحدث به نفسك ؟
قال : لاشيء .. كنت أذكر الله ..!!
فضحك النبي r .. ثم قال : أستغفر الله ..
قال فضالة .. : ثم وضع رسول الله r يده على صدري .. فسكن قلبي ..
فوالله ما رفع رسول الله r يده عن صدري ..
حتى ما خلق الله شيء أحب إلي منه ..
ثم رجع فضالة إلى أهله .. فمر بامرأة كان يجالسها .. ويتحدث إليها ..
فلما رأته .. قالت : هلم إلى الحديث ..
فقال : لا .. ثم قال ..
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا ** يأبى عليك الله و الإسلام
لو ما رأيت محمداً وقبيله ** بالفتح يوم تكسَّر الأصنامُ
لرأيت دين الضحى بينا ** والشرك يغشى وجهه الإظلام
وكان فضالة بعدها من صالحي المسلمين ..
كان e يملك قلوب الناس بالعفو عنهم .. يتحمل الأذى في سبيل التأثير فيهم .. وجرهم إلى الخير ..
كان أبو طالب يكف عن النبي e كثيراً من أذى قريش ..
فلما مات أبو طالب .. ضيقت قريش كثيراً على النبي e في مكة ..
ونالت من الأذى ما لم تكن نالته منه في حياة عمه أبي طالب ..
فجعل e يفكر في مكان آخر يلجأ إليه .. يجد فيه النصرة والتأييد ..
فخرج إلى الطائف يلتمس من قبيلة ثقيف النصرة والمنعة ..
دخل الطائف ..
فتوجه إلى ثلاثة رجال هم سادة ثقيف وأشرافهم ..
وهم أخوة ثلاثة :
عبد ياليل بن عمرو ..
وأخوه مسعود ..
وحبيب ..
جلس اليهم .. دعاهم إلى الله .. كلمهم لما جاءهم له من نصرته على الإسلام .. والقيام معه على من خالفه من قومه ..
فكان ردهم بذيئاً !!
أما أحدهم فقال : أنا أمرط ثياب الكعبة .. إن كان الله أرسلك !!
وقال الآخر : أما وجد الله أحداً يرسله غيرك ؟!
وجعل الثالث يبحث متحذلقاً عن عبارة يرد بها .. حرص على أن تكون أبلغ من كلام صاحبيه ..
فقال : والله لا أرد عليك أبداً .. لئن كنت رسولاً من الله كما تقول .. لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام .. ولئن كنت تكذب على الله .. فما ينبغي لي أن أكلمك ..
فقام e من عندهم وقد يئس من خير ثقيف ..
وخشي أن تعلم قريش أنهم ردوه .. فيزدادون أذى له ..
فقال لهم : إن فعلتم ما فعلتم .. فاكتموا عليَّ ..
فلم يفعلوا .. بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم .. فجعلوا يركضون وراء رسول الله e .. يسبونه ويصيحون به ..
وقد اصطفوا صفين .. وهو يسرع الخطى بينهم .. وكلما رفع رجلاً رضخوها بالحجارة ..
وهو e يحاول .. أن يسرع فيخطاه ليتقي ما يرمونه به من حجارة ..
وجعلت قدماه الشريفتان e تسيلان بالدماء ..
وهو الكهل الذي جاوز الأربعين ..
فأبعد عنهم .. ومشى .. ومشى ..
حتى جلس في موضع آمن يستريح .. تحت ظل نخلة ..
وهو منشغل البال .. كيف ستستقبله قريش .. كيف سيدخل مكة ..
فرفع طرفه إلى السماء وقال :
اللهم اليك أشكو ضعف قوتي .. وقلة حيلتي .. وهواني على الناس ..
يا أرحم الراحمين ..
أنت رب المستضعفين .. وأنت ربي .. إلى من تكلني ! إلى بعيد يتجهمني .. أم إلى عدو ملكته أمري !
إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي .. ولكن عافيتك هي أوسع لي ..
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات .. وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..
من أن تنزل بي غضبك .. أو تحل عليَّ سخطك ..
لك العتبى حتى ترضى .. ولا حول ولا قوة الا بك ..
فبينما هو كذلك .. فإذ بسحابة تظله e ..
وإذا فيها جبريل عليه السلام .. فناداه :
يا محمد .. إن الله قد سمع قول قومك لك .. وما ردوا عليك .. وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ..
