عرض مشاركة واحدة
05-27-2010, 08:57 PM   #2
زهرة الكاميليا
شريك استاذ
stars-2-7
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: مصر - اسكندريه
المشاركات: 2,663



أما طاغور
فقد وصف نفسه بقوله

"أنا هذا البخور
الذي لا يضوع عطره ما لم يُحرق
أنا هذا القنديل
الذي لا يشع ضوؤه ما لم يُشعَل"




‏ولد رابندرانات طاغور فى عام 1861
فى القسم البنغالى من مدينة كلكتا
فى اسرة هندية عريقة فى النبل و الثراء

فاسماه أبوه رابندرا
أى الشمس

تيمنا بضيائها
و ما درى وقتها أن العالم بأسره
سينعم بنوره و حكمته
كواحد من أكبر المفكرين فى القرن العشرين
تربى طاغور
و معناها السيد
فى جو لا مثيل له
من الشفافية و التهذيب و الروحانية
إذ كان جده من كبار ملاك الأرض..
خيّرا..محبوبا
مخالطا للمجتمع الإنجليزى..
على معرفة وثيقة
بالكاتب تشارلز ديكنز
و راعيا للفنون و الآداب
و بالتالى كان من أسرته
من نبغوا فى الرسم و الموسيقى و الأدب .
إضافة لكون والده ديفندرانات
الملقب بالقديس
زعيما روحيا لطائفة البراهمة
مما أثر بعمق فى تكوين الإبن
الذى كان يستوقفه تبتّل والده بألحان
صوفية شجية
تتغلغل الى عمق روحه و تؤثر فيه...
ينابيع عذبة صافية
عبّ طاغور منها و نهل ...
حتى حان آوان
تدفق أنهارموهبته الشخصية
شمسا ساطعة
لا على الهند فحسب ..بل على العالم .
و لما كان حال التعليم آنذاك
غير مناسب
فقدكان البيت
هو مدرسة طاغورالخاصة
و مدرسوه هم اخوته
عدا مدرّسا من الخارج
هو دفيدنجرانات
الذى كان عالما و كاتبا مسرحيا و شاعرا
كما كان يتردد عليه أيضا مدربا للجودو.
نهل طاغور من منابع ثلاث حضارات
البنغالية ..
دارسا لغة قومه السنسكريتية ..
و الهندية..
و الانجليزية.
كما إطلع على العديد من السير
و درس التاريخ
و العلوم الحديثة و علم الفلك
و بدأ ينظم الشعر إبتدأ من سن العاشرة .
لم يكتف الأب بالدراسة النظرية
يزود بها ولده
فحرص على اصطحابه
فى رحلات عديد
الى جبال الهيمالايا
و هو فى الحادية عشرة من عمره





حيث توقفا فى فى منطقة
بغرب البنغال تسمى

شانتينكتان
وهى ذات المنطقة
التى انشأ فيها طاغور
فيما بعد عام 1918
مؤسسته التعليمية
المعروفة بإسم

فيسفابهاراتى
أو
الجامعة الهندية للتعليم العالمى
و سيأتى ذكرها لاحقا بالتفصيل

يتوغل الطفل..
الشاعر..و الفيلسوف لاحقا
فى شغاف الجبال الراسخة الشمّاء
مستشعرا عظمة الكون
و جماله المهيب
فى صور ملأت خياله الغض
برفقة والده الذى غرس فى أعماقه
المفاهيم البنغالية الأصيلة
محرّكا فيه القيم الروحية
منميّا نزعة الإستقلال
و الإعتمادعلى النفس
خاصة و قد كان يتعمد تركه وحيدا
يجوب دروب و مسالك
جبال الهيمالايا الخطرة




فعاد من رحلته الصوفية الفريدة
خاشعا خاضعا لله تعالى خالق الكون ...
عامر القلب بالإيمان
ملتصقا بالطبيعة
التى صارت صديقة و أما ثانية
يلوذ بها و يهتدى فى دروب حياته
ويصفها كرؤيا
ملأت كيانه فى صفحات ذكرياته:

