عرض مشاركة واحدة
12-25-2007, 08:45 AM   #8
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

تصبحون على خير أيها العرب

أكبر مؤامرة تعرّض لها الوطن العربي، هي تجريد كلمة "مؤامرة" نفسها من معناها، حتى غدت لا تستدعي الحذر، ولا التنبه لِمَا يُحاك ضدّنا، بقدر ما تثير الإحساس بالاستخفاف والتهكم ممن يصيح بكل صوته "يا ناس.. إنها مؤامرة!".
لفرط ما استنجد بها حكّامنا كلّما هُدِّدت كراسيهم، واجدين فيها الذريعة المثلى للفتك بكل من يعارضهم، ولفرط ما رددناها على مدى نصف قرن حقاً وباطلاً، ولفرط ما علّقنا على مشجبها عجزنا وتخلّفنا وتناحرنا، ولفرط ما تآمرنا على أنفسنا وتآمرنا مع أعدائنا على بعضنا بعضاً، ذهبنا إلى فخّ المؤامرة الكبرى، ووقعنا في قعرها بملء وعينا.
كقصة ذلك الرجل الذي كان يتسلّى بإرعاب الناس، مدعياً نزول الذئب إلى القرية، فلما جاء الذئب حقاً ورآه بأُمِّ عينه على وشك الانقضاض عليه، صاح بالناس أن ينقذوه من الذئب، لكن لا أحد صدّقه ولا جاء لنجدته، وقضى الرجل فريسة أكاذيبه.
ها هو ذا الذئب يُطبق فكيه علينا، ولن يوجد من يصدّقنا إن صحنا في كل المنابر الدولية، أننا ضحيّة مؤامرة شاملة كاملة لم يعرف العالم أكبر منها ولا أكثر خُبثاً في استراتيجيتها المتقنة ذات الذرائع الخيرية. فالمؤامرة المباركة حيكت لنا هذه المرّة على أيدي حُماة الديمقراطية ورُعاتها. الثوب الكفن المفصّل على قياس تهوّرنا وسذاجتنا وتذاكينا تمّ تصميمه برؤية إسرائيلية على يد مصمم التاريخ "العزيز هنري"، أثناء سُباتنا التاريخي.
لكن.. "لا يُلام الذئب في عدوانه/ إن يك الراعي عدوّ الغنم". هل نلوم أعداءنا وقد سلّمنا راعينا إلى الرعاة، قطعاناً بشرية جاهزة للذبح قرباناً للديمقراطية؟
في كلّ بلاد "رعاة الديمقراطية" الإنسان أهم حتى من الديمقراطية، لأنه الغاية منها والغاية من كل شيء. والمواطن أهم من الوطن، حتى إنَّ اختطاف مواطن واحد أو قتله على يد العدو، يغدو قضية وطنية يتجند لها الوطن بأكمله، وتتغير بمقتضاها سياسات خارجية. لكن، عندما يتعلّق الأمر بنا، يجوز لهؤلاء المبشِّرين بالحرية أنفسهم، نحر مئة ألف عراقي لنشر فضائل الديمقراطية، وتوظيف كل تكنولوجيا التعذيب لإدخالها في عقولنا.
عمر أبو ريشة، الذي قال ذلك البيت، الموجع في حقيقته، أدرك قبل نصف قرن أن الذئب لا يأتي إلاّ بتواطؤ من الراعي، وأن قَدَر الوطن العربي إيقاظ شهية الذئاب الذين يتكاثرون عند أبوابه ويتكالبون عليه كلما ازداد انقساماً. اليوم حللنا على الأقل مشكلة الأبواب. ما عاد من أبواب لنا. غدوا هم بوّاباتنا وحدودنا، أرضنا وجوّنا وبحرنا.. وطناً وطناً يستفردون بنا، ينهبون خيراتنا، يسرقون آثارنا، ينسفون منشآتنا، يغتالون علماءنا، يُشعلون الفتنة بيننا، يصطادون أرواح صحافيينا. ويشترون ذمم أقلامنا.. وأصواتنا.
نحن في أزهى عصور الديمقراطية. في إمكاننا مواصلة الشخير حتى المؤامرة المقبلة.. المقبلة حتماً. فالذئب يصول ويجول ويأكل منّا من يشاء. ما عاد السؤال من جاء بالذئب؟ بل كيف مكّناه منّا إلى هذا الحد؟
الجواب عثرت عليه في حكمة قديمة: "يأكلك الذئب إن كنت مستيقظاً وسلاحك ليس في يدك. ويأكلك الذئب إن كنت نائماً ونارك مطفأة".
رعى الله لنا نور التلفزيون. فقد أطفأنا كلّ ما عداه.
تصبحون على خير أيها العرب!




ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شكرا، أيها الشاعر الجميل
استفرَدَ الإسرائيليون بالشعب الفلسطيني، أثناء انشغالنا بمقاطعة الزبد الدانماركي، ومتابعة الفجائع العراقية. واصلوا مهمّة التنكيل به، والإجهاز عليه تجويعاً وإبادة وحصاراً. "الجدار الواقي" يُطوِّق الفلسطينيين من كلِّ صوب. بعد ثلاثين سنة من تاريخ تلك القصيدة، التي هزّتنا جميعاً، حتى الشعر تخلَّى عن الفلسطينيين وخانهم.. صار في إمكان شارون أن ينسب إلى نفسه قول سميح القاسم، ويصيح حتى بعد موته "إنّا هنا على صدوركم باقون كالجدار".
صُور العراقيين شَطبَت من ذاكرتنا صور الضحايا الفلسطينيين، حتى رأينا صور الإذلال تلك التي وزّعتها إسرائيل على شاشات العالم يوم مُداهمتها سجن أريحا. الرجولة العربيّة الْمُهَانَة الْمُستَبَاحَة كأرضنا، كثرواتنا، لم تُحرِّك فينا شيئاً، وهي عاريـة تمرُّ معصوبة العينين في سروال داخلي، ما كان مُهيّأً لتتفرَّج عليه كاميرات العالم.. "مَن يهن يسهل الهوان عليه". لم نتظاهر، لم نحتج، لم نبكِ، لم نَعْجَب حتّى. فقد سبق أن شاهدنا أحد رموز العروبة والرجولة يغسل ثيابه الداخليّة. بعضنا في شماتة في غير محلّها خصص للصورة - الحدث، صفحته الأُولى بكاملها. في الواقع، ما كان صدّام يغسل سوى الثياب الداخلية لشرفنا.
ثمَّة نيَّة مبيَّتة لتجريدنا من كرامتنا، بإهانة المقاتلين من رجالنا، في ما هو الأغلى على الرجل العربيّ: رجولته، وتعهير نسائنا في قنوات موسيقيّة مشبوهة النوايا، تمّ إنشاؤها لأغراض سياسيّة، قصد خصي الرجل العربيّ مرتين، والإجهاز على أجيال عربيّة بأكملها.
تأخّرت في الكتابة عن إهانة إسرائيل أَسرى سجن أريحا، لأنّ دموعي يومها أعفتني من واجب الكتابة، ولأنني ما وجدتُ في الصحافة العربيّة ما يُضاهي وجعي من صَدَىً لتلك الْمَذَلَّـة، حتى ظننتني وحدي مَـن رآها.
مؤخِّــراً، وقعت على مقالٍ ردَّ الاعتبار لكرامتي، وتكلَّم بما تمنيت أنّ أقرأة. ما كان المقال لعربيٍّ، بل لشاعر إسرائيلي نشره في صحيفة "هاآرتس". الْمَقَال جميل وطويل نشرته جريدة "أخبار الأدب" المصريّة، مُرفَقَاً بصورة لهؤلاء الرجال الجميلين حقاً في عُريهم، وتحته مقال الشاعر "بني تسيبار" الذي عنوانه "الفلسطينيون شعب جميل، حاولت إسرائيل تعرية الرجال فأظهرت شيخوختها وبؤسها". تمنّيت لو نقلتُه كلَّه لكم.. ولكنني مُجبرة على الاختصار.
"... أعتقد أنّ جيش الدِّفاع الإسرائيلي، بشكل عام، فَقَدَ حياءه. ولأجل إظهار هذا النصر العظيم، الذي لم يكن نصراً أبداً، إنّما مُجرّد عرض، حَـاوَل أن يعرض علينا النصر عن طريق إذلال النّاس وإجبارهم على التعرِّي عَلَنَــاً، أي حاول جيش الدِّفاع الإسرائيلي إجبار الفلسطينيين، الذين كانوا هناك، على أن يفقدوا حياءهم هم كذلك معه (...) على النقيض من الصـور التي تنتمي إلى الحرب العالميّة الثانية، التي صوِّر فيها اليهود عُــراة، يسيرون إلى موتهم، عاجزين تماماً. فالفلسطينيون العُرَاة الذين خرجوا من سجن أريحا، بَدوا وكأنّهم لم يفقدوا ذَرَّة من احترامهم الإنسانيّ، وساروا مُنتصبي القامة، معتزين بأنفسهم، كأنّما يقولون لكلِّ مَن يتلصصون عليهم: جيشكم وشبابكم كله (... لاشيء).
في صورة تكرّرت أكثر من مرَّة على الشاشة، بَدَا ظهر رجل فلسطيني مُقيَّد عصبُوا عينيه بخرقة بيضاء.. يقف في سرواله الأزرق الداخلي، مُستنِدَاً إلى سيارة عسكرية إسرائيلية. ليس لديَّ أيُّ مشكلة لأنّ أقول عَلَنَاً إنّـه بَـدَا كالحِصَان، كما يقولون اليوم، وإنّه كان في إمكانه العمل كعارض أزيــاء في شركة لـ"السراويل الداخلية". كذلك لم يكن ينقص الفلسطينيين، الواقفين في الشمس، أيُّ شيء. ولولا هذا الوضع الْغَبِـيّ، لأمكن القول إنهم يقفون هناك في امتحان على خَشَبَة مسرح (...). علـيَّ أن أشير إلى أنِّـي لا أملك جسداً رياضياً. إذ أستحي من كشف جسدي عَلَنَاً. لذا لم أستحم لسنوات في حمّام سباحة أو في البحــر (...). ما أُريد قولــــه، إنَّ مَن انتصروا في الواقع في هذه المعركة الْغَبِيَّــة والْمَنْقُولـــة إعلامياً، كانوا هم الفلسطينيين. إذ بَــدَا مظهرهُم أجْمَــل كثيــراً، ومُثيــراً للاهتمام، من مظهر جيش الدِّفـاع الإسرائيلي. هذا هو الأمر: "الآن بلدوزرات ثقيلة، قبيحة وغير إنسانيَّــة، هي ما تُجسِّد صورة الجيش الإسرائيلي، وليس البَشَـر أبَــداً.
أمّـا الفلسطينيون فهم يُبْرِزون صِبَاهُـم، رجُولَتَهُــم، أيّ كلَّ ما تنازلَت عنه إسرائيل وشَاخَــت. أَخَذَت في الخَجَل من نفسها، وفي تغطية جَسَدها بالْمُدَرَّعَــات والسيّارات التي لا يُمكن أبـداً رؤيــة الإنسان الذي يُديرها. أعتقد أنّه لا يُمكِن هزيمة الشعوب الجميلــة. ولقد أثبت عرض العري الفلسطينيّ في أريحــا، من دون أدنَــى شك، أنّ الفلسطينيين هُـم شعب جميل..".
أيسمح لي السَّـادة حُـمَـاة العُروبَــة، بعد هذا، أن أقـــول لبني تسيبار: "شُكْـــراً أَيُّـهـا الشَّـاعر الجميــل"؟ وليتعلَّمُــوا منـه فضيلـة النّزاهَــة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فـتـى الــحــزن الـمــدلــل