وقبل أن ينطق e بكلمة ..
ناداه ملك الجبال .. السلام عليك يا رسول الله ..
يا محمد .. إن الله قد سمع قول قومك لك .. وأنا ملك الجبال .. قد بعثني اليك ربك لتأمرني ما شئت ..
ثم قبل أن ينطق e أو يختار ..
جعل ملك الجبال يعرض عليه .. ويقول :
إن شئت تطبق عليهم الأخشبين .. وهما جبلان عظيمان في جانبي مكة ..
وجعل ملك الجبال ينتظر الأمر ..
فإذا به e يطأ على حظوظ النفس .. وشهوة الانتقام .. ويقول :
بل .. أستأني بهم .. فإني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً ..

[]كن بطلاً ..[/]
[]وإن الذي بيني وبين بني أبي [/]
[]وبين بني عمي لمختلف جداً [/]
[]فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم [/]
[]وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً[/]
[]وليسوا إلى نصري سراعاً وإن هم[/]
[]دعوني إلى نصر أتيتهم شداً [/]
[]ولا أحمل الحقد القديم عليهم [/]
[]وليس رئيس القوم من يحمل الحقد[/]

[]3. أقنعه بخطئه ليقبل النصح .. [/]
بعض الناس يشغل الآخرين بكثرة التوجيهات والملاحظات حتى يوصلهم إلى مرحلة الملل والاستثقال ..
خاصة إذا كانت النصائح والتوجيهات مبنية على آراء وأمزجة شخصية ..
كمن ينصحك بعد وليمة دعوت الناس إليها وتعبت في إعدادها وتعب معك أهلك ومالك ! ثم يقول لك هذا الناصح : يا أخي الوليمة ما كانت مناسبة .. وتعبك ذهب هدراً .. وكنت أظن أنها ستكون بمستوى أعلى من هذا .. فتقول لماذا ؟ فيقول : يا أخي أكثر اللحم كان مشوياً .. وأنا أحب اللحم المسلوق !!
والسلطات كانت حامضة بسبب اللليمون .. وأنا لا أحب ذلك ..
وكذلك الحلويات كانت مزينة بالكريمة .. وهذا يجعل طعمها غير مقبول ..
ثم يقول لك : وعموماً أكثر الناس أيضاً تضايقوا .. وما أكلوا إلا مجاملة .. أو لأنهم اضطروا إليه ..
فقطعاً .. أنت هنا ستنظر إلى هذا الناصح نظرة ازدراء وإعراض .. ولن تقبل منه نصيحته ؛ لأنها مبنية على آراء وأمزجة شخصية ..!!
قل مثل ذلك فيمن ينصح آخر حول طريقة تعامله مع أولاده .. أو مع زوجته .. أو طريقة بنائه لبيته .. أو نوع سيارته .. بناء على ذوقه الخاص ..
انتبه دائماً أن تكون هذه النصائح والانتقادات مبنية على مجرد أمزجة شخصية ..
نعم لو طلب رأيك .. أبده له واعرضه عليه .. أما أن تتكلم معه وتنصح كما تنصح المخطئ .. فلا ..
وأحياناً .. المنصوح لا يشعر أنه مخطئ فلا بد أن تكون حجتك قوية عند نصحه ..
جلس أعرابي صلف مع قوم صالحين .. فتكلموا حول بر الوالدين .. والأعرابي يسمع ..
فالتفت إليه أحدهم وقال : يا فلان .. كيف برك بأمك ..
فقال الأعرابي : أنا بها بار ..
قال : ما بلغ من برك بها ؟
قال : والله ما قرعتها بسوط قط !!
يعني إن احتاج إلى ضربها .. ضربها بيده أو عمامته .. أما السوط فلا يضربها به .. من شدة البرّ!!
فالمسكين ما كان ميزان الخطأ والصواب عنده مستقيماً ..
فكن رفيقاً لطيفاً .. حتى يقتنع الذي أمامك بخطئه ..
كان في عهده e امرأة من بني مخزوم تستلف المتاع من النساء .. وتتغافل عن رده فإذا سألوها عنه جحدته .. وأنكرت أنها أخذت شيئاً ..
حتى زاد أذاها في الجحد والسرقة فرفع أمرها إلى رسول الله e .. فقضى فيها أن تقطع يدها ..
