عرض مشاركة واحدة
01-13-2008, 10:23 AM   #4
ثامر داود
vip
stars-2-2
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: العراق - امريكا
المشاركات: 785

في الليل .. قصيدة بدر شاكر السياب والاستثناء الشعري




في الليل .. قصيدة بدر شاكر السياب والاستثناء الشعري
كمال سبتي

نصُّ القصيدة :

في الليل..

الغُرفَةُ موصَدَةُ البابِ

والصَمتُ عميقْ

وستائرُ شبّاكي مرخاةٌ..

ربَّ طَريقْ

يتنصَّتُ لي ، يترصَّدُ بي خلفَ الشبّاكِ ، وأثوابي

كمفزِّعِ بستانٍ ، سودُ

أعطاها البابُ الموصودُ

نَفَساً، ذرَّ بها حسّاً ، فَتَكادُ تفيقْ

من ذاك الموتِ ، وتهمسُ بي ، والصمتُ عميقْ :

{ لم يبقَ صديقْ

ليزورَكَ في الليلِ الكابي

والغرفةُ موصدَةُ البابِ } .

ولبستُ ثيابيَ في الوهمِ

وسريتُ : ستلقاني أُمّي

في تلكَ المقبرةِ الثكلى ،

ستقولُ : { أَتَقْتحمُ الليلا

من دونِ رفيقْ ؟

جوعانُ ؟ أتأكلُ من زادي :

خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟

والماءُ ستنهلُهُ نَهلا

من صدرِ الأرضِ :

ألا ترمي

أثوابَكَ ؟ والبَسْ من كَفَني ،

لم يبلَ على مرِّ الزمنِ ؛

عزريل الحائكُ ، إذْ يبلى ،

يرفوهُ . تعالَ ونمْ عندي :

أعددتُ فراشاً في لَحدي

لكَ يا أغلى من أشواقي

للشمسِ ، لأمواهِ النهرِ

كَسْلى تجري ،

لهُتافِ الديكِ إذا دوّى في الآفاقِ

في يومِ الحشرِ } .

سَآخِذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أُمّي .

* الخَرّوب : شجر مثمرٌ من الفصيلة القرنيَّة ، ثماره قرون تؤكَل وتُعلفها الماشية.

*الصادي : من صَديَ صَدىً : اشتدَّ عطشه . فهو صادٍ . والهامشان من كاتب المقال..


لندن.. 27-2-1963

ديوان شناشيل ابنة الجلبي





هذه القصيدة شغل كلاسيكيّ نادرٌ في الشعر العربيّ الحديث .

كلاسيكيٌّ لأنَّ البناء فيه يحتّمُ ربطاً عضوياً بين الأبيات ، فلا يأتي بيتٌ بدون تحفيز مسبّق من البيت الذي يسبقه،أوبلا تهيئة له ، وهو ما اعتدناه في الشغل الكلاسيكيّ . ونادرٌ لأنَّ الشعر الحديث قد لا يتطلّبُ صرامةً ودقّةً كاللتين تتحكمان بهذه القصيدة..بل انّ بعضهم كان قد فهم الشعر الحديث تحرراً أو تخلّصاُ منهما ، تحديداً.

وقد شاع الحديث عن أهمية هذه القصيدة في الأوساط الأدبية العراقية في نهاية السبعينيّات ، وحين كتبتُ عنها للمرة الأولى في ذلك الوقت ، اكتشفتُ أنْ لا أحدَ من العراقيين أو من العرب كان قد أشار إليها قبلاً..لا في الدراسات النقدية التي كتبتْ عن بدر ، ولا في الكتب التي اختارت قصائد له.

وهي الآن قصيدة معروفة على نطاقٍ واسع ، بل انَّ أحد دارسي المسرح في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد ، أخبرني بعد خروجه من العراق بأنَّ طلبة قسم المسرح قد درسوها في التسعينيات.. وهو أمرٌ يبعث على التفاؤل حقاً في انّ الشعر الرائع لا يهمَلُ لفترةٍ طويلةٍ من الوقت ، ثمة دائماً من يأتي ويستخرجه من بين الركام.

كتب بدر قصيدته هذه قبل عشرين شهراً من موته ، وهي تنتمي زمنياً وشعرياً الى تلك المرحلة التي كان يكتب فيها شعره وهوعلى فراش المرض.