.


.


بدءاً، أجبتُ للمرّة الخامسة أو السادسة، معتذرة للذين اتصلوا بي ملحّين على مشاركتي في ملفٍّ تكريميٍّ عن محمود درويش: "لا شيء لديّ أقوله عنه". أذكر قول جان كوكتو، وهو يصوّر مُسبقاً موته. قال ونعشه يمر بين أصدقائه: "لا تبكوا هكذا.. تظاهروا فقط بالبكاء.. فالشعراء لا يموتون إنهم يتظاهرون بالموت فقط!". طبعاً ثمّة شعراء توغلوا فينا، ويحلو لهم التظاهر أحياناً بالحياة، كي يختبروا حبنا لهم.


كما توقعت، رحنا نُزايد على بعضنا بعضاً في حُب محمود درويش، وتكريمه بمناسبة "حياته". شخصياً، لا أدري كيف أقول له إنني أحبّه، ربما لأنني أحببت بعضه.


كي تقارب محمود درويش تحتاج إلى الكمّ إياه من الحزن الشاهق والموهبة الخارقة والاستخفاف الجميل. إضافة إلى كوني لا أملك مؤهّلات اللؤم الذكي، أو الذكاء اللئيم الصاعق، الذي يتوهج به فتى الحزن المدلل، منذ التقيته أوّل مرة في بداية السبعينات في الجزائر، على أيام "سجّل أنا عربي" وحتى آخر لقاء لنا منذ سنة في فرانكفورت، دوماً كنا "عابرون في زمان عابر"، إلى أن أقمنا مكرهين قبل ثلاث سنوات في كتاب منمّق مثير، جَمَعَنا بين دفتيه مع فقيدة الشعر الفلسطيني فدوى طوقان، تحت عنوان تحريضي تجاري.. ناري. "إسرائيليات بأقلام عربية".


بدءاً حزنت، ثم سعدت لوجود ذلك الكتاب ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في معرض بيروت الدولي. كانت الصفقة مربحة. صاحبته كسبت بتشهيرها، ما كانت تسعى إليه من شهرة، وأنا فزت منه بإشاعة موثقة وملفّقة في كتاب أتقاسمه مع رمزين للنضال الفلسطيني والعربي.


جميل أن تقتسم مع محمود درويش إشاعة، حتى وإن كانت إشاعة تخوين، خاصة أنني أقتسم معه بعض أحرف اسمه عندما يهجِّيها بذلك الكم من الألم:


"ميم/ المتيّم والميتَّمُ والمتمّمُ ما مضى


حاء/ الحديقة والحبيبة، حيرتان وحسرتان


ميم/ المغامر والـمعدُّ المستعدُّ لموته


الموعود منفياً، مريض المشتهى".


لا أدري إن كان محمود درويش مغامراً حقاً. كل مجازفاته كانت مدروسة، وخسائره ظلت محدودة دوماً بفضل الكتابة.


لكنه على الرغم من ذلك، كان أقلنا جُبناً وأكثرنا نزفاً، وهو يجذف من دون وجهة محددة. فقد عاش مهدداً بالماء.. ومهدداً باليابسة، لا يدري، أتكمن فاجعته في الطريق.. أم في الوصول؟ على مدى نصف قرن جذف محمود درويش بيد واحدة مجذافها قلم. لذا أحبّه نزار قباني واعترف لي مرة بأنه لا يحتفظ في مكتبته سوى بدواوينه من بين الشعراء المعاصرين. حتماً كانت ناره تحتاج إلى وقود للكلمات. فعندما لا يضرم فيك النار، يوفر لك محمود درويش حطب الأسئلة.. أو بنزين الألم.


