عرض مشاركة واحدة
08-02-2010, 02:48 PM   #6
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

[][]الناس كلما أشعرتهم بقيمتهم وأظهرت الاهتمام بهم .. ملكت قلوبهم .. وأحبوك ..

1. أشعرهم أنك تحب الخير لهم ..[/]
كلما كان قلبك مملوءاً بالمحبة والنصح للآخرين .. كلما صرت صادقاً في مهاراتك في التعامل معهم ..
وكلما أحس الناس بحبك لهم .. ازدادوا هم أيضاً لك محبة وقبولاً ..
كانت إحدى الطبيبات تمتلئ عيادتها الخاصة دائماً بالمراجِعات ..
وكانت المريضات يرغبن في المجيء إليها دائماً وكل واحدة تشعر أنها صديقة خاصة لهذه الطبيبة ..
كانت هذه الطبيبة تمارس مهارات متعددة تسحر بها قلوب الآخرين ..
من ذلك .. أنها اتفقت مع السكرتيرة أنها إذا اتصلت إحدى المريضات تريد أن تتحدث مع الطبيبة أو تسألها عن شيء يخص المرض ..
فإن السكرتيرة تسألها عن اسمها .. وترحب بها .. ثم تطلب منها التكرم بالاتصال بعد خمس دقائق ..
ثم تأخذ السكرتيرة الملف الخاص بهذه المريضة .. وتناوله للطبيبة .. فتقرأ الطبيبة معلومات المرض .. وتنظر إلى بطاقتها الخاصة .. ومعلوماتها الكاملة بما فيها وظيفتها وأسماء أولادها ..
فإذا اتصلت المريضة .. رحبت بها الطبيبة .. وسألتها عن مرضها .. وعن فلان ولدها الصغير .. وأخبار وظيفتها .. و ..
فتشعر المريضة أن هذه الطبيبة تحبها جداً لدرجة أنها تحفظ أسماء أولادها وتتذكر مرضها .. ولم تنس مكان عملها .. فترغب في المجيء إليها دائماً ..
أرأيت أن امتلاك القلوب وأسرها سهل جداً ..
ولا بأس أن تعبر عن محبتك للآخرين بكل صراحة .. سواء كانوا أباً أو أماً .. أو زوجة أو أبناء .. أو زملاء وجيران ..
لا تكتم مشاعرك نحوهم .. قل لمن تحبه : أنا أحبك .. أنت غالٍ إلى قلبي ..
حتى لو كان عاصياً قل له : إنك أحب إلي من أناس كثيييير ..
ولم تكذب فهو أحب إليك من ملايين اليهود .. أليس كذلك .. كن ذكياً ..
أذكر أني ذهبت مرة لأداء العمرة .. وكنت خلال طوافي وسعيي أدعو للمسلمين جميعاً .. بالحفظ والنصر والتمكين .. وربما قلت : اللهم اغفر لي واغفر لأحبابي وأصحابي ..
وبعد انتهائي من شعائرها .. حمدت الله على التيسير ..
ثم اكتريت فندقاً لأبيت فيه .. فلما وضعت رأسي على وسادتي كتبت رسالة عبر الهاتف الجوال أقول فيها :
"الآن أنهيت العمرة وتذكرت أحبابي وأنت منهم فلم أنسك من الدعاء الله يحفظك ويوفقك " ..
انتهت الرسالة ..
أرسلتها إلى الأسماء المخزنة في ذاكرة الهاتف .. كانت خمسمائة اسم ..
لم أكن أتصور التأثير العجيب لهذه الرسالة في قلوب الآخرين ..
منهم من أرسل إليّ : والله إني أبكي وأنا أقرأ رسالتك .. أشكرك أنك ذكرتني بدعائك ..
وآخر كتب : والله يا أبا عبد الرحمن ما أدري بم أرد عليك ! ولكن جزاك الله خيراً ..
والثالث كتب : أسأل الله أن يستجيب دعاءك .. ونحن والله لا ننساك ..
نحن في الحقيقة نحتاج بين الفينة والأخرى أن نُذَكّر الناس بأننا نحبهم .. وأن كثرة مشاغل الدنيا لم تنسنا إياهم ..
ولا بأس أن يكون ذلك بمثل هذه الرسائل ..
يمكن أن تكتب إلى أحبابك : دعوت لكم بين الأذان والإقامة .. أو في ساعة الجمعة الأخيرة ..
وإذا كانت نيتك صالحة فلن يكون في هذا إظهار للعمل أو رياء .. وإنما زيادة ألفة ومحبة بين المسلمين ..
أذكر أني ألقيت محاضرة في مخيم دعوي صيفي في مدينة الطايف .. في جبال الشفاء وهي متنزه يجتمع فيه أعداد كبيرة من الشباب ..
كان أكثر الحاضرين هم من الشباب الذين يظهر عليهم الخير والصلاح .. أما الشباب الآخرون فقد بقوا في أطراف المتنزهات ما بين لهو وطرب ..
انتهت المحاضرة ..
أقبل جمع من الشباب يسلمون ..
كان من بينهم شاب له قصة شعر غريبة ويلبس بنطال جينز ضيق .. أقبل يصافح ويشكر .. فسلمت عليه بحرارة .. وشكرته على حضوره وهززت يده وقلت : وجهك وجه داعية .. تبسم وانصرف ..
بعدها بأسبوعين تفاجأت باتصال يقول : هاه ما عرفتني .. يا شيخ أنا الذي قلت لي وجهك وجه داعية .. والله لأصبحن داعية إن شاء الله .. ثم صار يشرح لي مشاعره بعد تلك الكلمات ..
أرأيت كيف يتأثر الناس بصدق العبارة .. والمحبة ..!
أما رسول الله e فقد كان ياسر قلوب الناس بروعة أخلاقه .. وقدرته على إظهار محبته الصادقة لهم ..
كان أبو بكر وعمر .. أجلّ الصحابة ..
وكانا يتنافسان في الخير دوماً ..
وكان أبو بكر يسبق غالباً .. فإن بكر عمر للصلاة وجد أبا بكر سبقه .. وإن أطعم مسكيناً وجد أبا بكر سبقه ..
وإن صلى ليلة .. وجد ابا بكر قبله ..
وفي يوم أمر النبي e الناس بالصدقة لسد حاجة نازلة نزلت بالمسلمين ..
وافق ذلك الوقت أن عمر عنده سعة من المال ..
فقال : اليوم أسبق أبا بكر .. إن سبقته يوماً ..
ذهب عمر فجاء بنصف ماله .. فدفعه إلى رسول الله r ..
فما أول كلمة قالها e لعمر لما رأى المال ؟
هل سأله عن مقدار المال ؟ أم سأله عن نوعه ذهب أم فضة ؟
لا .. بل لما رأى e كثرة المال .. تكلم بكلمات يستنتج منها عمر أنه محبوب عند رسول الله e ..
قال لعمر : ( ما أبقيت لأهلك يا عمر ؟ ) ..
قال عمر : يا رسول الله .. أبقيت لهم مثله " ..
ويجلس عمر عند رسول الله r منتشياً .. ينتظر أبا بكر ..
فيأتي أبو بكر t بمالٍ كثير فيدفعه إلى رسول الله r وعمر واقف مكانه .. يرى العطاء ويسمع الحوار ..
فإذا بالنبي e قبل أن يلتفت إلى ما يحتاجه من مال .. يسأل أبا بكر : ( يا أبا بكر .. ما أبقيت لأهلك ؟ ) ..
نعم فهو يحب أبا بكر .. ويحب أهله .. ولا يرضى بالضرر عليه ..
قال أبو بكر : يا رسول الله .. أبقيت لهم الله ورسوله .. أما المال فقد أتيت به جميعاً ..
لم يأت بنصفه .. ولا بربعه .. وإنما أتى به كله ..
فما كان من عمر t إلا أن قال :" لا جرَم .. لا سابقت أبا بكر أبداً " ..
كان الناس يشعرون أنه e يحبهم..فكانوا يهيمون به حباً ..صلى بهم e إحدى الصلوات .. فكأنه عجل بصلاته قليلاً حتى بدت أقصر من مثيلاتها ..
فلما انقضت الصلاة .. رأى e تعجب أصحابه ..
فقال لهم : لعلكم عجبتم من تخفيفي للصلاة ؟
قالوا : نعم ! ..
فقال e : إني سمعت بكاء صبي فرحمت أمه ..!!
أرأيت كيف يحب الآخرين .. ويظهر لهم هذه المحبة من خلال تعامله ..
[]لست وحدك ..
أظهر عواطفك .. كن صريحاً : أنا أحبك .. فرحت بلقياك .. أنت غال إلى قلبي ..

2. اِحفظ الأسماء ..[/]
وهذا من الاهتمام بالناس ..
ما أجمل أن تقابل شخصاً ما في موقف عارض .. كلقاء عند بنك .. أو في طائرة .. أو في وليمة عامة ..
فتتعرف على اسمه .. ثم تراه في موقف آخر .. فتقبل عليه قائلاً : مرحباً يا فلان ..
لا شك أن ذلك يطبع في قلبه لك محبة وتقديراً ..
حفظك لاسم الشخص الذي أمامك يشعره باهتمامك به ..
فرق بين المدرس الذي يحفظ أسماء طلابه .. والذي لا يحفظ ..
قولك للطالب : قم يا فلان .. أحسن من : قم يا طالب ..
حتى في الرد على الهاتف .. أيهما أحب إليك .. أن يجيبك من تتصل به بقوله : نعم ..أو ألو ..
أو يقول محتفياً : مرحباً يا خالد .. هلا أبو عبد الله ..
بلا شك ان استماعك لاسمك له في القلب رنة قبل الأذن ..
جرت العادة بعد المحاضرات العامة أن يزدحم علي بعض الشباب يصافحون ويشكرون ..
كنت أحرص على ترديد كلمة : الاسم الكريم ؟ حياك الله من الأخ ؟ .. أقولها لكل واحد أسلم عليه لأبدي له اهتمامي به .. فكان كل واحد يجيبني مستبشراً : أخوك زياد .. ابنك ياسر ..
وأذكر يوماً أنه بعدما سلم عدد كبير منهم ومضوا .. عاد أحدهم ليسأل .. فأول ما أقبل عليَّ قلت له : حياك الله يا خالد .. فابتهج وقال : ما شاء الله !! تعرف اسمي !!
الناس عموماً يحبون مناداتهم بأسمائهم ..
من المعروف أن الموظف العسكري يعلق لوحة صغيرة على صدره فيها اسمه ..
فأذكر أني ألقيت محاضرة في إحدى المناطق العسكرية .. فازدحم أكثرهم مسلماً بعد المحاضرة ..
كان أحدهم يقترب ويبتعد .. وكأنه يريد السلام لكنه يخجل من مزاحمة الآخرين ..
التفت إليه ولمحت لوحة اسمه .. فمددت يدي إليه وقلت : مرحباً فلان !! فتغير وجهه وتعجب .. ومد يده مصافحاً وهو يتبسم ويقول : هاه !! كيف عرفت اسمي ؟
فقلت : يا أخي الذين نحبهم .. لازم نعرف أسماءهم ..
فكان لهذا تأثير كبير عليه ..
كثير من الناس يقتنع بهذا ويتمنى لو استطاع حفظ أسماء الآخرين ..
أما أسباب عدم حفظ الأسماء .. فهي كثيرة ..
منها .. عدم الاهتمام بالأشخاص أثناء مقابلتهم ..[/]
[]ومنها .. التشاغل وقت التعارف وعدم التركيز أثناء استماع الاسم ..
ومنها .. موقفك تجاه الشخص
المقابل ..
[/]
[]
كاعتقادك بأنك لن تقابله مرة أخرى .. فتقول في نفسك : لا داعي لحفظ الاسم ..
أو كان إنساناً بسيطاً لا يستثير اهتمامك ..[/]
[]أو عندما لا تسمع الاسم جيداً وتشعر بحرج من طلب إعادة اسمه ..
فهذه أسباب تجعل الناس لا يحفظون الأسماء ..
[/]

