عرض مشاركة واحدة
10-01-2014, 01:37 AM   #33
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,575

ولا شكَّ أنَّ في التاريخِ شعوبًا انقرضَتْ
أو أُبيدَتْ بسببِ أحذيتِها أيضًا.
وأنا لا أستطيعُ أن أنكرَ أنَّ أحذيةَ إخوتي
كان لها تأثيرٌ كبيرٌ في حياتي:
في حزني الباكرِ، وحزني اليومَ، وخجلي،
وضعفي، وفشلي في الحُبِّ والحياة.
ولا شكَّ كانت سببًا في هجري المدرسة،
وتشرُّدي، ونومي على الطرقات.
حتَّى في نحولِ جسدي وتوقُّفِ نُمُوِّ طولي،
وفي جلوسي الآنَ وحيدًا
في هذه الغرفةِ التي غابَ عنها الشعاعُ،

بسببِ غيمةٍ على الأرجح،
غيمةٍ قد تُمْطِرُ، وحينئذٍ أستطيعُ أن

أقفَ على النافذةِ وأتأمَّلَ المطر.

مُذْ سَكَنْتُ هذه الغرفة لم يدخل شعاعٌ

إلاَّ ومَرَّرْتُ يدي عليه.
كانت لكلِّ تلكَ الأشعَّةِ أجسادٌ ناعمةٌ ونحيلة،
لكنَّني كنتُ أعرفُ كُلَّ شعاعٍ من ملمسِهِ.
مرَّةً كانَ ضوءَ سفينةٍ في الميناء المقابل،
وحينَ اختفى شعرتُ بوحدةٍ غريبة.
هل لأنَّها سفينةٌ فيها مهاجرون؟
ناسٌ يرحلونَ إلى بلادٍ بعيدةٍ،

يجلسونَ على المقاعدِ الخلفيَّةِ

أو يصعدونَ إلى السطح ليُرْسِلوا آخرَ
نظرةٍ إلى البيوت؟
ناسٌ كَنَسُوا البيتَ وسَقَوا الحوضَ،
ثمَّ انتزعوا عشبةً من شقٍّ قربَ البابِ ورحلوا؟

أشعلتُ سيكارةً ولَهَوْتُ بدُخانِها،

كُلُّ شيءٍ هادئٌ، حتَّى الهرَّةُ الصغيرةُ
في زاويةِ الشارعِ لا تنظرُ إليّ.

كُلُّ شيءٍ هادئٌ في هذه الغرفةِ منذُ سنوات،
وبِتُّ أعتقدُ نفسي جِدارًا وإذا خرجتُ ستهبطُ.
أحيانًا أفكِّرُ أنَّ حديدَ الغرفةِ من عظامي.
لكنَّ عظامي رقيقةٌ وهشَّةٌ
و لا رَيْبَ أنَّ هذا الجسدَ محمولٌ بدعائمَ أخرى

كيفَ مَشَتْ معي هذه العظامُ سنواتٍ دونَ أنْ

أسمعَ أزيزَها أو أرى انهيارَها المفاجئَ
على الطُّرُقات؟ غير أنِّي وحيدٌ تمامًا،
ولذلك يَخِفُّ وزني.


لماذا أتذكَّرُ أبي الآنَ؟ كنتُ طفلاً حين

أوصلتُهُ إلى القبر.
لكنَّهُمْ كانوا ينظرونَ إليَّ وكان من اللياقةِ
أن أشيخَ أمامهم.
هؤلاء الذينَ اعتقدتُ أنَّهُمْ يُحِبُّونني

لم يفعلوا شيئًا من أجلي.
لم يقولوا لي أنْ أذهبَ وألعبَ مع الأولاد.
ظلُّوا يحدِّقونَ بي حتَّى طالت قامتي
وحَمَلْتُ معهم الجثمانَ إلى القبر.
كان مُقْفَلاً بمسامير.
أليسَ أكثرَ لُطْفًا أنْ يردُّوا الغطاءَ على
الموتى بهدوءٍ كلحافٍ ناعمٍ اعتادوهُ في بيوتِهِمْ؟


علبةُ التبغِ على الطاولةِ أمامي

ويكفي أنْ أُحَرِّكَ يدي قليلاً.
لكنْ يُخَيَّلُ إليَّ أنَّها يدٌ فرغَتْ من الدم،
وإذْ تتحرَّكُ أحيانًا فبزخمِ حركةٍ قديمة.
العُمَّالُ أمامي لا يكفُّونَ عن الحركةِ
بخفَّةِ من تأكَّدَ له أنَّهُ يستأثرُ بدمِ الحياة.
حاولتُ أن أقنعَ نفسي بأنَّ الأعضاءَ المتحرِّكةَ

شيءٌ جميل،وأنَّ للرجلِ عادةً

عروقًا صغيرةً يجري فيها دمٌ نقيٌّ.
لكنَّهُ شيءٌ مقيتٌ أن تكونَ مثلَ آلةِ ضَخٍّ،
هكذا مع سائلٍ رتيبٍ كُلَّ العمر، كمن ليسَ عندَهُ شيءٌ ليفعلَهُ.

Amany Ezzat غير متواجد حالياً