عرض مشاركة واحدة
05-27-2010, 11:35 PM   #6
زهرة الكاميليا
شريك استاذ
stars-2-7
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: مصر - اسكندريه
المشاركات: 2,663

طاغور





فنانا و رساما
كشف طاغور عن موهبة التمثيل
و هو بعد فى بواكير الشباب
ثم برزت لديه موهبة الرسم فى سن متاخرة
ما بعد الستين ملتحما مع الطبيعة من جديد كفنان تشكيلى
منتهجا مذهبا يخصه و مبتكرا لأسلوب لم يسبقه اليه احد
و إن كان قد تأثر بالفن اليابانى..
الذى وجده مؤثرا ..واضحا و يتميز بالبساطة .
فأبدع لوحات استلفتت أنظار النقاد على النطاق العالمى





رسم من خلالها ..
طيورا خرافية ..زواحف و أشجار بلا ظلال ..
ووجوه بشرية حزينة و غامضة ..
و عرض أعماله
فى باريس ..و برلين ..و روسيا ..
فلاقت ترحيبا كبيرا

"عندما بدأت أرسم
لاحظت تغييرا كبيرا فى نفسى
اكتشفت الأشجارمن جديد
برؤية بصرية مغايرة
حتى الأغصان و الأوراق
رحت أتخيل خلق و إبداع أنواعها
و كأننى ما رأيتها من قبل
كنت فقط أشاهد الربيع
الآن تستغرقنى كل زهرة تنبق فى فرعها
إنها ثروات هائلة كامنة
فى الأشجار و الأزهار التى تحيط بالإنسان
على مدى البصر و رحابته "

لم يلق معرضه فى أمريكا القبول المؤمل له ..
فضاعت بهجة المعارض السالفة ..
و إن بقيت أعماله راسخة بتعابيرها
وبقوة الإنفعال
قوة الإنفعال التى إعتبرها طاغور
من أهم ما يجب توافره فى العمل الفنى .
"إن الأمر يحتاج إلى جموح الغابات ..و حفيف أشجارها ..
و عصفها و قصفها و رعدها ! "

رسم طاغور أكثر من 3000 لوحة
و فى تفسيره لمعانيها كان يقول:

"أن على الصورة أن تفصح عن المعنى وان تنقضه
وليس عليها أن تفسره
فالفن يماثل الحب في كونه غير قابل للتفسير "

وطنيا مخلصا..
و كارها للتعصب الأعمى
شديد الولاء لوطنه حريصا كل الحرص على
حرية وطنه الهند
كارها للتعصب رابطا ما بين افكار الشرق و الغرب
شغله فى بداية شبابه وطنه الأصلى البنغالى
مستريبا من الإنجليز الذين وحدوا الهند و البنغال
فى مستعمرة واحدة ألغت الوجود البنغالى
فتوزعت مشاعره كمواطن بنغالى
و بين الولاء للكيان الكبير الهند
ولاء لم يمنعه من نشر روايته
جورا
التى فضحت التعصب الهندوسى
من خلال قصة حب
بين شاب هندوسى و فتاة من طائفة البراهمة
فأثارت إستياء قومه
حتى أنه غادر وقتها الى لندن
لحين هدؤ ثورتهم عليه
و فى هذا الصدد يصفه
جواهر لال نهرو



كان معلما و محبا للحرية لم يكف قط عن السعى
لتحرير عقولنا و نظامنا الاجتماعى من الأغلال التى كبلتها
و مع أنه كان هنديا فى أعماقه مستلهما
تربة الهند و فكرها
الا أنه كان فى الحقيقة مواطنا عالميا

