عرض مشاركة واحدة
09-19-2014, 08:12 PM   #18
علا الاسلام
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: عيد ميلادك احلى عيد
المشاركات: 4,554






بعد رسالته « البلاغة تتنهد »
انقطعت عنه كتبها زمنها بحكم الدلال،
أو كأنها تستغفر بالسكوت مما خطته …
فكتب هذه الرسالة.




وكم حار عشاقٌ ولا مثلَ حيرتى *** إذا شئت يوماً أن أسوء حبيبى
وهل لى قلب غير قلبى يسوؤه *** ويأخذ لى فى الكبرياء نصيبى؟
ألا ليت لى قلبين : قلب بحبه *** مريض، وقلب بعد ذاك طبيبى
ويا ليت لى نفسين:من رئم روضة *** ألوف، ومن ذى لبدتين غضوب
وكيف بقلب واحد أحمل الهوى *** عجيباً على طبعى وغير عجيب
فوالله إن الحب خير محاسنى *** ووالله إن الحب شر عيوبى



هذه رسالة لن أبعث بها،
رسالة مني أنا وإليّ أنا،
أكتبها اليوم لأقرأها غدًا،
فقد — ولله— كاد هذا الحب يجعلني على اختلاف أيامه
أشخاصًا مختلفين متناكرين،
حتى إنه ليحتاج شخص الغد أن يتعرف ماذا كان خبر شخص الأمس؟
أكتبها لنفسي، ومتى تنفس غد هذا اليوم النحاسي من فجره الذهبي،
وأخذت تتسلى
هموم يوم في يوم آخر،
وضربت موجة من الزمن موجة أخرى فهزمتها إلى الساحل
الذي تموت فيه الأمواج، ساحل النسيان المحيط ببحر الحوادث؛
لتتكسر عليه أمواجها العاتية ضربة ضربة.
ثم تنسحق وتتلاشى — فحينئذ أقرأ في رسالتي هذه
تاريخ الألم الذي بلغ مني الغيظ،
ودكَّ أطوادًا شامخة من الصبر كنت ألوذ بها في رمضاء الحب،
حتى عادت ظلامًا كظلال الحصى لا تفيء إليها النملة …



وأقرؤها ثم أمزقها من سطرها الأعلى إلى سطرها الأسفل،
ثم أنحي عليها من كل جهة تقطيعًا حتى أدعها مزقًا بعدد كلماتها،
ثم أبسط بها كفي إلى الريح، وأقول لها:
أيتها الريح التي لا يستطيع أن يرد هبوبها أحد
ولا أن يلويها عن وجهها،
إن هذا كله ريش طائر من طيور الحب ذبحه الهجر
فخذيه إلى حيث لا تلتقي واحدة بواحدة، وانثريه في أمكنة منسية،
فإنك تبعثرين به خفقات هذا القلب الذي يحاول أن ينسى!



واهًا لحوادث الحب،
كأنما هي تقع لتغير من الحياة في أيام قليلة
ما يغير العمر الممتد في سنوات متطاولة.
سل الشيخ الفاني الذي أوفى على المائة
فأصبح عمره في الإنسانية صفرين إلى عود …
سله: من أنت؟ يقل لك: أنا الذي كنت أنا من أربعين!
بل خمسين بل ستين سنة، …
وسل المحب الذي أضناه الحب. من أنت؟
يقل لك: أنا الذي كان هو من شهر أو شهرين أو ثلاثة ! …
وسلني أنا في الهجر لا بل دعها هي تسألني …
ألا إن شر الحوادث هي تلك التي تنزل بنا فلا نعرف منها
إلا أننا كنا نعيش من قبلها، وتتقدم الحياة يومًا بعد يوم،
ولكن الحي جامد في مكانه من الزمن على ألم يتوجع
له ما يبرح أو ذكرى يحنُّ إليها ما يزال!



أنا منذ شهر أرقب منها كتابًا ولا يأتي كتابها،
ففي كل يوم غضب على أثارة قبله،
وكنت أرى أن الحب هو الطريقة التي يعثر بها الإنسان على روحه
وهو مغشي بماديته، فيكون كأنه في الخلد وهو بعد في الدنيا
وأكدارها، فأصبحت أرى الحب كأنه طريقة يفقد بها الإنسان
روحه قبل الموت، فيعود كأنه ضارب غمرة من الحميم
وهو قارّ في نسيم الدنيا!



ليس لي ولله من شدة حبي إياها إلا أن أبغضها
وأتجهمها بالكلام النافر الغليظ،
وأقول لها … نعم أقول لها، ثم أقول لها:
قبح لله الحب إن كان مثل وجدي بك: لا يؤتي الحياة جمالها
إلا يسلبها حريتها واستقرارها معًا!
وأقول لها، ثم أقول لها: لقد أوقعتني من حبك وهجرك
بين الشرِّ والذي هو شرٌّ منه …
وأقول لها أيضًا: لقد يكون ما نراه من حب المرأة الجميلة
فنظنه أبدع ما تحسنه من الرقة والظرف،
هو أبدع ما تتقنه من صناعة الكذب بوجهها …!




ولكن هل تصدق شيئًا من هذا، وهي تعلم من فلسفتها،
أن إرادة البغض إنما هي أقوى دليل على وجود الحب،
وهي التي قالت لي ذات يوم: إن ازدراءرجل محب
لامرأةٍ يحبها .. هو حب جديد!

يا ويحي، ماذا أصنع؟
إن سكتُّ علمتْ علم السكوت، وقالت: محب يأكلُ الغيظ من قلبه،
وإن غضبت لم يفتها معنى الغضب، وقالت: محب يلتمس أسباب الرضا،
وإن زعمت السلوة كان الزعم من حجتها، وقالت: محب يصور قلبه غير تصويره!






نتابع

__________________

signature

علا الاسلام غير متواجد حالياً