عرض مشاركة واحدة
05-13-2016, 11:58 AM   #9
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

وهذه الصوة المأساوية الكابوسية
هي التي يصورها أحمد مطر
مرة أخرى في قصيدته " صدمـة "
حيث يقول :

شعرتُ هذا اليوم بالصدمه
فعندما رأيتُ جاري قادماً
رفعتُ كفي نحوهُ مسلماً
مكتفياً بالصمت والبسمه
لأنني أعلم أن الصمت في أوطاننا .. حكمـهْ
لكنهُ رد عليَّ قائلاً :
عليكم السلام والرحمـه
ورغم هذا لم تسجل ضده تهمه .
الحمد لله على النعمـه
مـن قال ماتت عنـدنا
حُريّــة الكلْمـهْ ؟!

إن الشاعر هنا يعيش في صراع حاد
بين إصراره العميق على أن يكون مستقلاً
يعبر عن نفسه بحرية وصـدق،
ودون أن يشعر أنه مجرد كائن يتلقى أوامر
وتعليمات عليه أن ينفذها رغم إرادته ودون تفكير ..
يعيش الشاعر في صراع بين هذه الرغبة العميقة
في داخله وبين ما يمكن أن نسميه باسم
" أدب الدعاية"
الذي يتحول فيه الفنان إلى أداة
يستخدمها الآخرون ويوجهونها،
والشاعر هنا يدرك صدق ما قاله
الروائي الإنجليزي " جورج أورويل "
من أن كل الدعاية كذب
حتى عندما ينطق الداعية بالصدق .
وهذا الصراع بين " الأدب الصادق " و "الدعاية " ..
هو مشكلة حقيقية
يعاني منها الفن العربي المعاصر أشد المعاناة،
وهي معاناة ظاهرة يحس بها الجميع ،
وليس أحمد مطر في شعره الغاضب المتألم
إلا ثمرة حية من ثمار هذه المعاناة.
إن الفن العظيم يرفع صاحبه إلى مستوى القيادة،
ومن هنا فإن الفنان الحقيقي
لا يمكن أن يكون تابعاً على الإطلاق،
لأن حالة التبعية هذه تتناقض جوهرياً مع روح الفن ..
والفن العظيم المؤثر لا يولد إلا إذا كان الفنان حراً،
وكانت حريته هذه عميقة في داخله،
بحيث لا يشعر أن أحداً يفرض عليه شيئاً
أو يخيفه أو يؤذيه،
فلحظة الإبداع الفني هي نفسها
لحظة الحرية في داخل الفنان ..
وإذا عجزت المجتمعات أو النظم السياسية
عن فهم هذه الحقيقة فإن الفن
يتدهور وينهار ويضيق أمامه الأفق إلى أبعد الحدود،
أما الحضارات التي تقدر هذا المعنى الكبير،
وهو أن الفن حرية داخلية عند الفنان،
لا تحيط بها قيود أو مخاوف ومحاذير،
فأن هذه الحضارات هي التي تنعم
بالفن العظيم القادر وحده على التاثير في الإنسان ..
ولقد فشلت كل المؤسسات التي حاولت أن
تجعل من الفنان أداة تابعة في أن
تخلق أدباً رفيعاً له قيمة حقيقية،
وقد فشلت هذه المؤسسات في جميع أنحاء العالم،
شرقاً وغرباً، سواء كانت هذه المؤسسات
جمعيات رسمية أو منظمات سياسية أو أجهزة أمن.
فالحرية واستقلال الفنان ثم انتماؤه الإختياري
إلى ما يؤمن به من المواقف والقضايا والآراء ..
تلك كلها شروط لا يولد بغيرها فن ولا يزدهر أدب أو ثقافة.
Amany Ezzat متواجد حالياً