عرض مشاركة واحدة
02-26-2010, 06:40 PM   #2
تقى
عضو في انتظار التفعيل البريدي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2007
الدولة: الايميل المسجل غير مستخدم
المشاركات: 4,392

[](للحديث صلة)


العمر أقصر مدّة:


ذكر التنوخي، في كتابه: الفرج بعد الشدة، بسنده إلى علي بن أحمد الليثي، الكاتب المعروف، بابن كردويه، قال: كان لي صديق من أهل راذان - وكان قريبا من بغداد- عظيم النعمة والضيعة قال: تزوجت في شبابي امرأة من آل وهب، ضخمة النعمة، حسنة الخلقة والأدب كثيرة المروءة، ذات جواري مغنيات، فعشقتها عشقاً مبرّحا، وتمكن لها من قلبي أمر عظيم، ومكث عيشي بها طيباً مدّة طويلة.


ثم جرى بيني وبينها بعض ما يجري بين الناس، وخاصة شؤون الزوجين، فغضبتْ عليّ وهجرتني، وأغلقت باب حجرتها من الدار دوني، ومنعتني الدخول إليها، وراسلتني بأن أطلقها. فترضيتها بكل ما يمكنني، فلم ترض، ووسطتْ بيننا أهلها من النساء، فلم ينجح. فلحقني الكرب والغمّ، والقلق والجزع، حتى كاد يذهب بعقلي، وهي مقيمة على حالها، فجئتُ إلى باب حجرتها، وجلستُ عنده مفترشاً التراب، ووضعتُ خدي على العتبة، أبكي وأنتحب، وأئتلفها، وأسألها الرضا، وأقول كلُّ ما يجوز أن يقال، في مثل هذا، وهي لا تكلمني، ولا تفتح الباب، ولا تراسلني.


ثم جاء الليل، فتوسدت إلى أن أصبحت، وأقمتُ على ذلك ثلاثة أيام، وهي مقيمة على الهجران، فأيستُ منها وعذلتُ نفسي ووبختها، ورضّيتها على الصبر، وقمتُ من باب حجرتها، عاملا على التشاغل عنها.


ومضيت إلى حمام داري، فأمطتُ عن جسدي الوسخ، الذي كان لحقه، وجلست لأغير ثيابي وأتبخر.. فإذا بزوجتي قد خرجتْ إليّ، وجواريها المغنيات حواليها، بآلاتهن يغنين، ومع بعضهن طبق فيه وساط وساندويج وماء ورد، وما أشبه ذلك.. فحين رأيتها استطرت فرحاً، وقمت إليها، وأكببت على يديها ورجليها، وقلت: ما هذا يا ستي؟ فقالت: تعال نأكل ونشرب، ودع السؤال.


وجلست وقدم الطبق، فأكلنا جميعا، واندفع الجواري بالغناء، وقد كاد عقلي يزول سروراً، فلما توسطنا أمرنا، قلت لها: أنت يا ستي هجرتيني بغير ذنب كبير، أوجب ما بلغته من الهجران، وترضيتكِ بكل ما في المقدرة فما رضيت، ثم تفضلتِ ابتداء بالرجوع إليّ، ووصالي بما لا تبلغه آمالي، فعرّفيني، سبب هذا؟


قالت: كان الأمر في سبب الهجر ضعيفاً كما قلت، ولكن تداخلني من التجني ما يتداخل المحبوب، ثم استمر بي اللجاج، وأراني الشيطان أن الصواب فيما فعلته، فأقمتُ على ما رأيت، فلما كان الساعة، أخذت دفتراً بين يدي وتصفحته فوقعت عيني منه على قول الشاعر:


العمر أقصر مدّة


من أنْ يُضيّع في الحسابِ


فتغنَّمي ساعاته


فمرورها مرّ السَّحابِ


فعلمتُ أنها عظة لي، وأن سبيلي أنْ لا أسخِطَ الله عز وجل، بإسخاط زوجي، وأن لا أستعمل اللّجاج، فأسوءك وأسوء نفسي، فجئت لأترضاك، وأرضيتك.. فقبلت يدها، وصفا ما بيننا.


(الفرج بعد الشدة: 426-428) [/]
تقى غير متواجد حالياً