عرض مشاركة واحدة
02-04-2015, 08:22 PM   #30
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

حبذا لو كنت الساعة في مصر.
حبذا لو كنت في بلادي قريباً ممن تحبهم نفسي.
أتعلمين يا مي أنني في كل يوم أتخيل ذاتي في
منزل في ضواحي مدينة شرقية وأرى صديقتي
جالسة قبالتي تقرأ في آخر مقالة من مقالاتها التي
لم تنشر بعد, فنتحدث طويلاً في موضوعها
ثم نتفق على إنها أحسن ما كتبته حتى الآن.
وبعد ذلك أنتشل من بين مساند فراشي بعض
الأوراق وأقرأ قطعة كتبتها أثناء الليلة الغابرة
فتستحسنها صديقتي قليلاً ثم تقول في سرها
يجب ألا يكتب وهو في هذه الحالة.
إن تراكيب هذه القطعة تدل على الضعف والوهن
والتشويش- عليه ألا يأتي بعمل فكري حتى يتعافى
تماماً"- تقول صديقتي هذا في سرها وأنا أسمعه
في سري فأقتنع بعض الاقتناع ثم لا ألبث أن أقول
بصوت عالٍ " أمهليني قليلاً, أمهليني أسبوعاً
أو أسبوعين فأتلو عليك قطعة جميلةً , جميلة للغاية".
فتجيبينني بصراحة " يجب أن تمتنع عن الكتابة
والتصوير وكل عمل آخر عاماً أو عامين,
وإن لم تمتنع فأنا عليك من الساخطين!"
تلفظ صديقتي كلمة " الساخطين" بلهجة ملؤها
" الاستبداد المطلق" ثم تبتسم كالملاكة فأحتار
دقيقة بين سخطها وابتسامها, ثم أجدني فرحاً
بسخطها وابتسامها- وفرحاً بحيرتي.
وعلى ذكر الكتابة – أتدركين مقدار سروري
وابتهاجي وافتخاري بما ظهر لك من المقالات
والحكايات في الشهور الأخيرة؟
ما قرأت لك قطعة إلى وشعرت بنمو وتمدد في
قلبي, وما قرأتها ثانية إلا وتحولت عمومياتها إلى
شيء شخصي فأرى في الأفكار والقوالب ما لم يره
سواي وأقرأ بين السطور سطوراً لم تكتب إلا لي.
أنت يا مي كنز من كنوز الحياة, بل وأكثر من
ذلك- أنتِ أنتِ, وإني أحمد الله لأنك من أمة أنا
من أبناها ولأنك عائشة في زمن أعيش فيه.
كلما تخيلتك عائشة في القرن الماضي
أو في القرن الآتي رفعت يدي وخفقت بها الهوا
كمن يريد أن يزيل غيمة من الدخان من أمام وجهه.
بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أذهب إلى البرية
فأسكن بيتاً صغيراً منتصباً كالحلم بين البحر
والغابة – وما أجمل تلك الغابة , وما أكثر
أطيارها وأزهارها وينابيعها.
كنت في الأعوام الغابرة أسير وحيداً منفرداً
في تلك الغابة.
وكنت أذهب عشية إلى البحر وأجلس كئيباً على
الصخور أو أرمي بنفسي إلى الأمواج كمن
يريد أن يتملص من الأرض وأشباحها.
أما في هذا الصيف فسأسير في الغابة
وأجلس أمام البحر وفي روحي ما ينسيني
الوحدة وفي قلبي ما يشغلني عن الكآبة.
أخبريني يا ميّ ما أنت فاعلة في هذا الصيف؟
أذاهبة إلى رمل الاسكندرية أم إلى لبنان؟
أذاهبة وحدك إلى لبناننا؟
أي متى يا ترى أعود إلى لبنان؟
أتستطيعين أن تقولي لي أي متى أتخلص
من هذه البلاد ومن القيود الذهبية
التي حبكتها منازعي حول عنقي؟
أتذكرين يا مي قولك لي مرة أن صحفياً
في بيونيس آيريس قد بعث إليك برسالة
يطلب فيها رسمك ومقالة من مقالاتك؟
لقد فكرت مرات عديدة في طلب هذا الصحفي
وفي ما يطلبه جميع الصحفيين وكنت في كل مرة
أقول متحسراً لست بصحفي! لست بصحفي!
لذلك يتعذر عليّ أن أطلب ما يطلبه الصحفيون
لو كنت صاحب مجلة أو محرر جريدة لطلبت
رسمها بكل حرية, وبدون خجل, وبدون وجل
وبدون توطئة منسوجة من الألفاظ المرتعشة
كنت ولم أزل أقول هذا في قلبي, فهل سمع الذين
اتخذوا قلبي وطناً لهم؟
ها قد انتصف الليل وللآن لم أخط الكلمة التي
تلفظها شفتي وتلفظها تارة همساً
وطوراً بصوت عالِ.
إني أضع كلمتي في قلب السكينة
فالسكينة تحتفظ على كل ما نقوله
بحنو وحرقة وإيمان.
والسكينة يا ميّ تحمل صلاتنا
إلى حيث نريد أو ترفعها إلى الله.

أنا أذهب إلى فراشي.
وسوف أنام الليلة طويلاً .
وسوف أقول لكِ في الحلم
ما لم أخطه على هذه الورقة.

مساء الخير يا مي.
الله يحرسكِ

جبران
نيويورك مساء السبت 21 أيار 1921
Amany Ezzat متواجد حالياً