عرض مشاركة واحدة
09-17-2014, 11:24 AM   #13
علا الاسلام
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: عيد ميلادك احلى عيد
المشاركات: 4,552





صلاة فى المحراب الأخضر
شجراتى



«ولما غضبت ويبس ما بينهما، ضاق بهجرها،
فانصرف إلى شجرات كان يخلو إلى نفسه في
ظلها ونضرتها ونسيمها وما فيها وما حولها،
وظن أنها تنبت شيئًا في جدب الهوى
أو ترمي بظل على رمضاء القلب
فكان في وهمه كالذي يحاول أن يجد نساء من الشجر
… وهناك كتب هذه الرسالة في الربيع،
ثم التي بعدها في الشتاء»



لي صديقات من الشجر أعرفهن ويعرفنني منذ سنوات،
وهن ينزلن مني بعض الأحيان منزلة الحب؛
لأن فيها شيئًا من دلال النساء الخفرات أجد أثره في قلبي،
ولا أجد برهانه في لساني،
فإذا هممت أن أبين عنه وأبتغيه بالعبارة أخفته العبارة
حتى لا يزيده البيان إلا غموضًا وسوء معرض،
ولكن إذا مضيت أفكر فيه تبينته أشد تبين
فأحسست في ظلهن المستحي ونسيمهن المتنهد
وغصونهن المنثنية — شمائل حبيبة إلى نفسي،
ورأيت لها معاني لا تقع إلا في القلب،
ثم لا تقع منه إلا في الموضع الذي مسته
يومًا نفحة أو قبلة أو تنهد.



وإنما قيمة الأشياء بما فيها من أثر القلب
أو بما لها في القلب من الأثر،
ولرب شيء تافه لا خطر له ولا غناء فيه،
ثم يكون في يد محب من حبيبه النائي أو الممتنع الهاجر
فإذا هو قد تحول بموقعه من القلب إلى غير حقيقته،
فأطلعه الهوى من مطلع آخر ليس في الطبيعة، فيرتفع ثم يرتفع،
حتى كأنه عند صاحبه ليس شيئًا في الدنيا بل الدنيا شيء فيه،
ويكون ما هو كائن، ومع ذلك تنبعث منه روح ذات جلال
أقل ما فيه أنه فوق الجلال الإنساني.



تقوم شجراتي على مسيل من الماء في قاصية بعيدة عن المدينة،
وتراهن فوق الماء صفا إحداهن إلى إحداهن
كأن هناك بقعة من الجنة قامت فيها قصور الزمرد
على طريق أرضها من الفضة البيضاء المجلوة.
وأراهن كل سنة يتجردن من الأوراق؛
ليكتسين أوراقًا مثلها لا تخلفها في شيء من الهيئة،
ولا تباينها في معنى الطبيعة،
ولكن بين ما يخلعن وما يلبسن تزيد فيهن الحياة،
وتشب الروح، وتتجدد القوة فتلقي الشجرة أوراقها،
وتستقبل الشتاء مقشعرة جرداء؛
لتظهر في الربيع كاسية: جميلة جديدة في حسنها،
تتبرج بروحها قبل ثيابها، كالحسناء الفاتنة
أو ما يتحرك في دمها الحب …



كذلك لا تتبرج الروح إلا خارجة من شقاء أو مقبلة على شقاء،
وما أشبه الحب في الناس بهذا الربيع في الشجر:
هو الطريق الأخضر يمتد إما إلى الجدب واليبس والألم،
وإما إلى غاية منسية مهملة في الجفاء أو السلوة!



وذهبت في ضحوة النهار إلى صديقاتي
أحييهن كعهدي بين حين وحين،
وما أكرمه عهدًا لمن لا يختلفن من ملل،
ولا يتغيرن من كذب، ولا يتبدلن من خيانة،
فلما جئتهن تحفين بي وتناولني قلبي يمسحنه ويتحببن إليه،
وأقبلن يغازلنه، ويأخذن فيه مأخذ من تحب فيمن يحبها،
حتى لم أشعر منه إلا ما أشعر من زهرة فيها أرجها العاطر،
أو ثمرة فيها ماؤها الحلو، أو نبتة فيها لونها الأخضر…









نتابع
__________________

signature

علا الاسلام متواجد حالياً