عرض مشاركة واحدة
12-25-2007, 08:21 AM   #6
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

يا رب سترك
كم يبدو بعيداً ذلك الزمن الذي كانت فيه النساء في العصر الذهبيّ في أوروبا يتنقلن في الصالونات، داخل أثوابهن الدائرية الضخمة، كمظلات الطيارين في تنانير يتم نفخها باشرطة ترتديها النساء تحت الثياب.
كانت النساء وقتها، يُخبئن كل شيىء في ثيابهن: الرسائل المهربّة، والمناديل المعطّرة، والعلب الذهبية الصغيرة التي تخفي صورة الحبيب.
اليوم، أصبحت الثياب بالكاد تخفي أجساد من يلبسنها. ولا أدري إن كنّا نعيش أزمة حبّ، أم أزمة ذوق. ولكن العالم تغيّر، وتقلّص، ومعه الثياب النسائية، التي مرّت بكل مراحل القهر التاريخي، وانتقلت من الزمن الذي تتراكم فيه الثياب الداخلية، قصد إخفاء تضاريس الأنوثة، إلى زمن ابتكار المشدّ لتفصيل الجسد ونحت خصر المرأة، كما لو كانت فراشة. كل هذا، تارة بقصد إثبات براءة المرأة وعفتها، وتارة لتوريطها وتسويقها في لعبة الجمال والإغواء.
لا توجد حضارة واحدة بريئة في تعاملها مع المرأة عبر التاريخ. وقد قرأت أنّه عندما ظهر المشدّ في العصور الوسطى، تعرّض إلى حملة عنيفة على أيدي خطباء الكنيسة، إذ اعتبروا أنّ النساء "لبسن الشيطان في ثنايا أردافهن".
أثناء ذلك، كان الصينيون الذين لا يحتاجون إلى شدّ خصور نساءهم النحيفات أصلاً، مشغولين بصناعة قوالب خشبية لأرجلهن، قصد منعهنَّ من النمو، وربما لإثقال خطاهن كالحيوانات المدجنة حتى لا يذهبن أبعد من البيت.
ولكن يظلّ الصينيون أرحم من الحاكم بأمر اللَّه، الذي على ايام الفاطميين لم يحكم سوى بأمر منطقه الغريب، وكأنّه الأب الشرعي لبعض من يحكموننا اليوم من حكّام غريبي الأطوار.
فعندما قرر الحاكم بأمر اللَّه منع النساء من الخروج، أصدر مرسوماً يمنع الإسكافيين على أيامه من صناعة أحذية النساء، تماماً كما منع المصريين من اكل الملوخية لأنه لم يكن يحبّها!

وهكذا، ما كاد يعود إلى النساء حق انتعال الحذاء، حتى لم يتردّدن في استعماله ضد الرجل.
أعود إلى موضوع الثياب "الذكية" التي اخترعها لنا العلماء، والتي بوسائلها الإلكترونية ستشي للمرأة بما يكفي من المعلومات لسبر خبايا الرجل الذي أمامها. ذلك أنّ في بطانة الفستان محطة اتصالات كاملة، قد تتحول إلى شاشة تلفزيون عند الحاجة.. وإذا كان القدامى يقولون "الناس مخبّايين بثيابهم"، فعلى أيام أولادنا سيتعرى الناس بسبب ثيابهم، ولن تحتاج النساء، لقياس حرارة الرجل سوى لأحمر شفاههن الذي سيكون إلكترونياّ. ولمعرفة مدى صدق رجل، كل ما يلزمهن عدسات لاصقة ستكون مزوّدة برزمة إشعاعية تُمكّن المرأة من اختراق خباياه.
وإذا كانت هذه الثياب تقوم بمهمة التدليك، ومنع ترهل الجسم، فإن من حسناتها او مصائبها الأخرى على العشّاق، قدرتها على استعادة الأيام الخوالي وعملها عمل الذاكرة، فتخزّن انطباعاتك واحاسيسك عن اماكن مررت بها، وتزوّدك بالهواء والأصوات التي سجّلتها في ما قد يسمّى "عطر الصوت".
وهنا.. يا لطيف.. يا ستاَّر.. تبدا فضيحة ثياب تتأوّه، وأخرى تصرخ، وأخرى تتنهّد، بعد ان التقطت تاوهات المرأة الداخلية وراحت تبثها عبر مكبّر صوت، إلكترونياً. أي انها (بعيد الشر عنكم) وباختصار، فضيحة إلكترونية، خاصة لمن في مثل حالتي يجهل التعامل مع التكنولوجيا.
ماذا يستطيع رجل مذعور أن يفعل عندما يجالس امراة مفخخة بهذا الكم من الفضائح الإلكترونية؟
* لوجه الله أنصحه بان يرتدي قميصاً بازرار من الأسبرين أنتجتها شركة الأسبرين بمناسبة مئوية هذا الدواء.
ولكن ثمة مصيبة أُخرى. فكلّما اقتلع الرجل زرّاً من قميصه والتهمه مرعوباً، انتفخ قميصه أكثر. وطبعاً، ازداد الفستان تأوهاً وصراخاً!
ويا رب سترك! يا ناس جيؤوني بعباية!
__________________

