عرض مشاركة واحدة
10-01-2014, 01:56 AM   #35
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,579


انتشروا في أكثرَ من مكانٍ، نثرةً نثرة، مُتَّحِدين بالغبارِ
الذي لا يُرى وبإسمنتِ البناياتِ وبالنسيانِ الرهيب...
أتلمَّسُ أعضائي عضوًا عضوًا. إنَّني، في الواقعِ،
لا أزالُ جسدًا كاملاً، وما حَسِبْتُ أنَّي فقدتُهُ مع الأيَّامِ لم أفقِدْهُ إلاَّ في الأحلام.

حينَ بدأتِ الحربُ لم أكن أسكنُ هنا. كنتُ في الشمال.

في قريةٍ على الساحلِ أعملُ في معملٍ للسماد،
وأعودُ في المساء بينَ شجرِ الليمونِ إلى البيت.
تلكَ القريةُ على التلَّةِ الصغيرةِ كانت تبدو لي مثلَ نورسٍ على

وشكِ أنْ يحطَّ في الماءِ ويَعْدُل. سطوحُها القرميدُ لم تكن تجدُ
وقتًا للتحدُّثِ إلى أصحابها من كَثْرَةِ ما هي مأخوذةٌ بالبحرِ والسماء.
أحجارُ الجدرانِ وأشجارُ الحدائقِ استأثرَتْ وحدَها بالنظراتِ
والأصابعِ المدلّلَة. أعتقدُ أنَّ الشجرَ كانَ ينمو ويُثْمِرُ، هناك،
بفعلِ نظراتهم، والمطرُ ينزلُ استجابةً لهم.
كنتُ أراهم يحدِّقونَ في السماءِ ويعرفونَ نوايا الغيوم.
والرياحُ تمرُّ بهم أليفةً وواضحةً كأنَّهُمْ أصدقاؤها.
كأنَّهم كانوا ذاتَ يومٍ مع الرياحِ رفاقَ طريق، وتبادلوا على الدربِ أسرارَ حياتِهم.

صوتُ المذيعةُ ينقلُ أسماءَ قتلى وجرحى. إنَّهم يحصدونَ بعضَهم في الشمال،

ويحصدونَ بعضَهم في الجنوب، ويحصدونَ بعضَهم في الجبال،
ويحصدونَ بعضَهم في المُدُن. قبلَ أيَّامٍ كانوا رفاقًا.
زاروا بعضَهُمْ بعضًا وشرِبوا القهوةَ وتواعدوا للقاءِ الأحد المقبل
وفجأةً يتلاقونَ مدجَّجينَ بالسلاح. يتقابلونَ أعداءً وجُثثًا.
المذيعةُ تنقلُ أسماءَ جثثهم، وتُنهي بأغنية.

إنِّي مُحاظٌ بجدرانٍ تقيني منظرَ الخارج.

أخبروني أنَّ ناسًا هُناك ماتوا سحلاً على الطُّرُقاتِ.
ربطوهم بسيَّاراتٍ وجَرُّوهم في الشوارعِ وسطَ بكاءِ نساءٍ
وزغاريدِ أخريات، ثُمَّ رَمَوْهُمْ تحتَ الجسرِ بعدَ أن تركوا
خيطَ دَمٍ منهم على الأسفلت. أخبروني أنَّ موتًا كثيرًا
وبكاءً كثيرًا جرى على الطُّرُقاتِ، حتَّى تفتَّحَ الأسفلتُ
عن زهورٍ بشريةٍ يستطيعُ كُلُّ العابرينَ أنْ يَرَوْها،
لكنَّ المفجوعينَ وحدَهُمْ يشمُّونَ فيها رائحةَ الزهور.

أشمُّ أحيانًا مثلَ هذه الرائحةِ. هؤلاءِ الذينَ غادروني

من دونَ أن يطلبوا دمعةً أو كلمةَ وداع.
الَّذين انسحبوا بخفَّةٍ من حياتي، كأنَّ ورقةً صغيرةً سقطت في الماء.

كنتُ طفلاً حينَ كانَ أبي يُحَدِّثُني عن الحروب.

أخبرني عن ضحايا رصاصٍ وضحايا جوعٍ وضحايا مَرَض.
عن موتى لم يجدوا أحبَّاءً لدفنهم، وعن مُشرَّدي جوعٍ
يجوبونَ القُرى والمدنَ ولا يحظَوْنَ بلقمةٍ.
قال لي إنَّهُ كان واحدًا منهم، ووجدَ نفسَهُ في عُمْرِ الخامسةِ
متسوِّلاً خائبًا من بيتٍ إلى بيت، وباحثًا في الغاباتِ
عن عظمةٍ يطحنُها بالحجرِ ليستطيعَ التهامَها.
كان أبي يخبرني عن الحروب. و لم أكن افعلُ غيرَ أن انظرَ إليه.

Amany Ezzat متواجد حالياً