هو "العاشق سيئ الحظ"، سيورّطك في سوء حظه الذي ليس سوى سوء حظك العربي. وعليك أن تجيب من دون الاستعانة بصديق.. بل بمؤرخ، "لماذا تركت الحصان وحيداً؟" ربما تكتشف آنذاك أن الحصان هو الذي تخلى عنك.. لأن "الحصان يعرف راكبه" حسب المثل العربي!


الشاعر الذي "يرى ما يريد" يجعلك تتساءل: "وماذا لو أنك أردت ما يرى؟"، وماذا لو كان "سرير غريبته" هو مخدعك وسرير حبيبتك؟ كيف تسنى له التحرش بها في مخدع الكلمات وهي لك؟


لا يحتاج محمود درويش إلى أن يقول شعراً لتشرئب شقائق النعمان برأسها، في إمكانه أن يفعل ذلك بمجرد حضوره اللامبالي وسط الحقول. اللامبالاة حالة تحرُّش عاطفي، أكثر خبثاً من أن تُعلن عن نفسها.


هو يدّعي أنه يريد "***اً أقل"، ونحن نعرف أننا ننتظر منه خسائر أكثر فداحة؟ وحنيناً مدمّراً كإعصار. ننتظر مزيداً من البكاء على كتف قصائده.




__________________


معسكرات الاعتقال العاطفي
.
.



من أجمل أقوال الإمام عليّ (كرّم اللّه وجهه) قوله: "أحِبَّ من شئت فأنت فاقده". يُذكِّرني بقول آخر له، لكلِّ مُقبل إدبار، وكلُّ مُدبر كأن لم يكن". لكأنّ علينا أن نعيش السعادة كلحظة مهدَّدة، ونتهيّأ مع كلّ امتلاك لحتميّة الفقدان.


وكما يقوم نزار قباني بـ"تمارين يوميّة في الحبّ"، ربما علينا القيام يومياً بالتمرُّن على فاجعة فراق أقرب الناس إلينا، قصد الحفاظ على لياقتنا العشقيّة، وتقوية عضلة القلب بالانقطاع بين حين وآخر عن الذين نحبّهم، حدّ استعبادهم لنا.


فراق الْمُحبِّين، وما يليه من آلام النهايات الحتميّة، حسب منطق "الأطلال" الكلثوميّة، علينا الاستعداد له منذ فخّ النظرة الأُولى. كان أجمل، لو استطعنا الاحتفاظ بجَمَالية البدايات، لو أن الحبّ لم يمضِ بنا صوب خلافات وشجارات، واكتشافات تُشوِّه الحلم الأوّل، وتجعل الحب الكبير يموت صغيراً.


على الرغم من هذا، لا أُوافق محمود درويش حين يقول: "لا أحبُّ من الحبِّ سوى البدايات". فليست البدايات هي التي تصنع الحب. إنّما ذلك الذهاب والإياب العشقيّ، ذلك الكوكتيل العجيب من العواطف الْمُتداخلة المتزاحمة المتناقضة، مدّاً وجزراً، صدّاً ووصلاً، حبّاً وكرهاً، هي التي تصنع أسطورة الحبّ، وتُحبِّب للمحبِّين عذابه وتقلّباته.


فـ"من ده وده.. الحبّ كِدَه"، ولا مجال لقطف وروده من دون أن تُدمي يدك. بل ثمَّة من "علشان الشوك اللّي في ال*** يحبّ ال***"، وهو نفسه مَن غنّى "مضناك جفاه مرقده وبكاه ورُحّم عُوّده"، وكان عبدالوهاب يتربّع على عرش العذاب العشقي، ويستمتع به حدّ تفضيله خلوة مع العذاب على خلوة مع الحبيب: "أنا والعذاب وهواك عايشين لبعضينا". حتى جاء مَن يُزايد عليه في مازوشيته، مُعلناً من غرفة العناية الفائقة للعشّاق "عِش أنت إني متُّ بعدك".


كان الموت السريري لفريد الأطرش متوقعاً لدى مُحبِّي نواحه العاطفيّ مذ أعلن في أغنيته مُنتحبة الآهــات، أنّ "الحب من غير أمل أسمى معاني الحياة"، فأودى بجيل بأكمله، جاعلاً من الموت حبّاً وغبناً.. أجمل أنواع الميتات!


وهي طريقة شاذة في الحبّ، لا أتباع لها إلاّ في العالَم العربي، حيث حزب السعادة محظور ولا ينشط إلاّ كتنظيم سرِّي. فبسبب تشوّهات عاطفيّة وجينيّة يطول شرحها، عندما لا يجد الإنسان العربيّ حاكماً يتكفّل بتنغيص حياته، وخنق أنفاسه ورميه في غياهب السجون، يتولّى بنفسه أمر البحث عن حبيب، تتوافر فيه كلُّ مواصفات الطُّغاة والجبابرة، وعندما يعثر على ديكتاتور لا يرحم، يسلمه روحه كي يفتك بها حبّاً، بعد اقتياده إلى معسكرات الاعتقال العاطفيّ، واختبار كلِّ عدَّة التعذيب العشقيّ على قلبه الأعزل المستسلم لقدره العشقي استسلام العراقيّ لأهوال محتلّه.