نحن في سجن عسقلان ... طمنينا عنك


لم أدرك يوماً سر انجذاب الأسرى السياسيين إلى كتاباتي، حتى إنه في إمكاني أن أكتب كتاباً كاملاً (قد يكون كتابي الأجمل) عن تلك المصادفات العجيبة التي، على مدى ربع قرن، وضعت مراراً في طريقي أسرى من سجناء الرأي القابعين في المعتقلات العربية، قبل أن ينضم إليهم الأسرى الفلسطينيون الموزعون على السجون الإسرائيلية. بعض هذه القصص من الجمال، بحيث أرى في عدم كتابتها جريمة في حق الأدب، وأحياناً في حق الحب.
عاد موضوع الأسرى ليجتاح حياتي بعد مروري ببرنامج “خليك بالبيت”، وقبلها بيوم كان زاهي وهبي قد طلبني مساءً ليقول لي: “أدري أن هذا الخبر سيسعدك.. لك سلام خاص من أسرى سجن عسقلان.. إنهم ينتظرون بلهفة حلقة الغد لمتابعة حوارك”. وما كدت أضع السماعة حتى رحت أبكي للحظات، غير مصدقة معجزة الكتابة، التي تجعل كلماتك تخترق الحدود والحواجز، وبوابات السجون، وقضبان الزنازين، لتحط في أيدي أسرى محكوم على بعضهم بثلاثين سنة من السجن.
لكن معجزة أُخرى كانت في انتظاري غداة بث البرنامج، عندما رن هاتفي النقال، ووجدتني أتكلم مع الأسير محمود الصفدي، الذي أمده زاهي برقم جوالي، واستطاع بطريقة من الطرق أن يوصل إليّ صوته عبر الهاتف. وبقيت مذهولة أبحث عن كلمات أرد بها عليه. فقد كان يتكلم بجمالية وفصاحة صقلتهما العزلة والمطالعة.. والحب. وراح بحماس وشوق ينقل إليّ محبته ومحبة رفاقه الأسرى. قال: “نحن أربعمئة معتقل هنا، نهديك وروداً أكثر من التي وصلتك، لأنك أهديتنا قارب نجاة لعالم الحرية والمعرفة. كتبك زادنا اليومي في رحلة الأسر الطويلة”.
وأما تعجبي لاكتشافي أنه طالع رواياتي الثلاث، أخبرني محمود أنهم ناضلوا كثيراً ودخلوا في إضرابات جوع مفتوحة، قبل أن يحصلوا على حق القراءة وحق مشاهدة التلفزيون، وأنه قبل ذلك حدث لأحد الرفاق الأسرى أن قضى أياماً منكباً على نسخ “ذاكرة الجسد” بـ “أحرف السمسمة”، ليهربها إلى بقية المعتقلين. سألته عن هذه التسمية، قال “إنها تطلق على أصغر حرف يكتب على ورق شفاف للمراسلات”. لكنه طمأنني بشيء من الفرح قائلاً: “الآن، جميعنا قرأناك، وأبطالك يقيمون معنا، برغم ضيق زنزاناتنا التي تضم ثمانية أسرى. لقد أفسحنا مكاناً بيننا لخالد وعبدالحق وحياة.. إنهم يعيشون معنا.. نتحدث إليهم ونتحدث عنهم في جلساتنا”.