فشق على قريش أن تقطع يدها وهي من قبيلة من كبار قبائل قريش ..
فأرادوا أن يكلموا النبي e ليخفف هذا الحكم إلى حكم آخر .. كجلد أو غرامة مال .. أو نحو ذلك ..
وكلما توجه رجل منهم لنقاش النبي e في هذا الأمر .. تردد ورجع ..
فقالوا لن يجترئ على رسول الله e إلا أسامة بن زيد .. حِبُّ رسول الله e وابن حِبِّه .. تربى هو وأبوه في بيت النبي e حتى صار كولده ..
فكلموا أسامة ..
أقبل أسامة إلى رسول الله e .. فرحب به وأجلسه عنده ..
جعل أسامة يكلم النبي e ليخفف الحكم .. ويبين أن هذه المرأة من أشراف الناس ..
وأسامة يواصل الكلام والنبي e يستمع .. كان أسامة يحاول إقناع النبي e برأيه ..
نظر النبي e إلى أسامة .. فإذا هو يحاول ويناقش .. بكل قناعة .. ولا يدري أنه يطلب منه ما لا يجوز ..!!
فتغير النبي وغضب e وكان أول كلمة قالها أن بين له خطأه فقال :
أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة ؟
فكأنه يبين سبب غضبه لأسامة .. وأن حدود الله تعالى التي أوجب على عباده إقامتها لا تجوز الشفاعة فيها ..
فانتبه أسامة .. وقال فوراً : استغفر لي يا رسول الله ..
فلما كان الليل .. قام e فخطب في الناس وأثنى على الله بما هو أهله .. ثم قال :
" أما بعد .. فإنما أهلك الذين من قبلكم :
أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه .. وإذا سرق فيهم الضعيف .. أقاموا عليه الحد ..
وإني والذي نفسي بيده .. لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها .."
ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها ..
قالت عائشة t : فحسنت توبتها بعدُ .. وتزوجت ..
وكانت تأتيني بعد ذلك .. فأرفع حاجتها إلى رسول الله e ([4]) ..
أسامة t له مواقف متعددة مع رسول الله e .. كلها تفيض بالرحمة والتعامل الراقي ..
قال أسامة بن زيد : بعثنا رسول الله e إلى الحرقات من جهينة ..
فهزمناهم وخرجنا في آثارهم .. فلحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ..
فلاذ منا بشجرة ..
فلما أدركناه .. ورفعنا عليه السيف .. قال : لا إله إلا الله ..
فأما صاحبي الأنصاري فخفض سيفه ..
وأما أنا فظننت أنه يقولها فرقاً من السلاح .. فحملت عليه فقتلته ..
فعرض في نفسي من أمره شيء .. فأتيت النبي e ..
فأخبرته ..
فقال لي : أقال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!
قلت : إنه لم يقلها من قِبَلِ نفسه .. إنما قالها فرقاً من السلاح ..
فأعاد علي : أقال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!
فهلا شققت عن قلبه .. حتى تعلم أنه إنما قالها فرقاً من السلاح ..
سكت أسامة .. فهو لم يشق عن قلب الرجل فعلاً ..!! لكنه كان في ساحة حرب .. والرجل مقاتل !!
فأعاد عليه e السؤال مستنكراً : أقال لا إله إلا الله .. ثم قتلته ؟!
يا أسامة قتلت رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله !! كيف تصنع بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟!
فما زال يقول ذلك حتى وددت إني لم أكن أسلمت إلا يومئذ ([5]) ..
فتأمل كيف تدرج معه ببيان الخطأ وإقناعه به .. ثم وعظه ونصحه ..
ولأجل أن يقتنع المنصوح بما تقول .. ناقشه بأفكاره ومبادئه هو قدر المستطاع ..
نعم فكر من وجهة نظره ..
بينما رسول الله e في مجلسه المبارك .. يحيط به أصحابه ألأطهار ..
إذ دخل شاب إلى المسجد وجعل يتلتفت يميناً وشمالاً كأنه يبحث عن أحد ..
وقعت عيناه على رسول الله e .. فأقبل يمشي إليه ..
كان المتوقع أن يجلس الشاب في الحلقة ويستمع إلى الذكر .. لكنه لم يفعل ..!
إنما نظر الشاب إلى رسول الله e وأصحابه حوله .. ثم قال بكل جرأة :
يا رسول الله .. ائذن لي بـ .. بطلب العلم ؟!