وبسبب هذا الواقع الذي انعكس على نمط طربنا المبارك لطُغاة الحبّ، والمطالب بفتح مزيد من سجون "أبو غريب" العشقيّة، يصعب على أيِّ منظمة إنسانية إحصاء الجرائم العاطفيّة في الأغاني العربيّة، التي كثيراً ما يُضاف إليها هذه الأيام هتك الْمُغنّي ذوق المستمعين، وثقب مسامعهم بصراخه وزعيقه.


وفي حمّى تكاثر الجمعيات التي تظهر كل يوم باسم ضحايا الإرهاب، وضحايا الفيضانات، وضحايا المباني المهددة بالانهيار، اقترح أحد القرّاء الجزائريين تشكيل "جمعية ضحايا الحب من طرف واحد". ولو عاش الموسيقار فريد الأطرش لكان رئيساً شرفياً لها، لولا أنه كان ضحية نموذجية من ضحاياها!


وخطر لي أن أُزايد على اقتراح هذا القارئ، بأن يكون لهذه الجمعيّة فرع في كل دولة عربيّة، وألاّ يقتصر الانخراط فيها على العشّاق وحدهم، بل يشمل أيضاً المواطنين العرب، الذين يعانون من أوطان لاتبادلهم الحب، ولا يعنيها أن تسحق الحاجة هاماتهم، أو تتقاذف المنافي أقدارهم.


قَدَرُ الإنسان العربيّ أن يعيش أسيراً، مُستبَاح القلب، مُنتَهك الأمنيات، يتحكّم طاغيتان في قدره، هارباً من هذا إلى ذاك، هو فقط يعتقد أن سوط الحبّ أرحم، مادام لا أحد يلحظ أثار جلداته على جسده!




__________________

تأملات متأخرة في الحب
.
.
سأظلُّ أطالب بإغلاق معسكرات الاعتقال العاطفـيِّ، التي يقبع في زنزانتها عشّاق سُذّج، تصوّروا الحياة العاطفيّة بثوابت أزليّة، وذهبوا ضحيّة هَوَسِهِم بعبارة "إلى الأبــــد"، معتقدين أنّ كلَّ حُبٍّ هو الْحُبُّ الكبير والأخير، فوقعوا في براثن حبٍّ مُسيَّج بالغيرة وأسلاك الشكوك الشائكة، ومُفخّخ بأجهزة الإنذار ونقاط التفتيش، غير مُدركين أنّ الحُبّ، على الرغم من كونه امتهاناً للعبوديّــة، هو تمرين يوميّ على الحرّية، أي على قدرتنا على الاستغناء عن الآخر، حتى لو اقتضى الأمر بقاءنا أحياناً عاطلين عن الحبّ.
نزار قبّاني الذي قال في الحب الشيء وعكسه، لفرط ما عاش تطرّف الحبّ وتقلّباته، كتب يقول: "أريد أنْ أظلّ دائماً نحلة تلحس العسل عن أصابع قدميك، حتى لا أبقى عاطلاً عن العمل!".
ثمَّة عشّاق لا أمل في إنقاذهم من العبوديّة. إنهم يصرُّون على العمل خَدَمَاً لدى مولاهم الحبّ، على الرغم من كونه طاعناً في التنكيل بِخَدَمِهِ!

هو الْحُــبّ..
وماركيز ينصحك: "لا تمت من دون أن تُجرِّب جَمَال حمل عبئه".
تضحك، هو لا يدري أنّ حمولتك تلك، قصمت ظهر أيامك· في البدء، يحملك الحبُّ لفرط خفّتك، ولا أحد آنذاك يُنبِّهك بأن عليك أن تحمله بعد ذلك بقيّة عمرك.. في البدء، أنت فراشة.. كائن من غبار وطيش، تحملك بهجتك، ثمّ تنتهي دابّة تنوء بحمل خيباتها.
يا حمّال الأسيّة "خُذ من الحب ما تشاء، وخذ بقدره من عذاب"، نصيحة من "عتّال عاطفيّ" أقعدته الذكريات!
***
* الفرح ثرثار. أمّا الحزن فلا تستطيع أن تقيم معه حواراً.
إنه منغلق على نفسه كمحار.
بلى.. في إمكانك إغاظة الحزن بالفرح.
تكلّم ولو مع ورقة.
***
* كلّما رأيت من حولي نساءً في كامل انتظارهنّ، يشكون البطالة العاطفيّة، ورجالاً أعياهم الترقُّب لبرق ينذر بصاعقة عشقيّة، وقصّة حب "أبديّة"، حضرني قول جون كيندي: "لا تسأل ماذا يمكن لوطنك أن يفعل لك، بل ماذا عليك أن تفعل من أجله".
بالمنطق نفسه، على العاطلين عن الحبّ أن يسألوا ماذا عليهم أن يفعلوا من أجل الفوز به. فلا يمكن طلب الحب بالتكلفة الأقل. الحب إغداق، إنه يحتاج إلى سخاء عاطفيٍّ يتجاوز قدرة الناس العاديين على الإنفاق. لذا، الحبُّ فضّاح لِمَن دونه، لأنّه يُعرِّي البخلاء، حتى الذين يعتقدون أنهم أعطوا.. لمجرّد أنهم أنفقوا عليه!
***
*غادِر بيتك كل صباح، وكأنك على موعد مع الحب.
تهيأ له بما أُوتيت من أناقة· يحلو للحب أن يُباغتك في اللحظة التي تتوقّعها الأقل:
"وجدتها
في وقت لم أُنادِها فيه
فوق محطّة لم أنتظرها عليها
في لحظة لم أتهيأ لقدومها
في مكان لم أبحث فيه عنها
في مساء لم أُعطِّره لاستقبالها
في بقعة أرض لم تكن مهيأة لها".