لم أفهم سر التوقد، الذي يشتعل به كلام محمود الصفدي، إلاّ عندما حدثني عن “عاطف شاهين”، الفتاة التي خطبها قبل خمسة عشر عاماً، أي قبل اعتقاله ببضعة شهور، لكنها يوم حكم عليه بالسجن لسبع وعشرين سنة، بسبب نشاطه في الانتفاضة الأولى، رفضت أن تضع حداً لعلاقتهما. قال محمود بسخرية: “من الواضح أنها لم تأخذ بنصيحتك التي تقول “من الأفضل أن تحب المرأة رجلاً في حياته امرأة على أن تحب رجلاً في حياته قضية”. حاولت كثيراً إقناعها بالتخلي عني وتحريرها من أعباء رحلتي الطويلة، إلاّ أنها أبت وأصرت أن تتمسك بي وبحبنا وتسير معي في درب الآلام مجهولة النهاية. وكانت تردد دوماً أن من حقها أن تناضل كما ناضلت أنا، وأنها ستنتظرني إن اقتضى الأمر خمس عشرة سنة أُخرى إلى نهاية حكمي”.
في عيد العشاق، سلام خاص إلى محمود وعاطف، التي يحدث أن تهاتفني من القدس، لتنقل إليّ تحيات خطيبها أو رسالة منه.
رائعان أنتما وجميلان، حتى لنكاد نحسدكما على أسطورة حب أنجبها الحرمان، وانتظار حبيب سنة.. مقابل كل يوم كان لكما فيه لقاء.
إن كان العشق يحتاج إلى سجن وسجّان.. خذوا بؤسنا العاطفي وسوقونا إلى سجن عسقلان.