لا .. لم يقلها .. ويا ليته قالها ..
ائذن لي بالجهاد .. لا .. ويا ليته قالها ..
أتدري ماذا قال ؟
قال : يا رسول الله .. ائذن لي بالزنا ..
عجباً !! هكذا بكل صراحة ؟!!
نعم .. هكذا : ائذن لي بالزنا ..
نظر النبي e إلى الشاب .. كان يستطيع أن يعظه بآيات يقرؤها عليه .. أو نصيحة مختصرة يحرك بها الإيمان في قلبه .. لكنه e سلك أسلوباً آخر ..
قال له e بكل هدوء : أترضاه لأمك ؟
فانتفض الشاب وقد مرَّ في خاطره أن أمه تزني .. فقال : لا .. لا أرضاه لأمي ..
فقال له e بكل هدوء : كذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ..
ثم فاجأه سائلاً : أترضاه لأختك ؟!
فانتفض الشاب أخرى .. وقد تخيل أخته العفيفة تزني .. وقال مبادراً : لا .. لا أرضاه لأختي ..
فقال e : كذلك الناس لا يرضونه لأخواتهم ..
ثم سأله : أترضاه لعمتك ؟! أترضاه لخالتك ؟!
والشاب يردد : لا .. لا ..
فقال e : فأحب للناس ما تحب لنفسك .. واكره للناس ما تكره لنفسك ..
أدرك الشاب عند ذلك أنه كان مخطئاً .. فقال بكل خضوع :
يا رسول الله .. ادعُ الله أن يطهر قلبي ..
فدعاه e .. فجعل الشاب يقترب .. ويقترب .. حتى جلس بين يديه .. ثم وضع يده على صدره .. وقال :
اللهم اهد قلبه .. واغفر ذنبه .. وحصن فرجه ..
فخرج الشاب وهو يقول : والله لقد دخلت على رسول الله e .. وما شيء أحب إليَّ من الزنا .. وخرجت من عنده وما شيء أبغض إليَّ من الزنا ..
ثم انظر إلى استعمال العواطف .. دعاه .. وضع يده على صدره .. دعا له ..
يعني استعمل جميع الأساليب لإصلاح من أمامه .. بعدما جعله يقتنع بشناعة الفعل ليتركه عن قناعة .. فلا يفعله أبداً .. لا أمامه ولا خلفه ..

[]قاعدة ..[/]
[]إذا شعر المخطئ ببشاعة خطئه اقتنع بحاجته للنصيحة .. وصار قبوله أكثر .. وقناعته أكبر .. [/]

[]4. لا تلمني !! انتهى الأمر .. ؟[/]
يظن بعض الناس أنه عندما يلوم الآخرين على أخطائهم التي ربما تكون لا ترى إلا بالمجهر ..
يظن أنه يتقرب منهم أكثر .. أو أنه يقوي شخصيته بذلك ..
والحق أنه ليس الذكاء والفطنة أن تستطيع اللوم .. وإنما هو أن تتجنبه قدر المستطاع .. وتسعى إلى إصلاح الأشخاص بأساليب لا تجرح .. ولا تحرج ..
أحياناً تحتاج في بعض الأمور أن تتعامى .. خاصة الأشياء الدنيوية .. والحقوق الخاصة ..[/]
ليس الغبي بسيد في قومه 00 لكن سيد قومه المتغابي

[]والملوم يعتبر اللوم سهماً حاداً يوجه إليه .. لأنه يشعره بنقصه ..
هذا أولاً ..
ثانياً : تجنب النصح في الملأ قدر المستطاع ..
[]تغمدني بنصحك في انفرادي ..[/]
[]وجنبني النصيحة في الجماعة[/]
[]فإن النصح بين الناس نوع .. [/]
[]من التوبيخ لا أرضى استماعه[/]
بل .. إذا انتشر خطأ معين .. واضطررت إلى النصح العام .. فاعمل بقاعدة : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا .. كما تقدم معنا ..
إذن .. اللوم كالسوط الذي يجلد به اللائم ظهر الملوم ..
وبعض الناس ينفر الآخرين إما بكثرة لومه .. أو بلومه على أمور انتهت ولا يقدم اللوم أو يؤخر فيها شيئاً ..
