عرض مشاركة واحدة
01-01-2016, 02:55 PM   #5
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

فكـره

ليس في المستطاع أن نحيط بفكر جلال الدِين الروميّ،
عبر كلمات قليلة. فهو ثالث المثلّث الصوفيّ الفارسيّ،
بعد سنائي وفريد الدِين العطّار.
لا بل إنّه قمّة هذا الهرم الثلاثيّ.
وقد أجمع البحّاثة من الشرق والغرب معاً،
على أنّه أعظم شعراء الصوفيَّة بدون منازع،
لا بل إنّه واحد من شعراء الإنسانيَّة الأفذاذ.
كان جلال الدِين الروميّ يؤمن بوحدة الأديان،
مثل ابن عربيّ، ويقول بذلك:

مسلم أنا، ولكنّي نصرانيّ وبرهميّ وزرادشتيّ.
توكّلت عليك، أيّها الحقّ الأعلى، فلا تنأ عنّي.
ليس لي سوى
معبد واحد، أو مسجد، أو كنيسة، أو بيت أصنام.
ووجهك الكريم منه غاية نِعمتي.
فلا تنأ عنّي، لا تنأ عنّي.


وقد امتاز جلال الدِين الروميّ
بقوّة البيان وبراعة التصوير،
إذ كان ذا خيال فيّاض.
فهو يقدّم لنا الفكرة الواحدة بصور متعدّدة،
مغنياً إيّاها بالأمثلة الكثيرة، فتأتي القصّة الصغيرة
بمئات ومئات من الأبيات الشعريَّة
، ويدعم فيها آراءه ونصائحه
لتكون كاملة متكاملة...
وإنّه ليقول عن كتابه "مثنوي" إنّه أصولُ أصولِ الدِين.
إنّه ليستطيع بأسلوبه الشعريّ الفذّ أن يجسّد الفكرة،
فيجعل القارئ يتنقّل ما بين المعنويّات والمحسوسات.
إنّه بمهارته الشعريَّة،
يمزج بين الطبيعة والحياة والنَفْس الإنسانيَّة،
فيضع لقارئه صورة متكاملة،
تنقله إلى عمق أعماق التأمّل
في النَفْس البَشَريَّة والعزّة الإلهيَّة.

امتاز الروميّ بمقدرة عجيبة على
تناوله موضوعاً ما لا يكون جديداً بالضرورة،
يعرضه بقالب جديد وأسلوب فنّيّ أدبيّ،
فيأتي الموضوع وكأنّه يُعرض على القارئ لأوّل مرّة.
وتتطرّق أفكاره وموضوعاته إلى أمور الحياة اليوميَّة
بمختلف مستوياتها، فبراعته الفنّيَّة وعبقريّته وأسلوبه
في فنّ الحِوار، استطاعت أن
ترفع بكثير من الموضوعات البسيطة
إلى مستوى فنّيّ أدبيّ في غاية الروعة،
حيث يضعها في موضع التأمّل النَفْسيّ والإلهيّ.
وهو يتّخذ من الحِكم والأمثال
مادّة في عرض فلسفته الصوفيَّة،
ما زاد من أهمّيَّة الموضوعات التي تطرّق إليها.
فجاءت أفكاره واضحة ونافذة إلى عمق النَفْس البَشَريَّة،
مع أنّها وُضعت في
القرن السابع الهجريّ (الثالث عشر الميلاديّ).
ويمكن القول إنّ الفكر والشعر عند جلال الدِين الروميّ
يتطرّقان إلى حالات الوجد الصوفيّ
والفناء عن الذات الإنسانيَّة.
وحاله بذلك هي حال جميع المتصوّفة الذين نظموا الشعر
في حالات الوجد الصوفيّ،
الذي نستطيع أن نسمّيه "بأدب اللاوعي":

تراب هذه الدار وقمامتها مسك وعنبر وعطر.
كلّ سطحها وبابها شعر وألحان.
فمَن وجد سبيلاً فيها فهو سُلطان الأرض وسليمان الزمان.
Amany Ezzat غير متواجد حالياً