عرض مشاركة واحدة
03-17-2016, 05:53 PM   #9
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

المحطة السادسة:

إن المحطات الخمس
التي تقدّم بي الكلام عنها
كانت كلها بمثابة محطات انطلاق،
وبدءاً منها كتبت كل ما كتبته على امتداد
حياتي من أبحاث
و مقالات قاربت في عددها الخمسمائة ،
ومؤلفات نافت على الثلاثين،
وترجمات زادت على المئة .
لكن المحطة السادسة
كانت بالمقابل هي :
محطة التوقف
والصمت
والشلل التام عن الكتابة
محطة الألم السوري المتواصل
منذ نحو أربع سنوات بدون أن
يلوح في الأفق أي بشير بنهاية له.
على امتداد تلك السنوات الأربع
ما أسعفني القلم إلا في
كتابة مقالين اثنين فقط:
أولهما في 21/3/2011

بالتواقت مع البدايات الأولى
لثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا،

و ثانيهما في 28/5/2011
مع انخراط سورية بدورها في معمعة ذلك الربيع.

المقال الأول حمل هذا العنوان:
تاريخ صغير على هامش التاريخ الكبير.
وقد قصدت بالتاريخ الكبير
ثورات الربيع العربي التي بدت في حينه
وكأنها تُدخِل العالم العربي
في عصر الثورات التاريخية الكبرى
كمثل تلك التي شهدتها فرنسا
عام 1779 أو أوروبا الغربية عام 1848
أو دول المعسكر المسمى بالاشتراكي
في أواخر القرن العشرين.
أما التاريخ الصغير فقد قصدت به
تاريخي الشخصي المرتبط بخيبة أمل كبرى.
فأنا، كما وصفت نفسي
في خاتمة ذلك المقال الأول
عن ثورات الربيع العربي،
ابن الخيبة بالثورة الإيرانية الآفلة أكثر مني
ابن الأمل بثورات الربيع العربي الشارقة
التي قلت في نهاية المقال
إنني إذا كنت أتمنى من شيء
فهو أن يكون توجسي في غير محله،
وأن يكون مآل هذه الثورات العربية
غير مآل الثورة الإيرانية
التي صادرتها القوى الناشطة
تحت لواء الإيديولوجيا الدينية،
وأن تكون فرحتي بذلك الربيع هي
الرفيق الدائم لما تبقى لي من العمر.
ولكن ، وكما أثبت التطور اللاحق للأحداث،
فإن ما قام البرهان على أنه كان في محله
هو توجسي بالذات:
فالربيع العربي لم يفتح من أبواب أخرى
غير أبواب الجحيم والردّة إلى ما قبل
الحداثة المأمولة والغرق من جديد
في مستنقع القرون الوسطى الصليبية/الهلالية .

أما المقال الثاني
الذي كتبته في أواخر شهر أيار/مايو 2011
فكان بعنوان:
سورية: النظام من الإصلاح إلى الإلغاء.
وقد كان محوره على أن سورية،
المتعددة الأديان والطوائف والإثنيات،
تقف بدورها على أبواب جحيم
الحرب الأهلية ما لم يبادر النظام
إلى إصلاح نفسه بإلغاء نفسه بنفسه.
فغير هذا الإلغاء لا سبيل آخر إلى
إصلاح سلمي يصون البلاد من الدمار.
ولكن بدلاً من ذلك امتنع النظام حتى عن
الوفاء بالوعود في الإصلاح التي كان لوّح بها.
ولكن لأعترف أيضاً بأن إصراري يومئذ
على قدر من التفاؤل،
من خلال مطالبة النظام بإلغاء نفسه
تفادياً لحرب أهلية طائفية مدمرة،
كان في غير محله إذ ما كنت أعي في حينه،
أي في الأسابيع الأولى
لاندلاع الانتفاضة السورية ،
دور العامل الخارجي إعلاماً وتمويلاً وتسليحاً،
وهو الدور الذي يدفع اليوم الشعب السوري
بجميع طوائفه ثمنه دماً وموتاً ودماراً
غير مسبوق إلا هولاكياً،
وهذا في ظروف إقليمية وأممية
تشهد احتداماً في الصراع
الطائفي السني/الشيعي
ينذر بأن يكون تكراراً للصراع
الطائفي الكاثوليكي/البروتستانتي
البالغ الشراسة الذي كانت شهدته أوروبا
في القرنين السادس عشر والسابع عشر.

يبقى أن أختم فأقول
إن شللي عن الكتابة،
أنا الذي لم أفعل شيئاً آخر في
حياتي سوى أن أكتب، هو بمثابة موت.
ولكنه يبقى على كل حال موتاً صغيراً
على هامش ما قد يكونه الموت الكبير
الذي هو موت الوطن.
Amany Ezzat غير متواجد حالياً