__________________

هزيمة الخنساء . . في مسابقة البكاء

منذ مدة، وأنا أحتفظ بخبر طريف، عن سيدة استطاعت الفوز بـ "تاج البكاء"، بعد تحطيمها رقما قياسيا في البكاء المتواصل، الذي لا سبب له طبعا، عدا إصرارها على الفوز بذلك اللقب.
وكنت أعتقد، حتى قراءتي هذا الخبر، أن العرب دخلوا كتاب "غينيس" للأرقام القياسية، على الأقل من باب النواح والعويل. فعندما نزل شيطان الشعر على أشهر شاعر جاهلي، ما وجد شاعرنا بيتا يفتح به تاريخ الغزل العربي غير "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل". ومن يومها ونحن نتوارث البكائيات، جيلا بعد جيل، ونملك "بطارية" جاهزة لامدادنا بطاقة البكاء، لسبب أو لآخر.
فالإنسان العربي يعيش على حافة البكاء. إن أحب بكى، وإن كف عن الحب بكى، وإن نزلت عليه السعادة بكى، وإن هو شاهد على التلفزيون مشهدا مؤثرا بكى، وإن رأى منظرا جميلا أيضا بكى. ألم يقل مالك حداد، شاعر الرواية الجزائرية: "ثمة أشياء من الجمال، بحيث لا نستطيع أمامها إلا أن نبكي"؟
وحتى قرائتي ذلك الخبر، كنت أعتقد أن الله قد وهبنا في شخص الخنساء مفخرة لأمتنا، بعد أن لزمت المسكينة قبر أخيها ترثيه وتبكيه، حتى ماتت، فمنحتنا شرف الموت بكاء.
يا لغبن الخنساء، الشاعرة التي أحبتها أنيسة بومدين، زوجة الرئيس الجزائري الراحل، وخصصت لها بحثا مطولا، مفتونة بذلك الكم من الدموع الذي ماتت بغصته.
ربما لو علمت الخنساء أنه سيأتي يوم يكون فيه للبكاء أيضا جوائز ومسابقات، لوفرت على نفسها دموعا أودت بها، بينما أخرى غيرها هي التي فازت بلقب المرأة الباكية في مسابقة للبكاء، نظمها ناد ليلي في "هونغ كونغ".
ولو نظمت هذه المسابقة في مقبرة، لما وجدوا بين الثكالى واليتامى من يفوز بها، لأن الألم الكبير لا دموع له. وتحضرني هنا والدة الشهيد محمد الدرة، التي التقيتها في أبو ظبي في اليوم التضامني مع الأقصى، بعد فترة وجيزة من استشهاد طفلها، وكان لها نبل الألم وصمته. بينما، وحتى بعد انتهاء جميع المشاركين في تلك المناحة الجماعية، التي نظمها النادي الليلي، وحتى بعد إعلان لجنة التحكيم قرار فوزها، لم تتمكن المرأة الفائزة من التوقف عن البكاء، ولم تفد معها محاولة الآخرين إقناعها بأنه لا داعي بعد الآن لمزيد من العويل، واستمرت ساعات تبكي، ربما من شدة الفرح هذه المرة، حتى أصيبت بنوبة هستيرية، نقلت على أثرها إلى المستشفى "وتاج البكاء" على رأسها
وقرأت مؤخرا تصريحا لإيطالي يدعى كارلو مارتيني يقول فيه: "كم أبكي عندما أرى ما حل بجبن الستلتن. أصبحوا يعملونه الآن من حليب معقم يقتل الميكروبات، التي هي في الواقع سر روعة طعم هذا الجبن".
وأخونا الإيطالي، الباكي المتحسر على زمن الميكروبات، التي تعطي جبنا إيطاليا شهيرا بطعمه المتميز، هو مؤسس "حركة الطعام البطيء"، وبكاؤه لا علاقة له بالموت السريع أو البطيء، الذي يهدد العالم بسبب الحروب الجرثومية.. أو القنابل الانشطارية أي الهاطلة من سماء أفغانستان، فكل يبكي على "جبنته"، أو دفاعا عن تاجه.
وعلى ذكر البكاء.. تحضرني قصة تلك المحامية، التي اختلت بي أثناء زيارتي إلى بلادها، بعد أن انتهيت من إلقاء محاضرة ألهبت القاعة وأبكتها، وأنا أطالب بحق الصلاة في الأقصى. فقد نصحتني بالتروي في الهجوم على إسرائيل، وحكت لي ما حل بها يوم كانت تزور، برفقة وفد من النساء العربيات، مدينة سياحية، ورأت لأول مرة سياحا إسرائيليين يتجولون في بلادها، فأجهشت بالبكاء، وإذا بالشرطة تحضر وتطالبها بأوراقها الثبوتية، وتسجل اسمها وعنوان عملها. وعندما سألت إن كان ثمة قانون يمنعها من البكاء في حضرة إسرائيليين، جاءها الجواب: "لا.. ولكنك ببكائك هذا، أسأت إلى الضيوف". وفي الغد حضر رجال الأمن إلى مكتبها لمزيد من التوضيح.
أما وقد سلب منا تاج الحزن، أخاف أن يأتي يوم لا نستطيع فيه البكاء على ظلم أعدائنا، إلا بذريعة النواح على جبن إيطالي، أو المشاركة في مسابقة للبكاء ينظمها ناد ليلي ما

__________________

معسكرات الاعتقال العاطفي


من أجمل أقوال الإمام علي (كرَّم اللَّه وجهه)، قوله: "أحبَّ مَن شئت فأنتَ فاقده", وهو يُذكِّرنا بقول آخر له: "لكلٍّ مُقبل إدبار وكلُّ مُدبرٍ كأن لم يكن", لكأنَّ علينا أن نعيش السعادة كلحظة مهدّدة، ونتهيّأ مع كل امتلاك.. لحتميّة الفقدان.. وكما يقوم نزار قبّاني بـ"تمارين" يوميّة في الحبّ، علينا أن نقوم يومياً بالتمرُّن على فاجعة فِراق أقرب الناس إلينا، كي نُحافظ على لياقتنا العشقيّة.. ونقوّي عضلة القلب، بالانقطاع فترة عن الذين نحبّهم.

