عرض مشاركة واحدة
02-04-2015, 05:58 PM   #18
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

"المجنون " وماذا يا ترى أقول لك عن المجنون ؟
-أول مؤلفات جبران باللغة الانجليزية
-
أنت تقولين أن فيه ما يدل على " القسوة"
بل وعلى " الكهوف المظلمة"
وأنا الآن لم أسمع مثل هذا الانتقاد مع انني
قرأت الكثير مما نشرته جرائد ومجلات
اميركا وانكلترا في هذا الكتاب الصغير
والغريب أن أكثر الأدباء الغربيين
قد استحسنوا القطعتين :
My Minds
و
The Sleep Walkers
واستشهدوا بهما أو ذكروهما بصورة خاصة
أما أنت يا صديقتي فقد وجدت فيهما القسوة
وماذا ينفع الانسان إذا ربح استحسان العالم
وخسر استحسان ميّ ؟
وقد يكون ارتياح هؤلاء الغربيين إلى المجنون
واخيلته ناتجاً عن مللهم أخيلة نفوسهم وعن ميلهم
الطبيعي إلى الغريب والغير مألوف خصوصاً
إذا كان شرقي المظاهر
أما تلك الأمثال والقصائد المنثورة
التي نشرت في الفنون فقد ترجمها عن
الأصل الانكليزي أديب محبته لي أوسع قليلا
من معرفته بدقائق البيان الانكليزي
ولقد رسمت بالحبر الأحمر دائرة حول لفظة
" اشمئزاز" التي جاءت في كلامك عن المجنون
فعلت ذلك لعلمي بأنك إذا وضعت كلمات
The Sleep Walkers
بين شفاه الأمس والغد بدلا من وضعها
على لسان أم وابنتها لأبدلت لفظة الاشمئزاز
بلفظة أخرى – أليس كذلك ؟
وماذا أقول عن كهوف روحي ؟
تلك الكهوف التي تخيفك – اني التجئ إليها
عندما أتعب من سبل الناس الواسعة
وحقولهم المزهرة وغاباتهم المتعرشة
إني أدخل كهوف روحي عندما
لا أجد مكاناً آخر أسند إليه رأسي
ولو كان لبعض من أحبهم الشجاعة لدخول تلك
الكهوف لما وجدوا فيها سوى رجل راكع
على ركبتيه وهو يصلي
أما استحسانك الرسوم الثلاثة في المجنون
فقد سرني ودلني على وجود عين ثالثة بين عينيك
وقد طالما عرفت أن وراء أذنيك آذان خفية
تسمع تلك الأصوات الدقيقة الشبيهة بالسكوت
تلك الأصوات التي لا تحدثها الشفاه
والألسنة بل ما وراء الألسنة والشفاه من الوحدة
العذبة والألم المفرح والشوق إلى ذلك
العالم البعيد الغير معروف
وأنت تسألين ما إذا كنت أريد أن
يفهمني أحد بعد قولي :
For those who understand
us enslave something in us
( لأن الذين يدركون خبايا نفوسنا يأسرون شيئا منها)
لا لا أريد أن يفهمني بشري إذا كان فهمه إياي
ضرياً من العبودية المعنوية
وما أكثر الذين يتوهمون أنهم يفهموننا لأنهم
وجدوا في بعض مظاهرنا شيئاً شبيهاً بما اختبروه
مرة في حياتهم
وليتهم يكتفون بادعائهم ادراك أسرارنا
– تلك الأسرار التي نحن ذواتنا لا ندركها –
ولكنهم يصموننا بعلامات وأرقام ثم يضعوننا
على رف من رفوف أفكارهم واعتقاداتهم
مثلما يفعل الصيدلي بقناني الأدوية والمساحيق !
أوليس ذلك الأديب الذي يقول بأنك تقلدينني في
بعض كتاباتك من هؤلاء البشر الذين يدعون فهمنا
ومعرفة خفايانا؟
وهل تستطيعين اقناعه بأن الاستقلال هو محجة
الأرواح وإن أشجار السنديان والصفصاف
لا تنمو في ظلال بعضها البعض ؟
ها قد بلغت هذا الحد من رسالتي ولم أقل كلمة واحدة مما قصدت أن أقوله عندما ابتدأت
ولكن من يا ترى يقدر أن يحول الضباب اللطيف إلى تماثيل وانصاب ؟
ولكن الصبية اللبنانية التي تسمع ما وراء الأصوات سترى في الضباب الصور و الأشباح
والسلام على روحك الجميلة
ووجدانك النبيل وقلبك الكبير والله يحرسك

المخلص
جبران خليل جبران
نيويورك في 7 شباط 1919
Amany Ezzat غير متواجد حالياً