عرض مشاركة واحدة
02-04-2015, 08:59 PM   #34
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

لما كتبت إليك في البداية
كانت رسالتي دليلاً على ثقتي بك,
لما جاوبتني كان جوابك دليلاً على الشك.
كتبت إليك مضطراً فأجبتني متحذرة.
حدثتك عن حقيقة غريبة فأجبتني بكل لطف قائلة
" عافاك يا شاطر, ما أحسن قصائدك الغنائية."
أنا أعلم جيداً أنني لم أتبع إذ ذاك السبل المألوفة.
وأنا لم أتبع ولن أتبع السبل المألوفة.
وأنا أعلم أن تحذرك كان من الأمور المنتظرة
وهذا, هذا هو سبب ألمي , لأنني لم أنتظرالمنتظر.
لو كتبت لغير ميّ لكان عليّ أن أنتظر المنتظر.
ولكن هل كان بإمكاني إظهار تلك الحقيقة لغير ميّ ؟
والغريب أنني لم أندم بعد ذلك.
لا لم أندم بل بقيت متمسكاً بحقيقتي راغباً في
إظهارها لكِ, فكتبت إليكِ مرات عديدة وكنت
أحصل بعد كل مرة على الجواب اللطيف
ولكن من غير ميّ التي أعرفها.
كنت أحصل على الجواب اللطيف من كاتمة أسرار
ميّ , وهي صبية ذكية تعيش في القاهرة بمصر.
ثم ناديت وناجيت, وكنت أحصل على الجواب
نعم كنت أحصل على الجواب
ولكن ليس من تلك التي " أحيا فيها وتحيا فيَّ "
بل من امرأة متحذرة متشائمة تأخذ وتعطي معي
كأنها المدّعي العمومي وكأنني المُدّعى عليه.
وهل أنا ناقم عليكِ؟
كلا , لكنني ناقم على كاتمة أسراركِ.
وهل حكمت عليك حكماً عادلاً أم غير عادل؟
كلا, لم أحكم أبداً.
إن قلبي لا ولن يسمح بإيقافك أمام منصة القضاء
قلبي لا ولن يسمح لي بالجلوس عليها.
إن ما بنا يا ميّ يقصينا عن جميع المحاكم.
ولكن لي رأي في كاتمة أسراركِ وهو هذا :
كلما جلسنا لنتحدث تدخل علينا حضرتها وتجلس
قبالتنا كمن يستعد لتدوين وقائع جلسة
من جلسات مؤتمر سياسي.
اسألك, اسألك يا صديقتي,
هل نحن بحاجة إلى كاتمة الأسرار؟
هذا سؤال مهم.
إذا كنتِ حقيقةً بحاجة إلى كاتمة أسراركِ
فعليَّ إذاً أن أستدعي كاتم أسراري
لأنني أنا أيضاً أريد تسيير أشغالي
على الطراز الأول!
أتريدين كاتم أسراري أن يكون معنا؟
انظري يا ميّ:
ههنا طفلان جبلاويان يمشيان في نور الشمس
وهناك أربعة أشخاص امرأة وكاتمة أسرارها
ورجل وكاتم أسراره.
ههنا طفلان يسيران يداً بيد
يسيران بإرادة الله إلى حيث يريد الله
وهناك أربعة أشخاص في مكتب يتجادلون ويتحاجون
ويقومون ويقعدون وكل منهم يحاول إثبات ما
يظنه حقاً له على حساب ما يظنه بُطلاً في الآخر.
ههنا طفلان, وهناك أربعة أشخاص,
فإلى أية جهة يميل قلبك؟
قولي لي إلى أية جهة؟
آه لو كنتِ تعلمين مقدار تعبي مما لا لزوم له.
لو كنت تعلمين مقدار حاجتي إلى البساطة.
لو كنت تعلمين مقدار حنيني إلى المجرد,
المجرد الأبيض, المجرد في العاصفة ,
المجرد الذي يبكي لا يستر دموعه ,
المجرد الذي يضحك ولا يخجل من ضحكة
لو تعلمين , لو كنت تعلمين.
" وماذا أنا فاعل في هذا المساء"؟
ليس الوقت مساءً.
نحن في الساعة الثانية بعد منتصف الليل
فإلى أي مكان تريدين أن نذهب
في هذه الساعة المتأخرة ؟
الأفضل أن نبقى هنا , هنا في هذه السكينة العذبة.
هنا نستطيع أن نتشوق حتى يدنينا الشوق
من قلب الله. وهنا نستطيع أن نحب البشرية
حتى تفتح لنا البشرية قلبها.
ها قد قبّل النعاس عينيك.
لا تنكري أن النعاس قد قبل عينيك.
لقد رأيته يقبلهما.
قد رأيته يقبلهما هكذا, هكذا كما يقبلون , فالقي
رأسك هنا, إلى هذه الجهة ونامي, نامي صغيرتي,
نامي فأنت في وطنكِ.
أما أنا فسوف أسهر , سوف أسهر وحدي .
علي أن أبقى خافراً حتى الصباح.
قد ولدت لأبقى خافراً حتى الصباح.
الله يحرسكِ.
الله يبارك سهري .
الله يحرسك دائماً.

جبران
نيويورك 5 تشرين الأول 1923
Amany Ezzat متواجد حالياً