__________________



تحـــدّي




لأني رفضت الدروب القصيرة



وأعلنت رغم الجميع التحدي



وأني سأمضي



لأعماق بحر بدون قرار



لعلني يوماً



أحطم عاجية الشهريار



أحرر من قبضتيه الجواري



لعلني يا موطني رغم قهرك



أعود بلؤلؤة من بحاري



لأني صرخت أريد الحياة



لأني وقفت أمام الغزاة



قراصنة البحر ثارت عليّ



تحاصر كل سبيل إليّ



تمزّق كل شراع لديّ



لأني جهلت دروب النفاق



وأهملت عند ابتداء الطريق



سبيل التجارة باسم القيم



وكنت أناشيد أعلى القمم



يحاصرني كل يوم قزم



لأغدو شراعاً بدون هوية



لأن الكواليس تغتال صوتي



وأني أنادي بدون صدى



لأني ..



ولكني رغم كل اغترابي



سأبقى على مهرة من عذابي



وأزرع في العمر ضوء الشباب



وعند بداية كل احتراق



...أموت أنا ويظل الحريق


__________________



بلا قلب.. بلا عمر




وأحيي خلف ذكرانا



أنا أجري



ولا أدري



أنّ الحبّ يا حبّي



بلا قلب.. بل عمر



أحنّ إليك



في الإيمان في الكفر



أحنّ إليك



من ذعري



أحنّ إليك



لأنك مثلي تحيي



!..بلا قلب.. بلا عمر


__________________


الرســالة الثانيــة



لا حلم يا حبيب



لا شمس مُذ رحلت لا سلام



لا موعدا يزهو به الغمام



لا قبلة يسرقهاالحمام



فكيف يا حبيب



من بعد ما بذّرت في قلوبنا الهناء



بذّرتنا هباء



سرقت من عيوننا الضياء



وأنت في حياتنا أساور الربيع



لكننا



من يوم أن رحلت دون ماء



نخاف يا ربيع



...نخاف إن نسيت أن نضيع


__________________



حتــى أنت




وتبقى تناشدني كي أبوح



لماذا بعينيّ يغفو الوجود



وذاك الشرود



تراه ارتعاشة حبٍّ كبير ؟



وينتحر اللحن في أضلعي



وأبكي



وتبكي القوافي معي



وأبكي أمامك دون دموع



أفتّش عن فارس ليس يأتي



ويعصف بي الصمت في شفتيك



وذاك البرود



يمزّق أعصابي المنهكة



فيا أسفي يا صديقي الأخير



ظللت بعيداً عن المعركة



ولم تغفُ يوماً بجفن الضياع



ولم تغتسل مرّة يا صديقي



بطوفان نوح



فماذا عساني أبوح ؟


__________________


مذكــرّات




المذكرة الأولى



قال لي يوماً صديق


لقد تكأدت أخيرا دون ريبة


أن ما من شاعر يُولد إلا


يوم مأساة غرام ... بعد خيبة


وتوقفت أمام القول حيرى


أصحيحا صار عمري اليوم عام ؟




المذكرة الثانية



اليوم في حقيبتي مجموعة البريد


رسائل أزهو بها


بلونها ، بخطها ، بنوعها الفريد


فواحد بنيّة المراسلة


وواحد يهوى هنا المغازلة


وثالث يحتال كي يراني


لأنه من همستي أصبح لا ينام ...


المذكرة الثالثة



وساءلني .. القمر الأحمر


تراه يعود


***ّدت الطير عند الغروب


بأن هزار الربوع اختفى



المذكرة الرابعة



الريح والثلوج والأمطار


تعرّت الأشجار


واختفت الطيور والأطفال


لكنني سآتي حبيبي


فحبـــك معطفي الوحيد ..



المذكرة الخامسة



قُتِلت مرّتين


هناك في المغارة


لأنني رفضت أن أموت كلّ يوم


في عش عنكبوت


وشئتَ أن أموت



المذكرة السادسة



الكل أقسم أن ينام


يا أنت يا مدن المدافن قد سئمت من النيام


فأنا أجوب بحيرتي كالطيف حي الميّتين


وإلى متى


سأظل أبحث في انتظار


وجه يطلّ من النيام


__________________



متى يحتفل العرب بعيد الكسل؟
.



.



ما كنتُ سمعت بعيد الكسالى قبل أن أقرأ في شوارع "كان" ملصقات تعلن عن برنامج احتفالي بيوم الكسل.



لا أدري إن كان متعهِّد هذه الأنشطة أخذ بعين الاعتبار أنّ المعنيين بالدعوة أكثر كسلاً من أن يحضروا.