"كانت الشمس تشرق
بتؤدة فوق أغصان و أوراق الأشجار
ثم بدا لى و كأن سترا ينجاب
أمام ناظري فشاهدت العالم باسره
مغمورا بقدسية تفوق أى وصف
أمواج من جمال و فرح و أمل
تومض و تتلاقى من كل صوب
فى تلك اللحظة أحببت العالم
كل من فيه وكل ما فيه
فى مجمل هذه الرؤيا
و بدا لى اننى الشاهد
على تحركات جسد الإنسانية بأسرها
مغمورا بالموسيقا و إيقاع رقصة خفية "


عندما بلغ الرابعة عشر من عمره
داهمته كارثة فقدان أمه


"سأنظم بدموع آلامي عقوداً من الدرر

أزين بها عنقكِ يا أمي

وحزني سيبقى لي وحدي
لقد انطفأ المصباح الذي كان ينير ظلماتي .."

و يصف مشاعره فيما بعد
"لقد حرمني القدر أمي وأنا بعد فتى صغير
فأصبحت وحيداً ألوذ بنافذتي
وأتأمل في الطبيعة وأحتفظ في
مخيلتي ما يتوالى في الكون من صور شتى
لقد كانت الطبيعة
رفيقي الذي وجدته إلى جواري دائماً.

و قد مضت الأيام
و بقيت أيام الربيع فى ذاكرتى
كلما تمشيت في الحديقة
و داعب زهر الياسمين جبيني
أتشوق لمداعبة أنامل أمي
و هي تمس جبيني مسّا رفيقا
مفكرا في أن الحنان الذي كان يحدو
تلك الأنامل الساحرة
يتجلّى في نقاء زهر الياسمين
و أن ذاك الحنان
ما يزال باقيا لا ينفد ولا يفنى."



هو طاغور ..

روح نقية ..شغوف بالجمال
فى كل مكونات الكون
باحثا فى تفاصيله
عن اليقين و الصفاء
فلست تراه
إلا بين أحضان هذه الطبيعة الأم
فى الغابات ..قرب الأنهار ..
متأملا مسارات الغيوم و السحب
تحت غصون الشجر .
بين الورود الناضرة ..
تتجدد مع كل ربيع ..
ذاهلا ..فى غبطة و فرح
أمام التماعة قطرات الندى
و لو على سنبلة .


آه يا لهذا الياسمين ..
هذا الياسمين الأبيض !

"أحسبني ما أزال أذكر اليوم الأول
الذي ملأت فيه ذراعي بهذا الياسمين
بهذا الياسمين الأبيض .
لقد شغفت بنور الشمس ..
بالسماء .. بالأرض الخضراء .
لقد تناهي إلى سمعي الخرير الناعم
من النهر المترقرق في ظلمة منتصف الليل .
لقد سعى الخريف وغروب الشمس إلى لقائي
عند منعطف الطريق ..فى العزلة المنزوية
كعروس تحسر عن خمارها لتستقبل حبيبها .
لما تزل ذاكرتي معطرة بطلائع الياسمين الأبيض
الذي ملأت به ذراعي حين كنت طفلا صغيرا .
لقد مرت أيامٌ رغيدة ٌ ..
وقد ضحكت مع اللاهين في ليالي الأعياد
وفي الصباحات المربدة الممطرة
جعلت أنغم شتى الأغاني الوانية
لقد أحطت عنقي بطوق مسائي
من زهر الباكولا مضفور بيد الحب .
لما تزل ذاكرتي
معطرة بطلائع الياسمين الريّان
الذي ملأت به ذراعي
حين كنت طفلاً صغيرا ."

بديع حقى


فى العام التالى لوفاة أمه
تلقى طاغور صدمة هائلة
بإنتحار شقيقته !