[]أما العلاج لحفظ الأسماء .. فله طرق .. منها :[/]

[]الاقتناع بأهمية تذكر الاسم واستشعارك أنك بسماعك له ستسأل عنه بعد دقائق .. [/]

[]ومنها .. التركيز على وجه الشخص أثناء الاستماع إلى اسمه ..
حاول أن تلاحظ الشخص المقابل وطبيعة حديثه وابتسامته
لينطبع في ذاكرتك ..[/]

[]أثناء حديثك معه ناده باسمه مراراً .. صحيح يا فلان ..؟ سمعت يا فلان ..؟ أنت معي يا فلان ..؟ وكرره أكثر من مرة ..

[/]

[][]باختصار ..
أشعرني باهتمامك بي .. بحفظك اسمي .. ونادني به .. لأحبك ..

3. كن لماحاً[/]
قسم كبير من الأشياء التي نمارسها في الحياة .. نفعلها لأجل الناس لا لأجل أنفسنا ..
عندما تُدعى لوليمة عرس .. فتلبس أحسن ثيابك .. إنما تفعل ذلك لأجل لفت انتباه الناس وجذب إعجابهم .. لا لأجل لفت انتباه نفسك ..
وتفرح إذا لاحظت أنهم أُعجبوا بجمال هيئتك .. أو رونق ثيابك ..
وعندما تؤثث مجلس ضيوفك .. وتتكلف في تزويقه والعناية به .. إنما تفعل ذلك أيضاً لأجل نظر الناس .. لا لأجل نظر نفسك .. بدليل أنك تعتني بغرفة استقبال الضيوف أكثر من عنايتك بالصالة الداخلية .. أو بحمام أطفالك !!
عندما تدعو أصحابك إلى طعام .. ألا ترى أن زوجتك – وربما أنت - تعتني بترتيب الطعام وتنويعه أكثر من العادة .. بلى .. وكلما زادت أهمية هؤلاء الأصحاب .. زادت العناية بالطعام ..
وكم تكون سعادتنا غامرة عندما يثني أحد على لباسنا أو ديكورات بيوتنا .. أو لذة طعامنا ..
وقد قال e : " وليأت إلى الناس الذي يحب أن يأتوا إليه " أي عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به ..
كيف ..؟!
رأيت على صاحبك ثوباً جميلاً .. انتبه له .. أثن عليه .. أسمعه كلمات رنانة .. ما شاء الله !! ما هذا الجمال !! اليوم كأنك عريس !!
زارك يوماً فشممت من ثيابه عطراً فواحاً جميلاً .. أثن عليه .. تفاعل معه .. كن لماحاً .. فهو ما وضع الطيب إلا لأجلك ..
ردد عبارات جميلة :.. ما هذه الروائح .. ما أحسن ذوقك ..
دعاك شخص لطعام .. أثن على طعامه .. فإنك تعلم أن أمه أو زوجته أو أخته وقفت ساعات في المطبخ لأجلك .. أو لأجل المدعويين عموماً .. وأنت منهم ..
أو أنه على الأقل تعب في إحضاره من المطعم ومحل الحلويات .. و .. فأسمعه كلمات تجعله يشعر أنك ممتن له بما قدم لك .. وأن تعبه لم يذهب سُدَى ..
دخلت بيت أحد أصدقائك – أو دخلتي بيت إحدى صديقاتك – فرأيت أثاثاً جميلاً .. فأثن على الأثاث .. والذوق الرفيع .. ( لكن انتبه لا تبالغ حتى لا يشعر أنه استهزاء ) ..
حضرت في مجلس عام .. فسمعت حمد يتكلم مع الحاضرين بانطلاق .. وقد أحيا المجلس .. وأسعد الحاضرين .. أثن عليه .. خذ بيده إذا قمتم .. قل له : ما شاء الله ..!! ما هذه القدرات !! بصراحة ما ملَّح المجلس إلا حضورك ..
جرب افعل ذلك .. فسوف يحبك ..
رأيت موقفاً جميلاً لولد مع أبيه .. قبَّل يدَه .. قرَّبَ إليه نعليه .. أثن على الولد .. كن لماحاً ..
لبس ثوباً جديداً .. أثن عليه .. كن لماحاً ..
زرت أختك .. رأيت عنايتها بأولادها .. كن لماحاً .. أثن عليها ..
رأيت عناية صاحبك بأولاده .. أو روعة ترحيبه بضيوفه .. كن جريئاً .. لماحاً .. أثن عليه .. أخرج ما في صدرك من الإعجاب به ..
ركبت مع شخص في سيارته .. أو استأجرت تاكسي .. لاحظت نظافة سيارته .. حُسنَ قيادته .. كن لماحاً .. أثن عليه ..
قد تقول : هذه أمور عادية .. صحيح لكنها مؤثرة ..
لقد جربت ذلك بنفسي .. ومارست هذه المهارة مع أعداد من الناس .. كباراً وصغاراً .. وعمالاً بسطاء .. ومدرسين .. بل مارستها مع أشخاص يشغلون مناصب عليا .. ورأيت من تأثرهم أعاجيب ..
خاصة في الأشياء التي ينتظرها الناس منك .. كيف ؟
عريس .. رأيته بعد زواجه بأسبوع ..
رجل حصل على شهادة عليا ..
شخص سكن بيتاً جديداً ..
كلهم بلا شك ينتظرون منك كلمات .. كن كما يتوقعون ..
كان عبد المجيد - ابن عمي - شاباً في المرحلة الثانوية .. بعد تخرجه طلب مني الذهاب معه للجامعة لتسجيله فيها .. اتصلت به ذات صباح ومررت على بيته بسيارتي ليرافقني للجامعة ..
كانت المشاعر تتزاحم في قلبه .. فهو ينتقل إلى مرحلة جديدة .. ويفكر في الكلية التي ستقبله ..
أول ما ركب سيارتي شممت رائحة عطره .. كانت رائحة نفاثة جداً .. ويبدو أنه قد أفرغ العلبة كلها ذلك اليوم على ملابسه ..
بصراحة خنقني بالرائحة .. فتحت النوافذ لأتنفس .. شعرت أن المسكين تكلف في تزويق ثيابه .. وتطييبها ..
ثم التفتُّ إليه وابتسمت وقلت :
ماااا شاااااء الله !!.. إيش هالروائح الحلوة !! أخاف عميد الكلية أول ما يشم هالرائحة الحلوة يصرخ بأعلى صوته يقول : مقبوووووول ..
لا تتصور مدى السرور الذي غطى على قلبه .. والبشر الذي طفح على وجهه ..
التفت إليَّ .. وقال بحماس : أشكرك يا أبا عبد الرحمن .. أشكرك .. والله إنه عطر غااال .. وأضعه دائماً والناس ما يلاحظونه .. ثم بدأ يشمه من طرف غترته ويقول : بالله عليك : ذوقي حلو ..؟!
آآآه .. مر على هذا الموقف أكثر من عشر سنوات .. فقد تخرج عبد المجيد من الجامعة وتعين في وظيفة منذ سنوات .. إلا أن ذلك الموقف لا يزال عالقاً في أذنه .. ربما ذكرني به مازحاً في بعض اللقاءات ..
نعم .. كن لماحاً .. التحكم بعواطف الناس وكسب محبتهم سهل جداً .. لكننا في أحيان كثيرة نغفل عن ممارسة مهارات عادية نكسبهم بها ..
ولا تعجب إن قلت إن صاحب الخلق العظيم e كان يمارس هذه المهارات .. وأحسن منها ..
في أول سنين الإسلام .. لما ضيق على المسلمين في دينهم بمكة .. هاجروا إلى المدينة ..
تركوا ديارهم وأموالهم ..
قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة مهاجراً .. وكان في مكة تاجراً ممكناً .. لكنه جاء المدينة فقيراً معدماً ..
كحل سريع للمشكلة .. آخى النبي e بين المهاجرين والأنصار ..
آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري ..
كانت نفوسهم سليمة .. وقلوبهم صافية ..
فقال سعد لعبد الرحمن : أي أُخيَّ .. أنا أكثر أهل المدينة مالاً ..
فأقسم مالي نصفين .. فخذ نصفه وأبق لي نصفه ..
ثم خشي سعد أن عبد الرحمن يريد أن يتزوج .. ولا يجد زوجة ..
فعرض عليه أن يزوجه ..
فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلكومالك .. دُلّني على السوق ..!!
صحيح .. عبد الرحمن ترك ماله في مكة واستولى عليه الكفار ..
لكنه كان ذا عقل راجح .. وخبرة تجارية واسعة ..
دله سعد على السوق .. فذهب فاشترىوباع فربح ..
يعني اشترى بضاعة بالآجل ثم باعها حالة .. فصار عنده رأس مال تاجر فيه ..
وكان يتقن فن البيع والشراء والمماكسة .. حتى جمع مالاً فتزوج ..
ثم جاءإلى النبي عليه الصلاة والسلام .. وعليه ودْعُ زعفران .. أي أثر طيب نساء ..!!
ليس غريباً فهو ( عريس ) ..
النبي e طبيب النفوس .. كان لماحاً .. يترقب الفرص لاصطياد القلوب .. أول ما رآه .. انتبه لهذا التغير .. وجعل ينظر إلى أثر الطيب ويقول لعبد الرحمن : " مهيم ؟ " .. أي ما الخبر ؟
ابتهج عبد الرحمن .. وقال : يا رسول الله .. تزوجت امرأة من الأنصار ..
عجب النبي e .. كيف استطاع أن يتزوج وهو حديث عهد بهجرة ..!!
فقال : " فما أصدقتها ؟"
فقال : وزن نواة من ذهب ..
فأراد r أن يزيد من فرحته .. فقال " أولِمْولو بشاة " ..
ثم دعا له النبي e .. بالبركة في ماله وتجارته ..
فحلت البركة عليه ..
قال عبد الرحمن وهو يصف كسبه وتجارته : فلقد رأيتنيولو رفعت حجراً لرجوت أن أصيب ذهباًوفضة ..
وكان e لماحاً حتى مع الضعفاء والمساكين ..
يشعرهم بقيمتهم .. يجعلهم يحسون أنه منتبه لهم .. وأنهم مهمون عنده .. وأنه يقدر لهم أعمالهم التي يقومون بها مهما كانت متواضعة ..
فإذا افتقدهم .. ذَكَرهم بالخير .. وتلمّح أعمالهم .. فتشجع الآخرون أن يفعلوا كفعلهم ..
كان في المدينة امرأة سوداء .. مؤمنة صالحة .. كانت تكنس المسجد ..
كان e يراها أحياناً .. فيعجب بحرصها ..
مرت أيام .. ففقدها رسول الله r .. فسأل عنها ؟
فقالوا : ماتت يا رسول الله ..
فقال : أفلا كنتم آذنتموني ..
فصغّروا أمرها .. وأنها مسكينة مغمورة لا تستحق أن يخبر عنها رسول الله e .. وقالوا أيضاً : ماتت بليل .. فكرهنا أن نوقظك ..
فحرص e على أن يصلي عليها .. فعملها وإن رآه الناس صغيراً فهو عند الله كبير .. ولكن كيف يصلي عليها وقد ماتت ودفنت ؟!
قال r : دلوني على قبرها ..
فمشوا معه حتى أوقفوه على قبرها .. دلوه فصلى عليها ..
ثم قال e : إن هذه القبور .. مملوءة ظلمة على أهلها .. وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم ..
فبالله عليك .. ما هو شعور من رأوه e ينتبه إلى هذا العمل الصغير من امرأة ضعيفة .. كيف سيكون حماسهم للقيام بمثل فعلها وأعظم ..
دعني أهمس في أذنك :
نحن في مجتمع لا يقدر أحياناً مثل هذه المهارات .. فانتبه !! لا يطفئْ حماسَك فريق من الثقلاء الغلاظ الذين مهما لمحت ما عندهم من لطائف .. وأثنيت عليهم بالكلمات الرقيقة الرنانة .. لم يتأثروا .. أو ردوا على تلطفك بكلمات سامجة ممجوجة .. لا طعم لها .. بل ولا لون ولا رائحة !!
ومن لطائف هؤلاء ..
أن شاباً – أعرفه – دُعي إلى وليمة كبيرة .. فيها أشخاص مهمون .. مر على السوق في طريقه .. ودخل محل عطور وأظهر أنه سيشتري فجعل الموظف يحتفي به .. ويرش عليه من أنواع العطور ما غلا ثمنه وزكا ريحه .. ليختار من بينها ما يناسبه ..
فلما امتلأت ثياب صاحبنا طيباً .. قال للبائع بلطف : أشكرك .. وإن أعجبني شيء منها فقد أعود إليك ..
ذهب سريعاً إلى الوليمة متداركاً رائحة العطر قبل أن تزول ..
جلس على العشاء بجانب صديقه خالد .. لم يلاحظ خالد الرائحة .. ولم يعلق بكلمة ..
فقال له صاحبنا باستغراب : ما تشم رائحة عطر جميلة ؟!
قال خالد : لا ..
فقال صحبنا : أكيد أنفك مسدود ..!!
فأجاب خالد فوراً : .. لو كان أنفي مسدوداً .. ما شممت رائحة عرقك ..!!