كيف تمّ اختيار ذلك التاريخ؟ لا أدري. ربما لكونه أوّل نهاية الموسم الصيفي. الكسالى عادة أُناس من فصيلة الزواحف التي تقضي ساعات من دون حراك، تتدفأ في الشمس، وهي الفصيلة نفسها التي ينحدر منها المبدعون، الذين يمارسون كسلهم على اختلاف الفصول والنشرات الجوية بذريعة الحرّ حيناً، والبرد أحياناً أُخرى.


استناداً إلى قول مورياك: "الرغبة في ألاّ تقوم بشيء، هي الدليل القاطع على الموهبة الأدبية"، شعرت بأنني معنية بهذا العيد، وقررت أن أحتفل به بمزيد من التكاسُل. فأنا امرأة كسولة بطبعي، أو كما صحّحني مرة الدكتور غازي القصيبي: امرأة "كسول". وكان، ذَكَره اللّه بالخير، يحلو له تصيّد أخطائي. وبحرص الكبار وتواضعهم، يهاتفني، يوم كان سفيراً للمملكة السعودية، لينبهني إلى خطأ لغوي وقعت فيه، شارحاً لي قاعدته.


وحدث قبل سنوات عدّة، أن أجرت معي مجلة "الوسط" اللندنية مقابلة طويلة، كان عنوانها "أنا امرأة كسولة لا ألهث خلف شيء فتأتيني الأشياء لاهثة". خِلتهم وفّقوا في عنوان جميل، حتى هاتفني الدكتور غازي القصيبي مصححاً: فـ"فعول" لامؤنث له، ولذا نقول امرأة كسول.. وقنوع.. وجحود.. وعنود. وعاندته بما أُوتيت من تطرُّف جزائري. حجّتي أن مُصحِّح المجلة نفسه، ما كان ليضع خطأً كهذا، عنواناً على غلافها.


كان سجالاً ظريفاً تلقّفته الصحافة السعودية، وانحاز فيه البعض إلـيَّ، برأفة على فراشة، يريد بلدوزر لغوي سحقها، وأنصفني الأستاذ الجليل عبدالله، عبدالجبّار الذي خرج من كهولة صمته ليُعلن أنّ كلا القولين صحيح لغوياً، ويحسم بذلك المباراة بتعادل سلبيٍّ.


كنّا نهاية 1998، فاختار الدكتور القصيبي أن ينهي السجال، بما عُرف عنه من روح الدعابة والظُّرف، فبعث لي ببطاقة معايدة كتب عليها "أيتها الكسولة/ والكسول/ والمكسال/ والكسلانة/ متى تنجزين الرواية الجديدة؟".


ما كان سؤالاً بريئاً، وهو مَن قال: "لا أكثر خبثاً من البراءة"، بل سؤال في سلَّة من الغمزات البريئة، إشارة إلى ما أُنجز من كتب أثناء تكاسلي. وكأنّ معركتنا لا تُحسم على صفحات الجرائد.. بل في المكتبات!


مازلت لا أجد جواباً عن هذا السؤال، الذي يطرحه عليَّ القرّاء والأصدقاء، كلّما تكاسلت في إصدار رواية. ويكاد ينقضي العمر وأنا لا أعرف بعدُ إن كان "الكسل أبو الإبداع". كما يرى منصور الرحباني، أم أن لا سرّ للإبداع غير المثابرة والصرامة والنظام والالتزام بوقت للكتابة، كما كانت الحال بالنسبة إلى نجيب محفوظ ونزار قباني.


أكتب لكم وقد فاتني عيد الكسالى.. قضيته أمام التلفزيون أتابع الفجائع العربية، وأعجب ألاّ يكون هذا العيد عيداً عربياً، وعندنا من احتياطيّ الكسل ما يفوق منسوب ثرواتنا الطبيعية. فكيف لم نفكر بعدُ في تصديره إلى شعوب مثل كوريا واليابان، اللذين لا يتمكّن أبناؤهما من النوم أكثر من خمس ساعات في اليوم، لفرط تفانيهم في العمل حدّ العبادة، بينما يملك الكسل كلّ المؤهلات ليُعتمد عندنا عيداً رسمياً لدى الملايين من العاطلين عن العمل، والملايين الأُخرى من الموظفين العموميين، الذين يقصدون مكاتبهم كلّ يوم للدردشة، واحتساء القهوة مع الزملاء؟


أيتها الزواحف العربية التي تعيش منذ قرون تحت شمس الحضارة.. دون حراك: كلّ يوم عيدك، مادام الكسل إنجازاً يُحتفى به.




__________________



بلاد المطربين.. أوطاني
.
.



وصلتُ إلى بيروت في بداية التسعينات، في توقيت وصول الشاب خالد إلى النجوميّة العالميّة. أُغنية واحدة قذفت به إلى المجد· كانت أغنية "دي دي واه" شاغلة الناس ليلاً ونهاراً. على موسيقاها تُقام الأعراس، وتُقدَّم عروض الأزياء، وعلى إيقاعها ترقص بيروت ليلاً، وتذهب إلى مشاغلها صباحاً.