تمنى والد طاغور
أن يدرس ولده القانون
فأرسله الى كلية برايتون بإنجلترا





إلا أنه لم يجد نفسه فى هذه الدراسة
و هو الشغوف بالفن والأدب
فكانت فرصته فى إنجلترا
للإطلاع على أعلام الأدب هناك
و روائع شكسبير
و ملتون ووليم بليك و غيرهم
مما أعانه فيما بعد على نقل بعض مؤلفاته
إلى الإنجليزية التى أجادها بإقتدار
تلك المؤلفات
التى بدأ بنشرها فى ريعان شبابه
فكان ديوانه الأول

أغانى المساء عام1882
ثم أردفه بديوان
أغانى الصباح عام 1883
فنال إعجاب كبار شعراء عصره
و قد توسموا فيه شاعرا
مبدعا على موعد مع النبوغ
ونال أيضا ترحيبا كبيرا من النقاد و القراء
عاد طاغور من إنجلترا متشربا بروح حضارتها
راغبا فى أن تتخلص بلاده من التعصب و سيطرته
على العديد من الطوائف و الأديان فى الهند
كارها لتقاليد بالية
تحول ما بينها و بين التقدم و النمو
ولما كنا مقاطَعين كأسرة
من جراء آرائنا الدينية المارقة
فقد تمتعنا بحرية المنبوذين
وكان علينا أن نشيِّد عالمنا
بأفكارنا وطاقتنا العقلية الخاصة.
طاغور
ترى
هل كان طاغور يستشرف أحوالنا ..
و كيف يتمسك البعض ..
ليس بصحيح الدين
بل بقشوره
فكتب

الدين الزائف؟
كل ما يحرر الإنسان يحولونه إلى قيود
وكل ما يوحده يحولونه إلى سيوف
وكل ما يحمل الحب
من النبع الخالد يحولونه إلى سجون
يحاولون اجتياز النهر في سفينة مثقوبة
يا إلهي دمر الدين الزائف
وانقذ الأعمى
ولتهشم المعبد الملطخ بالدماء
ودع هزيم الرعد ينفذ إلى سجن الدين الزائف
واحمل إلى هذه الأرض التعسة نور المعرفة


و لم يتوقف اتصاله بالحركة الأدبية
فى إنجلترا
حتى بعد عودته الى الوطن
فنال مكانة متميزة بين الأدباء الإنجليز
الوحيد الذي لم يرحب
بوجود طاغور في لندن
هو الفيلسوف الإنجليزى
برتراند راسل
وقد رد طاغور على ذلك التجاهل
بأن علق على إحدى محاضراته
بأنها
بعيدة الصلة بالأمور الهامة في الحياة
خالية من البصيرة.
و إذا مضينا فى ركاب مسيرة
حياة رابندرانات طاغور
فهى مسيرة صعبة..
تغلغلت فيها أحزان على أحزان ..
تحت وطأة من ضربات القدر المؤلمة
كابد خلالها مرارة فقدان أغلى الأحباء
فى فترة زمنية قصيرة على نحو بالغ القسوة



ففى بداية العشرينات من عمره
تحديدا فى العام 1883
اختارت له اسرته عروسه

مرينالينى ديفى



فتاة صغيرة
لم تتجاوز الثالثة عشر من عمرها
استجاب طاغور للتقاليد
التى تقسر الأبناء على الإنصياع لإرادة الأسرة
و مع أن طاغور انتقد فيما بعد هذه العادات
من بين ما انتقده من عادات بالية
فإن حياته الزوجية مضت هانئة سعيدة
متوافقة مع روحه المحبة الحنون




أتتنى الفرحة تتواثب من أطراف الكون لتسعدنى
لقد لثمتها أنوار السماوات
و طفقت تلثمها حتى استفاقت الى الحياة
حتى ورود الصيف
المنصرم على عجل
ترددت نهداتها فى انفاسها
و ترنمت ينابيع المياه
و سطوة الرياح فى حركاتها و سكناتها
حتى إتقّاد الألوان
المنبعثة من الغابات و الغيوم
قد توهجت فى حياتها
انها زوجتى
لقد أوقدت مصباحها فى بيتى
و أضاءت جنباته


للكنها و للأسف الفرحة الناقصة..
فرحة طالها الألم
و إغتالها عذاب الفراق المبكر
فبين الأعوام 1902 و 1907
إنتزع الموت منه
زوجته و هى فى ريعان شبابها
و اثنين من أطفاله ووالده




نوائب كانت كفيلة بعزلته
و إنكسار روحه
تحت وطأة ذلك الهم الثقيل ..
الطافح بالألم
لولا أن قلبه المؤمن
الممتلئ بطاعة الله
و الخضوع لمشيئته
مكّنه من ضبط النفس الصافية
محوّلا نكبته لحافز ينشد به الكمال !



