عرض مشاركة واحدة
10-06-2014, 09:45 PM   #70
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

[]
[]الإنحراف

المنحرفون أبدعوا قِيَمنا، أودعونا حضارةً سريّة جميلة،
[/]

[]في مقابل حضارة يُستحال إحصاء جثثها.
المنحرفون، الذين ماتوا في المصحات أو في السجون
هم آباؤنا الحقيقيون.
[/]
الأسوياء جرفهم النهر.


غير الأسوياء ظلّوا على الشاطئ.
هناك بالضبط، على الرمل و الحصى،

مقاعدنا، لا في النهر.
إذا خرج من الماء مقعد، سرعان ما يسيل.
مقاعدنا على الشاطئ، نجلس عليها.... أما الماء، فنمدُّ له أقدامنا.
صُنّفوا هامشيين، حطبًا لفظه السيل إلى الضفاف،


[] ورقًا، خِرقًا، مزقًا ساقطة من الثوب.
صُنّفوا للنبذ، للرمي، للخلع من قماش المدعوين، للمنع من الوليمة.
صُنّفوا للحرق.
لكن، ها هو العالم يختنق.
[/]

[] إذ كيف يتنفّس العالم بلا هامشه؟
المنبوذون هم رئة الحياة.
قلب الحياة، هو الهامش.
هل نخرج من قلب العالم؟
نخرج، ما دام مليئًا بالدماء.
نسكن في اليد الملوّحة للبعيد، في الشَعر المتطاير،
[/]

[]في العين اللانهائية الامتداد.
حينذاك نكون في القلب. القلب الأبيض،
[/]

[] النسيميّ، السابح في الهواء.
في نقاء الفراغ.
في قلب الحياة عِرق للحق والخير والجمال،
[/]

[]عرق منشقّ معزول، اسمه الاختلال.
يمشي المختلّون في العِرق خفيفين، صامتين،
[/]

[] لئلا يتفتّق العِرق ويفسد. لئلا ينفتح على العروق الأخرى، [/]

[]الدموية. لكي تبقى الدرب الضيّقة جميلة وسريّة.
أرواحنا الصامتة الحزينة هي الجميلون في السر.
[/]

[]الماشون في عرق الاختلال.
أرواحنا الجميلة، هي المختلّون.
بات علينا تخريب هذه الطريق وشقّ طريق جديدة.
[/]

[]نسفُ الكتلة الهائلة التي تكدَّست مع الزمن والعادة [/]

[]واستقرت في عقولنا مفهومًا واحدًا ونهجًا واحدًا للحياة.
صار واجبًا ابتداع عصر مغاير.
أليس على العصور أن تتغير، على الأقل كما تتغير جلود الحيَّات؟
تاريخ بأكمله، قاد إلى إلغاء التاريخ!
تاريخ جماعي ألغي تاريخ الفرد.
[/]

[]وتاريخ فردي ألغى تاريخ الحياة مع الجماعة.
رؤية واحدة، طريق مشتركة، قطعت أرجل المنحرفين عنها،
[/]

[] معست المتباطئين، اقتلعت أعين الناظرين في مكان آخر.
كان النبع خادعًا، والمصبّ ضحيّة خداعه.
نبعٌ واحد و مصبّ واحد لتاريخ بأكمله.
[/]

[]بحيث امتلأ النبع والمصبّ بالنفايات والجثث.
بات واجبًا ابتداع نبع ومصبّ جديدين.
سلامٌ للمناطق النائمة في الدماغ،
[/]

[] الوادعة كالفراغ، المسحورة كالعدم.
سلامٌ للخلايا التي لم تستيقظ بعد. إنها خلايا السلام.
التاريخ يشهد على أن كل خلية جديدة تستيقظ،
[/]

[]تبتكر طريقة موت جديدة.
هذا العقل يكاد يفني الأرض.
سلامٌ لخلاياه المنحرفة، سلام للجنون.
تجب إعادة ابتكار الأدغال
وبناء عصر آخر يضع مداميكه المنبوذون، وتحرسه أرواح المجانين.


