عرض مشاركة واحدة
10-01-2014, 01:21 AM   #30
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

لحظات ميِّتة

1

إختفى الشعاعُ فجأةً. أعتقدُ أنَّ غيمةً تعبرُ فوقَ البيت.

أشعَّةُ الشمسِ تختفي فقط لسببيْن:
إمَّا يحْجُبُها الغيمُ أو يكونُ الوقتُ ليلاً.
وبما أنَّ الآنَ صباح، الأرجحُ أنَّ غيمةً تعبرُ.

رُبَّما قريبًا ستُمْطِرُ. حينئذٍ أستطيعُ من نافذتي أن أتأمَّلَ المطر.

الحياةُ جميلةٌ إلى درجةِ أنَّ الواحدَ يستطيعُ،
إذا ساعدَتْهُ الظروفُ، أنْ يتأمَّلَ المطر. بُرجي مائيٌّ،
وأظنُّ أنَّ كوكبًا في الفضاءِ يذوبُ أحيانًا ويسيلُ هنا أمامي.
وَهْمٌ لطيفٌ احملُهُ وأتقدَّمُ إلى النافذة. أفتحُ الزجاجَ
وأنظرُ إلى السيَّاراتِ والاسفلتِ الجافِّ والعُمَّالِ المُتْعَبِين.
لماذا يتعبُ هؤلاء العُمَّال؟ أنا نفسي كنتُ أتعبُ أحيانًا
ويَنْضَحُ منِّي العَرَقُ، لكنَّني كنتُ أندمُ بعدَ ذلك واستريحُ سنوات.
عَرَقُ الجباهِ مقيتٌ، لا بل مُخْجِلٌ. وشيءٌ مقزِّزٌ أنْ تنهضَ من
النومِ لتعريقِ نفسك. تَمُرُّ سيَّارةٌ وتتركُ وراءَها غُبارًا خفيفًا.
هِرَّةٌ نائمةٌ في الزاويةِ تفتحُ عينيها ثُمَّ تُغْمِضْهُما. أُغْلِقُ النافذةَ وأعودُ ببطء.

اليومَ أيضًا سأستريح. يمكنني أن أعيشَ كُلَّ شيءٍ ببهاءٍ كُلِّيٍّ

وأنا أجلسُ هنا على الكَنَبَةِ أو أتمشَّى على البلاطِ وأنظرُ إلى الجدران.
أربعُ أو خمسُ ساعاتٍ من الحياةِ في اليومِ تكفي. بعدَ ذلكَ قد أخرجُ،
أتمشَّى قليلاً في المدينةِ، ألتقي أصدقاءَ بالصدْفَةِ، أشتري قنِّينةَ عَرَقٍ وأعود.
قد يحدثُ أيُّ شيءٍ بغتةً. زيارةُ غريبٍ، موتُ صديقٍ،

قشعريرةٌ مفاجئةٌ لرجلٍ يمشي في الشارع. هكذا بمحضِ الصدفة.
وحينئذٍ لن يتغيَّرَ شيء. قد أخرجُ إلى الشرفةِ، أُلقي نظرةً على حوضِ الزهور
وأدخلُ من جديد. قد أبتسمُ وقد لا يتبدَّلُ ملمحٌ في وجهي.
وجهي مستديرٌ وجامدٌ كشيءٍ أخذ شكله نهائيًّا،
وأنفي مُسْتَدِقٌ قليلاً كمنقادِ طيرٍ مقصوص. عينايَ سوداوان.
وحينَ أفتحُ فمي يخرجُ منه لهاثٌ بسيط. رُبَّما أيضًا كلماتٌ قليلة.
قليلةٌ وخافتةٌ حتَّى أنَّني أحيانًا لا أسْمَعُها أنا نفسي.
في الواقعِ ليس عندي أبدًا ما أقوله.
مع ذلكَ أجدُ نفسي مِرارًا مُضْطرًّا للكلام.

لا أعرفُ لماذا عليهم أن ينتظروا كلامًا في كُلِّ مرَّة يجلِسون معي،
وبعد ذلك أمرضُ. يُخيَّلُ إليَّ أنَّ الحياةَ صديقٌ صامتٌ،
وإذا تَكَلَّمَتْ يُصابُ أحدٌ بالسرطان. أعرفُ صديقًا ماتَ لهذا السبب.
هل الحياةُ مريضةٌ هكذا بسبب الأصوات؟ تمرض وتموتُ لأنَّ البشرَ يتكلَّمون؟
بين غرفةِ النومِ وغرفةِ الجلوس ترتفعُ يدي لترتِّبَ شَعري. مسافةٌ قصيرةٌ،

مع ذلكَ يُخيَّلُ إليَّ أنَّ شاحناتٍ سريعةً وأصواتًا غريبةً تقطعُها،
ويجبُ فعلُ أيِّ شيءٍ للوصول إلى مقعد. أُمَرِّرُ يدي على شَعري،
وهي التي لا تحملُ شيئًا يمكنُها بسهولةٍ أن ترتفعَ إليه.
شَعري طويلٌ، وكَكُلِّ الذين ينامونَ يتشعَّثُ في الليل،
غير أنِّي أُمَرِّرُ يدي عليه دائمًا ليبقى صديقي.
يصبحُ العالمُ أجملَ هكذا، حين يكونُ الشَّعْرُ صديقًا.
العالمُ قريبٌ من القلبِ مع الأعضاءِ الصديقة.
حينَ تُحِبُّكَ أعضاؤكَ ينقصُ عددُ الأعداء.
حتَّى أظافرُكَ التي تجمعُ الغبارَ، تكونُ تجمعُ شيئًا مُحَبَّبًا.
أتقدَّمُ خطوتين وأصلُ إلى النافذة. لا يزالُ العمَّالُ أنفسَهُمْ

والأسفلتُ والسيَّارات، والقطَّةُ تنامُ في الزاوية.
أصواتٌ تَصِلُ إليَّ من وراءِ الزجاج وأشعرُ أنَّها أصواتٌ جميلة.
حتَّى الناسُ يبدونَ رقيقِين من بعيد.

Amany Ezzat متواجد حالياً