[]اعتراف ..
مهما بلغ الشخص من النجاح .. إلا أنه يبقى بشراً يطرب للثناء ..

4. انتبه : كن لمّـّاحاًًًً للجمال فقط ..[/]
بعض الناس يتحمس كثيراً لأنْ يكون لماحاً .. فلا يكاد يسكت عن الملاحظة والثناء ..
لكنهم قالوا قديماً : الشيء إذا زاد عن حده .. انقلب إلى ضده ..
ومن تعجل الشيء قبل أوانه .. عوقب بحرمانه ..
فكن لماحاً للأشياء الجميلة الرائعة .. التي يفرح الشخص برؤية الناس لها .. وينتظر ثناءهم عليها .. ويطرب لسماع ألفاظ الإعجاب بها ..
أما الأشياء التي يستحي من رؤيتها .. أو يخجل من ملاحظتها فحاول أن تتعامى عنها ..
مثلاً :
دخلت بيت صاحبك فرأيت الكراسي قديمة ..
فانتبه من أن تكون من الثقلاء الذي لا يكفون عن تقديم اقتراحات لم تطلب منهم ..
انتبه من أن يفرط لسانك بقول : لماذا ما تغير الكراسي ؟!
الثريات نصفها ما يشتغل ..!!
لماذا لا تشتري ثريات جديدة !!
دهان الجدار قديييييم .. لماذا ما تدهنه بألوان جديدة !!
يا أخي هو لم يطلب منك اقتراحات .. ولست مهندس ديكور اتفق معك على أن يستفيد من آرائك .. ابق ساكتاً ..
لعله لا يستطيع تغييرها ..
لعله يمر بضائقة مالية ..
لعله ..
ليس أثقل على الناس ممن يحرجهم بالنظر إلى ما يستحون منه .. ثم يثيره ويبدأ في التعليق عليه ..
ومثل ذلك .. لو كان ثوبه قديماً .. أو مكيف سيارته متعطل .. قل خيراً أو اصمت ..
ذكروا أن رجلاً زار صاحباً له فوضع له خبزاً وزيتاً ..
فقال الضيف : لو كان مع هذا الخبز زعتر !!
فدخل صاحب الدار وطلب من أهله زعتراً للضيف فلم يجد ..
فخرج ليشتري ولم يكن معه مال ..! فأبى صاحب الدكان أن يبيعه بالآجل .. فرجع وأخذ وأخذ مطهرته ( وهي الإناء الذي يضع فيه الماء ليتوضأ منه ) فخرج بها ودفعها إلى صاحب الدكان – رهناً – حتى إذا لم يسدد له قيمة الزعتر يبيع صاحب الدكان المطهرة ويستوفي الثمن لنفسه ..
ثم أخذ الزعتر ورجع به إلى ضيفه .. فأكل ..
فلما انتهى الضيف من الطعام قال : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا .. وقنعنا بما آتانا ..
فتأوَّه صاحب الدار تأوُّه الحزين وقال : لو قنّعَك الله بما آتاك .. لما كانت مطهرتي مرهونة !!
وكذلك لو زرت مريضاً فلا تردد عليه :
أووووه .. وجهك أصفر .. عيناك زائغتان .. جلدك يابس ..
عجباً !! هل أنت طبيبه ؟ قل خيراً أو اصمت ..
ذكروا أن رجلاً زار مريضاً .. فجلس عنده قليلاً .. ثم سأله عن علته .. فأخبره المريض بها .. وكانت علة خطيرة ..
فصرخ الزائر :
آآآآ .. هذه العلة أصابت فلاناً صاحبي فمات منها .. وأصابت فلاناً صديق أخي ولا يزال مقعداً منها أشهراً ثم مات .. وأصابت فلاناً جار زوج أختي ومات ..
والمريض يستمع إليه ويكاد أن ينفجر ..
فلما أنهى الزائر كلامه وأراد الخروج التفت إلى المريض وقال : هاه .. توصيني بشيء ؟
قال المريض : نعم .. إذا خرجت فلا ترجع إلي َّ .. وإذا زرت مريضاً فلا تذكر عنده الموتى ..
وذكروا كذلك أن امرأة عجوزاً مرضت عجوز صديقة لها ..
فجعلت هذه العجوز تلتمس من أبنائها واحداً وَاحداً أن يذهبوا بها لتلك المريضة لزيارتها وهم يتعللون ويعتذرون ..
حتى رضي أحد أبنائها على مضض .. وذهب بها بسيارته ..
فلما وصل بيت العجوز المريضة نزلت أمه وجعل ينتظرها في سيارته ..
دخلت الأم على المريضة فإذا هي قد تمكّن منها المرض .. فسلمت عليها ودعت لها ..
فلما مشت خارجة مرت ببنات المريضة وهن يبكين في صالة البيت ..
فقالت بكل براءة : أنا لا يتيسر لي المجيء أليكن كلما أردت .. وأمكم مريضة ويبدو لي أنها ستموت .. فأحسن الله عزاءكم من الآن ..!!
فانتبه يا لبيب .. كن لماحاً لما يفرح ويسر .. لا لما يحزن ..

[]مشكلة :
إذا اضطررت للمح سيء .. كوسخ ثوبه .. أو رائحة سيئة .. فأحسن التنبيه .. كن لطيفاً ذكياً ..