نعم ..إن طاغور كان هنديا فى أعماقه
إلى آخر حدود الولاء و الإنتماء
حتى انه بعد حصوله من التاج البريطانى
على لقب سير عام 1915
هذا اللقب الذى لا يعطى جزافا أويسهل رفضه
فإنه بعد ست سنوات خلعه عن نفسه
و أعاده الى نائب الملك
مصحوبا بإستنكارر كبير
لما إرتكبه الإنجليز
فى واحدة من ابشع جرائمهم عام 1919
إبّان ثورة البنجاب
حين أطلق جنودهم النيران
ليقتلوا عددا كبيرا من الشباب
فى اجتماع دينى
فى
امريتسر
و ظلت كتاباته منذ ذلك الوقت
تساند نضال الشعب الهندى
فى مواجهة الإستعمار الإنجليزى
فتحولت أشعاره إلى صرخات
تحفز بنو وطنه للحرية و الخلاص

إيه يا وطني، أطلب إليك التحرر
و نفض الخوف من هذا الشبح الشيطاني
الذي يرتدي أحلامك الممسوخة
والخلاص من وطأة العصور
العصور التي تحني رأسك
وتقصم ظهرك، وتصم أذنيك
عن نداء المستقبل

رائدا فى مجال التعليم
و نهضة الهند
مصلحا اجتماعيا و مجددا مستنبطا لأسلوب جديد
فى النظم التعليمية و التربوية
عندما يضع أسسا جديدة لإعداد النشء
فيقيم مدرسة
متحررة من المناهج الجامدة
و الحشو و التلقين
و الفصول المغلقة
أسماها فى البداية
مرفأ السلام
مدرسة فى الهواء الطلق فى قلب الغاب
تترجم للإنسان معنى الإنطلاق الى اللانهائية و الحرية
حيث تفتح فيه الشعر والرسم
والموسيقى والرقص والمسرح والعلوم.
لقد حقق طاغور من خلال هذه المدرسة
الرؤيا التي عبر عنها في مؤلفه
الوحدة المبدعة
حيث تعطي الطبيعة للإنسان معنى التوق إلى اللانهائي
و الحرية و الجمال و الإبداع
فمع نسمات الصبح الوليد
يرتل التلاميذ أناشيدهم و ينطلقون
الى الملاعب حيث يتخذ كل تلميذ
ركنا للتأمل حتى يحين وقت الفطور
و بعد الصلاة
يأتى آوان الدروس بين الأشجار فى قلب الطبيعة
حتى اذا ما انتهت الدروس النظرية
عكف التلاميذ على تنسيق الحدائق
و الذهاب الى القرى لتعليم الفلاحين و ارشادهم
بعد مغيب الشمس..يقرأون القصص و المسرحيات
و لا بأس من التمثيل أيضا
و فى العاشرة يأوون الى فراشهم

جنة مدرسية




حلم بها طاغور
ثم أنشأها
و جمع محاضراته العديدة التى القاها بها
فى كتابه الشهير
سادهانا
أى
كنه الحياة
جنة تتوسطها لوحة كبيرة بين الأحراش كتب عليها

يعبد الله الواحد الذى لا يرى !

و من شروطه للإلتحاق بها
نبذ أى جدال يدعو للكراهية و يؤذى النفوس

وفى هذا الصدد يقول التليسى :
ولكن أعظم صفاته حقا أنه كان شاعرا عظيما
اتسع قلبه لكل القيم الإنسانية الرفيعة
فكان منه هذا الرمز الذي يعانقه المسيحي
فيشعر بقرابة المسيحية
ويقرأه المسلم فيشعر له بقرابة الإسلام
ويعانقه أي مؤمن بأي دين وعقيدة تعلى من شأن الإنسان .
وقد عبر طاغور شعراً عن مدرسته هذه:

"حيث العلم حر لا قيد عليه..
حيث تجمعت أشلاء الدنيا..
التي مزقتها الشعوبية الضيقة ..
حيث ينطلق العقل من إسارالخوف..
يرتفع رأس الإنسان عاليا"

