عرض مشاركة واحدة
03-17-2016, 05:40 PM   #8
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,580

وأنا في طائرة العودة ثم في البيت
كان أوّل همي أن أعثر على النّص الّذي
يقول عنه الجابري إن إخوان الصفاء
يقفون فيه ضدّ المنطق وضد أرسطو وضدّ الفلسفة.
فتحت الجزء الرابع من الرسائل
أفتش عن النص كما يشير اليه الهامش
الذي يحيل اليه كتاب
“نقد العقل العربي”
فلم أجده، فتشت وفتشت ثم قلت في نفسي:
لعله خطأ مطبعي ويجب ان أعيد
قراءة الرسائل الواحدة والخمسين كلها.
وهكذا بدأت بقراءة كتاب
رسائل إخوان الصفا بأجزائه الأربعة
فإذا بي أصل إلى
الرسائل 10-11-12-13-14 ،
فكانت دهشتي عظيمة.
ففي هذه الرسائل الخمس،
و بعدما قدّموا وعرّفوا بأنفسهم،
يقولون ما خلاصته:
يا أخي، أيّدك الله وإيّانا بروح منه،
اعلم ، بعدما شرحنا لك أهدافنا،
أنّه لا مدخل لك إلينا إلاّ بواسطة المنطق
لأنّه هو المعبر الّذي يجعل
الخطاب بيننا ممكناً،
فتعالَ نشرح لك المنطق وكتبه.
ثم يخصّصون الرسائل 10 إلى14 لشرح
كتب المنطق الأرسطي
مثل العبارة والمقولات و والقياس والبرهان ،
ويستعملون العبارات بلفظها اليوناني
مثل أنالوطيقا وقاطيغورياس، إلخ .
فيما أنا أطالع هذه الرسائل الخمس
في الشرح المفصل للمنطق الأرسطي
كنت أتساءل بيني وبين نفسي:
كيف يقول الجابري إن إخوان الصفا
قاطعوا أرسطو؟ وقاطعوا المنطق؟
وقالوا: إن الإنسان ليس بحاجة
إلى المنطق وإلى الفلسفة ؟
وعدت من جديد إلى متابعة قراءة الرسائل
إلى أن وقعت في الرسالة السابعة عشرة
المعنونة:
في علل اختلاف اللغات على النص
الذي يتخذ منه الجابري دليلاً علن أن إخوان الصفاء
قالوا إن الإنسان ليس بحاجة الى المنطق.
والحال ماذا يقول النص؟
فحواه كالتالي:
لقد تقدم بنا الكلام في أوائل رسائلنا على
أهمية المنطق لفهمنا وفهم لرسائلنا.
ولكن اعلم يا أخانا أنّ المنطق منطقان.
هناك منطق فلسفي حدّثناك عنه،
وهناك منطق لفظي أي الكلام،
لأنّه لولا الكلام لما تفاهم البشر فيما بينهم.
وبعد أن يشرحوا دور اللغة كأساس
وكوسيلة للتفاهم بين البشر يضيفون:
اعلم أن هناك نفوساً صافية
غير محتاجة للكلام ولا للمنطق
في إفهام بعضها بعضاً،
أي هناك نفوس روحانية تتفاهم بالعين،
تتفاهم باللّمس، تتفاهم بالروح،
بالوجدان، بالتخاطر كما بتنا نقول اليوم،
بدون أن تكون بها حاجة للمنطق اللفظي والكلام.
فإذا بالجابري استغلّ
هذه الجملة ” ليست بحاجة إلـى منطق”
ليحذف كلمة اللفظي وليقول
إنّ هؤلاء ضدّ المنطق بمعناه الفلسفي.
ثمّ لم ألبث أن وقعت على الشّاهد التّالي
وهو في معرض نقاش إخوان الصفاء
حول ما بين الدين والفلسفة
من علاقة يريد المتزمتون
في عصرهم ( القرن الرابع للهجرة) فصمها
ويدعون إلى تحريم الفلسفة باسم الدين.
يقول الشاهد بالحرف الواحد:
“اعلم أيّها الأخ البار، أيّدك الله بنور منه،
أنّ من عرف أحكام الدّين فإنّ نظره في
علم الفلسفة لا يضرّه بل يزيده في
علم الدّين تحققاً وفي فهم المعاني استبصاراً”.
ثم ثمّ يضيف القول:
“المنطق ميزان الفلسفة وأداة الفيلسوف.
ولمّا كـانت الفلسفة أشرف الصنائع
على البشرية بعد النّبوة صار من الواجب أن
يكون ميزان الفلسفة أصحّ الموازين
وأداة الفيلسوف أشرف الأدوات
ونسبة صناعة المنطق إلى العقل
والمعقولات مثل صناعة النحو
إلى اللسان والألفاظ”.
إني لمّا قرأت هذه الرسالة
وهذا الشاهد أصبت بصدمة كبــيرة
وبطعنة في كبريائي كمثقف،
لأنّي كتبت في ما كتبت عن كتاب الجابري:
” هذا الكتاب من يقرأه
لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه”.
ومن ذلك اليوم
لم أعد أوجّه لومي إلى الجابري،
بل إلى نفسي، لأنّني حكمت على كتاب
في موضوع لم أكن أملك
كلّ مفاتيحه المعرفية.
وأقسمت بيني وبين نفسي أني
بعد الآن لن أقول شيئاً أو أصدر حكماً
بدون أن أكون مستوثقاً من كلّ المعلومات بصدده.
وهكذا أخذت قراري بإعادة تربية نفسي،
و إعادة تثقيف نفسي. وهكذا انكببت،
أنا الذي درست اللغة العربية والتراث العربي
جزئياً في الجامعة، انكباباً مرعباً علــى
قراءة كتب التراث وعلى مطالعة عشرات
وعشرات المراجع الّتي ذكرها الجابري
والّتي رحت أدقق كلّ شاهد من شواهدها
وأتحقّق من صحّتها في كلّ المجالات.
وبصراحة أقول لكم:
لم يكن شاهد إخوان الصفاء بالشاهد الوحيد ،
بل وقعت على عشرات وعشرات
من الأمثلة على مثل هذا التزوير
الّذي أوقع فيه الجابري عن قصد
أو عن غير قصد- لا أدري- قراءه وأنا منهم.
وإني لأقولها صراحة اليوم :
إني أعترف للجابري، الّذي قضيت معه ربع قرن
بكامله وأنا أقرأه وأقرأ مراجعه
ومئات المراجع في التراث الإسلامي
ومن قبله المسيحي
ومن قبلهما التراث اليوناني
وكل ما يستوجبه الحوار مع مشروعه،
إني أقرّ له، وأعترف أمامكم،
أنّه أفادني إفادة كبيرة، و
أنه أرغمني على
إعادة بناء ثقافتي التراثية .
فأنا له أدين بالكثير
رغم كلّ النقد الّذي وجّهته إليه.
Amany Ezzat غير متواجد حالياً