أذكر أن رجلاً فقيراً .. تغرب عن أهله إلى بلد آخر .. واشتغل سائق شاحنة .. كان في أحد الأيام متعباً لكنه ركب الشاحنة ومضى بها في طريق طويل بين مدينتين ..
غلبه النوم أثناء الطريق .. فجعل يصارعه وأسرع قليلاً .. فتجاوز سيارة أمامه دون أن ينتبه إلى الطريق فإذا أماه سيارة صغيره فيها ثلاثة أشخاص .. حاول أن يتفاداها .. لم يستطع .. فاصطدم بها وجهاً لوجه ..
ثار الغبار .. وجعل المارة يوقفون سياراتهم ويتفرجون على الحادث ..
نزل سائق الشاحنة .. ونظر إلى السيارة المصدومة .. وإلى من بداخلها فإذا هم موتى ..
أنزلهم الناس واتصلوا بالإسعاف ..
قعد سائق الشاحنة ينتظر ووصول الإسعاف .. ويفكر فيما سيحصل له بعد الحادث من سجن ودية .. ويفكر في أولاده الصغار .. وزوجته ..
مسكين .. هموم انهدت عليه كالجبال ..!!
جعل الناس يمرون به ويلومونه ..
عجباً ..!! أهذا وقت اللوم .. ألا يمكن أن يؤجل قليلاً ؟
قال أحدهم : لماذا تسرع ؟ هذه عواقب السرعة ..
وقال آخر : أكيد أنك كنت نعسان ومع ذلك استمريت في القيادة ..! لم توقف سيارتك وتنام ..؟
وقال ثالث : المفروض أن مثلك لا تصرف لهم رخص قيادة !!
كانوا يقولون هذه العبارات بأسلوب حاد .. فيه تعنيف وصراخ ..
كان الرجل واجماً .. جالساً على صخرة ساكتاً .. متكئاً برأسه على يديه ..
وفجأة هوى على جنبه .. و .. و .. مااات ..
قتلوه بلومهم .. ولو صبروا قليلاً لكان خيراً له ولهم ..
ضع نفسك موضع الملوم ..المخطئ .. وفكر من وجهة نظره ..
فأحياناً لو كنت مكانه قد تقع في خطأ أكبر من خطئه ..
كان رسول الله e يراعي ذلك كثيراً ..
لما انصرف r من خيبر.. أطالوا المسير حتى تعبوا ..
فلما أقبل الليل .. نزلوا في موضع في الطريق ليناموا ..
فقال r : من رجل يحفظ علينا الفجر لعلنا ننام ؟
كان بلال t متحمساً فقال : أنا يا رسول الله أحفظه عليك ؟
فاضطجع رسول الله r .. ونزل الناس فناموا ..
وقام بلال يصلي حتى تعب .. وقد كان متعباً من طول الطريق قبل ذلك ..
فقعد واستند إلى بعيره مستريحاً .. واستقبل الفجر يرمقه .. فغلبته عينه .. فناااام ..
كان الجميع في تعب شديد .. فطال نومه ونومهم .. ومضى الليل .. وطلع لاصبح .. والكل نيام .. ولم يوقظهم إلا حر الشمس ..
استيقظ رسول الله r .. وهبَّ الناس من نومهم .. فلما رأوا الشمس اضطربوا .. وكثر لغطهم ..
الكل ينظر إلى بلال ..
التفت r إلى بلال وقال : ماذا صنعت بنا يا بلال ؟
فأجاب بلال بجواب مختصر .. لكنه موضح للواقع تماماً ..
قال : يا رسول الله .. أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ..
يعني أنا بشر .. حاولت أن أقاوم النوم .. فلم أستطع .. غلبني النوم كما غلبكم !!
فقال e : صدقت .. وسكت عنه ..
نعم فما فائدة اللوم هنا ..
فلما رأى r اضطراب الناس .. قال r : ارتحلوا ..
فارتحلوا .. فمشى شيئاً يسيراً ..
ثم نزل ونزلوا .. فتوضأ وتوضئوا ..
ثم صلى بالناس ..
فلما سلم .. أقبل على الناس فقال :
إذا نسيتم الصلاة .. فصلوها إذا ذكرتموها ..
فلله دره ما أعقله وأحكمه e ..
كان مدرسة لكل قائد ..
ليس مثل بعض الرؤساء اليوم لا تكاد عصا اللوم والتقريع تنزل من يده ..