5. لا تتدخل فيما لا يعنيك ..[/]
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ..
ما أجمل هذه العبارة وأنت تسمعها من الفم الزكي الطاهر .. فم رسول الله r ..
صحيح .. تركه ما لا يعنيه ..
كم هم ثقلاء أولئك الذين يزعجونك بالتدخل فيما لا يعنيهم ..
يشغلك إذا رأى ساعتك .. بكم اشتريتها ..
فتقول : جاءتني هديه ..
فيقول : هدية !! ممن ؟
فتجيب : من أحد الأصدقاء ..
فيقول : صديقك في الجامعة .. أم في الحارة .. أم أين ؟!
فتقول : والله .. آآآ .. صديقي في الجامعة ..
فيقول : طيب .. ما المناسبة ؟!
فتقول : يعني .. مناسبة أيام الجامعة ..
فيقول : مناسبة إيش ؟!! نجاح .. أم كنتم في رحلة .. أو يمكن .. أأ ..
ويستمر في استجوابه لك على قضية تافهة ..!!
بالله عليك ألا تحدثك نفسك أن تصرخ به : لااااا تتدخل فيما لا يعنيك ..
وقد يزداد الأمر سوءاً لو أحرجك بالسؤال في مجلس عام فسبب لك إحراجاً ..
أذكر أني كنت في مجلس مع عدد من الزملاء .. بعد المغرب ..
رن هاتف أحدهم .. كان جالساً بجانبي ..
أجاب : نعم ؟
زوجته : ألو .. وينك يا حمار ؟!
كان صوتها عالياً لدرجة أني سمعت حوارهما ..
قال : بخير .. الله يسلمك ( !!! ) ..
( يبدو أنه كان قد وعدها أن يذهب بها بعد المغرب لبيت أهلها وانشغل بنا ) ..
غضبت الزوجة : الله لا يسلمك .. أنت مبسوط أنك مع أصحابك وأنا أنتظر .. والله انك ثور ( !! ) ..
قال : الله يرضى عليك .. أمرُّك بعد العشاء ..
لاحظتُ أن كلامه لا يتوافق مع كلامها .. فأدركت أنه يفعل ذلك لكيلا يحرج نفسه ..
انتهت مكالمته .. جعلت ألتفت إلى الحاضرين وأتخيل أن واحداً منهم سأله :
من كلمك ؟ وماذا يريد منك ؟ ولماذا تغير وجهك بعد المكالمة ..؟!!
لكن الله رحِمَه لأن أحداً لم يتدخل فيما لا يعنيه ..
ومثله لو زرت مريضاً .. فسألته عن مرضه .. فأجابك بكلمات عامة : الحمد لله .. شيء بسيط .. مرض صغير وانتهى .. أو نحرها من العبارات التي لا تحمل جواباً صريحاً .. فلا تحرجه بالتدقيق عليه : عفواً .. يعني ما هو المرض بالضبط ؟ وضح أكثر ..!! ماذا تعني ..!! ونحو ذلك ..
عجباً !! ما الداعي لإحراجه ..؟ من حسن إسلام المرء تركه ما يعنيه .. يعني .. تنتظر أن يقول لك : أنا مريض بالبواسير .. أو مصاب بجرح في .. أو ..
ما دام أنه أجاب إجابة عامة فلا داعي للتطويل معه ..
ولا أعني بهذا عدم سؤال المريض عن مرضه ؟ إنما أعني عدم التدقيق في الأسئلة ..
ومثله .. الذي ينادي طالباً أمام الناس في مجلس عام .. ويسأله بصوت عالٍ :
هاه يا أحمد .. نجحت ..
فيقول : نعم ..
فيسأله : كم نسبتك ؟ كم ترتيبك في الفصل ؟
إن كنت صادقاً في اهتمامك به فاسأله على انفراد بينك وبينه ..
ثم لا داعي للتدقيق .. كم نسبتك .. لماذا لم تذاكر .. لماذا لم تقبل في الجامعة .. إن كنت مستعداً لإعانته فقف معه جانباً وحدثه بما تريد .. أما نشر غسيله أمام الناس .. فلا ..
قال e : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ..
لكن انتبه !! لا تعط الموضوع أكبر من حجمه ..
سافرت إلى المدينة النبوية قبل مدة .. كنت مشغولاً بعدد من المحاضرات ..
فاتفقت مع شاب فاضل أن يأخذ ولدي عبد الرحمن وأخاه بعد العصر إلى حلقة تحفيظ أو مركز صيفي ترفيهي .. ويعيدهم بعد العشاء ..
كان عبد الرحمن في العاشرة من عمره .. خشيت أن يسأله ذلك الشاب من باب الفضول أسئلة لا داعي لها .. ما اسم أمك ؟ أين بيتكم ؟ كم عدد إخوانك ؟ كم يعطيك أبوك من المال ؟
فنبهت عبد الرحمن قائلاً : إذا سألك سؤالاً غير مناسب .. فقل له : قال e : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه .. وكررت عليه الحديث حتى حفظه ..
ركب عبد الرحمن وأخوه .. مع الشاب .. كان عبد الرحمن مشدوداً متهيباً ..
قال الشباب متلطفاً : حياك الله يا عبد الرحمن ..
فأجابه بحزم : الله يحييك ..
أراد الشاب المسكين أن يلطّف الجو .. فقال : الشيخ عنده محاضرة اليوم ؟!
حاول الولد أن يتذكر الحديث فلم تسعفه ذاكرته .. فصرخ قائلاً : لا تتدخل فيما لا يعنيك !!
قال الشاب : لا .. أقصد .. بل حتى أحضر وأستفيد ..
فظن عبد الرحمن أنه يتذاكى عليه : فأعاد الجواب : لا تتدخل فيما لا يعنيك ..
قال الشاب : عفواً عبد الرحمن أعني ..
فصرخ عبد الرحمن : لااااا تتدخل فيما لا يعنيك !!
ولم يزل هذا حالهما حتى رجعا !!
أخبرني عبد الرحمن بالقصة مفتخراً .. فضحكت وفهمته الأمر مرة أخرى ..

[]ورشة عمل ..
مجاهدة النفس على التحرر من التدخل في شئون الآخرين .. متعبة في البداية .. لكنها مريحة في النهاية ..

6. كيف تتعامل مع "الملاقيف " ([1]) ؟[/]
أحياناً يتناول بعض الناس هاتفك الجوال - بدون استئذان - ويقرأ الرسائل التي فيه ..
كان صاحبي في دعوة عامة .. وليمة عشاء عند أحد القضاة .. كل من في المجلس مشايخ فضلاء ..
جلس صاحبي بينهم .. يتجاذب أطراف الحديث معهم ..
ضايقه وجود هاتفه الجوال في جيبه فأخرجه ووضعه على الطاولة التي بجانبه ..
كان الشيخ الذي بجانبه متفاعلاً في الحديث معه ..
من باب العادة أخذ الشيخ الهاتف الجوال .. رفع إليه .. فلما نظر إلى الشاشة تغير وجهه .. وأرجعه مكانه ..
كتم صاحبي ضحكة مدوية ..
لما خرج ركبت معه في سيارته .. وقد وضع هاتفه الجوال بجانبه .. فرفعته إليَّ - كما فعل الشيخ – فلما نظرت إلى الشاشة ضحكت .. بل غرقت في الضحك ..
تدري لماذا ؟
جرت عادة بعضهم أن يكتب عبارات على شاشة الهاتف .. يكتب اسمه .. أو "اذكر الله" .. أو غيرها ..
أما صاحبي فقد كتب : " أرجع الجهاز يا ملقوف " ..
كثير من الناس من هذا النوع يتدخلون في أمور الآخرين الشخصية ..
فمن الطبيعي أن يركب معك في سيارتك ثم يفتح الدرج الذي أمامه .. وينظر ما بداخله ..!!
وامرأة تفتح حقيبة امرأة أخرى لتأخذ أحمر الشفاه أو ظل العينين ..
وقد يتصل بك فيسألك أين أنت فتقول " طالع مشوار " فيقول : أين ..؟ من معك ؟
مجموعة من الناس نخالطهم يعاملوننا بمثل هذا الأسلوب ..
فكيف نتعامل معهم ؟
أهم شيء أن لا تفقده .. حاول أن تتجنب المصادمة معه ..
حاول أن لا ( يزعل ) منك أحد ..
كن ذكياً في الخروج من الموقف .. دون أن يحدث بينك وبينه مشكلة ..
لا تتساهل بكسب الأعداء أو فقدان الأصدقاء .. مهما كانت الأسباب ..
ومن أحسن الأساليب للتعامل مع الطفيليين .. هو إجابة السؤال بسؤال .. أو الانتقال إلى موضوع آخر تماماً لينسى سؤاله الأول ..
فلو سألك مثلاً : كم مرتبك الشهري ؟
قل له بلطف وتبسم : لماذا هل وجدت لي وظيفة مغرية ..
سيقول : لا .. لكن أريد أن أعرف ..
قل : المرتبات هذه الأيام مشاكل .. ويبدو أن ذلك بسبب ارتفاع أسعار البترول !!
سيقول : ما دخل البترول ..
فقل : البترول هو الذي يتحكم فغي الأسعار .. ألا تلاحظ أن الحروب تقوم لأجله ..
سيقول : لا .. ليس صحيحاً ..
فالحروب لها أسباب أخرى .. والهالمم اليوم مليء بالحروب .. و ..
وينسى سؤاله الأول ..
( هاه .. ما رأيك ألم تخرج من الموقف بذكاء ؟ ) ..
وكذلك لو سألك عن وظيفتك ..
أو أين ستسافر ..
اسأله : لماذا .. هل ستسافر معي ..
سيقول : لا أدري!! أول شيء أخبرني ..
قل : لكن إن سافرت معي .. فالتذاكر عليك ..
عندها سيدخل في موضوع التذاكر وينسى الموضوع الأصلي ..
وهكذا .. نستطيع الخروج من مثل هذه المواقف من غير وقوع مشاكل بيننا وبين ألآخرين ..

[]وقفة ..
إذا ابتليت بمتدخل فيما لا يعنيه .. فكن خيراً منه .. أحسن الخروج من الموقف من غير أن تجرحه ..

