عرض مشاركة واحدة
03-17-2016, 09:10 PM   #14
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,583

و أخيرا جورج طرابيشي
من اولئك القلائل الذين يجود بهم الزمان
والذين يعتبر فقدهم خسارة كبيرة للامة .
التزام الصمت.
و غادر بصمت.
و الصمت هو احتجاجه المدوّي
على المأساة التي يعيشها شعبه و بلده.
منذ بداية فصول المأساة السورية
التي تجاوزت سنواتها الخمس
توقف الراحل الكبير عن الكتابة والترجمة.
بحرقة و بوجع عزيز نفسٍ
وصف شلله عن الكتابة و مرحلة سُبات قلمه
هو الذي لم يفعل شيئاً آخر في حياته سوى
أن يكتب بـ "الموت الصغير".
ثم يقفز أحدهم
ليرمي بشرره و ليتطاول على الثائر الأعظم
على سبات العقل في تاريخ الثقافة العربية
مدعيا زوراً وبهتاناً بأن الراحل كان
باعتكافه هذا،
بصمته هذا،
بسبات قلمه،
بشلل حروفه،
بموته الصغير،
يضمر موقفاً متواطئاً
مع النظام الفاشي أو أقله،
على أحسن الظنون،
متراخياً حيال "الثورة السورية"
و تطلعاتها الفاضِلة!
بإمكان صفحة واحدة
يكتبها جورج طرابيشي
أن تعدل كتاباً كاملاً
من تلك الكتب التي تحظى
بالقيمة في سوق الثقافة العربية،
وبإمكان الصفحة الواحدة أن تقبض على
جمرات الفكرة الأشد اتقاداً
أفضل بكثير مما يفعله أي كتاب
متورمةً صفحاته يُحاول التصدي للفكرة ذاتها...
فأي موقفٍ يمكن للمرء أن يتخذه حيال قضية
ويكون أعظم من موقف الشلل الطرابيشي
عن الكتابة لخمسة سنوات،
خمس سنوات متواصلة!!!!
في سنواته الخمس الأخيرة فيها
آخر محطّة من محطّات مفكّر
لم تكن تنقّلاته بين
الأفكار و المواقع الأيديولوجية
ببعيدة عن
تنقّلاته في المكان؛
حيث رسم قوساً متدرّج الألوان
من الفكر
القومي و الثوري و الوجودية و الماركسية،
و وصولاً إلى
اعتناق نزعة نقدية متّسمة بالجذرية.
بعد تلك المسيرة الطويلة،
انتهى طرابيشي مؤمناً بأن
"النقد الجذري هو الموقف الوحيد
الذي يمكن أن يصدر عن المفكّر،
ولا سيما في الوضعية العربية الراهنة.

سلام عليك يا عقل العقل.
نصف قرن من الشغل والاجتهاد والتفرد.
نصف قرن من الأسئلة الكبيرة والشكّ الخلاق،
و المجابهات الفكرية و الحوارات المنتجة.
وداعاً لك و أنت تغادر وطناً تهدم.
وداعا و أنت أشبعتَ يأساً و قوةً
و اندفاعا و حزنا و فرحاً.
وداعا لك في شجاعة فكرك وحرية سؤالك.
وداعاً لك و أنت ترتفع في لحظات العدم.
بعد أن امتلأت بقلق هذا الوجود.

طيب الله أوقاتكم
تحياتي
__________________

signature

Amany Ezzat متواجد حالياً