عرض مشاركة واحدة
03-17-2016, 05:25 PM   #7
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,576

المحطّة الخامسة :

من حياتي سأتوقف عند عن علاقتي
بالراحل محمد عابد الجابري
الّذي كرست له ربع قرن من عمري.
كنت منذ عام 1972 قد انتقلت إلى بيروت
لأتولى رئاسة تحرير مجلة “دراسات عربيّة”
الشهرية التي كانت تصدر فيلبنان عن دار الطليعة.
وكان الجابري قد بدأ يرسل إليّ في مطلع الثمانينات
بعض المقالات لنشرها في المجلة.
ثمّ أرسل كتاباً إلى دار الطليعة عنوانه
“تكوين العقل العربي“،
الجزء الأوّل من مشروع
“نقد العقل العربي“.
وقد أعطاني صاحب الدار الرّاحل بشير الداعوق
المخطوط قائلاً لي:
أنظر في هذا الكتاب فأنت أفهم مني في التراث.
قرأت الكتاب وقلت له:
هذا كتاب مدهش، أُنشره فوراً. نشره طبعاً.
ولكنّي في أثناء ذلك كنت أخذت قراري
وقد تعبت من الحرب الأهليّة اللبنانية
بالهجرة من بيروت إلى بـاريس
للعمل في مجلة “الوحدة “.
وأنا أودّع الدّار و أودّع زملائي
وأودّع بشير الداعوق،
كان صدر كتاب ” تكوين العقل العربي“،
وكان هو الكتاب الوحيد اللّذي حملته معي
من بيروت إلى باريس
مع معجم سهيل إدريس “المنهل“.
لم أحمل من كتب مكتبتي
الخمسة آلاف غير هذين الكتابين.
جئت باريس وقعدت في بيتي شبه الفارغ
أقرأ هذا الكتاب مرّة ثانية،
مسحوراً به سحراً كاملاً.
وكان أوّل مقال كتبته في مجلّة “الوحدة”
عن هذا الكتاب.
وبادرت أكتب بالحرف الواحد يعرف هذه القصة
عدد ممن قرؤوا سيرة حياتـي:
“إنّ هذا الكتاب ليس فقط يثقّف بل يغيّر،
فمن يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه
كما كان قبل أن يقرأه”.
بمثل هذه الحماسة كتبت عرضاً
عن الكتاب في مجلّة “الوحدة“.
ولكن كانت هناك
نقطة تفصيلية صغيرة في الكتاب
أثارت عندي بعض الشكوك
وتتعلق بموقف الجابري من
“إخوان الصفاء”.
فمن دراستي الجامعيّة
في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق
كانت تكونت عندي فكرة عامة عن انتماء
إخوان الصفاء إلى العقلانية الفلسفية الإسلامية.
والحال أن الجابري كان قال كلاماً سلبياً للغاية
عن إخوان الصفاء ناسباً إياهم الى
” العقل المستقيل في الإسلام”،
ومؤكداً أنهم وقفوا ضدّ العقل،
وضدّ الفلسفة، وضدّ المنطق،
وضد صاحب المنطق الذي هو أرسطو
هكذا ارتسم عندي شكّ
يتعلق بهذه النقطة تحديداً،
وما كان في إمكاني أن أحسمه
لأن رسائل اخوان الصفاء
لم تكن متوفرة لي في مهجري الباريسي.
ثم شاءت الظروف أن أسافر إلى
إحدى دول الخليج في دعوة لندوة.
في ذلك البلد الخليجي قلت في نفسي
إني سأبتاع رسائل إخوان الصفاء
لحسم تلك المسألة.
ذهبت إلى مكتبة كبيرة هناك
وسألت المستخدم:
عندك كتاب “إ رسائل خوان الصفاء“؟
فقال بلهجة لا تخلو من غرابة:
لا يا أستاذ.
قلت له: وأين يمكنني الحصول عليه ؟
قال: أستاذ، أنت تعرف أنّ هذا الكتاب
هو في الفلسفة؟
قلت له:نعم.
قال: إن كتب الفلسفة ممنوعة هنا .
وكانت هذه أول مرة أسمع فيها أن
كتب الفلسفة محرّمة،
وفيمـا بعد اكتشفت أنها ليست ممنوعة فقط
في تلك الدولة الخليجيّة ،
بل في معظم دول الخليج.
قلت لـلمكتبي: آسف،
أنا والله ما كنت أدري.
ومن كلمة إلى كلمة بدأت أتناقش معه ودياً
وقلت له: أنا لازمني الكتاب، فماذا أفعل؟.
قال: هناك مكتبة أخرى.
ودلّني على اسمها وعنوانها
وقال: علّ وعسى يكون لديها.
ذهبت الى المكتبة الثانية
و سألت المكتبي عن الكتاب.
وبالطبع أتاني نفس الجواب،
فقلت له: ولكن اسمح لي أعرّفك بنفسي :
أنا كاتب ومترجم اسمي “جورج طرابيشي” .
وبمجرّد أن قلت له جورج طرابيشي،
قال: أهلاً وسهلا ًوراح يعرّفني على ما هو
موجود من كتبي وترجمـاتي لديه.
ثم أضاف: اسمح لي.
ودخل واستدعى رئيسه صاحب المكتبة،
فقال هذا: أهلاً وسهلاً أستاذ جورج.
ورحّب بي، إلخ.
رويت له حاجتي الى الكتاب لأنه غير المتوفر
لي بباريس ولا أستطيع أن آتي به من لبنان
بسبب ظروف الحرب الأهلية،إلخ.
قال: والله يا أستاذ
أما تعرف أن هذه الكتب ممنوعة؟
قلت له: عرفت ولكن لعلّ وعسى تساعدني.
قال: تفضّل معي. نزل معي إلى قبو تحت الأرض فإذا فيه
صناديق وكتب أخرى،
وأخرج أربعة أجزاء كبيرة لإخوان الصفاء،
قال: تفضّل أستاذ .
و لم يشأ أن يأخذ ثمنها
ولكني أصررت ودفعت شاكراً إياه كل الشكر.
Amany Ezzat غير متواجد حالياً