وقد كتبها في لندن ، عندما كان راقداً في أحد مستشفياتها ، وعندما كان يكتب قصيدةً ، وربما أكثر من قصيدة ، كلّ يوم. بل انه في يوم27-2-1963 نفسه ، تاريخ قصيدة " في الليل " كتب قصيدة أخرى ، أيضاً ، اسمها : " وغداً سألقاها " .

وهذه كتابة جديدة عن القصيدة لا تشبه ما كتبت عنها سابقاً قبل ما يقرب من ثلاثة وعشرين عاما .
أبدأ الحديث برسم المشهد الأوّل الذي يبدأ بـ " الغرفة موصدة البابِ " وينتهي بـ "والغرفة موصدة البابِ " أيضاً :

غرفة موصدة الباب ، ليس فيها أحد غير الشاعر، صمت عميق وستائر الشباك مسدلة.
يفكّر الشاعر بإمكانية وجود طريق خلف الشباك ، والتفكير هنا هو تمنٍّ ، ثمة أثوابه المعلقة على الشماعة كما نتكهن ، التي تشبه مفزّع البستان ، وهي سود أيضاً ، ممّا يجعلنا نتكهن أيضاً بأنَّ الغرفة كانت مطفأة الأضواء . يحتاج الشاعر أو لنقل القصيدة كما في المسرح إلى أحدٍ يقول شيئاً حتّى ينمو الفعل الدراميّ ، فلماذا لا تكون الأثواب التي أصبحت مفزعاً يشبه الكائن الآدميّ.لكنها أثوابٌ ، والفعل الكلاسيكيّ يحتاج إلى تبرير ، وإلى إقناع . يرى الشاعر انَّ الباب الموصود هو الذي أعطى الأثواب حياة ، نفساً وحساً ، فنفكر في انّ هواجس الشاعر المريض الراقد على السرير هي التي تخيلت هذا الخلق الربانيّ ، الذي سيجعلها تفيق من موتها ، أي جمادها ، فتهمس بالشاعر في الصمت العميق ، وهو ما كان ينشده الفعل الدراميّ ، للمضيّ عميقاً في نموّه :

"لم يبق صديقْ

ليزورَكَ في الليلِ الكابي

والغرفة موصدةُ البابِ ".

إذن فقد تكوّن المشهد الأوّل بصرامة ودقة متناهيتين..

بابٌ مغلق وصمتٌ عميق وستائر مسدلة وليل ، ولا أحد غير الأثواب التي لم تصبح بشراً ، انما ما يشبه البشر : مفزّع البستان . والشاعر يقول في دليل على البناء الكلاسيكيّ الصارم " تكاد"تفيقُ ، فلم يقل انها أفاقت بل " تكاد ".. بعد أن وهبها غلق الباب حياة : نفساً وحساً ، كما رأت رؤى الشاعر وهواجسه.

إذن بعد أن رسم الشاعرُ المشهدَ الأول رسماً دقيقاً،احتاج إلى محدّث ، وتذكّروا اننا في حضرة البناء الكلاسيكيّ الذي لا يجوّز لنا خلقَ أفعالٍ بلا إقناع ، فلم يكن أمامه غير محدّث واحد في الغرفة : الأثواب المعلقة على الشماعة،التي ستتراءى له مفزّعاً..أو محدثاً ، وهو نذير ومذكّر في مقطع :" لم يبق صديقْ.."الخ

ستكون القصيدة أمام فعلين لا ثالث لهما : امّا أن ينهي الشاعر قصيدته هنا وهي بعد غير مكتملة. أو انّ مقطع المحدّث انّما هو تحفيز يحتاجه الشغل الكلاسيكيّ عادة لنموّ الفعل الدراميّ ، لشقّ طريق آخرَ فيه :

"ولبستُ ثيابي في الوهمِ

وسريتُ : ستلقاني أُمّي"

لدينا هنا علامتان على البناء الصارم ، وعلى نموّ الفعل الدراميّ شيئاً فشيئاً.العلامة الأولى هي انّ الشاعر، قد خرج من الغرفة بشبه الجملة " في الوهم" فهو يلبس ثيابه " في الوهم "، أيْ انه، بعدُ ، في السرير، وحينما خرج ، فإنما قد خرج في الوهم . وشبه الجملة : "في الوهم" هي عنصر أساسٌ في البناء الكليّ للقصيدة كما سنرى . والعلامة الثانية : هي البيت الثاني ، ولننتبه إلى الفعلين الماضيين : لبسَ ، وسرى الذي يُقرَنُ عادة بالسير ليلاً..لأنَّ نهاية القصيدة ستخالفهما بتغيير زمن الفعل.

