عرض مشاركة واحدة
02-04-2015, 07:17 PM   #25
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,580


إني أستطيب الفائدة بل وأستطيب كل شيء في
الحياة إلا الحيرة فإذا جاءت الفائدة وعلى منكبيها
غمر من الحيرة أغمضت عينيَّ وقلت في سري
" هذا صليب آخر علي أن أحمله
مع المئة صليب التي أحملها "
وليست الحيرة بذاتها من الأمور المكروهة
ولكنني قد رافقتها حتى مللتها قد أكلتها خبزاً
وشربتها ماءً وتوسدتها فراشاً ولبستها رداءً
حتى صرت أتبرم من لفظ اسمها
وأهرب من ظل ظلها
أظن أن مقالتك في " المواكب"
هي الأولى من نوعها باللغة العربية
هي أول بحث في ما يرمي إليه
الكاتب بوضع كتاب
حبذا لو كان بإمكان أدباء مصر وسوريا
أن يتعلموا منكِ استجواب أرواح الكتب دون
أجسادها واستفسار ميول الشعراء النفسية
قبل استقصاء مظاهر الشعر الخارجية
يجب عليّ أن لا أحاول اظهار امتناني الشخصي
على تلك المقالة النفيسة لأنني أعلم أنها كتبت
وأنت منصرفة عن كل شيء شخصي
وإذا ما حاولت اظهار امتناني القومي بصورة
عمومية أوجب عليّ ذلك كتابة مقالة
في تلك المقالة وهذا أمر يحسبه الشرقيون
في الوقت الحاضر من الأمور التي لا تجاور
الذوق السليم ! ولكن سيجيء يوم أقول فيه
كلمتي في " مي " ومواهبها
وستكون كلمتي هائلة ! وستكون طويلة عريضة !
وستكون صادقة لأنها ستكون جميلة
إن الكتاب الذي سيصدر في هذا الخريف
هو كتاب رسوم خالٍ من
" ضجيج التمرد والعصيان"
ولولا اضراب العمال في المطابع
لظهر منذ ثلاثة أسابيع
وفي السنة القادمة سيصدر كتابان الأول
" المستوحد " وربما دعوته باسم آخر
وهو مؤلف من قصائد وأمثال
والثاني كتاب رسوم رمزية باسم " نحو الله "
وبهذا الأخير انتهي من عهد وابتدئ بعهد آخر
وأما " النبي " فكتاب فكرت به منذ ألف سنة
ولكنني لم أكتب فصلاً من فصوله حتى أواخر
السنة الغابرة
وماذا عسى أقول لك عن هذا النبي ؟
هو ولادتي الثانية ومعموديتي الأولى
هو الفكرة الوحيدة التي تجعلني حرياً
بالوقوف أمام وجه الشمس
ولقد وضعني هذا النبي قبل أن أحاول وضعه
وألفني قبل أن أفكر بتألفيه وسيرني صامتاً وراءه
سبعة آلاف فرسخ قبل أن يقف
ليملي عليّ ميوله ومنازعه
أرجوك أن تسألي رفيقي ومعاوني العنصر الشفاف
عن هذا النبي وهو يقص عليك حكايته
اسألي العنصر الشفاف ،اسأليه في سكينة الليل
عندما تنعتق النفس من قيودها وتتملص من أثوابها
وهو يبوح لكِ بأسرار هذا النبي وبخفايا من تقدمه
من الأنبياء أجمعين
أنا أعتقد يا صديقي أن في العنصر الشفاف
من العزم ما لو وضعنا ذرةً منه تحت جبل
لانتقل من مكان إلى مكان آخر واعتقد بل واعلم
أننا نستطيع أن نمد ذلك العنصر سلكاً بين بلاد
وبلاد فنعلم بواسطته كل ما نريد أن نعلمه
ونحصل على كل ما نشوق إليه ونبتغيه
ولدّي أمور كثيرة أريد أن أقولها عن العنصر
الشفاف وغيره من العناصر ولكن عليّ أن أبقى
صامتاً عنها
وسوف أبقى صامتاً حتى يضمحل الضباب
وتنفتح الأبواب الدهرية ويقول لي ملاك الرب
" تكلم , فقد ذهب زمن الصمت وسر فقد طال
وقوفك في ظلال الحيرة "
أي متى يا ترى تنفتح الأبواب الدهرية ؟
هل تعلمين ؟
هل تعلمين أي متى تتفتح الأبواب الدهرية
ويضمحل الضباب ؟

والله يحفظك يا " مي" ويحرسك دائماً

المخلص
جبران خليل جبران
نيويورك 9 تشرين الثاني 1919

Amany Ezzat متواجد حالياً