7. لا تنتقد !![/]
ركب سيارة صاحبه .. فكانت أول كلمة قالها : ياااه !! ما أقدم سيارتك !!
ولما دخل بيته .. رأى الأثاث فقال : أووووه .. ما غيرت أثاثك ؟!
ولما رأى أولاده .. قال : ما شاء الله .. حلوين .. لكن لماذا ما تلبسهم ملابس أحسن من هذه !!
ولما قدّمت له زوجته طعامه .. وقد وقفت المسكينة في المطبخ ساعات .. رأى أنواعه فقال : ياااا الله .. لماذا ما طبختي رزّ ؟ أوووه .. الملح قليل ! لم أكن أشتهي هذا النوع !!
دخل محلاً لبيع الفاكهة .. فإذا المحل مليء بأصناف الفواكه ..
فقال : عندك مانجو ؟
قال صاحب المحل : لا .. هذه في الصيف فقط ..
فقال : عندك بطيخ ؟ قال : لا ..
فتغير وجهه وقال : ما عندك شيء .. ليش فاتح المحل ! وخرج ..
ونسي أن في المحل أكثر من أربعين نوعاً من الفواكه ..
نعم ..
بعض الناس يزعجك بكثرة انتقاده .. ولا يكاد أن يعجبه شيء ..
فلا يرى في الطعام اللذيذ إلا الشعرة التي سقطت فيه سهواً ..
ولا في الثوب النظيف إلا نقطة الحبر التي سالت عليه خطئاً ..
ولا في الكتاب المفيد إلا خطئاً مطبعياً وقع سهواً ..
فلا يكاد يسلم أحد من انتقاده .. دائم الملاحظات .. يدقق على الكبيرة والصغيرة ..
أعرف أحد الناس .. زاملته طويلاً في أيام الثانوية والجامعة .. ولا تزال علاقتنا مستمرة .. إلا أني لا ذكر أنه أثنى على شيء ..
أسأله عن كتاب ألفته وقد أثنى عليه أناس كثيراً وطبع منه مئات الآلاف فيقول ببرود : والله جيد .. ولكن فيه قصة غير مناسبة .. وحجم الخط ما أعجبني .. ونوعية الطباعة أيضاً سيئة .. و ..
وأسأله يوماً عن أداء فلان في خطبته .. فلا يكاد يذكر جانباً مشرقاً ..
حتى صار أثقل علي من الجبل .. وصرت لا أسأله أبداً عن رأيه في شيء لأني أعرفه سلفاً ..
قل مثل ذلك فيمن يفترض المثالية في جميع الناس ..
فيريد من زوجته أن يكون بيتها نظيفاً 24ساعة 100% ..
ويريدها أيضاً أن يبقى أطفالها نظيفين متزينين على مدى اليوم ..
وإن زاره ضيوف افترض أن تطبخ أحسن الطعام ..
وإن جالسها افترض أن تحدثه بأجمل الأحاديث ..
وكذلك هو مع أولاده .. يريدهم 100% في كل شيء ..
ومع زملائه .. ومع كل من يخالطه في الشارع والسوق .. و ..
وإن قصّر أحد من هؤلاء أكله بلسانه وأكثر عليه الانتقاد وكرر الملاحظات .. حتى يمل الناس منه .. لأنه لا يرى في الصفحة البيضاء إلا الأسودَ ..
من كان هذا حاله عذب نفسه في الحقيقة .. وكرهه أقرب الناس إليه واستثقلوا مجالسته ..
[]إذا أنت لم تشرب مراراً على القذا
ظمئت , وأي الناس تصفو مشاربه؟![/]
إذا كـنت فـي كل الأمور معاتباً
رفـيقك لن تلـق الـذي ستعاتبه
قالت أمنا عائشة t وهي تصف حال تعامله e معهم :
ما عاب رسول الله r طعاماً قط .. إن اشتهاه أكله وإلا تركه .. ([2]) .. نعم ما كان يصنع مشكلة من كل شيء ..
وقال أنس t : والله لقد خدمت رسول الله r تسع سنين .. ما علمته قال لشيء صنعته : لم فعلت كذا وكذا ؟ ولا عاب عليّ شيئاً قط .. ووالله ما قال لي أفَّ قط ..
هكذا كان .. وهكذا ينبغي أن نكون ..
وأنا بذلك لا أدعو إلى ترك النصيحة أو السكوت عن الأخطاء .. ولكن لا تكن مدققاً في كل شيء .. خاصة في الأمور الدنيوية .. تعود أن تمشّي الأمور ..
لو طرق بابك ضيف فرحبت به وأدخلته غرفة الضيوف فلما أحضرت الشاي تناول الفنجان .. فلما نظر إلى الشاي بداخله قال : لـمَ لم تملأ الفنجان ؟ فقلت : أزيدك ؟ قال : لا .. لا .. يكفي ..
فطلب ماء فأحضرت له كأس ماء فشكرك وشربه .. فلما انتهى قال : ماؤكم حار ..
ثم التفت إلى المكيف وقال : مكيفكم لا يبرّد !! وجعل يشتكى الحر .. ثم ..
ألا تشعر بثقل هذا الإنسان .. وتتمنى لو يخرج من بيتك ولا يعود ..
إذن الناس يكرهون الانتقاد ..
لكن إن احتجت إليه فغلفه بغلاف جميل ثم قدمه للآخرين ..
قدمه في صورة اقتراح .. أو بأسلوب غير مباشر .. أو بألفاظ عامة ..
كان رسول الله e إذا لاحظ خطئاً على أحد لم يواجهه به وإنما يقول : ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا ..
يعني : إياكِ أعني واسمعي يا جارة ..
في يوم من الدهر أقبل ثلاثة شباب متحمسين .. إلى المدينة النبوية ..
كانوا يريدون معرفة كيفية عبادة النبي e وصلاته ..
سألوا أزواج النبي r عن عمله في السر ..
فأخبرتهم زوجات النبي r أنه يصوم أحياناً ويفطر أحياناً .. وينام بعضاً من الليل ويصلي بعضه ..
فقال بعضهم لبعض : هذا رسول الله r قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه ..
ثم اتخذ كل واحد منهم قراراً ..!
فقال أحدهم : أنا لن أتزوج .. أي سأبقى عزباً .. متفرغاً للعبادة ..
وقال الآخر : وأنا سأصوم دائماً .. كل يوم ..
وقال الثالث : وأنا لا أنام الليل .. أي سأقوم الليل كله ..
فبلغ النبي r ما قالوه ..
فقام على منبره .. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
ما بال أقوام !! ( هكذا مبهماً ، لم يقل ما بال فلان وفلان ) ..
ما بال أقوام قالوا : كذا وكذا .. لكني أصلي وأنام .. وأصوم وأفطر .. وأتزوج النساء ..
فمن رغب عن سنتي فليس مني ([3]) .
وفي يوم آخر .. لاحظ النبي r أن رجالاً من المصلين معه .. يرفعون أبصارهم إلى السماء في أثناء صلاتهم ..
وهذا خطأ فالأصل أن ينظر أحدهم إلى موضع سجوده ..
فقال r : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم ..
فلم ينتهوا عن ذلك واستمروا يفعلونه .. فلم يفضحهم أو يسمهم بأسمائهم .. وإنما قال :
لينتهُنَّ عن ذلك .. أو لتخطفن أبصارهم ([4]) ..
وكانت بريرة جارية أمةً مملوكة في المدينة .. أرادت أن تعتق من الرق .. فطلبت ذلك من سيدها .. فاشترط عليها مالاً تدفعه إليه ..
فجاءت بريرة .. إلى عائشة تلتمس منها أن تعينها بمال ..
فقالت عائشة : إن شئت أعطيت أهلك ثمنك .. فتعتقين .. لكن يكون الولاء لي ..([5])
فأخبرت الجارية أهلها فأبوا ذلك .. وأرادوا أن يربحوا الأمرين .. ثمن عتقها .. وولاءها !!
فسألت عائشة النبي r .. فعجب e من حرصهم على المال .. ومنعهم للمسكينة من الحرية !!
فقال لعائشة : ابتاعيها .. فأعتقيها .. فإنما الولاء لمن أعتق ..
أي الولاء لك ما دام أنك دفعت المال .. ولا تلتفتي إلى شروطهم فهي ظالمة ..
ثم قام رسول الله r على المنبر فقال :
ما بال أقوام ( ولم يقل آل فلان ) .. يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله .. من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله .. فليس له .. وإن اشترط مائة شرط ([6]) ..
نعم هكذا .. لوّح بالعصا من بعيد ولا تضرب بها ..
فما أجمل أن تقول لزوجتك المهملة في نظافة بيتها : البارحة تعشينا عند صاحبي فلان .. وكان الجميع يثني على نظافة منزله ..
أو تقول لولدك المهمل للصلاة في المسجد .. : أنا أعجب من فلان ابن جيراننا ما نكاد نفقده في المسجد أبداً ..!!
يعني .. إياك أعني واسمعي يا جارة !!
ويحق لك أن تسأل : لماذا يكره الناس الانتقاد ؟
فأقول : لأنه يشعرهم بالنقص .. فكل الناس يحبون الكمال ..
ذكروا أن رجلاً بسيطاً أراد أن يكون له شيء من التحكم ..
فعمد إلى ترمسي ماء أحدهما أخضر والثاني أحمر .. وعبأهما بالماء البارد ..
ثم جلس للناس في طريقهم .. وجعل يصيح : ماء بارد مجاناً ..
فكان العطشان يقبل عليه ويتناول الكأس ليصب لنفسه ويشرب .. فإذا رآه صاحبنا قد توجه للترمس الأخضر ..
قال له : لا .. اشرب من الأحمر .. فيشرب من الأحمر ..
وإذا أقبل آخر .. وأراد أن يشرب من الأحمر .. قال له : لا .. اشرب من الأخضر ..
فإذا اعترض أحدهم .. وقال : ما الفرق ؟!
قال : أنا المسئول عن الماء .. يعجبك هذا النظام أو دبر لنفسك ماءً ..
إنه شعور الإنسان الدائم بالحاجة إلى اعتباره والاهتمام به ..




[]نحلة .. وذباب !!
كن نحلة تقع على الطيب وتتجاوز الخبيث .. ولا تك كالذباب يتتبع الجروح !!