استخدام الزمن الماضي هو إيحاءٌ لنا بأنّ الفعل الدراميّ ، ونستطيع أن نسميه هنا بـ " الفعل الشعريّ " طالما نحن نتحدث عن شغلٍ كلاسيكيّ..، يتحقق في الوهم. وأمّا " الأم " فإنّ أيّ تحليل سيكولوجيّ مبتدىء ، سيقرّ بحتمية ورودها في قصيدة اِبنٍ غريبٍ ، ووحيد في مشهدِ مريضٍ راقدٍ في المستشفى.
وكان الشاعر قد مهّد لورودها أيضاً بـ " لم يبق صديقْ / ليزورَكَ في الليل الكابي " ، والذهاب إلى الأم ، هو في علم النفس فعل عودة ، غريزيّ ، وهو واضح المعنى لايحتاج منّا إلى أيّ تفسير. إذن سيكون الخروج قد بُرِّرَ بيتاً فبيتاً وبتدرّج منذ البيت الأوّل.

لكنّ الأمّ ميتة ، وهي الآن في مقبرة.أمرٌ لا يفوت الشاعر أن يشير إليه :

"وسريتُ : ستلقاني أمّي

في تلكَ المقبرةِ الثكلى ،"

وأن تكون الأمّ في مقبرة ، ويريد الشاعر أن يحقق حلماً بلقائها هو أمرٌ سيتخطّى فعل العودة إلى الأم ، إلى تمني الموت معها. وهو معنى تتمركز عليه القصيدة في مشهدها الثاني.

وفي غمرة لقاء مربكٍ ، كلقاء شاعر مريض بأمه وإن كان في الوهم ، لا ينسى السيّاب صرامة البناء الكلاسيكيّ ، فيختار لأداء أمه سين الإستقبال..للمحافظة على الإيحاء السابق الذي تحقق بإستخدام الفعل الماضي :

ستقول : " أتقتحمُ الليلا

من دون رفيق ْ ؟

ولننتبه الى القوسين الصغيرين اللذين وضعهما الشاعر لقولها ، ولن يغلقا بقوسين صغيرين آخرين حتّى ينتهي كلام الأم وحتى تكون القصيدة قد شارفت على نهايتها ، بل حتى تكون قد انتهت فعلياً ، لكن الشاعر كما سنرى ، شاء أن يجعل لها نهاية أخرى قد تكون مما كان العرب يسمونه بالإعجاز الشعريّ.

إذن سيكون الفعل الماضي في " ولبستُ ثيابي في الوهمِ / وسريتُ ستلقاني أمي " يشبه في إيحائه الشعريّ هنا فعل المستقبل حامل سين الإستقبال في " ستقول ، وفي غيره من الأفعال المضارعة التي تحمل سين الإستقبال أوالتي لا تحملها ، الواردة في صوت الأم " ، أو حتى في " ستلقاني أمي " في نصف جملة بنيتْ ابتداءً بالفعل الماضي ، بعد الخروج من الغرفة بشبه الجملة : "في الوهم " .
لننتبه أيضاً بأنّ كلام الأمّ عن اقتحام الليل من دون رفيق ، انما يبدأ مردِّداً بصيغة أخرى كلامَ المحدّث ، المذكّر ، مفزّع البستان ، الأثواب المعلقة على الشماعة :

" لم يبقَ صديقْ

ليزوركَ في الليل الكابي "

ومثلما يهيّىء الصوتان المذكوران رسم المشهد الثاني ، معاً ، فإنّ في نبرة صوت الأمّ ما يتخطّى هذا إلى تمنيها هي نفسها أن يأتي ابنها الى القبر ، فتحبّبَ له ، في المشهد الثاني كلّه ، عالمها هناك :

"جوعانُ ؟ أتأكلُ من زادي

خرّوبِ المقبرةِ الصّادي ؟ "

