عرض مشاركة واحدة
09-25-2014, 01:48 PM   #8
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

الضوء الأبيض



والذى رفع السماء بغير عمد، وحق الساعة ويوم الحساب؛
حين أطل وجهها على هذا الآدمى.. شفّت عيناه بصفاء مذهول،
وسرى همسه فى مقطعين: أولهما شهيق مفاجئ مع وقفة جبرية،
وحروف تعلقت باللسان فى سقف الفم.
والثانى تنهيدة مسترخية تهادى معها اللسان هابطًا لمستقره.
الله! ظلت شفتاه منفرجتين حتى تلاشى زفيره الهادئ النسيمى،
ثم أطبقهما مبتسمًا مخرجًا نفسه من الحالة.

وضعت صينية الشاى فوق المكتب الرصاصى،
وتكلمت وسألت عن حال "محمد"، ورد الآدمى بما تيسر من كلام.
ابتسمت واستدارت ونقلت خطوات مست الأرض فى شبه مس،
وسحبت الباب لا كما تسحب الأبواب،
ليبقى الآدمى مع "محمد" وليس مع "محمد"،
ويردد كلمات ما هى بكلمات فى درس العلوم عن الضوء.
وجد نفسه مبتهلاً ضارعًا: سبحان الذى سخر لك هذه أبا "محمد"،
وإنا إليه لمنقلبون. ويا للملائكة والجان وسائر الكائنات
غير المنظورة وهى تشهد اجتماعك بهذه الآدمية،
وتسمع تحاوركما فى أمور الدنيا والولد الوحيد "محمد"
وبعض ما يجلب الفتنة والعين التى عليها حرس.
وحين يفيق الآدمى لدرسه تراه ينظر إليك يا "محمد"..

جميل أنت يا "محمد" بشعرك الأشهب وعينيك الخضراوين الزاهيتين.
لك بشرة بيضاء كريمية، ويدان بأصابع قصيرة من السمن الخالص.
تنسحب ساقاك من تحت الشورت القصير سحبة مصبوبة
فى قدمين تشبهان سمكتى بلطى! لابتسامتك إشعاع
يلف فى أرجاء الحجرة، ويبدو أنه دار برأس أستاذك فرده من غيابه.
سيمضى فى كلماته بعينيه المقلوبتين فى المروحة الدائرة بالسقف:
الشمس يا "محمد" هى المصدر الأول والرئيس للضوء
على سطح الأرض، وضوء الشمس الذى نراه ليس أبيض كما نعتقد.
إنه يتحلل فى قوس قزح لسبعة ألوان هى ألوان الطيف.
والشمس هى التى نمشى فى رحابها وتمنحنا ظلالاً نتميز بها
ونجرها خلفنا وأمامنا. وهى.. وهى.. ويأخذك الآدمى يا "محمد"
بكلماته إلى أمور لا تفهمها، فتنصرف لذيل الصفحة
تخطط عليها شمسًا ضاحكة. وحين يعود إليك يديم النظر
والتلفت والتحديق فى رفيف ريش المروحة بدائرته الواهية.
من الآن عليك أن تمضى فى خطوطك المتقاطعة
بشموس وأقمار وأشجار.

تطرق الآدمية الباب طرقات لا يسرى معها دق العظم على الخشب،
إنه دق حشية من ريش على باب مبطن بالحرير.
تدخل مؤطرة وجهها بسواد دائر حول طبق من القشدة.
تمد يديها بصينية الشاى وتستقيم واقفة.
يصل للآدمى صوت اصطكاك الملعقة فى الكوب
وحفيف الصينية فوق المكتب المعدنى، على هيئة صدى موسيقى.
تدهشه الأصابع ويفكر أنها صالحة للرسم وبطون الوسائد.
تخرج كلماتها هامسة بالسؤال عن "الأفندى"،
فيرد بأنك صرت تسرح كثيرًا فى الحصة يا "محمد".
تعنفك بالانتباه وأخذ البال، وتقول للآدمى أن يشد عليك.
تنسحب آخذه رائحة عجيبة تجىء وتذهب معها.
يجفف الآدمى عرقًا وهميًا ويرى فى قلب المروحة
شمسًا تغلى بدوران نارى، وهو فى القلب متطوحًا
مهروسًا فى دوائر متلاطمة.
Amany Ezzat متواجد حالياً