بل كان e يضع نفسه مكان من تحته ويفكر بعقولهم .. ويتعامل مع القلوب قبل الأجساد ..
يعلم أنهم بشر .. وليسوا آلات !!
في السنة الثامنة من الهجرة ..
جمع الروم جيشاً .. وأقبل من جهة الشام .. لقتال النبي r وأصحابه ..
وقيل إنهr جمع جيشاً لغزوهم ابتداءً ..
بدأ r يجهز جيشاً لإرساله إليهم .. فلم يزل يحث الناس حتى جمع ثلاثة آلاف ..
فزودهم بما وجد من سلاح وعتاد ..
قال لهم : أميركم زيد بن حارثة ..
فإن أصيب زيد .. فجعفر بن أبي طالب على الناس ..
فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ..
وخرج معهم r يودعهم ..
وخرج الناس يودعون الجيش ..
ويقولون : صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين ..
كان عبد الله بن رواحة مشتاقاً إلى الشهادة .. فقال :
لكنني أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي ياأرشد الله من غازٍوَقد رشدا
ثم مضى الجيش حتى نزلوا "معان" من أرض الشام ..
فبلغهم أن هرقل ملك الروم قد نزل من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ..
وانضم إليه من القبائل حوله مائة ألف .. فصار جيش الروم مائتي ألف ..
فلما تيقن المسلمون من ذلك .. أقاموا في "معان" ليلتين ينظرون في أمرهم ..
فقال بعضهم : نكتب إلى رسول الله r نخبره بعدد عدونا ..
فإما أن يمدنا بالرجال ..
أو يأمرنا بما يشاء فنمضي له .. وكثر كلام الناس في ذلك ..
فقام عبد الله بن رواحة .. ثم صاح بالناس وقال :
يا قوم .. والله إن التي تكرهون هي التي خرجتم تطلبون .. الشهادة في سبيل الله .. تفرون منها !!
وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة .. ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به .. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين .. إما ظهور وإما شهادة ..
فمضى الناس .. يسيرون ..
حتى إذا دنوا من جيش الروم .. في موقعة "مؤتة" فإذا أعداد عظيمة لا قبل لأحد بها ..
قال أبو هريرة t : شهدت يوم مؤتة .. فلما دنا منا المشركون .. رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة .. والسلاح .. والكراع .. والديباج .. والحرير .. والذهب ..
فبرق بصري ..
فقال لي ثابت بن أرقم : يا أبا هريرة .. كأنك ترى جموعاً كثيرة ؟
قلت : نعم ..
قال : إنك لم تشهد بدراً معنا .. إنا لم ننصر بالكثرة ..
ثم التقى الناس فاقتتلوا ..
فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله r حتى كثرت عليه الرماح وسقط صريعاً شهيداً t ..
فأخذ الراية جعفر بكل بطولة .. فاقتحم عن فرس له شقراء فجعل يقاتل القوم .. وهو يقول :
يا حبذا الجنة واقـترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لاقيتها ضرابها
أن جعفر أخذ اللواء بيمينه فقطعت ..
فأخذ اللواء بشماله فقطعت ..
فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة ..
قال ابن عمر : وقفت على جعفر يومئذ .. وهو قتيل .. فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره ..
فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء ..
إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعته نصفين ..
فلما قتل جعفر .. أخذ عبد الله بن رواحة الراية ..
ثم تقدم بها وهو على فرسه ..
فجعل يستنزل نفسه .. ويتردد بعض التردد .. ويقول :
أقسمت يا نفس لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة
ثم قال :
يا نفس إلا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلهما هديت
ثم نزل .. فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق من لحم ..
شد بهذا صلبك .. فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ..
فأخذه من يده فانتهش منه نهشة .. ثم سمع الحطمة في ناحية الناس ..
فقال : وأنت في الدنيا ! فألقاه من يده .. ثم أخذ سيفه ثم تقدم ..
فقاتل حتى قتل t ..
فوقعت الراية .. واضطرب المسلمون .. وابتهج الكافرون ..
والراية تطؤها الخيل .. ويغلوها الغبار ..
فأقبل البطل ثابت بن أرقم ..
ثم رفعها .. وصاح ..
يا معاشر المسلمين .. هذه الراية .. فاصطلحوا على رجل منكم ..