1. لا تكن أُستاذيّاً !!..[/]
قارن بين ثلاثة آباء .. رأى كل واحد ولده جالساً عند التلفاز في أيام الامتحانات ..
فقال الأول لولده : يا محمد .. ذاكر دروسك ..
وقال الثاني : ماجد .. إذا ما ذاكرت دروسك والله لأضربك .. وأحرمك من المصروف .. و ..
أما الثالث فقال : صالح .. لو تذاكر دروسك .. أحسن لك من التلفاز .. صح ؟!
أيهم أحسن أسلوباً ..؟
لا شك أنه الثالث .. لأنه قدم أمره على شكل اقتراح ..
وكذلك في التعامل مع زوجتك .. سارة ليتك تعملين شاي .. هند أتمنى أتغدى مبكراً اليوم ..
وكذلك ..
عندما يخطئ إنسان .. عالج خطأه بأسلوب يجعله يشعر أن الفكرة فكرته هو .. ولدك يغيب عن الصلاة في المسجد ..
قل له – مثلاً – : سعد .. ما تريد تدخل الجنة .. بلى .. إذن حافظ على صلاتك ..
في يوم من الأيام .. وفي خيمة أعرابي في الصحراء ..
جعلت امرأة تتأوه تلد .. وزوجها عند رأسها ينتظر خروج المولود ..
اشتد المخاض بالمرأة حتى انتهت شدتها وولدت ..
لكنها ولدت غلاماً أسود !!
نظر الرجل إلى نفسه .. ونظر إلى امرأته فإذا هما أبيضان .. فعجِبَ كيف صار الغلام أسود !!
أوقع الشيطان في نفسه الوساوس ..
لعل هذا الولد من غيرك !!
لعلها زنى بها رجل أسود فحملت منه !!
لعل ..
اضطرب الرجل وذهب إلى المدينة النبوية .. حتى دخل على رسول الله e وعنده أصحابه ..
فقال : يا رسول الله .. إن امرأتي ولدت على فراشي غلاماً أسود !! وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط !!
نظر النبي e إليه .. وكان قادراً على أن يسمعه موعظة حول حسن الظن بالآخرين .. وعدم اتهام امرأته ..
لكنه أراد أن يمارس معه في الحل أسلوباً آخر ..
أراد أن يجعل الرجل يحل مشكلته بنفسه .. فبدأ يضرب له مثلاً يقرب له الجواب ..
فما المثل المناسب له ..؟ هل يضرب له مثلاً بالأشجار ؟ أم بالنخل ؟ أم بالفُرْس والروم ؟
نظر إليه e فإذا الرجل عليه آثار البادية .. وإذا هو مضطرب تتزاحم الأفكار في رأسه حول امرأته ..
فقال له e : هل لك من إبل ؟
قال : نعم ..
قال : فما ألوانها ؟
قال : حمر ..
قال : فهل فيها أسود ؟
قال : لا ..
قال : فيها أورق ؟
قال : نعم ..
قال : فأنى كان ذلك ؟!
يعني : ما دام أنها كلها حمر ذكوراً وإناثاً .. وليس فيها أي لون آخر .. فكيف ولدت الناقة الحمراء ولداً أورق .. يختلف عن لونها ولون الأب ( الفحل ) ..
فكر الرجل قليلاً .. ثم قال : عسى أن يكون نزعه عرق .. يعني قد يكون من أجداده من هو أورق .. فلا زال الشبه باقياً في السلالة .. فظهر في هذا الولد ..
فقال e : فلعل ابنك هذا نزعه عرق ([1]) ..
سمع الرجل هذا الجواب .. فكر قليلاً فإذا هو جوابه هو .. والفكرة فكرته .. فاقتنع وأيقن .. ومضى إلى امرأته ..
وفي يوم آخر ..
جلس e مع أصحابه .. فجعل يحدثهم عن أبوب الخير ..
وكان مما ذكره .. أن قال : وفي بضع أحدكم صدقة ..
أي وطء أحدكم امرأته له فيه أجر ..
فعجب الصحابة وقالوا : يا رسول الله .. يأتي أحدنا شهوته .. ويكون له أجر ؟!!
فأجابهم e بجواب يشعرون به أن الفكرة فكرتهم .. فلا يحتاجون لنقاش لإقناعهم بها ..
فقال e : أرأيتم لو وضعها في حرام .. أكان عليه وزر ..
قالوا : نعم ..
قال : فكذلك لو وضعها في حلال كان له أجر ..
بل حتى أثناء الحوار مع الآخر ..
تدرج معه عند النصح في الأشياء التي أنتما متفقان عليها ..
خرج r إلى مكة معتمراً في ألف وأربعمائة من أصحابه .. فمنعتهم قريش من دخول مكة ..
ووقعت أحداث قصة الحديبية المشهورة ..
في آخر الأمر وبعد مشاورات طويلة بين النبي r وقريش .. اتفقوا على صلح ..
كان الذي تولى الاتفاق على بنود الصلح من جانب قريش هو سهيل بن عمرو ..
اتفق النبي r مع سهيل على شروط ..
منها :
· أن يعود المسلمون أدراجهم إلى المدينة من غير عمرة ..
· وأن من دخل في الإسلام من أهل مكة وأراد أن يهاجر إلى المدينة فإن المسلمين في المدينة لا يقبلونه ..
· أما من ارتد عن إسلامه وأراد الذهاب إلى المشركين في مكة فإنه يقبل ..!!
إلى غير ذلك من الشروط التي في ظاهرها أنها هزيمة للمسلمين وإذلال لهم ..
كانت قريش في الواقع خائفة من هذا العدد الكبير من المسلمين .. وتعلم أن المسلمين لو شاءوا لفتحوا مكة .. ولهذا كانت قريش تضطر إلى التلطف والمصانعة ..
وكأني بهم .. ما كانوا يحلمون أن يظفروا ولا بربع هذه الشروط ..
كان أكثر الصحابة متضايقاً من شروط العقد ..
لكن أنى لهم أن يعترضوا .. والذي يكتب العقد ويمضيه رجل لا ينطق عن الهوى ..
كان عمر متحفزاً .. ينظر يميناً وشمالاً .. يتمنى لو يستطيع عمل شيء ..
فلم يصبر ..
وثب عمر فأتى أبا بكر .. وأراد أن يناقشه ..
فمن حكمته .. لم يبدأ بالاعتراض .. وإنما بدأ بالأشياء التي هما متفقان عليها ..
وجعل يسأل أبا بكر أسئلة جوابها .. بلى .. نعم .. صحيح ..
فقال : يا أبا بكر .. أليس برسول الله ..؟!
قال : بلى ..
قال : أولسنا بالمسلمين ؟!
قال : بلى ..
قال : أوليسوا بالمشركين ؟!
قال : بلى ..
قال : أولسنا على الحق ؟
قال : بلى ..
قال : أوليسوا على الباطل ؟
قال : بلى ..
قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟!
فقال أبو بكر : يا عمر .. أليس هو رسول الله .؟
قال : بلى ..
قال : فالزم غِرْزه .. فإني أشهد أنه رسول الله ..
أي كن وراءه تابعاً لا تخالفه أبداً .. كما أن غرزات الخيط في الثوب تكون متتابعة ..
قال عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله ..
مضى عمر .. حاول أن يصبر .. فلم يستطع ..
فذهب إلى رسول الله r ..
فقال : يا رسول الله .. ألست برسول الله ؟!
قال : بلى ..
قال : أولسنا بالمسلمين .. ؟
قال : بلى ..
قال : أوليسوا بالمشركين .. ؟!
قال : بلى ..
قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟!
فقال e : أنا عبد الله ورسوله .. لن أخالف أمره .. ولن يضيعني ..
سكت عمر .. ومضى الكتاب .. ورجع المسلمون إلى المدينة ..
ومضت الأيام .. ونقضت قريش العهد .. وأقبل رسول الله r فاتحاً مكة .. مطهراً البيت الحرام من الأصنام ..
وأدرك عمر أنه كان في اعتراضه حينذاك على غير السبيل ..
فكان t يقول :
ما زلت أصوم .. وأتصدق .. وأصلي .. وأعتق .. من الذي صنعت يومئذ .. مخافة كلامي الذي تكلمته يومئذ .. حتى رجوت أن يكون خيراً ..
فلله در عمر .. ودر رسول الله r قبله ..
كيف نستفيد أكثر من هذه المهارة ؟
لو كان ولدك لا يعتني بحفظ القرآن .. وتريده أن يزداد حرصاً ..
ابدأ بالأشياء التي أنتما متفقان عليها .. ألا تريد أن يحبك الله .. ألا تريد أن ترتقي في درجات الجنة ..
سيجيبك حتماً : بلى ..
عندها قدم النصيحة على شكل اقتراح .. : إذن فلو أنك شاركت في حلقة تحفيظ القرآن ..
وكذلك أنتِ : لو رأيتِ امرأة لا تعتني بحجابها ..
ابدئي معها بالأشياء التي أنتما متفقتان عليها ..
أنا أعلم أنك مسلمة .. وحريصة على الخير ..
ستقول : صحيح .. الحمد لله ..
وامرأة عفيفة .. وتحبين الله ..
ستقول : إي والله .. الحمد لله ..
عندها قدمي النصيحة على شكل اقتراح : فلو أنك اعتنيت بحجابك أكثر .. وحرصت على الستر ..
هكذا يمكننا أن نحصل على ما نريد من الناس من غير أن يشعروا ..

[]بارقة ..
تستطيع أن تأكل العسل دون تحطيم الخلية ..