وما أعنيه هنا، هو فراق الْمُحبين، وما يليه من آلام النهايات ذلك أن الأجمل كان لو استطعنا الاحتفاظ بجمالية البدايات.. لو أن الحب لم يمضِ بنا صوب خلافات وشجارات، واكتشافات تشوّه الحلم فينا، وتجعل الحُبّ الكبير يموت صغيراً.

وبرغم هذا، لا أُوافق محمود درويش، حين يقول "لا أُحبُّ مِنَ الحب سوى البدايات", فليست البدايات هي التي تصنع الحبّ، إنها ذلك الذهاب والإياب العشقي نحو الحب وداخله.. ذلك الكوكتيل العجيب من العواطف الْمُتداخلة الْمُتدافعة الْمُتناقضة، مدّاً وجزراً، صدّاً ووصلاً.. حبّاً وكراهية، التي تصنع أُسطورة الحب، وتُحبّب للمحبِّين عذابه وتقلّباته فـ"من ده وده.. الحبّ كده"، ولا مجال لقطف وروده من دون أن تُدمي يدك بل ثمَّة مَنْ عَلَشان الشوك اللِّي في ال*** يحبّ ال***"، وهو نفسه الذي غنّى "مضناك جفاه مرقده وبكاهُ ورُحّم عوّده"، حتى جاء مَنْ يُزايد عليه في المازوشيّة العاطفية، مُعلناً من غرفة العناية الفائقة للعشَّاق "عش أنتَ إنِّي متُّ بعدك"، وقد كان موته السريريُّ متوقّعاً لدى كلّ محبِّي أغانيه، مذ أعلن في أغنية شهيرة أن "الحب من غير أمل أسمى معاني الحياة"، ما جعل من الموت حبّاً.. أجمل أنواع الميتات! وهـي طريقة شاذَّة في الحب، لا أتباع لها إلاَّ في العالم العربي، حيث لتشوّهات عاطفية يطول شرحها، عندما لا يجد الإنسان العربي حاكماً يتكفل بتنغيص حياته، وخنق أنفاسه، ورميه في غياهب السجون، يتولّى بنفسه أمر البحث عن حبيب طاغية جبّار، يُسلّمه روحه كي يفتك بها.. حُبّاً، بعد إدخاله إلى معسكرات الاعتقال العاطفي، وتعذيبه عشقاً حدّ الموت.

وبسبب هذا الواقع الذي انعكس على أغانينا، يصعب إحصاء الجرائم العاطفية في الأغاني العربية، التي كثيراً ما يُضاف إليها جريمة هتك المغني ذوق المستمعين، وثقب مسامعهم بعويله وفي حمّى تكاثُر الجمعيّات التي تظهر كل يوم باسم ضحايا الإرهاب، وضحايا الفيضانات، وضحايا البنايات المهدّدة بالانهيار، اقترح أحد القرّاء الجزائريين تشكيل جمعية ضحايا الحب من طرف واحد وأظن أن الموسيقار فريد الأطرش، كان يصلُح رئيساً شرفياً لها، لو أنه لم يكن ضحية فعلية من ضحاياها!

