عرض مشاركة واحدة
07-18-2010, 11:37 AM   #1
المتمردة الجميلة
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 283
العذاب ليس له طبقة

basmala

[]العذاب ليس له طبقة



[/]

[]
الذي يسكن في أعماق الصحراء يشكو مر الشكوى ل
أنه لا يجد الماء الصالح للشرب

>

>

و ساكن ارقى الاحياء الذي يجد الماء و النور و السخان و التكييف
و التليفون و التليفزيون لو استمعت إليه لوجدته
يشكو مر الشكوى هو الآخر من سوء الهضم و السكر و الضغط

>

>

و المليونير ساكن باريس الذي يجد كل ما يحلم به،
يشكو الكآبة و الخوف من الأماكن المغلقة
و الوسواس و الأرق و القلق
.
>

>

و الذي أعطاه الله الصحة و المال و الزوجة الجميلة
يشك في زوجته الجميلة و لا يعرف طعم الراحة.

>

>

و الرجل الناجح المشهور النجم الذي حالفه الحظ في كل شيء
و انتصر في كل معركة لم يستطع أن ينتصر على ضعفه
و خضوعه للمخدر فأدمن الكوكايين و انتهى إلى الدمار
.
>

>

و الملك الذي يملك الأقدار و المصائر و الرقاب
تراه عبدا لشهوته خادما لأطماعه ذليلا لنزواته
.
>

>

و بطل المصارعة أصابه تضخم في القلب
نتيجة تضخم في العضلات
.
>

>

كلنا نخرج من الدنيا بحظوظ متقاربة
برغم ما يبدو في الظاهر من بعد الفوارق
.
>

>

و برغم غنى الأغنياء و فقر الفقراء
فمحصولهم النهائي من السعادة و الشقاء الدنيوي متقارب
.
>

>

فالله يأخذ بقدر ما يعطي و يعوض بقدر ما يحرم
و ييسر بقدر ما يعسر.. و لو دخل كل منا قلب الآخر
لأشفق عليه و لرأى عدل الموازين الباطنية
برغم اختلال الموازين الظاهرية..
و لما شعر بحسد و لا بحقد و لا بزهو و لا بغرور
.
>

>

إنما هذه القصور و الجواهر و الحلي و اللآلئ
مجرد ديكور خارجي من ورق اللعب..
و في داخل القلوب التي ترقد فيها تسكن
الحسرات و الآهات الملتاعة
.
>

>

و الحاسدون و الحاقدون و المغترون و الفرحون
مخدوعون في الظواهر غافلون عن الحقائق
.
>

>

و لو أدرك السارق هذا الإدراك لما سرق و لو أدركه القاتل
لما قتل و لو عرفه الكذاب لما كذب
.
>

>

و لو علمناه حق العلم لطلبنا الدنيا بعزة الأنفس
و لسعينا في العيش بالضمير و لتعاشرنا بالفضيلة
فلا غالب في الدنيا و لا مغلوب في الحقيقة
و الحظوظ كما قلنا متقاربة في باطن الأمر
و محصولنا من الشقاء و السعادة متقارب
برغم الفوارق الظاهرة بين الطبقات..
فالعذاب ليس له طبقة و إنما هو قاسم مشترك بين الكل..
يتجرع منه كل واحد كأسا وافية ثم في النهاية تتساوى الكؤوس
برغم اختلاف المناظر و تباين الدرجات و الهيئات

>

>

و ليس اختلاف نفوسنا هو اختلاف سعادة و شقاء و إنما اختلاف مواقف.. فهناك نفس تعلو على شقائها و تتجاوزه و ترى فيه الحكمة و العبرة و تلك نفوس مستنيرة ترى العدل و الجمال في كل شيء و تحب الخالق في كل أفعاله.. و هناك نفوس تمضغ شقاءها و تجتره و تحوله إلى حقد أسود و حسد أكال.. و تلك هي النفوس المظلمة الكافرة بخالقها المتمردة على أفعاله
.
>

>

و كل نفس تمهد بموقفها لمصيرها النهائي في العالم الآخر.. حيث يكون الشقاء الحقيقي.. أو السعادة الحقيقية.. فأهل الرضا إلى النعيم و أهل الحقد إلى الجحيم
.
>

>

أما الدنيا فليس فيها نعيم و لا جحيم إلا بحكم الظاهر فقط
بينما في الحقيقة تتساوى الكؤوس التي يتجرعها الكل..
و الكل في تعب
.
>

>

إنما الدنيا امتحان لإبراز المواقف.. فما اختلفت النفوس إلا بمواقفها و ما تفاضلت إلا بمواقفها
.
>

>

و ليس بالشقاء و النعيم اختلفت و لا بالحظوظ المتفاوتة تفاضلت و لا بما يبدو على الوجوه من ضحك و بكاء تنوعت
.
>

>

فذلك هو المسرح الظاهر الخادع
.
>

>

و تلك هي لبسة الديكور و الثياب التنكرية التي يرتديها الأبطال
حيث يبدو أحدنا ملكا و الآخر صعلوكا و حيث يتفاوت أمامنا
المتخم و المحروم
.
>

>

أما وراء الكواليس
.
>

>

أما على مسرح القلوب
.
>

>

أما في كوامن الأسرار و على مسرح الحق و الحقيقة..
فلا يوجد ظالم و لا مظلوم و لا متخم و لا محروم.. و إنما عدل مطلق
و استحقاق نزيه يجري على سنن ثابتة لا تتخلف حيث يمد الله يد السلوى الخفية يحنو بها على المحروم و ينير بها ضمائر العميان و يلاطف أهل المسكنة و يؤنس الأيتام و المتوحدين في الخلوات و يعوض الصابرين حلاوة في قلوبهم.. ثم يميل بيد القبض و الخفض فيطمس على بصائر المترفين و يوهن قلوب المتخمين و يؤرق عيون الظالمين و يرهل أبدان المسرفين.. و تلك هي الرياح الخفية المنذرة التي تهب من الجحيم و النسمات المبشرة التي تأتي من الجنة.. و المقدمات التي تسبق اليوم الموعود.. يوم تنكشف الأستار و تهتك الحجب و تفترق المصائر إلى شقاء حق و إلى نعيم حق.. يوم لا تنفع معذرة.. و لا تجدي تذكرة
.
>

>

و أهل الحكمة في راحة لأنهم أدركوا هذا بعقولهم و أهل الله في راحة لأنهم أسلموا إلى الله في ثقة و قبلوا ما يجريه عليهم و رأوا في أفعاله عدلا مطلقا دون أن يتعبوا عقولهم فأراحو عقولهم أيضا، فجمعوا لأنفسهم بين الراحتين راحة القلب و راحة العقل فأثمرت الراحتان راحة ثالثة هي راحة البدن.. بينما شقى أصحاب العقول بمجادلاتهم
.
>

>

أما أهل الغفلة و هم الأغلبية الغالبة فمازالوا يقتل بعضهم بعضا من أجل اللقمة و المرأة و الدرهم و فدان الأرض، ثم لا يجمعون شيئا إلا مزيدا من الهموم و أحمالا من الخطايا و ظمأً لا يرتوي و جوعا لا يشبع
.
>

>

فانظر من أي طائفة من هؤلاء أنت..
و اغلق عليك بابك و ابك على خطيئتك
.
>

>

>

>

>

(من روائع دكتور مصطفى محمود رحمه الله
وأسكنه فسيح جناته وغفر له
)
>
>
>[/]
المتمردة الجميلة غير متواجد حالياً