2. أمسك العصا من النصف !![/]
أشكرك على اختيارك مهنة التدريس .. وقد آتاك الله أسلوباً حسناً .. وطلابك يحبونك كثيراً .. و ..
ولكن : ليتك ما تتأخر على الدوام في الصباح ..
أنت جميلة .. والبيت مرتب .. ولا أنكر أن الأولاد متعبون .. و ..
ولكن : أتمنى أن تهتمي بملابسهم أكثر ..
هكذا كان أسلوب صالح مع الناس .. يذكر الجوانب المشرقة عند المخطئ ثم ينبهه على أخطائه .. ليكون عادلاً ..
عندما تنتقد حاول أن تذكر جوانب الصواب في المخطئ .. قبل غيرها ..
حاول دائماً أن تشعر الذي أمامك أن نظرتك إليه مشرقة .. وأنك عندما تنبهه على أخطائه لا يعني ذلك أنه سقط من عينك .. أو أنك نسيت حسناته ولا تذكر إلا سيئاته ..
لا .. بل أشعره أن ملاحظاتك عليه تغوص في بحر حسناته ..
كان النبي e محبوباً بين أصحابه .. وكان يمارس أساليب رائعة في التعامل معهم ..
وقف مرة بينهم .. فشخص ببصره إلى السماء .. كأنه يفكر أو يترقب شيئاً ..
ثم قال : هذا أوانُ يختلس العلم من الناس .. حتى لا يقدروا منه على شيء ..
أي : يُعرض الناس عن القرآن وتعلمه .. وعن العلم الشرعي .. فلا يحرصون عليه ولا يفهمونه ..
فيُختلسُ منهم .. أي : يرفع عنهم ..
فقام صحابي جليل .. هو زياد بن لبيد الأنصاري وقال بكل حماس :
يا رسول الله ، وكيف يختلس منا ؟! وقد قرأنا القرآن ! فوالله لنقرأنه ، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا ..
فنظر إليه النبي e .. فإذا شاب يتفجر حماساً وغيرة على الدين .. فأراد أن ينبهه على فهمه .. فقال :
ثكلتك أمك يا زياد ، إني كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة ..
وهذا ثناء على زياد .. أن يقول له رسول الله e أمام الناس إنه من فقهاء المدينة .. هذا ذكر لجوانب الصواب والصفحات المشرقة لزياد ..
ثم قال e : هذا التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا يغني عنهم ؟! ([2]) ..
أي ليست العبرة يا زياد بوجود القرآن .. وإنما العبرة بقراءته ومعرفة معانيه والعمل بأحكامه ..
هكذا كان تعامله رائعاً ..
وفي يوم آخر .. يمر e ببعض قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام .. وكان يختار أحسن العبارات لأجل ترغيبهم في الاستجابة له والدخول في الإسلام ..
فمر بقبيلة منهم .. اسمهم : بنو عبد الله .. فدعاهم إلى الله .. وعرض عليهم نفسه .. وجعل يقول لهم :
يا بني عبد الله .. إن الله قد أحسن اسم أبيكم ..
يعني لستم ببني عبد العزى .. أو بني عبد اللات .. وإنما أنتم بنو عبد الله .. فليس في اسمكم شرك فادخلوا في الإسلام ..
بل كان من براعته r أنه كان يرسل رسائل غير مباشرة إلى الناس .. يذكر فيها إعجابه بهم .. ومحبته الخير لهم .. فإذا بلغتهم هذه الرسائل .. عملت فيهم من التأثير أكثر مما تعمله – ربَّما – الدعوة المباشرة ..
كان خالد بن الوليد t بطلاً .. ولم يكن بطلاً عادياً .. بل كان بطلاً مغواراً .. يضرب له ألف حساب ..
وكان النبي r يتشوق لإسلامه .. لكن أنى له ذلك .. وخالد ما ترك حرباً ضد المسلمين إلا خاضها .. بل كان هو من أكبر أسباب هزيمة المسلمين في معركة أحد ..
قال فيه النبي r يوماً .. لو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
فكيف كان تأثير ذلك ؟
خذ القصة من أولها ..
كان خالد من أشداء الكفار وقادتهم ..
لا يكاد يفوت فرصة إلا حارب فيها رسول الله e أو ترصّد له ..
فلما أقبل رسول الله r مع المسلمين إلى الحديبية .. وأرادوا العمرة ..
خرج خالد في خيل من المشركين .. فلقوا النبي e وأصحابه بموضع يقال له : عسفان ..
فقام خالد قريباً منهم يتحين الفرصة ليصيب رسول الله e برمية سهم أو ضربة سيف ..
جعل يترصد ويترقب ..
فصلى النبي e بأصحابه صلاة الظهر أمامهم .. فهموا أن يهجموا عليهم .. فلم يتيسر لهم ..
فكأن النبي e علم بهم .. فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ..
أي قسم أصحابه إلى فريقين .. فريق يصلي معه وفريق يحرس ..
فوقع ذلك من خالد وأصحابه موقعاً .. وقال في نفسه : الرجل ممنوع عنا .. أي هناك من يحميه ويمنع عنه الأذى !!
ثم ارتحل e وأصحابه .. وسلكوا طريقاً ذات اليمين .. لئلا يمروا بخالد وأصحابه ..
وصل e إلى الحديبية .. صالح قريشاً على أن يعتمر في العام القادم .. ورجع إلى المدينة ..
رأى خالد أن قريشاً لا يزال شأنها ينخفض في العرب يوماً بعد يوم ..
فقال في نفسه : أي شيء بقي ؟ أين أذهب ؟
إلى النجاشي ؟ .. لا .. فقد اتبع محمداً وأصحابه عنده آمنون ..
فأخرج إلى هرقل ؟.. لا .. أخرج من ديني إلى نصرانية ؟.. أو يهودية ؟ وأقيم في عجم ؟..
فبنما خالد يفكر في شأنه .. ويتردد .. والأيام والشهور تمضي عليه ..
إذ جاء موعد عمرة المسلمين .. فأقبلوا إلى المدينة ..
دخل r مكة معتمراً ..
فلم يحتمل خالد رؤية المسلمين محرمين .. فخرج من مكة .. وغاب أياماً أربعة وهي الأيام التي قضاها النبي e في مكة ..
قضى النبي e عمرته .. وجعل ينظر في طرقات مكة وبيوتها .. ويستعيد الذكريات ..
تذكر البطل خالد بن الوليد ..
فالتفت إلى الوليد بن الوليد .. وهو أخو خالد .. وكان الوليد مسلماً قد دخل مع النبي r معتمراً ..
وأراد e أن يبعث إلى خالد رسالة غير مباشرة .. يرغبه فيها بالدخول في الإسلام ..
قال e للوليد : أين خالد ؟
فوجئ الوليد بالسؤال .. وقال : يأتي الله به يا رسول الله ..
فقال e : " مثله يجهل الإسلام !! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّه مع المسلمين .. كان خيراً له ..
ثم قال : ولو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
استبشر الوليد .. وجعل يطلب خالداً ويبحث عنه في مكة .. فلم يجده ..
فلما عزموا على الرجوع للمدينة ..
كتب الوليد كتاباً إلى أخيه :
بسم الله الرحمن الرحيم .. أما بعد .. فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام .. وعقلك عقلك ! ومثل الإسلام يجهله أحد ؟
وقد سألني رسول الله r عنك وقال : أين خالد ؟ فقلت : يأتي الله به ..
فقال : " مثله جهل الإسلام !! ولو كان جعل نكايته وَحَدَّه مع المسلمين .. كان خيراً له .. ولو جاءنا لأكرمناه .. وقدمناه على غيره ..
فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة ..
قال خالد : فلما جاءني كتابه .. نشطت للخروج .. وزادني رغبة في الإسلام ..
وسرني سؤال رسول الله r عني ..
وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة .. فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة ..
فقلت : إن هذه لرؤيا حق ..
فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله r قلت :
من أصاحب إلى رسول الله r ؟!
فلقيت صفوان بن أمية .. فقلت :
يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه ؟ إنما نحن كأضراس يطحن بعضها بعضاً ..
وقد ظهر محمد على العرب والعجم ..
فلو قدمنا على محمد واتبعناه .. فإن شرف محمد لنا شرف ؟
فأبى أشد الإباء .. وقال : لو لم يبق غيري ما اتبعته أبداً ..
فافترقنا .. وقلت في نفسي :
هذا رجل مصاب .. قتل أخوه وأبوه بمعركة بدر ..
فلقيت عكرمة بن أبي جهل .. فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية ..
فقال لي مثل ما قال لي صفوان بن أمية ..
قلت : فاكتم علي خروجي إلى محمد ..
قال : لا أذكره لأحد .
فخرجت إلى منزلي .. فأمرت براحلتي فخرجت بها ..
إلى أن لقيت عثمان بن طلحة .. فقلت :
إن هذا لي صديق .. فلو ذكرت له ما أرجو ..
ثم ذكرت من قتل من آبائه في حربنا مع المسلمين .. فكرهت أن أذكِّره ..
ثم قلت : وما علي أن أخبره .. وأنا راحل في ساعتي هذه !..
فذكرت له ما صار أمر قريش إليه .. وقلت :
إنما نحن بمنزلة ثعلب في جحر .. لو صُب عليه ذنوب من ماء لخرج ..
وقلت له نحواً مما قلت لصاحبَيْ .. فأسرع الإستجابة وعزم على الخروج معي للمدينة !..
فقلت له : إني خرجت هذا اليوم .. وأنا أريد أن أمضي للمدينة ..
وهذه راحلتي مجهزة لي على الطريق ..
قال : فتواعدنا أنا وهو في موضع يقال له "يأجج " .. إن سبقني أقام ينتظرني .. وإن سبقته أقمت أنتظره ..
فخرجت من بيتي آخر الليل سَحَراً .. خوفاً من أن تعلم قريش بخروجنا ..
فلم يطلع الفجر حتى التقينا في "يأجج" .. فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة ..
فوجدنا عمرو بن العاص على بعيره ..
قال : مرحباً بالقوم .. إلى أين مسيركم ؟
فقلنا : وما أخرجك ؟
فقال : وما أخرجكم ؟
قلنا : الدخول في الإسلام .. واتباع محمد r ..
قال : وذاك الذي أقدمني .
فاصطحبنا جميعاً حتى دخلنا المدينة ..
فأنخنا بظهر الحرة ركابنا ..
فأُخبر بنا رسول الله r فسر بنا ..
فلبست من صالح ثيابي .. ثم توجهت إلى رسول الله r .. فلقيني أخي فقال :
أسرع .. فإن رسول الله r .. قد أُخبر بك فسُرَّ بقدومك وهو ينتظركم ..
فأسرعنا السّير .. فأقبلت إلى رسول الله أمشي .. فلما رآني من بعيد تبسّم .. فما زال يتبسم إليَّ حتى وقفت عليه ..
فسلمت عليه بالنبوة .. فرد على السلام بوجه طلْق ..
فقلت : إني أشهد أن لا إله إلا الله .. وأنك رسول الله ..
فقال : " الحمد لله الذي هداك .. قد كنت أرى لك عقلاً .. رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير " ..
قلت : يا رسول الله .. إني قد رأيت ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك .. معانداً للحق .. فادع الله أن يغفرها لي ..
فقال r : " الإسلام يجب ما كان قبله " ..
قلت : يا رسول الله .. على ذلك .. فاستغفر لي ..
قال : " اللهم اغفر لخالد بن الوليد .. كل ما أَوْضع فيه .. من صد عن سبيل الله " ..
ومن يعدها كان خالد رأساً من رؤوس هذا الدين ..
أما إسلامه فكان برسالة غير مباشرة وصلت إليه من رسول الله e ..
فما أحلمه e وأحكمه ..
فلنتبع مثل هذه المهارات في التأثير في الناس ..
فلو رأيت شخصاً يبيع دخاناً في بقالة فأردت تنبيهه ..
فأثن أولاً على بقالته ونظافتها .. وادعُ له بالبركة في الربح .. ثم نبهه على أهمية الكسب الحلال .. ليشعر أنك لم تنظر إليه بمنظار أسود .. بل أمسكت العصا من النصف ..
كن ذكياً .. ابحث عن أي حسنات فيمن أمامك تغمر فيها سيئاته .. أحسن الظن بالآخرين .. ليشعروا بعدلك معهم فيحبوك ..

[]لمحة ..
عندما يقتنع الناس أننا نلحظ حسناتهم .. كما نلحظ سيئاتهم .. يقبلون منا التوجيه ..

