عرض مشاركة واحدة
09-14-2014, 08:44 PM   #11
علا الاسلام
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Aug 2010
الدولة: عيد ميلادك احلى عيد
المشاركات: 4,552











وكانت تأنس بضوء القمر، ويعجبها نوره على الحديقة خاصة،
فسألته مرة أن يناجي هذا «الجميل» في رسالة،
فقال حبا وكرامة..(للقمر) وكتب:
إني لأراك أيها القمر منذ علقت معاني ما أرى،
ولكني لم أعرف أنك أنت كما أنت إلا بعد أن وضع الحب فيها
بينك وبين قلبي وجه من أهواها، كما يوضع التفسير إلى جانب كلمة دقيقة …
عندئذ وصلتك قرابة الجمال بوجهها فاتصل بك شعوري؛
وبتّ على بعدك في أفلاك السماء تسبح أيضًا في دائرة قلبي،
واستويت متسقًا كأن عملك لي أن تتمم فن جمالها بإظهارها أجمل منك،
وأمسيت عندي ولك مثلها شكل السر المبهم المحيط بالنفس المعشوقة:
يدخل كل جمال في تفسيره، ولا يكمل تفسيره أبدًا!



ومن شبهك بوجهها أزهر الضوء فيك ما يزهر اللحم والدم فيها،
فتكاد أشعتك تقطف منها القبلة،
ويكاد جوك يساقط من نواحيه تنهدات خافتة،
وتكاد تكون مثلها يا قمر مخلوقًا من الزهر والندى وأنفاس الفجر!

أما قبل حبها فكنت أراك أيها القمر بنظرات لا تحمل أفكارًا.
كنت جميلًا، ولكن جمال ورق الزهر الأبيض،
وكنت في رقعتك المضيئة تشبه النهار مطويٍّا بعضه على بعض
حتى يرجع في قدر المنديل، وكنت ساطعًا في هذ الزرقاء
ولكن سطوع المصباح الكهربائي على منارة قائمة في ماء البحر،
وكنت زينة السماء ولكن كما تناط مرآة صغيرة من البلور إلى حائط
فتشبه من صفائها موجة ضوء أمسكت ووضعت في إطار معلق!



وكنت يا قمر … كنت ملء الوجود، ولكنك ضائع من فكري!
وأما بعد حبها فأمسيت أراك أيها القمر ولست إلا طابع لله
على أسرار الليل في صورة وجه فاتن،
كما أن كل وجه معشوق هو طابع لله على أسرار القلب الذي يحبه.
وأنت فاتن تحاكي في ضوئك وجهها لولا أنك بلا تعبير.
وأنت ساطع بين النجوم،
ولو تجسمت صورةٌ من أجمل ضحكاتِ ثغر معشوق لكانت،
ولو تجسمت القبلات المنتثرة حول هذا الثغر لكانتها!
وأنت زينة السماء، ولكن السماء منك كمرآة سحرية
اطلعت فيها حورية من حور الجنة
فأمسكت خيال وجهها في لجة من النور،
فأنت خيالُ وجهها!



وأنت يا قمر … أنت ملء الوجود، ولكنك أيضًا ملء فن الحب …!
أتذكر أيها القمر إذ طلعت لنا في تلك الحديقة …
وتفيأتَ بنورك عليها فغمرت أرضها وسماءها بروح الخلد،
حتى وقع في وهمنا أنك وصلتها من سحر أشعتك
بطرف من أطراف الجنة فهي ناحية منها؟

أتذكر وقد رأيتك ثمة قريبًا من الحبيبة تصب عليها النور
حتى خيل إليَّ أنها إحدى الحور العين متكئة في جنتها
على رفرف خضر وقد وقف لخدمتها قمر؟



أتذكر إذ نزلت علينا بآيات سحرك فخيلت لي أن العالم
قد تحول فيها إلى صورة جميلة مرئية أمست لي وحدي،
فملكت العالم كله في ساعة من حيثُ لم أملك إلا الحب؟
أتذكر ساعةَ جئتها بها مِن فوق الزمن، وكان فيها للحديقة جو من زهر،
وجو من قمر، وجو من امرأة أجمل من القمر والزهر؟


أترى يا قلبي كأن مدينة الحياة في النهار بصراعها وهمومها
تحتاج إلى قفر طبيعيٍّ يفر إليه أهلُ القلوب الرقيقة بضع ساعات،
فلذلك يخلق لهم القمر صحراء واسعة من الضوء
يجدون فيها بعد تلك المادية الجياشة المصطخبة روحانية الكون،
وروح العزلة، وسكينة الضمير،
ويبدو فيها كل ما يقع عليه النور كأنه حي ساكن يفكر.



أترى يا قلبي كأن ضوء القمر صنع صنعة بخصائصها؛
ليبعث في القلوب معاني القلوب الروحية من الفكر والحب،
كما صنع نور الشمس؛ ليبعث في الأجسام قواها،
ومعانيها المادية من الحياة والدم؟ …

أترى يا قلبي كأن هذا القمر إنما يلقي النور
على الحلم الروحاني اللذيذ الغامض
الذي يحلم به كل عاشق من أول درس في الحب،
ساعة ترسل الحبيبة إلى قلبه رسالة عنها،
ولا يحلم بمثله في غير العشاق إلا أعظم الفلاسفة،
وفي آخر دروس فلسفته، وبعد أن تكون الليالي الطويلة
قد أطلعت في سماء عمره قمرَ الشيخوخة من شعره الأبيض؟



أترى يا قلبي كأن هذا القمر في الحب (تلسكوب)
يكبر نوره العواطف حين تبث في ضوئه،
فلا يطلع على حبيبين أبدًا إلا كبر أحدهما في عين الآخر؟

أترى يا قلبي أنه ليس في الحب إلا عواطف مكبرة
يثيرها دائمًا وجه الحبيب،
فلا بد أن يكون دائمًا وجه الحبيب طالعة فيه روح القمر؟
أترى يا قلبي …؟ آه … أترى؟







نتابع
__________________

signature

علا الاسلام غير متواجد حالياً