و تتسع المدرسة و تنمو
فى اقليم شانتينيكيتان غرب البنغال
عقب حصوله على جائزة نوبل
و قد خصص لها الجزء الأكبر
من قيمة الجائزة
حتى أصبحت جامعة عظمى
و هى المعروفة باسم
فيسفابهاراتى
أو
الجامعة الهندية للتعليم العالمى
الذى إستوحى اسمها
من أحد الأبيات السنسكريتية
و تعنى
المكان الذى يتحد فيه العالم فى وكر واحد !
و يقصدها طلاب العلم من كل مكان فى العالم

و فى شنتينيكتان
عام 1940
عقدت
جامعة أكسفورد
إجتماعا لمنح طاغور
الدكتوراه الفخرية
فيما يعد شرفا لم يحظ به سواه
لأن هذه الجامعات تمنح التكريم فقط
فى مقارها التاريخية

عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية
كان طاغور مريضا يقترب من النهاية
بنفس القلب الخاشع و البصيرة الصافية
عن إيمانه المطلق بالإنسان و قدراته الخلاقة
وعبثية الحروب

"عندما أجول ببصري من حولي
أقع على أطلال مدنية مغرورة
تنهار وتتبعثر في أكوام هائلة من التفاهة والعبث
ومع ذلك فلن أذعن للخطيئة المميتة
في فقدان الإيمان بالإنسان
بل إنني سأثبِّت نظري
نحو مطلع فصل جديد من فصول تاريخه
عندما تنتهي الكارثة
ويعود المناخ رائقاً ومتناغماً
مع روح الخدمة والتضحية..
سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان
ذلك الكائن الأبيّ خطّ مسيرته الظافرة
على الرغم من كافة العراقيل
ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.



كلمة واحدة إحفظها لى أيها العالم حين أموت
هى أننى أحببتك

عاش طاغورمحبا للحياة ..
و مستحضرا للموت ..بصفاء نادر
فلم يفاجئه ..إذ إستشرف قرب قدومه

"أنا أعلم أنه سيأتي يوم أضيع فيه هذه الأرض عن ناظري ..
إن الحياة تغادرني في صمت
بعد أن تسدل على عيني الستار الأخير
ومع هذا فإن النجوم ستتلامح ساهرة فى الليل
وسيسفر الفجر كما أسفر أمس
وستمتلئ الساعات
كما تمتلئ أمواج البحر حاملة اللذات والآلام "

وكان يعتبر نفسه عطية
يقدمها راضياً للموت ويصف ذلك:

"أي هدية تقدمها إلى الموت يوم يقدم ليقرع بابك؟
آه
سأضع أمام زائري
كأس حياتي المترعة ولن أدعه يعود فارغ اليدين ..
كل قطوف كرومي العذبة
من أيام خريفي وليالي صيفي ..
كل حصاد حياتي الدؤوب وجناها، سأضعه أمامه
حين ينتهي أجل أيامي، يوم يقدم الموت ليقرع بابي
و قبيل الرحيل بأيام أنشد ترنيمة النهاية
أزفت ساعة الرحيل..
إني أسافر فارغ اليدين طافح القلب بالأمل..
الطير يحلق في الفضاء لا ليذهب في تحليقه إلى الخلاء..
بل ليرجع إلى أرضه العظمى"

وكانت آخركلماته قبل أن يسلم الروح:





"أمامى يمتد محيط السلام
هيا ..أيها الربان ..
أمخر عباب البحر الواسع
من الآن أنت رفيقى الأبدى
خذنى ..و احملنى بين يديك
فالدرب الى الأبدية
ينيره ضؤ القطب المشع
أيا إله الخلاص و الإنعتاق
رحمتك و مغفرتك هما الزاد الباقى
فى رحلتى إلى شواطئ الأبدية
فالتتفكك كل قيود الأرض
و ليأخذنى الكون العظيم بين ذراعيه
فأدرك أخيرا ..و بلا وجل أو خوف
المجهول الأسمى ! "

أمامك أيها البحار.. أمامك محيط السلام..
ادخل بقاربك ..
ادخل وارفع شعار الذهاب نحوالسلام..


تحياتى
زهرة الكاميليا غير متواجد حالياً