عرض مشاركة واحدة
12-25-2007, 08:15 AM   #5
شريرة
مشرفه
Crown4
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: فلسطين - خان يونس
المشاركات: 3,245

مباهج نهاية السنة العربية

أأقلعتُ عن متابعة أخبار العراق بعد أن تجاوزني مصابها، لكنني لم أنجُ من هول عناوينها. عناوينها وحدها كافية لقتلكَ بذبحة قلبيّة، عندما تقرأُها على الشاشة أو تقع عليها مجتمعة في جرائد الأسبوع، التي فاتتك مطالعتها.
تصوّروا مئة وعشرين قتيلاً، وأضعاف هذا العدد من الجرحى، وقعوا في يوم واحد ضحايا سلسلة تفجيرات انتحارية، استهدف أحدها مجلس عزاء، وآخر زوّار مرقَد الإمام الحسين، وثالث خط أنابيب رئيسياً للغاز. أيُّ مسلمين هم هؤلاء؟ وأيّة قضيّة هي هذه التي يُدافَع عنها بنسف وطن، وسفك دماء الأبرياء وهم يودِّعون مَن سبق للموت أن سرقهم منهم؟
إنها مباهج نهايات السنة العربيّة!
عنوان آخر يُذهلك ويُجهز على عروبتك: ستة وعشرون قتيلاً من بين "الإخوة السودانيين" سقطوا في مواجهة مع قوات الأمن المصرية، لإزاحتهم من الحديقة المواجهة لمبنى المفوّضيّة العُليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي اعتصموا فيها منذ أيام، وانتهت جثثهم في مستشفيات القاهرة، لا باسم الأُخوَّة الإنسانية فحسب، بل العربيّة أيضاً. فـ"الإخوة السودانيون"هي الصفة التي أطلقها عليهم بيان الداخلية المصرية، بعد أن حُلّت مشكلتهم الإنسانية بإلقاء جثثهم في البرّادات، بينما تمَّ نقل المئات عنوة إلى أماكن أُخرى.
حدث هذا في "ليلة رأس السنة"، أثناء انشغال العالَم عنّا بمباهج الساعات الأخيرة. فهذه الليلة التي يتخذها الناس فسحة للتمنّي، ويجعلونها عيداً للرجاء بتغيير نحو الأفضل، تغدو أمنية الإنسان العربيّ فيها البقاء على قيد الحياة، ليس أكثر، حتى وإن كانت حياته لا تعني شيئاً بالنسبة إلى وطنه أو "أشقائه". فما بالك بسكّان المعمورة الذين اعتادوا على أخبار مذابحه، ومسالخه وشلالات دمه.
تُشير دراسة لمنظمة مستقلّة لحقوق الإنسان، إلى أن أكثر من 95 في المئة من العراقيين لا يعرفون ماذا يجري في بغداد بعد منتصف الليل منذ أكثر من سنتين، ونسبة تصل إلى 50 في المئة يفضِّلون عدم الخروج من منازلهم بعد الخامسة مساء، تاركين المدينة لأُمراء الليل من القَتَلَة واللصوص.
وعليكم أن تتصوّروا كيف قضى العراقيون "ليلة رأس السنة". التي يجد فيها الإرهابيون مناسبة إعلامية نادرة لقصف الأعمار وقطع الرؤوس، طمعاً في تصدُّر الأخبار العالميّة، لولا أنّ العالم كان مشغولاً عن إنجازاتهم الإجراميّة بخبرأٍ أهمّ، حسب سلَّم القيم والاهتمامات الإنسانية للمواطن الغربيّ.
ما استطاعت جرائمهم أن تؤمِّن لهم صدارة الصحف في "ليلة رأس السنة". كانت الصفحة الأُولى في كثير من الصحف الغربية (حسب وكالة رويتر)، محجوزة لفاجعة طائر بطريق صغير، أعلنت الشرطة البريطانية خشيتها على مصيره، بعد أن سُرق من حديقة حيوان بريطانية قبل 5 أيام. الصحافيون (الذين نخطفهم ونقتلهم عندما يأتون لتصوير موتانا وثكالانا، هذا عندما لا تتكفّل القوات الأميركية بقصف فندقهم حال وصولهم) سارعوا أفواجاً إلى حديقة الحيوانات لالتقاط صور لأبويه "أوسكار" و"كيالا" (لاحظوا أنّ لحيواناتهم أسماء.. بينما لموتانا أرقام). وقد أدمى قلوب محبي الحيوانات في أنحاء العالَم صورة الأبوين اللذين مزقهما الحزن على فقدانهما صغيرهما الذي لا يتجاوز شهره الثالث، حتى إنّ مُصلِّين في كنيستين في أميركا صلُّوا من أجل الصغير "توغا"!
فهل لايزال بينكم مَن يشك في إنسانية الشعب الأميركي وتقواه، وفي سذاجة الشعب السوداني وغبائه؟ فالألفا لاجئ الذين اعتصموا في الحديقة المواجهة لمبنى المفوضيّة العليا للاجئين، كان عليهم أن يلجأوا إلى حديقة الحيوان البريطانية. فربما كانوا سيحصلون كحيوانات على حقوق، ما كانوا في جميع الأحوال أن يحصلوا عليها كبشر خذلتهم الجغرافيا.
كانوا موعودين بمساعدات، على هزالها، كانت ستغيِّر حتى حياتهم، حياتهم التي تساوي رصاصة في شارع عربي، ولا تساوي ثمن طلقة سهم ناري عمره دقائق، يطلق في شارع أوروبي· ذلك أن في "ليلة رأس السنة" نفسها التي سقطوا فيها كان الألمان وحدهم "يفرقعون" في الهواء 154 مليون دولار ثمن ألعاب نارية، ابتهاجاً بالعام الجديد.
عـــاماً سعيداً.. "أشقاءنــا"، شهداء "ليلة رأس السنة"!