وخَطَــر لي أن أزيــد على اقتراح هذا القارئ، أن يكون لهذه الجمعيّة فرع في كلّ دولة عربية، وألاَّ يقتصر الانخراط فيها على العشَّاق وحدهم، بل يشمل أيضاً المواطنين العرب، الذين يعانون من أوطان لا تُبادلهم الحبّ، ولا يعنيها أن تسحق الحاجة هامتهم، أو تتقاذف المنافي أقدارهم.. في المقابل، أُطالب بإغلاق معسكرات الاعتقال العاطفيِّ، التي يقبع في زنزاناتها عشاق سُّذج، تصوّروا الحياة العاطفية بثوابت أزلية، وذهبوا ضحية هَوسهم بعبارة "إلى الأبد"، معتقدين أن كلَّ حبّ هو الحبُّ الكبير والأخير، فوقعوا في براثن حب مُسيَّج بالغيرة وأسلاك الشكوك الشائكة، ومُفخّخ بأجهزة الإنذار ونقاط التفتيش، غير مدركين أن الحب، رغم كونه امتهاناً للعبودية، هو تمرين يومي على الحرية أي على قدرتنا على الاستغناء عن الآخر، حتى لو اقتضى الأمر بقاءنا أحياناً عاطلين عن الحب.

نــــزار يرى عكس هذا حين يقول "أُريد أن أظلّ دائماً نحلة تلحس العسل عن أصابع قدميك.. حتى لا أبقى عاطلاً عن العمل!".

الْمُشكِل في كون العشاق يسعدون بعذابهم، ولا أمل في إنقاذهم من استعباد الحبّ لهم!

__________________

هودج الوعد الذي قد يحملُك
مُفرطاً في الحُسنِ تمشي
نعلُكَ قلبي
كأنْ لا قلب لكْ
فتنةٌ بكَ تشي
كلُّ مَن صادف عينيكَ
هَلَكْ

**

يا لحُسنك
حرِّضَ الحُزنَ عليّ
كمْ نساءٌ
فاتهنَّ غبارُ خيلكْ
مِتنَ من قبل بُلوغ شفتيكْ

**


كيف لي
أن أكون غِمداً لسيفكَ
هودج الوعد الذي
قد يحملُكْ
فرساً تصهل في مربط قلبِكْ
أنثى ريح الركبِ
أنَّـى وجهتُكْ


**

قل يا رجل
إلى أيَّة غيمةٍ
تنتمي شفتاكْ
كي أُسافِر في حقائب مطرك
وأحطَّ
حيثُ تهطُلْ


