عرض مشاركة واحدة
03-06-2015, 08:40 AM   #78
علا الاسلام
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: عيد ميلادك احلى عيد
المشاركات: 4,550







مرويات العدسة
ويستمر يحيى حقي في ذلك التوصيف المذهل على لسان
صديقه المصور المتجول الذي يحكي له، فيقول إن
إثبات الود ــ أمام عدسة المصور ــ بين الصديقين أن
يتصافحا، وبعضهم يرفع يده إلى رأسه يحييك أنت
والمصور والعالم أجمع،
أما الفتيات ــ أمام العدسة ــ فكالنباتات البرية
لا تزال بشوكها.



ويسره وهو يقول »لا تضحك من أحذيتهن أو تسريحة
شعرهن، بل انظر إلى العيون تجد جذلا فطريا وفرحة
الطفل بلعبة جديدة،
أما إذا اعتمدت إحداهن برأسها على كفها فوق المائدة،
وتاهت نظرتها، ومن خلفها ستار عليه رسم زهرية
كبيرة أو درج فخم، فأعلم أنها بنت مدارس،
ابتليت بداء الحب.




وربما للزمن دور في تلك المشاهد،
حيث كان لبراح الوقت، وقلة الكاميرات،
ما يفسر كل ذلك الشغف،
كما كان للصورة دلالة كبيرة،
فالإطارات المعلقة على جدران البيت،
وألبومات حفظ الذكريات، كان لها ألف معنى،
وكأن الصورة بكل ما تحمله من أشخاص كائن حي،
يحفظ روح الأحباب والأهل والأصدقاء
واللحظات الجميلة،



ولذلك حدت سرعة التقانة والتطور في مجال
التصوير في جميع مراحلها،
وانتقالها من الأبيض والأسود،
إلى كوكتيل الألوان الباهتة في مرحلة أولى،
حتى وصولها إلى المرحلة الرقمية
الأنقى في فرز الألوان،
كل مظاهر الاحتفاء بذلك الرجل الجميل.




لذلك كان المصور يتواجد في كل الأماكن،
عند أبواب السيرك وبين خيامه،
أمام السينما وفي المقاهي،
في المزارات الكبيرة،
ربما كانوا عدة مصورين يشكلون زحمة،
وهم يتنازعون زبونا، لالتقاط صورة له،
يفرح بها ويفتخر.



ويحفل الأدب بحكايات المصورين المتجولين،
وربما كان الأدب الواقعي في بدايات القرن الماضي
أكثر احتفاء به، خاصة مع القاص الروسي انطوان تشيكوف،
والذي رسم ملامح عدة لشخصيات في المدينة
وفي الشوارع من بينها المصور المتجول
الذي يذرع الشوارع لتوثيق الزمن والحياة.



فنان بوهيمي في السينما
حفلت السينما العالمية برسم ملامح تلك الشخصية،
بجميع أبعادها،
وإن كان الفن الغربي تشعب في أكثر من جانب منها،
فأصبح رسام البروتريه، الذي يجلس طول النهار في
الشوارع يرسم الوجوه، شبيها بالمصور المتجول،
حيث رسمته السينما في أكثر الأوقات على شكل فنان
بوهيمي، يعيش في الشوارع من أجل الفن،
فتداخلت الصور بين الفن والحياة،
والتسكع وطلب لقمة العيش،
في توليفة منوعة قدمتها السينما لهذه الشخصيات.




وتمددت الصورة بشكل أكبر لتشمل المصورين
المحترفين المتفرغين للفن،
كما في فيلم »جسور مقاطعة ماديسون«،
الذي تم إنتاجه في عام 1991،
من بطولة كلينت استود وميرل ستريب،
حيث يلعب استود شخصية المصور المهوس
بتصوير الجسور قرب طرق »إيوا« الريفية.




وكما تداخلت في السينما نفس الصورة بين المصور
والرسام، تداخلت في الرواية أيضا،
وفي الرواية العربية نجد في ثلاثية الروائية الجزائرية
أحلام مستغانمي، حيث تداخل عاشقان
يحمل كل منهما اسم خالد بن طوبال،
أحدهما رسام في »ذاكرة الجسد«،
والثاني مصور في »فوضى الحواس« يعيش على أهبة
مباغتة، جاهز دائماً لأمر ما، لفرح طارئ أو لفاجعة
مرتقبة، كما وصفته الرواية، تماما كمصور يحيى حقي
الذي يقول إنه جاهز دائما، حتى إنه في مناسبات
الأعراس يحضر قبل المأذون.




الذاكرة المستباحة
في أيامنا، أصبح تواجد المصور المتجول مظهراً نادراً،
لأن كل شخص يحمل معه مصورته الرقمية الصغيرة،
وباستطاعته بعد دقائق تخزين كامل محتواها من الصور
على شريحة صغيرة، باستطاعتها حمل كم هائل من
الصور على ذاكرتها،



وفي ظل هذه الوفرة الرقمية أصبح المصور المتجول
مهجورا، يقف على استحياء في أماكن نادرة،
كما تم استباحة كل مساحات سيطرته التي بدأت تضمر
في المدينة وتتلاشى،
كما تمت استباحة ذاكرة الأمكنة التي يتجول فيها،
واختفى صندوقه السحري وحقيبته التي يحمل على كتفه،
والورق الطري الذي يبزغ محملا
بالدهشة والفرح من كامرته.




وإن كان الروائي الأردني الراحل مؤنس الرزاز في
ذاكرته المستباحة نقل موت الأمل في ذاكرة عجزة
استباحت الحياة والخرف شيخوختهم في دار مهجورة
للمسنين، فطمرت ألق الماضي،
فإن أيامنا استباحت ذاكرة المصور المتجول،
فكادت أن تصبح مهنة في طي النسيان.


نتابع
__________________

signature

علا الاسلام غير متواجد حالياً