3. اجعل معالجة الخطأ سهلة ..[/]
تتنوع الأخطاء التي تقع من الناس كبراً وصغراً ..
ومهما كان حجم الخطأ فإنه يمكن علاجه ..
نعم قد لا يفيد العلاج في إصلاح ما أفسده الخطأ 100% .. لكنه على الأقل يصلح أكثر الفاسد ..
عدد غير قليل من الناس لا يسعى إلى إصلاح أخطائه لشكه في قدرته أصلاً على علاجها ..
وأحياناً تكون طريقتنا في التعامل مع الأخطاء هي جزء من الخطأ نفسه ..
يقع ولدي في خطأ فألومه وأحقره وأعظِّم عليه الخطأ حتى يشعر بأنه سقط في بئر ليس له قاع !! فييأس من الإصلاح .. ويبقى على ما هو عليه ..
وقد تقع في الخطأ زوجتي أو يقع فيه صديقي ..
فإذا أشعرته أنه أخطأ ولكن الطريق لم ينقطع بعد فمعالجة الخطأ سهلة .. والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ..
جاء رجل إلى النبي r يبايعه على الهجرة .. وقال : إني جئت أبايعك على الهجرة .. وتركت أبوي يبكيان ..
فلم يعنفه e .. أو يحقر فِعْله .. أو يصغر عقله .. فالرجل جاء بنية صالحة ويرى أنه فعل الأصلح ..
أشعره e أن معالجة الخطأ سهلة فقال له بكل بساطة : ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ..([3]) ..
وانتهى الأمر ..
كان e يتعامل مع الناس بأساليب تربي فيهم الرغبة في الخير وتشعرهم أنهم إلى الخير أقرب .. حتى وإن وقعوا في أخطاء ..
وبين يدي حادثة مروّعة .. الشاهد منها آخرُها .. لكني سأوردها من أولها رغبة في الفائدة ..
كان رسول الله r إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين نسائه .. فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ..
فلما أراد الخروج إلى غزوة بني المصطلق .. أقرع بينهن فخرج سهم عائشة ..
فخرجت مع رسول الله r .. وذلك بعدما أنزل الحجاب ..وكانت تحمل في هودج .. فإذا نزلوا نزلت من هودجها .. وقضت حاجاتها .. فإذا أرادوا الارتحال ركبت فيه ..
فلما فرغ رسول الله r من غزوته .. توجه قافلاً إلى المدينة .. حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً فبات به بعض الليل ..
ثم آذن الناس بالرحيل .. فبدأ الناس يجمعون متاعهم للرحيل ..فخرجت عائشة لبعض حاجتها .. وفي عنقها عقد لها فيه جزع ظفار ..
فلما فرغت من حاجتها .. انسل العقد من عنقها وهي لا تدري ..
فلما رجعت العسكر .. وأرادت الدخول في هودجها .. لمست عنقها فلم تجد العقد .. وقد بدأ الناس في الرحيل ..
فرجعت سريعاً إلى مكانها الذي قضت فيه حاجتها .. فأخذت تبحث عنه .. وأبطأت ..
وجاء القوم فحملوا هودجها وهم يظنون أنها فيه .. فاحتملوه .. فشدوه على البعير .. ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ..
وسار الجيش .. أما عائشة فبعد بحث طويل .. وجدت العقد .. فعادت إلى مكان الجيش ..
[]* * * * * * * * *[/]
قالت عائشة :
. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب .. قد انطلق الناس ..
فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي ..
فتلففت بجلبابي .. فبينما أنا جالسة في منزلي إذ غلبتني عيني فنمت ..
فوالله إني لمضطجعة إذ مرَّ بي صفوان بن المعطل ..
وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته .. فلم يبت مع الناس ..
فرأى سواد إنسان نائم .. فأتاني فعرفني حين رآني .. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علينا ..
فلما رآني قال : إنا لله وإنا إليه راجعون .. ظعينة رسول الله r ؟
فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي ..
ووالله ما كلمني كلمة .. ولا سمعت منه غير استرجاعه ..
حتى أناخ راحلته .. فوطئ على يديها .. فركبت وأخذ برأس البعير فانطلق سريعاً يطلب الناس ..
فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدوني حتى أصبحنا .. فوجدناهم نازلين .. فبينما هم كذلك .. إذ طلع الرجل يقود بي البعير ..
فقال أهل الإفك ما قالوا .. وارتجَّ العسكر .. ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ..
[]* * * * * * * * *[/]
ثم قدمنا المدينة .. فلم ألبث أن مرضت واشتكيت شكوى شديدة .. وأنا لا يبلغني من كلام الناس شيء ..
وقد انتهى الحديث إلى رسول الله r وإلى أبويَّ .. وهم لا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيراً .. إلا أني قد أنكرت من رسول الله r بعض لطفه بي ..
كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي .. فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ..
بل كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني قال : كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك ..
حتى وجدت في نفسي ..فلما رأيت جفاءه لي قلت :
يا رسول الله .. لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني ..
قال : لا عليك ..
[]* * * * * * * * *[/]
فانتقلت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان .. حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة ..
فخرجت ليلة لبعض حاجتي ومعي أم مسطح بنت خالة أبي بكر t ..
فوالله إنها لتمشي معي إذ تعثرت في مِرطها .. وسقطت أو كادت ..
فقالت : تعس مسطح ..
قلت : بئس لعمر الله ما قلت .. تسبين رجلاً قد شهد بدراً ؟
فقالت : أي هنتاه .. أولم تسمعي ما قال ؟ أوما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ..
قلت : وما الخبر ؟
فأخبرتني بالذي كان من قول أهل الإفك ..
قلت : أوقد كان هذا ؟
قالت : نعم والله لقد كان ..
فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت .. فازددت مرضاً إلى مرضي ..
فوالله ما زلت أبكي .. حتى ظننت أن البكاء سيصدع كبدي ..
وقلت لأمي : يغفر الله لك .. تحدث الناس بما تحدثوا يه .. ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً ..
قالت : أي بنية خففي عليك الشأن .. فوالله لقلَّ ما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها .. ولها ضرائر إلا كثّرن .. وكثّر الناس عليها ..
قلت : سبحان الله وقد تحدث الناس بهذا ؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت .. لا يرقأ لي دمع .. ولا أكتحل بنوم ..
ثم أصبحت أبكي ..
[]* * * * * * * * *[/]
هذا حال عائشة .. تتهم بذلك وهي الفتاة التي لم يتجاوز عمرها خمس عشرة سنة ..
تتهم بالزنا .. وهي العفيفة الشريفة .. زوجة أطهر الناس .. التي ما كشفت سترها .. ولا هتكت عرضها .. هذا حالها تبكي في بيت أبويها ..
أما حال رسول الله r .. فلا يبعد حزناً وهماً .. عن عائشة ..
فلا جبريل يرسل .. ولا القرآن ينزل .. ويبقى r متحيراً في أمره .. وقد كبر عليه اتهام المنافقين .. وكلام الناس في عرضه زوجه ..
[]* * * * * * * * *[/]
فلما طال الأمر عليه .. قام r في الناس فخطبهم .. فحمد الله .. وأثنى عليه .. ثم قال :
أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهلي .. ويقولون عليهم غير الحق .. والله ما علمت عليهم إلا خيراً .. ويقولون ذلك لرجل .. والله ما علمت منه إلا خيراً .. ولا يدخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي ..
فلما قال رسول الله r تلك المقالة ..
قام أمير الأوس سعد بن معاذ فقال :
يا رسول الله إن يكونوا من الأوس نكفك إياهم .. وإن يكونوا من إخواننا من الخزرج فمرنا أمرك فوالله إنهم لأهل أن تضرب أعناقهم ..
فلما سمع ذلك أمير الخزرج سعد بن عبادة قام .. وكان رجلاً صالحاً .. لكن أخذته الحمية ..
قام فقال : كذبت لعمر الله .. ما تضرب أعناقهم .. أما والله ما قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنهم من الخزرج ؟ ولو كانوا من قومك ما قلت هذا ..
فقال أسيد بن حضير : كذبت لعمر الله .. والله لنقتلنه .. ولكنك منافق تجادل عن المنافقين ..
ثم ثار الناس بعضهم إلى بعض .. حتى كادوا أن يقتتلوا ..
ورسول الله r قائم على المنبر .. فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا .. وسكت ..
فلما رأى r ذلك .. نزل فدخل بيته ..
[]* * * * * * * * *[/]
ولما رأى أن الأمر لا يمكن حله من جهة عموم الناس ..
أراد أن يجد حلاً من جهة أهل بيته .. وأخص الناس به ..
فدعا علياً وأسامة بن زيد .. فاستشارهما ..
فأما أسامة فأثنى على عائشة خيراً وقال : يا رسول الله .. أهلك وما نعلم منهم إلا خيراً .. وهذا الكذب والباطل ..
وأما علي فإنه قال : يا رسول الله إن النساء لكثير .. وإنك لقادر على أن تستخلف .. وسل الجارية فإنها ستصدقك .. فدعا رسول الله r بريرة ..[/]
فقال : أي بريرة .. هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟

[]فقالت بريرة : لا .. والذي بعثك بالحق نبياً ..
والله ما أعلم إلا خيراً .. وما كنت أعيب على عائشة شيئاً .. إلا أنها جارية حديثة السن .. فكنت أعجن عجيني .. فآمرها أن تحفظه فتنام عنه .. فتأتي الشاة فتأكله ..
نعم .. كيف ترى الجارية على عائشة ريبة .. وهي الفتاة الصالحة التي رباها صديق الأمة أبو بكر .. وتزوجها سيد ولد آدم ..
بل كيف تقع في ريبة .. وهي أحب الناس إلى رسول الله .. ولم يكن r يحب إلا طيباً .. [/]
[]فهي البريئة المبرأة .. ولكن الله يبتليها ليعظم أجرها .. ويرفع ذكرها ..[/]
[]
[]* * * * * * * * *[/]
وتمضي على عائشة الأيام .. والآلام تلد الآلام .. وهي تتقلب على فراش مرضها .. لا تهنأ بطعام ولا شراب ..[/]
[]وقد حاول رسول الله r أن يحل المشكلة .. بخطبة على رؤوس الناس فكادت أن تقع الحرب بين المسلمين .. وحاول أن يحلها في بيته ويسأل علياً وزيداً .. فلم يخرج بشيء ..[/]
[]
فلما رأى ذلك .. أراد أن ينهي الأمر من جهة عائشة ..
قالت رضي الله عنها :
وبكيت يومي ذلك لا ترقأ لي دمعه .. ولا اكتحل بنوم ..
ثم بكيت ليلتي المقبلة لا ترقأ لي دمعه ولا أكتحل بنوم ..
وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي ..
[]* * * * * * * * *[/]
فأقبل يحث الخطى إلى بيت أبي بكر ..
فاستأذن .. ودخل عليها وعندها أبوها وأمها.. وامرأة من الأنصار ..
وهي أول مرة يدخل فيها بيت أبي بكر .. منذ قال الناس ما قالوا .. وما رأى عائشة منذ قرابة الشهر .. وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شيء في شأن عائشة ..
دخل r على عائشة ..
فإذا طريحة الفراش .. وكأنها فرخ منتوف من شدة البكاء والهم ..
وإذا هي تبكي .. والمرأة تبكي معها .. لا يملكان من الأمر شيئاً ..
فجلس رسول الله r .. فحمد الله وأثنى عليه .. ثم قال :
أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا .. وذكر e خبر الإفك .. وما أشيع من وقوعها في خطأ كبير ..ثم أراد e أن يبين لها أن الإنسان مهما وقع في خطأ فإن معالجة هذا الخطأ ليست صعبة .. فقال لها :
فإن كنت بريئه فسيبرئك الله عز وجل ..
وإن كنت ألممت بذنب .. فاستغفري الله عز وجل وتوبي إليه .. فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب .. تاب الله عليه ..
هكذا .. حل سهل للخطأ – إن كان قد وقع – دون تعقيد وتطويل ..
قالت عائشة :
فلما قضى رسول الله r مقالته .. قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة ..
وانتظرت أبويَّ أن يجيبا عني رسول الله r فلم يتكلما ..
فقلت لأبي : أجب عني رسول الله r فيما قال ..
فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله r ! ..
فقلت لأمي : أجيبي عني رسول الله r ..
فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله r !
ووالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام ..
فلما استعجما علي .. استعبرت فبكيت ؟
ثم قلت : لا .. والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً ..
إني والله قد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به .. ولئن قلت لكم إني بريئة - والله عز وجل يعلم إني بريئة - لا تصدقوني ..
وإن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - تصدقوني ..
وإني والله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف : ] فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون [ ..
قالت : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي ..
وأنا والله أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي ..
ولكن والله ما كنت أظن أن يَنزِلَ في شأني وحيٌ يتلى ..
ولشأني كان أحقرَ في نفسي من أن يتكلم الله فيَّ بأمر يتلى ..
ولكن كنت أرجو أن يرى رسولُ الله r في النوم رؤيا يبرئني الله عز وجل بها ..
[]* * * * * * * * *[/]
فوالله ما برح رسول الله r مجلسه .. ولا خرج من أهل البيت أحد ..
حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه .. وأنزل الله على نبيه ..
فأما أنا حين رأيته يوحى إليه .. فوالله ما فزعت .. وما باليت .. قد عرفت أني بريئة .. وأن الله غير ظالمي ..
وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده .. ما سُرّي عن رسول الله r حتى ظننت لتخرجن أنفسهما .. فرقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس ..
فلما سُرّي عنه r .. فإذا هو يضحك .. فجعل يمسح العرق عن وجهه ..
وكان أول كلمة تكلم بها أن قال :
أبشري يا عائشة قد أنزل الله عز وجل براءتك ..
فقلت : الحمد لله ..
وأنزل الله تعالى : ] إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عظيم * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ ..
وتوعد الله أولئك بقوله : ] إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ ..
ثم خرج رسول الله r إلى الناس .. فخطبهم .. وتلا عليهم ما أنزل الله من القران في ذلك .. ثم أقام حد القذف على من قذف ..
إذن .. ينبغي أن تتعامل مع المخطئ على أنه مريض يحتاج إلى علاج .. لا أن تبالغ في كبته وتعنيفه .. لأنه قد يصل إلى درجة يشعر معها أنك فرحٌ بهذا الخطأ ..
والطبيب الناصح هو الذي يهتم بصحة مرضاه أكثر من اهتمامهم هم بأنفسهم ..
قال r :
إنما مثلي ومثل الناس .. كمثل رجل استوقد ناراً ..
فلما أضاءت ما حوله .. جعل الفَرَاشُ وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها ..
فجعل ينزعهن .. ويغلبنه فيقتحمن فيها !!
فأنا آخذٌ بحجَزِكُم عن النار .. وأنتم تقحمون فيها ..
يتبع

[/]
شريرة غير متواجد حالياً