عرض مشاركة واحدة
03-17-2016, 05:22 PM   #5
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

المحطّة الثالثة :
في حياتي تمثلت بحادثة مماثلة ،
ولكن هذه المرة مع رفاق حزبيين مسيحيين.
كانت حادثة لها عمق تغييري كبير
في نفسي وفي وعيي
إذ كانت سبباً أساسياً في تحوّلي
إلى كاتب لأني شعرت أنّ
الكتابة هي الطريق الوحيدة
الّتي بمستطاعي أن أسلكها
لكي أغيّر العقليّة في المجتمع.
والتفاصيل كما يلي:
دخلت السّجن كمعارض سياسي
في نظام حزب البعث.
كنت انتميت الى
حزب البعث قبل استلامه السلطة.
ثم استقلت من الحزب بعد سنة
من استلامه الحكم لخلافات
سياسية و إيديولوجية
ليس المجال هنا للدخول في تفاصيلها .
وبعد أن استقلت وصرت معارضاً دخلت السّجن.
في السّجن كان هناك عدد من البعثيين المعتقلين
وإن كانوا ينتمون الى تيار يميني
غير التيار الحاكم
وغير التيار اليساري الذي أنتمي إليه أنا
بعد أن تشتت الحزب إلى تكتلات،
وكان معظم هؤلاء من جبل حوران في سوريا
الذي كان قسم كبير من سكّانه من المسيحيين
من أيّام الغساسنة ومن وَرَثتهم .
وفي السّجن كان معي خمسة أو ستّة
من هؤلاء المسيحيين البعثيين في
غرفة جماعية واحدة تضم عشرات المعتقلين.
كنت قد تزوّجت من زوجتي
الكاتبة”هنرييت عــبودي”،
وأنجبت منها أوّل طفلة
عمرها سنة أو سنتان، لم أعد أذكر.
وكنت وأنا بالسّجن لا أفكر إلاّ
بهذه الزوجة وبهذه البنت الّتي تركتها معها.
ولست أدري كيف جاء
حديث الشرف الجنسي الذي يقضي
بوجوب قتل المرأة إذا أقامت علاقة
جنسية غير مشروعة
سواء كانت مسيحية أو مسلمة،
وفي هذه الحال تقتل ،
والأفضل أن تذبح ذبحاً من قبل أخيها
استرداداً للشرف المهان.
ومن كلمة إلى كلمة قادنا النّقاش الى ما يلي.
قلت لهم: أنا أرفض مبدأ
جريمة الشرف من أساسه،
وهذا موقف لا أستطيع احتماله إطلاقاً
من قبل إنسان يزعم نفسه تقدمياً
أو اشتراكياً أو بعثياً.
عندئذ هبّ واحد منهم غاضبا
ً وقال: أنت متزوج؟ قلت: نعم.
قال: شو عندك؟ قلت له: عندي بنت.
قال: صغيرة طبعاً؟ قلت: نعم.
قال: الآن إذا كبرت بنتي اسمها مَيّ
إذا كبرت هذه البنيّة وغلطت مع شابّ
أفلا تذبحها؟؟
قلت له: أنا أذبح مايا بنتي إذا رأيتها تقبِّل شابّاً !
فقال: كيف؟ أما تذبحها ؟
قلت له: يا رفيق أجننتَ !! أذبح مايا؟
قال: أنت ما عندك شرف!
أنت لست عربياً
ولا تستأهل أن تكون عربياً ولا بعثياً!
وأخذ هؤلاء الرّفاق المعتقلون معي
قراراً بمقاطعتي وبعدم الكلام معي
لأنّــي لا أستحق شرف أن أكون عربيـاً
أو بعثياً ولو كنت معارضاً مثلهم للتيار الحاكم.
ونتيجة لهذه المقاطعة ولما تلاها من عدائية
نحوي قدَّمت طلباً إلى ادارة السجن
بنقلي إلـى غرفة منفردة،
أي شبه زنزانة، بدلاً من أن أبقى مع
رفاق يقاطعونني ويحتقرونني.
من يومها أيضاً تعلّمت درساً جديداً
وهو أنّ القضيّة ليست فقط
قضية مسلمين وغير مسلمين،
ومسيحيين وغير مسيحيين،
من حيث الوعي الاجتماعي
حتى ولو كانوا ينتمون إلى أيديولوجيا واحدة.
فالقضية أعمق من ذلك بكثير.
قضية بنى عقليّة في المقام الأول.
ففي داخل المخّ البشري تتواجد طبقتان:
طبقة فوقية سطحية
يمكن أن تكون
سياسية، تقدمية، اشتراكية، وحدويّة،
وطبقة بنيوية تحتيّة
داخل هذا المخّ رجعيّة حتّى الموت،
سواء كان حاملها مسيحيـاً أو مسلمــاً.
ومنذ ذلك اليوم توطد لديّ الاقتناع بأن
الموقف من المرأة في مجتمعاتنا
يحدد الموقف من العالم بأسره.
ومنذ ذلك اليوم أيضا ترسخ لديّ الاقتناع
أكثر من أيّ يوم سبق بوجوب النضال
بواسطة الكلمة من أجل تغيير العقليــات،
تغيير البنية الداخلية للعقل،
وليس فقط البنية السطحية السياسية أو الايديولوجية.
Amany Ezzat غير متواجد حالياً