__________________
كلُّنا من أمر البحر في شك


انتهى زمن الأعاصير الجميلة، التي تغنَّى طويلاً بها الشعراء. حتى الأميرة ستيفاني، ستتردّد اليوم قبل أن تُغنِّي أغنيتها الشهيرة تلك"مثل إعصار". فالجميلة المتربّعة فوق صخرة موناكو، تدري الآن أنهما عاد في الإمكان. حتى من باب الدعابة، أن تمازج إعصاراً أو تتغزّل به، خاصة أنَّ بعض أعاصيرها العشقيّة قلبت الإمارة رأساً على عقب.
لا أحد الآن في مأمَن من طوفان أو إعصار أو زلزال، سواء أكان يسكن مدينة تحت مستوى سطح البحر، وسطح الفقر، أم إمارة مُعلّقة على صخرة النجوم. فقد أثبت "تسونامي" أنَّ في إمكانه تسلُّق طوابق عدَّة، وابتلاع أُناس كانوا يعتقدون "أنّ البحر يبتسم"، كما اعتقد الجزائريون منذ سنتين أنّ المطر الذي انهمر عليهم بغتة كان استجابة لصلوات الاستسقاء، وإذا به يُخبّئ لسكان العاصمة أكبر فيضان عرفته الجزائر، ذاهباً حدَّ خطف أُناس باغتهم في الشوارع.. وابتلاعهم عبر المجاري ليُلقي بجثثهم بعد ذلك إلى البحر.
كما الحبُّ "كلّنا من أمر البحر في شكّ"، نرتاب من مجاورته ونشكُّ في حُسن نواياه. فما عاد البحر يهبنا اللؤلؤ والمرجان والحيتان، بل الفيضانات والدمار والأعاصير الاستوائية والحلزونية، التي لا رقم معروفاً لضحاياها.
كل الأسماء النسائية والرجالية التي تطلقها هيئات الرصد الجوي، لتمنح كوارثنا "الطبيعية" اسماً، تضافرت وتناوبت لتهزّ ثقة الإنسان بسيادته على هذه الأرض·
مَن المعتدي؟ الإنسان.. أم الطبيعة؟
إذا احتكمنا إلى إبراهيم الكوني، الذي يقول في كتابه "ديوان البرّ والبحر"، إنّ الطبيعة بيت اللّه الذي ندنّسه بدل أن نتعبّد فيه، يكون الرئيس المؤمن بوش، قد دنّس بيوت اللّه كثيراً، و تجنّى على الطبيعة كما تجنّى على البشر. فقد أصرّت إدارته على الرفض القاطع التوقيع على معاهدة كيوتو للاحتباس الحراري التي أدت إلى ارتفاع درجات الحرارة، في المحيطات، ما تسبَّب، حسب الخبراء، في تشكيل الأعاصير الواحد تلو الآخر. ذلك أنّ القرار الأميركي يصنعه الأثرياء، أصحاب الشركات الأكبر من الدول، ويدفع ثمنه فقراء العالم، وفقراء أميركا الذين ما كنّا لنعرف مدى فاقتهم، لولا فضيحة هذا الإعصار. الْمُسمّى "كاترينا".
نفهم تماماً، أن يطالب أنصار البيئة بإطلاق أسماء الأعاصير على السياسيين، مقترحين أسماء جورج بوش، وكونداليزا رايس، وتوني بلير، ورامسفيلد، باعتبارهم مسؤولين عن معظم الكوارث الطبيعية التي تحيط بالعالم، وتتسبّب في اتِّساع ثُقب الأوزون، و ارتفاع حدّة التلوّث في العالم، إضافة إلى الحروب التي يُشعلها سوق السلاح. ففي أميركا، حيث تخترع شركات الدواء العملاقة الدواء أولاً، ثم تخترع له مَرَضَاً يليق برواجه، دَرَجَت الحكومات الأميركية على إشعال حروب لاستهلاك ترسانة أسلحتها واختبار الجديد منها، غير عابئة بما ستخلِّفه قنبلة نووية على مئات الآلاف من البشر في هيروشيما، أو ما ستتنفسه الأمهات من سموم، تشهد عليها تشوهات الأجنة والمواكب الجنائزية المتتالية لنعوش أطفال العراق.
نكبة أميركا ليست في شعبها، الطيِّب غالباً، والساذج حدّ تصديق كلِّ ما يتنفّسه من سموم إعلاميّة. نكبتها في حكّامها الذين يصرُّون على سياسة التفرُّد والاستعلاء، حتى على الطبيعة. فبوش، الذي ابتدع "الحروب الاستباقيّة"، ما كان في إمكانه أن يستبق إعصاراً أو يلحق به. ذلك أن أولوياته هي غير أولويات مواطنيه، بحُكم أنه الراعي للإنسانية والقيم السماوية.. والموزّع الحصري للديمقراطيّة على جميع سكان الكرة الأرضيّة. فأين له أن يجد الوقت ليوزع الإغاثة على المنكوبين من مواطنيه، وهو مشغول بتوزيع جيوشه حسب الخرائط التي تمدّه بها الشركات البترولية في معقله في تكساس؟
الجبابرة، سادة العالم وأنبياؤه المزيّفون، عليهم ألاّ يعجبوا إن هم ما استطاعوا احتواء غضب السماء، ولا غضب الأرض. ما الطبيعة إلاّ يـد اللّه، وكان لابد لجبروتهم أن ينتهي تحت أقدامها.

__________________
شريرة غير متواجد حالياً