[B]"إن عاصفة الموت التي اجتاحت داري
فسلبتني زوجي واختطفت زهرة اولادي
أضحت لي نعمة ورحمة فقد اشعرتني بنقصي
وحفزتني على نشدان الكمال
والهمتنى أن العالم لا يفتقد ما يضيع منه "


و من ذوب نفسه المكلومة
و عصارة الألم الموجع
كتب طاغورقصائد مطبوعة
بالأسى..و فلسفة الموت
تشف بأحزانه و جروحه البليغة
فى ديوانه الرائع

جيتانجالى
أو قربان الغناء..


أيها الموت

أيها الموت يا موتي
آخر إنجازات حياتي
تعال وتحدث إلي همسا
لقد انتظرتك يوما بعد يوم
وتحملت من أجلك أفراح الحياة وأتراحها
وجميع ما يكونني وكل ما أملك وكل ما أرجو
تدفقت نحوك في سر عميق
نظرة أخيرة من عينيك
ستجعل حياتي كلها لك
لقد ضفرت الزهور
وهيئ إكليل العريس
وبعد الزفاف
ستترك العروس بيتها
وتذهب وحدها
لمقابلة سيدها في وحدة الليل..

خليفة التليسي

و ينشد طاغور ..
ذلك الإنسان نادر العظمة و الصفات
شارحا آلامه ..

إنطفأ مصباحى المنير
مع انى أحطته بمعطفى
ليكون بمنجى من الريح
ألذلك إنطفا ؟

ذبلت زهرتى اليانعة
مع أنى ضممتها بشدة الى قلبى
فى لهفة و خوف
ألذلك ذبلت الوردة ؟

نضب النهر ..
مع أنى وضعت سدا فى مجراه
فلا يفيض إلا لى وحدى
ألذلك نضب النهر ؟

إنقطع وتر المعزف
مع أنى حاولت العزف عليه
بأعلى النغمات
ألذلك انقطعت أوتاره ؟


و تتواصل أناشيد الحزن و الألم

إيه أيتها الدنيا لقد قطفت وردتك .
وضممتها إلى قلبي فوخزتني شوكتها
ولما جنح النهار إلى الزوال
وامتدت العتمة
ألفيت الوردة ذاويةً
بيد أن ألم وخزتها ظل باقياً
إيه أيتها الدنيا لقد قطفت وردتك .
وضممتها إلى قلبي فوخزتني شوكتها
ولما جنح النهار إلى الزوال
وامتدت العتمة
ألفيت الوردة ذاويةً
بيد أن ألم وخزتها ظل باقياً
إيه أيتها الدنيا
سوف يوافيك الورد بشذاه وعنفوانه
ولكن أوان قطف الورد
الذي كنت أتحيّنه قد فاتني
وفي الليل الحالك
لم اعد أظفر بوردة
فيما عدا ألم وخزتهاالباقي

بديع حقى

لقد رحلت بعيدا فى الدرب القاسى
حاجّا نحو الألم
ما أكثر الأيام التى بقيت فيها بلا رفاق
ما أكثر الليالى بلا مصباح
و مع ذلك ففى أعماق نفسى
شعرت بلمستك !


روح مؤمنة شفافة و خلق رفيع
يجاهد صاحبه للإمتثال لحكمة الخال
فى سماحة طبع ..و نقاء ..و صبر
**

"و ينتهى مطاف الحزن و الألم
ما كان ألما ذات يوم
صار الآن سلاما و طمأنينة "


و لنا بإذن الله لقاء
مع قطوف الحكمة ..
و شاعر الحب و الجمال و السلام .

-2-
زهرة الكاميليا غير متواجد حالياً