عرض مشاركة واحدة
11-16-2014, 07:01 PM   #5
علا الاسلام
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: عيد ميلادك احلى عيد
المشاركات: 4,554






اعتزال بائع الروبابيكيا
الكاتب محمد ابراهيم محروس
**********************

تنتابني حالة من الهدوء لرؤيتها ،
ملامحها الطفولية ،
ابتسامتها العذبة ،
و صفاء الضحكة ولمعانها ،
أرى وميض عينيها لثوان قبل أن أبتسم في وجهها :-
عاملة إيه يا حبيبة ..
تضحك فتتسع ابتسامتها : كويسة ..



حبيبة إحدى بنتين لعم أحمد الشامي ،
الأخرى سماح .
البنتان لديهما ما يشبه الإعاقة الذهنية .
حبيبة هي التي تجلب لي السعادة بطريقة ما ،
وهي تحمل أشياء في يديها عندما يمر بائع الروبابيكيا / ضاحكة
وأنا أقول لها : إيه اللي شيلاه دا ..
-دا الخلاط بتاعنا هبيعه ، تشتري..
-ها ها ها .. وهتبيعيه ليه ، مش شغال .
-شغال بس هبيعه .
يقلب بائع الروبابيكيا في الأشياء ، ويدفع الثمن الذي تحدده ،
والذي يعرف أنني سأدفع له ضعفه
لأنه عادة لا يزيد عن ثلاثة جنيهات كل مرة .
وكأنني مشترك مع بائع الروبابيكيا وحبيبة في لعبة لا تنتهي ،
هو يشتري أشياءها ،وأنا أشتريها منه ،
ثم أعيدها لعم أحمد عندما يعود من شغله مكدودا ،
مشغول البال على البنتين ..



التي تضحك دائما ، لا تشرب الماء ..تقول إنه ملوث.
التي تضحك دائما ، تدمن الكولا .
التي تضحك دائما ، جسد امرأة وعقل طفلة .
التي تضحك دائما تبيع أطقم المطبخ بصورة شبه يومية .
التي تضحك دائما تتخانق معي ، عندما أعيد الأشياء لعم أحمد .
التي تضحك دائما ، تقول : إنني عبيط ومش فاهم .
التي تضحك دائما ، تجمع كل مجلات سماح لتبيعها .
التي تضحك دائما .. نضحك عليها أنا وبائع الروبابيكيا .
حبيبة التي تضحك دائما ، تغضب مني لأنني أعيد لأبيها
الطبق البلاستيك الكبير المخصص للغسيل
وهي تقول : إنها شافت فيه صرصار .
أصالحها أحيانا بزجاجة كولا ..
حبيبة التي تضحك دائما ، جاءتني باكية اليوم ،



قالت : إن عم أحمد مش عايز يصحى .
أتساءل ، تجيبني : فاتح بقه ومش بيرد علي ،
وبديله صفار البيضة مش عايز يبلعه .
يركبني الفزع ، أجري ، أخبط على جارتها لتأتي معي ،
أدخل لعم أحمد غرفته ، أحدق في عينيه المفتوحتين ،
أتذكر قلقه وكلامه وخوفه على البنتين ،
وكلامي معه إنه زمن لا يرحم !
أتذكر سفر سماح مع خالتها من أسبوعين ،
ورفض حبيبة للسفر ، أتذكر كل هذا ،
وأنا ألمح جلال الموت يطل من عيني عم أحمد ..



أطلب من حبيبة نوتة التليفونات ، أتصل بمعارف عم أحمد ،
أنتظر بجواره ، أحلم بأشياء مستحيلة ،
أن ترد له الروح ، ليقف ويتحرك ليحضنني وأحضنه .
حبيبة تقف فاغرة الفم ،
تمسك البيضة تنتظر أن يفيق ، ليفتح فمه ليأكل .
تهرب الساعات ، أحضر الغسل ، ترانا حبيبة نجهز الكفن ،
تذهب بعقلها لتودع عم أحمد في مكان بعيد عن أحلام البشر .
التي كانت تضحك دائما ، جف وجهها وهي تعطي لي البيضة
التي ظلت تمسكها بيدها طوال النهار .



حبيبة التي كانت تضحك دائما ،
أراها اليوم تجلس أمام بيتها تحتضن طبق الغسيل البلاستيك ،
الذي كانت تنقل لنا به الماء أثناء غُسل أبيها ..
أسألها : عايزة تبيعيه .
تنهمر الدموع من عينيها وهي تحتضن الطبق بخوف رهيب ..
التي كانت تضحك دائما ، لم تعد تكلمني
وتتهمني بأنني سرقت أباها وأخفيته ..
حبيبة التي كانت تضحك دائما خاصمتني للأبد ..
ولم أعد أرى بائع الروبابيكيا



يا ترى مين اللي بياخد باله و بيراعي حبيبة
و أختها بعد وفاة الأب ؟
الله سيلقي في قلوب من حولهم الرحمة
وسيجدون من يتولي أمرهم كأن عم أحمد مازال موجود ....
فإن مثل هذه الحالات ذات الإعاقة الذهنية
ينفطر لها القلب
فلهم الله الرحيم
يرعاهم







نتابع
__________________

signature

علا الاسلام غير متواجد حالياً