عرض مشاركة واحدة
10-01-2014, 01:48 AM   #34
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586


3

أنظرُ إلى أثاثِ الغرفةِ من غيرِ أن أتحرَّكَ من مكاني.

نظرةٌ صغيرةٌ قد تجعلُ هذا الأثاثَ صديقي.
لا أعرفُ لماذا أهجسُ اليومَ بالأصدقاء. كانوا يجلسونَ هنا،
على الكنبةِ، وينظرونَ إلى الحيطان. نظراتُهُمْ لا تزالُ عالقةً على الطِّلاء،
ويُخَيَّلُ إليَّ أنِّي أرى وجوهَهُمْ كذلك، كأنَّهُمْ حين رحلوا تركوا نظراتِهِمْ،
وأرسلوا وجوهَهُمْ لتتفقَّدَها فعَلِقَتْ هي أيضًا على الحيطان.

عَرَفْتُ في حياتي ناسًا رحلوا وبَقِيَتْ عيونُهُمْ سنواتٍ جالسةً

بهدوءٍ في آخرِ مكانٍ نظروا إليه. عَرَفْتُ ناسًا تعاملوا مع اعضائهم
مثلَ جَمْهَرَةٍ التقَتْ مُصادفةً في احتفال، ثُمَّ ذهبَ كُلُّ واحدٍ في طريق.
على الأدراجِ وفي الشوارعِ والساحاتِ تتوزَّعُ أعضاءٌ كثيرةٌ،
كانت تجلسُ يومًا مع أصحابِها ثُمَّ كَبُرَتْ وغادرتْهُمْ.
رأيتُ أعضاءً ضائعةً وأعضاءً غافيةً وأعضاءً تبتسم.
بعضُها كأنَّهُ وُلِدَ للتوِّ وبعضُها يموت. التقيتُ عيونًا تسهرُ
من دونِ أصحابها وأرجُلاً تمشي وحدَها على الطُّرُقات
وشِفاهًا تتكلَّمُ وحدَها مع العابرين. التقيتُ كلماتٍ
وأنفاسًا ونظراتٍ غادرَتْ أصحابَها وتحوَّلَتْ كائناتٍ جديدة.

إنَّني مع هذه الكائنات جالسٌ الآن. مع أشياءَ انسحبَتْ من ماضيها

وبدأتْ حياتَها الخاصَّةَ، وأشعرُ كأنَّ أعضائي على وشكِ الانسحابِ
منِّي لتبدأَ هي أيضًا حياتَها. في أيَّةِ حالٍ،
لم أنظرْ يومًا إلى أعضائي كشيءٍ لصيقٍ بي
بل كانت دائمًا تتمتَّعُ باستقلالِها.
يخرجُ بعضُها منِّي وأنا نائمٌ ليجلسَ على الشرفةِ.
يخرجُ بعضُها ويتمشَّى في الشارع. ومرَّاتٍ،
حينَ أستيقظُ في الصباح، أقضي نهاري في
البحثِ عن عضوٍ مفقودٍ، وأحيانًا لا أجدُهُ.

تتحرَّكُ يدي وتَكْبِسُ زِرَّ الراديو.

الخارجُ لا يزالُ نفسَهُ: الحرب.
إنِّي محاطٌ بقتلٍ فظيع. سنواتٌ مليئةٌ بالجثثِ
ولا أعرفُ كيفَ لا أزالُ هنا، بين الجدرانِ، جسدًا سويًّا.
ناسٌ كثيرون يمشون الآنَ في الخارجِ بأعضاءٍ ناقصةٍ،
باحثين ليسَ عن أعضائهم المفقودةِ لأنَّهُم على الأرجحِ نسوها،
بل عن لقمةِ خبز. وناسٌ كثيرون لم يعودوا بحاجةٍ إلى تلك الأعضاء
لأنَّهُمْ تناثروا معها في أمكنةٍ لا يعرفونَها هُمْ ولا أحِبَّاؤهُم.

Amany Ezzat غير متواجد حالياً