**

مُقبل أنتَ
وعمري مُدبرٌ
طاعنٌ في الوهم قلبي
قبلك ما عشق





ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



شوكولا الأدب.. وقلَّة أدب الشوكولا


لم يحصل في الماضي، أن طالبتُ زوجي بطبق الاوسو بوكو ، إلاّ وأسرع بي إلى مطعم إيطالي، لعلمه أنني حتماً حبلى بصبيّ.
وفي السنوات الأخيرة، ما أضفت إلى قائمة المشتريات اليومية للبيت كلمة "شوكولا" حتى استنتج أنني أنتظر رواية، بعدما أصبحت الشوكولا أحد أعراض "وَحَمِي الأدبيّ". هكذا، اعتاد مع إحضاره الخضار واللحم والحليب وصابون الجلي ورغيف الخبز الافرنجي، أن يحمل لي لوحاً من الشوكولا، يضعه كلّ صباح على مكتبي كي يزوّدني بمحروقات الكتابة ووقودها، مضيفاً ***ة "غاردينيا" يقطفها من حديقة البيت، ضاحكاً حتماً في سرّه، لكوني الزوجة التي لا يُكلِّف إسعادها شيئاً يُذكَر.
الواقع، أنّ مزاجي لاتتحكّم فيه إلاّ الشوكولا، وسعادتي مرهونة بطعمها الأسود المرّ. وبرغم كوني سافرت كثيراً إلى سويسرا، وأهداني الأصدقاء أفخم أنواعها، لم أتنكّر يوماً لشوكولا طفولتي. وكانت بسيطة سوداء، في لوح من أصابع عدّة، لم نكن نعرف غيرها، ولا نحلم بسواها مكافأة عند عودتنا من المدرسة.
ولأنّ شهيتي للكتابة تزداد في شهر رمضان، حدث أن أفطرت وتسحّرت على الشوكولا وعلى حبّات تمر وشيء من الحليب، ومازلت أذكر زمن كتابتي "عابر سرير". فقد كنت أضع زادي من الشوكولا على مكتبي، ولا أُغادر غرفتي إلاّ ساعة الإفطار لأسأل زوجي سؤالين: "هل عثروا على أسامة بن لادن؟". فيُجيب "لا".. و"هل تزوّج الحاج متولِّي بزوجة جديدة؟"، فيردّ "نعم". وبعدما أكون قد اطمأننت إلى مصير الأُمّة العربيّة.. أعود لأوراقي لأطمئن على مصير أبطالي.
منذ فترة عادت الشوكولا تتحكّم في مزاجي الروائي، واحتجت إلى مزيد من "بَلْوَتي السوداء"، بسبب انهماكي هذه المرّة في كتابة روايتين في الوقت نفسه، كلّ هذا وسط زحمة أسفاري وهروب شغّالتي، وورشة البيت الذي أعدت "نفضه" عن بكرة أبيه. لن أقول لكم أكثر، فأنا أحب أن أضع مولودي سرّاً على طريقة القطط، وكالقطة أقضي مدّة ما قبل الوضع "حايصة" أبحث عن مكان دافئ وصغير يليق بحميميّة الولادة. حتى إنني كثيراً ما حلمت بوضع مولودي الأدبيّ في غرفة شغّالتي، بينما لم تحلم القطط سوى بوضع صغارها في مكتبي، حتى إنّ قطة كانت في بيتنا، راحت تُجرِّب تارة سريري، حيث أكتب، وتارة جوارير الخزانة، كلما تركت أحدها مفتوحاً. وفاجأتها مرّة وهي تنام على فرو كنت أخبئه أعلى الخزانة، ولم أفهم ما بها، حتى فاجأتني بوضع صغارها الخمسة في سريري.
وأعتقد أنَّ البركة حلّت يومها في مكتبي، عندما تحوّل على مدى أسبوع إلى حضانة للهررة، واستحققت عن جدارة لقب "أُم هريرة"، الذي كان يُداعبني به زوجي، أو "بريجيت باردو الحي"، كما كانت تُسمِّيني أخته، قبل أن يمنعني مواء القطة وصغارها من العمل.. أو النوم، فأضطر إلى نقلها وإيّاها إلى مكان آمن في الحديقة، وأعود لكتابة "فوضى الحواس".
ربما عدت، لأحدثكم ذات مرّة عن علاقة المبدعين بالقطط، وكذلك بالشوكولا التي يبدو أنها تركت بصماتها السوداء على بعض النصوص الأدبية. ولأنني بُليت بها فأنا لا أنفك عن ملاحقة أخبارها. وقرأت مؤخراً عن مؤتمر طبي خُصِّص لدراسة فوائدها ومصائبها، وكنت أعرف لها قبل ذلك فائدة أكّدها المؤتمر، مساعدتها على التغلُّب على الشجون العاطفيّة. فكثيراً ما نصحت صديقاتي بتناولها أثناء القطيعة والمآسي العشقيّة، لأنها تمنحنا مزاجاً جميلاً، وتُساعدنا على مقاومة الكآبــة، والإحباط العاطفي. الخبر الجديد هو اختراع لصقة جلدية تساعد على تقليل الرغبة الْمُلحّة في تناول الشوكولا، (ورغبات أُخرى تنتاب مُدمنيها). الدليل: خبر من كولومبو نقلته الصحف عن قرد في حال هياج جنسي، أثار الذعر في بلدة وسط سريلانكا. بعدما أخذ يهاجم إناث القطط والكلاب، ويُطارد الفتيات، ويتحرّش بهنّ، وذلك حسب تفسير مَن رأوه، بسبب الشوكولا التي كان يتغذّى عليها ويسرقها من المتاجر.
ولا حول ولا قوة إلاّبالله.. أدركوني بلصقة مضادة لهذه الشوكولا الملعونة.
شريرة غير متواجد حالياً