عرض مشاركة واحدة
09-24-2014, 08:04 PM   #60
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

الفصل الثامن عشر

إلى ريتشموند بصحبة استيلا

في ذات يوم تلقيت رسالة بالبريد , أثار مجرد غلافها الخارجي
نشوة عظيمة في نفسي , إذ أنه لم يسبق لي أن رأيت الخط
الذي كتيت به , فقد تعرفت على صاحب الخط . تقول الرسالة :
(( يُفترض حضوري إلى لندن بعد يوم غد بعربة الظهر .
أعتقد بأنه تم الاتفاق بأن تحضر للقائي . على كل حال ,
هذا ما تراه الآنسة هافيشام , وأكتب رسالتي تقيداً بذلك .
إنها ترسل لها تحياتك ــ المخلصة : استيلا . ))
لو كان لدي الوقت الكافي , لأوصيت على بضع
بدلات لهذه المناسبة , لكن بما أن الوقت ضيق ,
فلابد بأن أقتنع بما لدي . تلاشت شهيتي في الحال ,
ولم يهدأ لي بال إلى أن حل ذلك النهار ,
ولم يهدأ لي بال حينذاك , إذ رحت أتردد على
مكتب العربات حتى قبل أن تغادر العربة (( البلو بور )) في بلدتنا .
ووصلت النافذة أخيراً ورأيت وجه استيلا ورأيت يدها تلوح لي .
بدت استيلا في ثياب السفر أكثر جمالاً ورقة مما كانت عليه
في السابق حتى بالنسبة لعيني . كان تصرفها أكثر جاذبية
مما سبق لها أن اكترثت بإظهاره نحوي , فاعتقدت أني
كنت أشهد تأثير الآنسة هافيشام في ذدد التغيير .
وقفنا في باحة النزل وأشارت لي إلى حقائبها ,
وحين تم استلامها جميعاً تذكرت ـ بعدما نسيت كل شيء
في غضون ذلك ما عداها ـ فأنني أجهل المكان الذي تقصده .
فقالت لي : " إني ذاهبة إلى ريتشموند ,
والمسافة هي عشرة أميال . علي أن أستقل عربة ,
وعليك بمرافقتي . هذه محفظتي , وعليك دفع الأجور منها .
أوه , لابد أن تأخذ المحفظة . ليس لدينا خيار أنا وأنت
سوى التقيد بالتعليمات . " علينا أن نرسل بطلب عربة يا استيلا ,
هلّا ترتاحين قليلاً هنا ؟ " بلى , علي أن أرتاح هنا ,
وأن أتناو بعض الشاي , وعليك الاهتمام بي في هذه الأثناء . "
تأبَّطت ذراعي وكأن ذلك كان هو المفروض ,
وطلبت من خادم كان يحدق بالعربة كرجل لم يسبق أن
رأى مثل ذلك الشيء في حياته , أن يقودنا إلى غرفة جلوس خاصة .
فأرشدنا إلى غرفة في الطابق الأعلى , وطلبت الشاي لاستيلا .
سألتها : " إلى أين أنت ذاهبة في ريتشموند ؟ "
قالت : " سأسكن لقاء نفقة كبيرة مع امرأة تدعى السيدة براندلي ,
وهي تستطيع اصطحابي هنا وهناك , والعمل على تقديمي
وتعريف الناس علي وتعريفي عليهم ."
" أظنك ستسعدين بالتغير والإعجاب . "
" أجل , أعتقد ذلك , هلأنت سعيد مع السيد بوكيت ؟ "
" أعيش هناك بسرور , على الأقل بسرور
كأي مكان أكون فيه بعيداً عنك . "
فقالت بهدوء : أيها الأحمق , كيف تنطق بمثل هذه التفاهات ؟
صديقك السيد ماثيو باعتقادي أفضل من باقي عائلته . "
" بلغني أنه بالفعل من أصحاب الإيثار ,
وأسمى من الحسد الوضيع والكراهية . "
" يقيني بأن لدي كل سبب يحمل على هذا القول . "
قالت : " وليس لديك كل سبب لقول ذلك عن باقي قومه ,
فهم دائماً ما يرسلون تقارير ليست في مصلحتك إلى الآنسة هافيشام .
وقلما تستطيع إدراك مدى الكراهية التي يضمرها هؤلاء القوم حيالك . "
" آمل ألا يتسببوا لي بالضرر . "
انفجرت استيلا بالضحك بدلاً من أن تجيب , وقالت :
" كلا , كلا , كن على يقين من ذلك . تأكد بأنني
أضحك لأنهم يفشلون . يا لهؤلاء القوم ويا للعذاب الذي يتذوقونه ! "
ضحكت ثانية , وقد بدا أن ضحكتها لا تنسجم مع الموقف ,
فتبادر إلي أنه بالفعل هناك ما يتجاوز حدود معرفتي بالأمور .
وأضافت تقول : " كن مطمئناً بأن هؤلاء القوم
لم ولن يُضعِفوا من مركزك لدى الآنسة هافيشام
حتى بعد مائة عام . وإضافة إلى ذلك , فإنني مدينة لك لأنك السبب
بانهماكهم وبعدم جدوى حقارتهم , وهاك يدي عربوناً لذلك . "
حين مدت لي يدها بدلال , أمسكت لها ووضعتها على شفتي .
فقالت : " أيها الفتى السخيف , ألا تأخذ بالتحذير ؟
أم أنك تقبل يدي بذات الروح التي سمحت لك بها مرة تقبيل خدي ؟ "
قلت : " أي روح كانت تلك ؟ "
" علي التفكير للحظة . روح الازدراء بالمتآمرين . "
" إن قلت نعم , فهل لي أن أقبل خدك ثانية ؟ "
كان عليك السؤال في أن تلمس اليد .
لكن نعم , إن كنت ترغب في ذلك . "
انحنيت وكان وجهها الهادئ كتمثال , فقالت وهي تنسل مبتعدة
فور لمسي خدها : " والآن عليك الاهتمام بتناولي الشاي ,
وعليك مرافقتي إلى ريتشموند . "
قرعت الجرس لطلب الشاي , وبعد أن أتى الشاي
وتم تناوله ودفع الحساب , صعدنا العربة وانطلقنا بعيداً .
وحين مررنا بهامر سميث , أشرت ها أين يعيش السيد بوكيت ,
وقلت أنه لا يبتعد كثيراً عن ريتشموند ,
وبأنني آمل لقاءها من حين لآخر .
" أوه , بلى , يجب أن تراني , وأن تأتي حين تجد الوقت مناسباً .
يجب أن يجري ذكرك لدى العائلة ؛ في الواقع فقد تم ذكرك هناك . "
وصلنا ريتشموند أسرع مما كان متوقعاً ,
وكان المكان الذي نقصده منزلاً قديماً لا بأس به ,
فظهرت عند الباب حين قرعت الجرس خادمتان جاءتا لاستقبال استيلا .
أعطتني يدها بابتسامة , وتمنت لي ليلة سعيدة ثم توارت في الداخل .
مكثت أحدق للمنزل وأنا أفكر بالسعادة التي سأنعم بها لو أنني
أعيش معها هناك , وأنا مدرك بأنني لم أسعد معها أبداً ,
بل كنت في تعاسة دائمة .

Amany Ezzat غير متواجد حالياً