عرض مشاركة واحدة
02-04-2015, 06:28 PM   #21
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

وسوف يجيء يوم أهرب فيه إلى الشرق
إن شوقي إلى وطني يكاد يذيبني ولولا هذا القفص
الذي حبكت قضبانه بيدي
لاعتليت متن أول سفينة سائرة شرقاً
ولكن أي رجل يستطيع أن يترك بناءً
صرف عمره بنحت حجارته وصفّها ؟
حتى وإن كان ذلك البناء سجناً له فهو لا يقدر
أو لا يريد أن يتخلص منه في يوم واحد
سامحيني أيتها الصديقة العزيزة فقد أزعجتك
بالكلام عن نفسي وبشكواي من أمور أدعى إلى
الجهاد منها إلى التذمر
إن استحسانك " المواكب" قد جعلها عزيزة لديّ
أما قولك بأنك ستستظهرين أبياتها فمنّة أحني
أمامها رأسي غير أنني أشعر بأن حافظتك
خليقة بقصائد أسمى وأبلغ وأنبل من كل
ما جاء في المواكب بل ومن كل ما كتبته وأكتبه
وأما قولك في رسوم الكتاب " أنتم أهل الفن
تبرزون هذه البدائع بقوى أثيرية احتفظتكم عليها
ملوك الجوزاء فنأتي بغباوتنا أشقياء مظلومون
ونحن بها أشقياء خاسرون
" فكلام لا أقبله بل إني استميحك بالتمرد عليه
و ما أكثر تمردي أنت يا ميّ منا وفينا بل وأنت
بين الفن وأبنائه كالوردة بين أوراقها
إن ما جاء في مقالتك التي نشرت في
" المحروسة" عن رسوم المجنون لأكبر دليل
على شعور فني عميق وفكرة خاصة دقيقة
وبصيرة نفاذة ترى ما لا يراه غير القليل من الناس
ولست بمبالغ إذا قلت بأنك أول صبية شرقية
مشت في غابة الأخوات التسع
( إشارة إلى الآلهات التسع في الميثولوجيا الاغريقية
المشرفات على الآداب والفنون وقد عرفن
بأسماء عديدة في عصور التاريخ القديم )
بقدم ثانية ورأس مرفوع وملامح منفرجة
كأنها في بيت أبيها
ألا فأخبريني كيف عرفت كل ما تعرفين
وفي أي عالم جمعت خزائن نفسك وفي أي
عصر عاشت روحك قبل مجيئها إلى لبنان ؟
إن في النبوغ سراً أعمق من سر الحياة
وأنت تريدين أن تسمعي ما يقوله الغربيون
عني فألف شكر لك على هذه الغيرة
وهذا الاهتمام القومي
لقد قالوا الشيء الكثير وكانوا مبالغين
في أقوالهم متطرفين في ظنونهم متوهمين
وجود الجمل في وكر الأرنب
ويعلم الله يا صديقتي بأنني ما قرأت شيئاً
حسناً عني إلا ونحت في قلبي
إن الاستحسان نوع من المسؤولية يضعها
الناس على عواتقنا فتجعلنا نشعر بضعفنا
ولكن لا بد من المسير حتى ولو قوّص الحمل
الثقيل ظهورنا ولا بد من استنباط القوة من الضعف
أنا باعث إليك في غلاف آخر بشيء من أقوال
الجرائد والمجلات وستعلمين منها أن الغربيين
قد ملوا أشباح أرواحهم وضجروا من ذواتهم
فأصبحوا يتمسكون بالغريب الغير مألوف
خصوصاً إذا كان شرقياً
هكذا كان الشعب الأثيني بعد انقضاء عصره الذهبي
لقد بعثت منذ شهر أو أكثر بمجموعة من
أقوال الصحف في المجنون إلى اميل زيدان
( تولى رئاسة تحرير مجلة الهلال سنة 1914
التي أسسها والده الأديب العلامة جرجي زيدان )
وهو بالطبع من أصدقائك
أحمد الله وأشكره على انقضاء الأزمة عندكم
ولقد كنت أقرأ أخبار تلك المظاهرات
فأتخيلك هائبة فأهاب مضطربة فاضطرب
ولكنني كنت أردد في الحالين قول شكسبير :
Do not fear our person
There’s such divinity
doth hedge a king
That treason can but
peep to what it would
Acts little of his will

لا تخافي منا
فالملك تحيط به هالة من القداسة
وليس في مقدور الخيانة
أن تبلغ ما ترمي إليه
أو تحد من عزيمته
وأنت يا ميّ من المحروسين وفي نفسك
مَلَكٌ يحميه الله من كل مكروه
وتسألين ما اذا كان لكم من صديق في ربوعنا ؟
أي والحياة وما في الحياة من حلاوة جارحة
ومرارة مقدسة إن لكم في ربوعنا صديقاً إرادته
تدافع عنكم ونفسه ترغب في الخير لكم وابعاد
السوء عنكم وتحميكم من كل أذى
وقد يكون الصديق الغائب أدنى
وأقرب من الصديق الحاضر
أفليس الجبل أكثر هيبة وأشد وضوحاً وظهوراً
لسائرٍ في السهل منه لساكنيه ؟
ها قد غمر المساء هذا المكتب بوشاحه فلم أعد
أرى ما تخطه يدي
وألف تحية لك وألف سلام عليك والله يحفظك ويحرسك دائماً

صديقك المخلص
جبران خليل جبران
نيويورك 11 حزيران – 1919


يتبع
Amany Ezzat غير متواجد حالياً