كنت قادمة لتوِّي من باريس، وفي حوزتي مخطوط "الجسد"، أربعمئة صفحة قضيت أربع سنوات في نحتها جملة جملة، محاوِلة ما استطعت تضمينها نصف قرن من التاريخ النضالي للجزائر، إنقاذاً لماضينا، ورغبة في تعريف العالم العربي إلى أمجادنا وأوجاعنا.لكنني ما كنت أُعلن عن هويتي إلاّ ويُجاملني أحدهم قائلاً: "آه.. أنتِ من بلاد الشاب خالد!"، واجداً في هذا الرجل الذي يضع قرطاً في أذنه، ويظهر في التلفزيون الفرنسي برفقة كلبه، ولا جواب له عن أي سؤال سوى الضحك الغبيّ، قرابة بمواجعي. وفوراً يصبح السؤال، ما معنى عِبَارة "دي دي واه"؟ وعندما أعترف بعدم فهمي أنا أيضاً معناها، يتحسَّر سائلي على قَدَر الجزائر، التي بسبب الاستعمار لا تفهم اللغة العربية!


وبعد أن أتعبني الجواب عن "فزّورة" (دي دي واه)، وقضيت زمناً طويلاً أعتذر للأصدقاء والغرباء وسائقي التاكسي، وعامل محطة البنزين المصري، ومصففة شعري عن جهلي وأُميتي، قررت ألاّ أفصح عن هويتي الجزائرية، كي أرتاح.


لم يحزنّي أن مطرباً بكلمتين، أو بالأحرى بأغنية من حرفين، حقق مجداً ومكاسب، لا يحققها أي كاتب عربي نذر عمره للكلمات، بقدر ما أحزنني أنني جئت المشرق في الزمن الخطأ.


ففي الخمسينات، كان الجزائري يُنسبُ إلى بلد الأمير عبدالقادر، وفي الستينات إلى بلد أحمد بن بلّة وجميلة بوحيرد، وفي السبعينات إلى بلد هواري بومدين والمليون شهيد. اليوم يُنسب العربي إلى مطربيه، وإلى الْمُغنِّي الذي يمثله في "ستار أكاديمي". وهكذا، حتى وقت قريب، كنت أتلقّى المدح كجزائرية من قِبَل الذين أحبُّوا الفتاة التي مثلت الجزائر في "ستار أكاديمي"، وأُواسَى نيابة عنها. هذا عندما لا يخالني البعض مغربية، ويُبدي لي تعاطفه مع صوفيا.


وقبل حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان، كنت أتابع بقهر ذات مساء، تلك الرسائل الهابطة المحبطة التي تُبث على قنوات الغناء، عندما حضرني قول "ستالين" وهو ينادي، من خلال المذياع، الشعب الروسي للمقاومة، والنازيون على أبواب موسكو، صائحاً: "دافعوا عن وطن بوشكين وتولستوي". وقلت لنفسي مازحة، لو عاودت إسرائيل اليوم اجتياح لبنان أو غزو مصر، لَمَا وجدنا أمامنا من سبيل لتعبئة الشباب واستنفار مشاعرهم الوطنية، سوى بث نداءات ورسائل على الفضائيات الغنائية، أن دافعوا عن وطن هيفاء وهبي وإليسا ونانسي عجرم ومروى وروبي وأخواتهن. فلا أرى أسماء غير هذه لشحذ الهمم ولمّ الحشود.


وليس واللّه في الأمر نكتة. فمنذ أربع سنوات خرج الأسير المصري محمود السواركة من المعتقلات الإسرائيلية، التي قضى فيها اثنتين وعشرين سنة، حتى استحق لقب أقدم أسير مصري، ولم يجد الرجل أحداً في انتظاره من "الجماهير" التي ناضل من أجلها، ولا استحق خبر إطلاق سراحه أكثر من مربّع في جريدة، بينما اضطر مسؤولو الأمن في مطار القاهرة إلى تهريب نجم "ستار أكاديمي" محمد عطيّة بعد وقوع جرحى جرّاء تَدَافُع مئات الشبّان والشابّات، الذين ظلُّوا يترددون على المطار مع كل موعد لوصول طائرة من بيروت.


في أوطان كانت تُنسب إلى الأبطال، وغَدَت تُنسب إلى الصبيان، قرأنا أنّ محمد خلاوي، الطالب السابق في "ستار أكاديمي"، ظلَّ لأسابيع لا يمشي إلاّ محاطاً بخمسة حراس لا يفارقونه أبداً.. ربما أخذ الولد مأخذ الجد لقب "الزعيم" الذي أطلقه زملاؤه عليه!


ولقد تعرّفت إلى الغالية المناضلة الكبيرة جميلة بوحيرد في رحلة بين الجزائر وفرنسا، وكانت تسافر على الدرجة الاقتصادية، مُحمَّلة بما تحمله أُمٌّ من مؤونة غذائية لابنها الوحيد، وشعرت بالخجل، لأن مثلها لا يسافر على الدرجة الأُولى، بينما يفاخر فرخ وُلد لتوّه على بلاتوهات "ستار أكاديمي"، بأنه لا يتنقّل إلاّ بطائرة حكوميّة خاصة، وُضِعَت تحت تصرّفه، لأنه رفع اسم بلده عالياً!


ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.. أواه.. ثمّ أواه.. مازال ثمَّة مَن يسألني عن معنى "دي دي واه"!


__________________
شريرة غير متواجد حالياً