تأخذ القصيدة هنا مساراً آخر إذن ، تتحدث الأم عن ماء سيُنهَلُ من صدر الأرض ، ثمّ تدعو اِبنها إلى رمي ثوبه ، ولبس شيءٍ من كفنها الذي إذا بليَ فإنّ عزريل سيرفوه : تعال ونمْ عندي ، تقول الأمّ ، وكأيّة أمّ تعدّ فراشاً لولدها ، تقول :

" أعددتُ فراشاً في لحدي

لكَ يا أغلى من أشواقي"

هذا عالمٌ آخر" الموت " مرويّ هنا بلسان الأمّ ، يعاكسُ عالم الشاعر المريض " الحياة " في غرفة المستشفى.ومثلما تمنّى هو نفسه أن يلقى أمه فإنها لم تخيّب آماله ، بل ستستقبله في عالمها المبهج حين نقرأها تقول:

" لك يا أغلى من أشواقي

للشمسِ ، لأمواه النّهرِ

كسلى تجري ،

لهتاف الديكِ إذا دوّى في الآفاقِ

في يوم الحشرِ " .

أهي مصادفة أن ينتهي كلام الأمّ الميتة بيوم الحشر وهي تتحدث عن عالمها المبهج ؟
انَّ الصرامة والدقة اللتين تتحكمان بهذه القصيدة بناءً ومعنىً ، تجعلاننا نحار في أمر بدر حقاً وهو المريض الذي كان يكتبُ شعراً كلّ يوم. وقد كتب قصيدته ، موضوع كتابتنا هذه ، بعد قصيدتين معروفتين ، بعد "إرم ذات العماد" بستة أيام ، وبعد "شناشيل ابنة الجلبي" بثلاثة ايام ليس إلاّ.
ستكون القصيدة قد انتهت ، خيرَ نهاية يريدها شاعر ماهر، ذو موهبة كبيرة.

لكنَّ بدراً شاء أن يضع نهاية أخرى ، ماذا لو قلنا شاءت القصيدة ؟، مستخدماً هذه المرة سين الإستقبال في صوته لأوّل مرة :

"سآخذُ دربي في الوهمِ

وأسيرُ فتلقاني أمّي "

هذا قرارٌ يقرره الشاعر ، سيكون في الوهم أيضاً . لكنه قرارٌ، يختلف عن التمني الأوّل حين استخدم الفعلَ الماضي : "ولبستُ ثيابي في الوهمِ" ، انه الآن ذاهب لا محالة ، واهباَ شبه الجملة : "في الوهمِ" إمكاناتٍ عدّة للنموّ، وللإيحاء ، بعد أن غير من زمن الفعل . ولعمري انّ ما فعله بدر في نهاية هذه القصيدة قد يكون هو الإعجاز الشعريّ ، فبهِ ميّزنا سيره الأوّل ، الذي وإن جاء فعلاً ماضياً ، فقد بقي تخيلاً ليس إلاّ . لكننا الآن بعد إستخدامه سين الإستقبال سنكون أمام فعل قرار وإن يكن في الوهم.
وهذا انتباه معجز قد لا يخطرعلى بال شاعر غير عليل، انتباه حقّق به بدر مستوى فنيّا راقياً لقصيدته. ستتساءلون : كيف يمكن أن يكون الفعل الماضي فعلاً غير متحقق ، بينما يكون الفعل المضارع حامل سين الإستقبال في نهاية القصيدة فعلاً متحققاً ؟ والجواب : انَّ هذه القصيدة ، القصيرة ، البسيطة كما تبدو للوهلة الأولى تثير الكثير من الأسئلة المتعلقة بالبناء والمعنى ، حتى لتتخيلها ، وهي كذلك ، أكبر من حجمها كثيراً.

ما حاولت أن أفعله هنا ، هو كشف شغلٍ كلاسيكيّ شاقّ لشاعر مؤسس في الشعر الحديث . وما حاولت أن أفعله هنا هو أن أحبِّبَ للقراء هذا الشغل ، وأن نعرف جميعاً بأنَّ كتابة الشعر الحديث لاتعني في أية حال من الأحوال ، القفزعلى الموروث المعرفيّ والجماليّ للفنّ الشعريّ.

هذه هي قصيدة "في الليل" . استثناء شعريّ في الشعر العربيّ الحديث ، جاء كلاسيكياً بناءً ومعنىً ..
ثامر داود غير متواجد حالياً