عرض مشاركة واحدة
10-01-2014, 12:49 AM   #25
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,580

ذاك النهار

حينَ كانوا يَجْرُفُونَ حجارةَ بيتِهِ
لم يكن له أنْ يَنقُلَ حتَّى أعضاءَهُ وذكرياتِهِ من رُكامِها
الركامُ ذاكَ، كانَ حياتَهُ
وارتطمَتْ حياتُهُ به
في جُرْفِ ذاكَ النهار
مراراً.

كانوا يجرفونَ أيَّامَهُ كما يجرفونَ الثلوج
وناسٌ و حقولٌ تذوبُ
في عينيه ويَدمعها
نقطةً نقطة
على أغراضِ البيتِ، على المِعْوَلِ، على خابيةِ الزيْت
وعلى جرَّةِ الماءِ التي ملأَها هذا الصباحَ وكانَ
سيسقيهم ماءً باردًا.


رفاق

جلسَ على الشرفةِ
مُحاولاً أنْ يصافحَ أصابعَ ريحٍ
تَلْهو بشَعْرِهِ،
قالَ: يدٌ
حينَ هزَّتْ الريحُ الوردةَ
حينَ ابرقَتِ السماءُ قالَ: نظرةٌ
وقالَ لا بُدَّ بسمة
افلتَتْ من ثغرٍ ذاتَ يومٍ في الهواء
وقد تَصِلُ الآنَ
وتجلسُ معي.
جلسَ على الشرفةِ
مُحاولاً أن يستعيدَ وجوهًا
ليملأَ حواليهِ
المقاعدَ الفارغة.

قال

قالَ كانتا شبيهتيْنِ: الحَبَقَةُ في الركنِ
وأمُّهُ
ما كانَ الناسُ يُمَيِّزُونَ بينهما
يقولونَ صباحَ الخيرِ لأمِّهِ
تردُّ الحبقةُ
يقولونَ للحبقةِ
تردُّ أمُّهُ
وقال: ما كلُّ الذي كانَ في يديها عروقٌ
بل شُرُوشٌ من نباتِها
وكانت راحتاها ورقتيْن
عيناها زهرتيْن
وحينَ تمرُّ في الحيِّ تفوحُ
كلُّ الحقولِ من ثيابِها.
وقال كانا توأميْن: والدُهُ و الشجرة
يُلقي ذراعَهُ عليها
وتُلقي غصنَها عليه
تخضرُّ حينَ تراهُ
وتصفرُّ حينَ يمرضُ
وإذا ضربتْها الريحُ
تُصيبُهُ رجفة.
قالَ ومشى
صَوْبَ البابِ
لفَّ سيكارةً
ومضى.



حياة

كانَ، تقريبًا، يبدِّدُ الوقتَ
رسمَ إناءً
رسمَ زهرةً في الإناء
وطلعَ عطرٌ من الورقة،
رسمَ كوبَ ماء
شربَ رشفةً
وسقى الزهرة،
رسمَ غرفةً
وضعَ في الغرفةِ سريرًا
ونام
... وحينَ استفاقَ
رسمَ بحرًا
بحرًا عميقًا
وغَرِقَ.


وجهه

رسمَ وجهَهُ ورآه
يشبهُ وجهًا آخرَ
أضافَ خطوطًا وملامحَ
أضافَ تعرُّجاتٍ
ساحاتٍ
طُرُقاتٍ
... مزَّقَ الورقةَ
واختفى.


أسماء الموتى

أسبلَ أصابعَ يدِهِ وعدَّ أسماءَ موتاه
وعدَّ أصابعَ يدِهِ الأخرى
أضافَ عددَ الألوانِ حواليه
غصونَ الشجرةِ أمامَ البيت
نباتَ الدربِ
أوراقَ الغابة

.. وقبلَ أن ينامَ
أضافَ اسمَه.


غريق

رفعَ يدَهُ
كأنَّهُ كانَ يريدُ
أنْ يقولَ كلمة.

معهم

تركوا في الساحةِ ندىً من قُراهُمْ
واختفوا وراءَ الجبلِ،
ورقَ خَسٍّ، نقاطَ زيتٍ، ريشَ دجاج
ونسائمَ تباطأَتْ
من ظلالِهِمْ.
حملوا غلالَهُمْ من الجبال
فلشوها على الأسفلت
باعوُها
وعادوا،
والريشُ الذي تركوهُ في الساحةِ طار
وعادَ معهم.


أمي

وضعَتْ آخرَ نقطةِ ماءٍ في دَلْوِها على الحَبَقَة
ونامت قُرْبَها
عبَرَ القمرُ وجاءتِ الشمس
وظلَّتْ نائمةً
الذين كانوا يسمعونَ صوتَها كُلَّ صباح
لفنجانِ قهوةٍ
لم يسمعوا صوتَها
نادوها من سُطَيْحاتِهِمْ، نادوها من الحقولِ
لم يسمعوا صوتَها
وحينَ جاؤوا
كانت نقطةُ ماءٍ لا تزالُ
تَرْشَحُ من يدِها وتزحفُ
إلى الحبقة.

أبي

قبلَ أنْ يصيرَ وجهُهُ غابةً
مَرَّ شجرٌ كثيرٌ على يديه،
كانَ كالدروبِ التي
يَقْعُدُ على سُلَّمِهِ وينظرُ إليها
كحجارةِ بيتِهِ التي ظنُّوا أنَّها ستميلُ
ورقيقًا كعُشْبٍ وأيضًا
كالبواشِقِ المهاجرة.

لم يَقُلْ شيئًا قبلَ أنْ تحوَّلَ
وجهه غابةً
فقط شجراتٌ قليلةٌ منها صارتْ بيضاءَ
حينَ الثلجُ على الجبلِ المُقابلِ كان يرحل
وشجراتٌ مَدَّتْ جذورَها وطلع
دَغْلٌ صغيرٌ من ترابِهِ.

بيننا

نجلسُ صامتِينَ حالمِينَ طافحِينَ
بأفكارٍ تُصَفِّقُ كأوراقِ اللَّوْزِ بيننا
نُفكِّكُ أعضاءَنا ونصفُّها واحدًا واحدًا على الطاولةِ
العيونَ في الوَسَط
الأصابعَ على الحافَّة
القلوبَ خَدَمًا يتجوَّلُونَ بيننا
ونستضيفُ أحلامًا تدخلُ من الأبوابِ
وأحلامًا من ثقوبِ الجدار
ونُعِدُّ مأدبةً لضيوفٍ
يتدفَّقونَ عائدينَ
من الموتِ إلينا.
كانَ بيننا، ذاتَ يومٍ، قَسَمٌ ألاَّ نفترِقَ
شرَّعْنا الأبوابَ والنوافذَ
دَعَوْنا الجيرانَ والمارَّةَ والنسيمَ
ورطوبةَ العُشْبِ كي تدخلَ
وتتدفَّأَ عندنا،
كانَ بيننا قلبُ لَوْزٍ
اقتسمناهُ على الطريق
ودخلْنا.

Amany Ezzat غير متواجد حالياً