عرض مشاركة واحدة
02-04-2015, 07:58 PM   #28
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

ما أعذب تمنياتك لي في يوم مولدي
وما أطيب أريجها
ولكن اسمعي يا مي هذه الحكاية الصغيرة
واضحكي قليلاً على حسابي!
شاء نسيب عريضة أن يجمع " دمعة وابتسامة"
في كتاب , وذلك قبل زمن الحرب , وشاء أن
يحشر مقالة " يوم مولدي" بين تلك القطع الضئيلة
, ورأى أن يضع التاريخ مع العنوان ولم أكن حينئذ
في نيويورك , فأخذ يبحث – وهو بحّاثة لا يكل
ولا يمل – حتى وجد تاريخ ذلك اليوم البعيد
باللغة الانكليزية فترجم " JANUARY 6 th "
إلى " 6 كانون الاول"! وهكذا خصم من سني
حياتي سنة وأخر يوم مولدي الحقيقي شهراً !
ومنذ ظهور كتاب دمعة وابتسامة حتى اليوم وأنا
أتمتع في كل سنة بيوميّ مولدي , الأول أوجدته
غلطة في الترجمة أما الثاني فلا أدري أي غلطة
في الأثير أوجدته ! وتلك السنة التي سُرقت مني
يعلم الله وأنتِ تعلمين أنني اشتريتها غاليةً
اشتريتها بنبضات قلبي , اشتريتها بسبعين وزنة
من الألم الصامت والحنين إلى ما لا أعرفه
فكيف أسمح لغلطة في كتاب أن تسلبني إياها ؟
أنا بعيد عن "الوادي" يا مي
جئت هذه المدينة – بوسطن – منذ عشرة أيام
لعمل تصويري , ولو لم يبعثوا إليّ ببقجة من
الرسائل الواردة إلى عنواني في نيويورك لعشت
عشرة أيام أخرى بدون رسائلك , هذه الرسالة
التي حلت ألف عقدة في حبل روحي ,
وحولت الانتظار وهو صحراء إلى حدائق وبساتين
الانتظار حوافر الزمن يا ميّ ,
وأنا دائما في حالة الانتظار
يخال لي في بعض الأحايين أنني أصرف حياتي
مترقبا حدوث ما لم يحدث بعد , وما أشبهني
بأولئك العمي والمقعدين الذين كانوا يضطجعون
بقرب بركة " بيت حسدا" في أورشليم "
لأن ملاكاً كان ينزل أحيانا في البركة
ويحرك الماء فمن نزل أولا بعد تحريك الماء
كان يبرأ من أي مرض اعتراه
( بيت حسدا : إشارة إلى اليعازر
وقيامته من الموت في انجيل متى )
أما اليوم , وقد حرك ملاكي بركتي ووجدت من
يلقيني في الماء , فإني أسير في ذلك المكان
المهيب المسحور وفي عيني نور وفي قدمي عزم
أسير بجانب خيال أجمل وأطهر لبصيرتي
من حقيقة الناس كافة , أسير وفي يدي يد حريرية
الملامس ولكنها قوية وذات إرادة خاصة , ولينة
الأصابع ولكنها تستطيع رفع الأثقال وتكسير القيود
وبين الآونة والأخرى ألتفت فأرى عينين
مشعشعتين وشفتين تداعبهما ابتسامة جارحة بحلاوتها
قلت لكِ مرة إن حياتي مقسومة إلى حياتين وإني
أصرف الواحدة منهما بين العمل والناس
والثانية في الضباب
قد كان ذلك بالأمس , أما اليوم فقد توحدت حياتي
وصرت اشتغل في الضباب وأجتمع بالناس
في الضباب , وأنام وأحلم ثم استيقظ
وأنا في الضباب
هي نشوة محاطة بحفيف الأجنحة , فالوحدة فيها
ليست بالوحدة , وألم الحنين إلى غير المعروف
أطيب من كل شيء عرفته
هي غيبوبة ربانية يا ميّ , هي غيبوبة ربانية
تدني البعيد وتبين الخفي وتغمر كل شيء بالنور
أنا أعلم الآن أن الحياة بدون هذا الانجذاب النفسي
ليست سوى قشور بغير لباب
وأحقق أن كل ما نقوله ونفعله ونفكر به
لا يساوي دقيقة واحدة نصرفها في ضبابنا
وأنت تريدين كلمة " نشيد غنائي"
أن تحفر في قلبي ! تريدينها أن تنتقم لك من هذا
الكيان الخافت الذي يحملني وأحمله
لندعها تحفر وتحفر وتحفر , بل لننادي جميع
الأناشيد الغنائية الهاجعة في الأثير ,
ولنأمرها أن تنتشر في هذه البلاد الواسعة لتحفر
الترعات , وتمد السبل وتبني القصور والأبراج
والهياكل , وتحول الوعر إلى حدائق وكروم
وفي الوقت نفسه أنت ابنة صغيرة في السابعة
تضحك في نور الشمس و تركض وراء الفراشة
وتجني الأزهار وتقمز فوق السواقي
وليس في الحياة شيء ألذ وأطيب لديّ من الركض
خلف هذه الصغيرة الحلوة والقبض عليها ثم حملها
على منكبي ثم الرجوع بها إلى البيت لأقص عليها
الحكايات العجيبة الغريبة حتى تكتحل أجفانها
بالنعاس وتنام نوماً هادئاً سماوياً

جبران

بوسطن 11 كانون الثاني 1921

يتبع
Amany Ezzat غير متواجد حالياً