فتصايح من سمعه وقالوا : أنت .. أنت ..
قال : ما أنا بفاعل ..
فأشاروا إلى خالد بن الوليد ..
فلما أخذ الراية .. قاتل بقوة .. حتى إنه كان يقول :
لقد اندقَّ في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف ، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية ..
ثم انحاز خالد بالجيش .. وانحاز الروم إلى معسكرهم ..
خشي خالد أن يرجع بالجيش إلى المدينة من ليلته .. فيتبعهم الروم ..
فلما أصبحوا .. غير خالد مواقع الجيش ..
فجعل مقدمة الجيش .. في المؤخرة ..
وجعل مؤخرة الجيش مقدمة ..
ومن كانوا يقاتلون في يمين الجيش .. أمرهم بالانتقال إلى يساره ..
وأمر من في الميسرة أن يذهبوا للميمنة ..
فلما ابتدأ القتال .. وأقبل الروم ..
فإذا كل سرية منهم ترى رايات جديدة .. ووجوهاً جديدة ..
فاضطرب الروم .. وقالوا : قد جاءهم في الليل مدد .. فرعبوا في القتال ..
فقتل المسلمون منهم مقتلة عظيمة .. ولم يقتل من المسلمين إلا اثنا عشر رجلاً ..
وانسحب خالد بالجيش .. آخر النهار من ساحة القتال .. ثم واصل مسيره نحو المدينة ..
فلما أقبلوا إلى المدينة ..
لقيهم الصبيان يتراكضون إليهم .. ولقيتهم النساء ..
فجعلوا يحثون التراب في وجوه الجيش .. ويقولون :
يا فرار .. فررتم في سبيل الله ..
فلما سمع النبي r ذلك ..
علم أنهم لم يكن أمامهم إلا ذلك ..
وأنهم فعلوا ما بوسعهم ..
فقال r مدافعاً عنهم :
ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار .. إن شاء الله عز وجل " .
نعم انتهى الأمر .. وهم أبطال ماقصروا .. لكنهم بشر والأمر كان فوق طاقتهم ..
إذن الصلاة على الميت الحاضر .. أحياناً انتهى الأمر فلا فائدة من اللوم ..
كان هذا منهجه e دائماً ..
لما سمع الكفار برسول الله r قادماً بجيشه إلى مكة فاتحاً .. دخلهم الرعب ..
فأرسل إليهم رسول الله r من يقول لهم :
· من دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن ..
· ومن دخل المسجد فعو آمن ..
· ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ..
فبدأ الناس يفرون من بين يديه r ..
فاجتمع بعض فرسان قريش .. وأردوا أن يحاربوا .. فأبى عليهم قومهم ..
فاجتمع نفر منهم في مكان يقال له الخندمة ..
اجتمع صفوان بن أمية .. وعكرمة بن أبي جهل .. وسهيل بن عمرو ..
وجمعوا ناساً معهم بالخندمة ليقاتلوا ..
وكان حماس بن قيس ..
يعد سلاحاً قبل قدوم النبي e .. ويصلحه ..
فقالت له امرأته : لماذا تعد ما أرى ؟
قال : لمحمد وأصحابه ..!!
كانت امرأته تعلم بقوة المسلمين .. فقالت : والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء !
قال : والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم .. يعين ياسر بعضهم ويجيء بهم إليها خدماً ..
ثم قال مفتخراً :
إن يقبلوا اليوم فما لي علة هذا سلاح كامل وأله
[]وذو غرارين سريع السلة[/]
ثم خرج من عندها .. إلى موقع "الخندمة" .. حيث اجتمع أصحابه ..
فما هو إلا أن لقيهم المسلمون .. يتقدمهم سيف الله خالد بن الوليد ..
فابتدأ القتال .. وصال الأبطال ..
فقتل في لحظة واحدة .. أكثر من اثني عشر أو ثلاثة عشر .. من الكفار ..
فلما رأى حماس بن قيس ذلك ..
التفت إلى صفوان وعكرمة .. فإذا هما يفران إلى بيوتهما ..
فانهزم معهم .. وذهب يعدو إلى بيته .. فدخله سريعاً ..
وأخذ يصيح بامرأته فزعاً : أغلقي علي بابي .. فإنهم يقولون من دخل داره وأغلق بابه فهو آمن ..!!