المنفى

الإنسان كائنٌ عاقل؟ صفة ناقصة.
[/]

[] ما عادت دقيقة. الإنسان كائن منفيّ.
بات صعبًا تحديد موطن للناس. المنفى اتسع.
[/]

[] الأرض كلها صارت منفى.
ما عاد هناك وطن. هذه تسمية أضحت من التراث.
[/]

[] من الذاكرة الآفلة. البشر يقيمون في منفى لا في وطن.
كان في الماضي منفى جماعيّ ومنفى فرديّ.
[/]

[]صار الكلُّ كلِّيي النفي: منفيين في الخارج ومنفيين في الداخل [/]

[]ومنفيين في الجماعة ومنفيين في الذات.
لم تبق في الخارج أية إشارة إلى أن هذا المكان، أو ذاك، هو مكاننا.
ولا في الداخل إشارة إلى أن الذات لا تزال تخصُّنا.
صار صعبًا، بل مستحيلاً على المرء تحديد ذاته، فكيف تحديد مكانه؟
إذا الذات نفسها منفيَّة، هل يمكن التحدُّث عن مكان؟
سيلٌ من الخطى على بلاط بارد.
[/]

[]دفقٌ راكض يطوي الأمكنة. مشيٌ لا يحتفظ بأي مكان.
لا درب. فقط تشعّبات.
[/]

[] وخطوات تتشعّب على التشعّبات كلها ولذلك لا تسير.
لم يبق للأقدام طريق تألفه وزاوية تتمدّد عليها.
[/]

[] درب العودة إلى مكان أليف، بشوق و بطء وفرح، [/]

[]ما عادت ممكنة. صارت ممحوَّة. محتها الخطوات[/]

[] الراكضة وموت الألفة واستحالة العودة. محاها غياب المكان.
المكان الذي غاب كمساحة، وغاب كحضور.
ليس ممكنًا، بعد، أن تكون حاضرًا مع آخرين، لا بينهم ولا فيهم.
[/]

[] لم يعد لديك كلام لهم ولم يعد لديهم كلام لك. [/]

[]إذا تكلّمتَ لا تتكلم إلا مع ذاتك ولو ظننتهم يصغون. [/]

[]وإن تكلّموا لا تسمع إلا صوتك ولو اعتقدوا أنك تصغي.[/]

[] لا تكون إلا فيك ولو كنت في جمهرة. [/]

[]ولا يكونون معك ولو كنت بينهم... [/]

[]لستَ إلا منفيًا وليسوا إلا منفيين.
منفيٌّ في المكان ومنفيٌّ في الناس.
[/]

[]منفيٌّ في الخارج ومنفيّ في الداخل.
مثلّث المنفى: منفى المكان ومنفى الآخر ومنفى الذات.
هل تجد ذاتك وطنًا لك؟ قُلْ. هل ذاتك مسكن؟
هل بينكما لغة؟ أأنتما متفاهمان؟ أليفان؟
[/]

[]تنامان على سرير واحد؟ تترافقان على الطريق؟
إني لا أرى غير عداء وخيانة.
الذات لا تخلص لصاحبها، الذات تخون.
[/]

[] لا ترافقه، تهجره، لا تنقذه، ترديه.
لا أرى غير بُعد وغياب.
لا أرى رفاقًا سوى الآفلين. لا رفاق إلا الموتى.
غابت الأمكنة وغاب سكانها. لم يعد ثمة مكان ولا قاطنوه.
[/]

[]صار خطأ ما تعلمناه عن مفهومي المكان والزمان، [/]

[]وعن الإقامة والاغتراب. تغيَّر كل شيء. [/]

[]انقلبت الحياة والإنسان والأشياء على مفاهيمها وعلى نفسها.[/]

[] دخلتْ في خلطٍ فوضوي حتى الإلغاء. [/]

[]إلغاء المكان وإلغاء الزمان وإلغاء الآخر وإلغاء الذات.
دخل الكل في منفى كليّ. دخل الكل في الغياب.
وكان هذا الغياب سيكون جميلاً لو لم يكن جرفًا جماعيًا،
[/]

[]لو لم يكن التزامًا بالركام.
كان جميلاً لو للغائب خصوصية غيابه،
[/]

[] وللملغي فردانيّة اختيار الإلغاء.
فللغياب الاختياري نصرٌ على الحضور.
[/]

[] للمنفى الخاص نصر على الانتماء.[/]

[] للغياب والمنفى نصر على الجماعة والاستيعاب والامتصاص.
هكذا، يكون المنفى نصرًا نادرًا.
[/]

[]يفوز المنفيّ بذاته ولو ليس له رفاقٌ إلا الآفلين، [/]
لو ليس له رفاق إلا الموتى.
هكذا يكون للفرد حضور.
هكذا لا يكون للفرد حضور إلا بغيابه!

[/]
Amany Ezzat متواجد حالياً