فقالت : فأين ما كنت تقول ؟ أن تهزمهم .. وتخدمني بعضهم ..!!
فقال :
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمة واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وهمهمة لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
صحيح .. لو رأت امرأته ما رأى من شدة القتال .. ما نطقت في لومه كلمة ..
وفي موقف آخر ..
لما دخل النبي e .. مكة فاتحاً .. فقد كان يعلم عظمة البلد الحرام .. فقاتل قتالاً يسيراً ..
ثم قال : إن الله حرم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض .. وإنما حلَّ لي ساعة من نهار " ..
فقيل له : يا رسول الله .. أنت تنهى عن القتل .. وهذا خالد بن الوليد في كتيبته .. يقتل من لقيه من المشركين ؟
فقال r : " قم يا فلان .. فأت خالد بن الوليد .. فقل له : فليرفع يده من القتل " .
هذا الرجل يعلم أنهم الآن يعيشون حالة حرب .. وأن النبي e أمرهم قريشاً بالبقاء في بيوتهم لئلا يقتلوا .. فمن كان في غير بيته استحق المقاتلة ..
ففهم من قول النبي r : يرفع يده من القتل .. أي يقتل كل من وقف أمامه .. حتى يرفع يده بالسيف لأنه لا يجد من يقتل ..!!
فأتى الرجل خالداً فصاح به : يا خالد .. إن رسول الله r .. يقول : اقتل من قدرت عليه !
فقتل خالد سبعين إنساناً ..
فأتي رجل النبي r .. قال : يا رسول الله .. هذا خالد يقتل ..
فعجب النبي r .. كيف يقتل وقد نهاه ..؟!
فأرسل إلى خالد ليأتيه .. فأتاه .. فقال e : " ألم أنهك عن القتل ؟ "
فعجب خالد وقال : يا رسول الله .. جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه ..
فأرسل النبي r إلى ذاك الرجل .. فجاء ورأى خالداً .. فقال له e : " ألم أقل يرفع يده من القتل ؟ "
فأدرك الرجل خطأه .. لكن الأمر انتهى .. فقال : يا رسول الله .. أردتَّ أمراً .. وأراد الله أمراً .. فكان أمرُ الله فوق أمرك .. وما استطعتُ إلا الذي كان ..
فسكت عنه النبي r وما ردَّ عليه شيئاً ..
من تأمل في مسيرة الحياة .. وجد هذا الأمر ظاهراً ..
أحياناً يكون الشخص قد فعل أحسن ما يستطيع ..
ركبت مع أحد الشباب في سيارته .. فإذا قيادته جيدة ..
وكنت أعلم أنه وقع له حادث تصادم قبل اسبوع ..
فسألته : ألاحظ أن قيادتك جيدة .. فلماذا صدمت قبل أسبوع ؟!
قال : كان لا بد أن أصدم !!
قلت عجباً !!
قال : نعم .. كان لا بد أن أصدم .. أتدري لماذا ؟
قلت : لماذا ؟!
قال :
أقبلت بسيارتي على جسر .. وكنت مسرعاً ..
فلما نزلت منه فإذا السيارات أمامي متوقفة صفوفاً ..
لا أدري ما السبب .. حادث في الأمام .. أو نقطة تفتيش .. لا أدري .. المهم أني تفاجات بها ..
كان أمامي أربعة مسارات كلها مليئة بالسيارات .. وكنت مخيراً بين أن أنحرف عنها كلها وأسقط من فوق الجسر .. أو أمسك فرامل بأقوى ما أستطيع وعندها ستلعب بي السيارة في الطريق ..
أو الاختيار الثالث .. وهو أهونها ..
قلت : وما هو ؟!
قال : أن أصدم إحدى السيارات الأربع الواقفة أمامي ..
ضحكت .. وقلت .. هاه وماذا فعلت ؟
قال : خففت سرعتي قدر استطاعتي .. واخترت أرخص السيارات التي أمامي .. و .. و .. صدمتها ..
فكرت فيما قال .. فرأيت أنه لا يستحق اللوم كثيراً .. وذلك أن الاختيارات التي كانت أمامه محدودة ..
يعني بعض المشاكل ليس لها حل .. شخص أبوه عصبي .. نصحه بجميع الأساليب .. ما نفع .. ماذا يفعل ؟



يتـــــــــــــبع[/]
شريرة غير متواجد حالياً