عرض مشاركة واحدة
08-29-2014, 12:36 PM   #41
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,577

الفصل العاشر

خمسة وعشرون جنيهاً

قلقت في شأن الشاب الهزيل , وكلما فكرت بالقتال وتذكرت الشاب وهو ممدد على ظهره , تأكد لي أكثر ضرورة القيام بشيء ما . حتى إنني لزمت البيت لبضعة أيام, وكنت أنظر إلى باب المطبخ بحذر شديد قبل الذهاب في مهمة , لئلا يكون رجال الشرطة يبحثون عني . وعندما حان موعد عودتي للمكان الذي حصل فيه العراك , بلفت مخاوفي ذروتها . إنما كان علي الذهاب إلى منزل الآنسة هافيشام ,ومع ذلك , فإن شيئاً لم يُذكر عن قتالنا , ولم يظهر أي شاب هزيل .
رأيت كرسياً بعجلات خارج غرفة الآنسة هافيشام , ومنذ ذلك النهار صارت لي مهمة نظامية هي دفع الآنسة هافيشام على هذا الكرسي ( حين تكون متعبة من السير وهي تستند بيدها على كتفي ) حول غرفتها , ثم مروراً بمصطبة الدرج , وحول الغرفة الأخرى .
وفيما بدأ كل منا يعتاد على الآخر , أخذت الآنسة هافيشام تتحدث معي أكثر , فسألتني عما تعلمته وعما سأكون . فأخبرتها بأنه سيعهد بي إلى جو لأتلقى المهنة على يده ؛ وبالغت بشأن جهلي بكل شيء , وبأنني أرغب في معرفة كل شيء , على أمل أن تقدم لي بعض المعونة لتحقيق ذلك . لكنها لم تفعل . كما لم تعطني من المال أو أي شيء آخر باستثناء غدائي اليومي .
كانت استيلا دائماً هناك , وكانت دائماً تقوم باصطحابي إلى الداخل والخارج , لكنها لم تقل أن بإمكاني تقبيلها من جديد . في بعض الأحيان , كانت تحتملني ببرودة ؛ أحياناً أخرى كانت حميمة ؛ وكانت في بعض الأحيان تخبرني بحماس أنها تكرهني. أما الآنسة هافيشام كانت دائماً تسألني بهمس , أو حين نكون على انفراد : " هل تزداد جمالاً يا بيب ؟ " وحين أجيب بنعم , كانت تفرح بتوق شديد . أحياناً حين يكون مزاج استيلا من التنوع والتضارب حتى كنت أحتار ماذا تراني أقول أو أفعل, كانت الآنسة هافيشام تعانقها بمحبة وتهمس بأذنها : " حطمي قلوبهم يا عزيزتي ويا أملي , حطمي قلوبهم دون أي رحمة ! "
في غضون ذلك , كانت المشاورات تدور في المطبخ بين شقيقتي وذلك الأحمق بامبلتشوك . فكان ذلك التعيس يجرني من مقعدي ( فيما يمسك عادة بياقتي ) حيث أكون منزوياً في سكينة , فيضعني قبالة النار وكأنني سأُطهى , ثم يبدأ يقول : " والآن سيدتي , هو ذا الفتى ! هو ذا الفتى الذي أنشأته على يدك . ارفع رأسك يا فتى وكن دائم الامتنان للذين قاموا بذلك , " ثم يشرع مع شقيقتي بالتأمل السخيف حيال الآنسة هافيشام , وعما ستفعله معي ومن أجلي و حتى اعتدت على الرغبة بالانفجار بالبكاء , والاندفاع نحو بامبلتشوك أضربه بقبضتي مرة تلو الأخرى .
لم يشترك جو بهذه النقاشات , ولكن شقيقتي شرعت بأنه لا يرغب بإبعادي عن دكانه و فغضبت منه ومني .
يقيناً على هذه الحال مدة طويلة . وفي ذات يوم , قالت لي الآنسة هافيشام : " إنك تزداد طولاً يا بيب ! "
لم تقل أكثر من هذا في ذلك الحين . لكنها قالت في المرة الثانية حين ذهبت لرؤيتها: " أخبرني ثانية , ما اسم الحداد الذي تعمل لديه ؟ "
" جو غارجري , سيدتي . "
هل هو المعلم الذي كنت ستتلمذ على يديه ؟ "
" أجل , آنسة هافيشام . "
" يجدر بك أن تتلمذ في الحال . حبذا لو يأتي غارجري إلى هنا ويصطحب الأوراق الضرورية . "
قلت لها بأن لا شك لدي بأنه سيشرَّف بهذه الدعوة .
" إذن , فليأت بالحال وكن برفقته . "
بعد يومين , ارتدى جو ثياب نهار الأحد لمرافقتي إلى منزل الآنسة هافيشام . وأعلنت شقيقتي على عزمها الذهاب معنا إلى المدينة , فنتركها لدى بامبلتشوك وتعود معنا بعد أن نتفق مع (( سيداتنا الأنيقات . ))
أُقفل دكان الحداد ذلك النهار , واتجهنا إلى المدينة , فذهبت مع جو إلى منزل الآنسة هافيشام مباشرة . فتحت استيلا البوابة . وحالما ظهرت , تناول جو قبعته ووقف يمسك بها بيديه .
أخبرتني استيلا بأنه يمكننا أن ندخل سوياً , فأمسكت بذراع جو واصطحبته إلى حيث تجلس الآنسة هافيشام . كانت تجلس إلى طاولة التجميل فنظرت إلينا في الحال, وقالت لجو : " أوه , أأنت زوج شقيقة هذا الفتى ؟ وقد أنشأته بهدف أن يتتلمذ على يديك , أليس كذلك يا سيد غارجري ؟ "
طوال المقابلة , كان جو يصر على مخاطبتي بدلاً من الآنسة هافيشام , فقال : " أنت تعلم يا بيب أننا كنا دائماً أصدقاء , ونحن نأمل بمساعدتك لي في الدكان . لكن إن كان لديك أي اعتراض يا بيب , أرجو الإفصاح عن ذلك , وسيهتمون بالأمر . "
قالت الآنسة هافيشام : " هل أبدى الفتى أي اعتراض ؟ وهل يحب المهنة ؟ "
فقال جو : " أنت تعلم يا بيب أنها كانت دائماً أمل فؤادك . "
لم أفلح في جعله يدرك أن عليه مخاطبة الآنسة هافيشام مباشرة . وكان كلما أومأت له ووجهت إليه الإشارات , يزداد إصراراً على مخاطبتي , معتبراً على ما يبدو أن من غير اللائق مخاطبتها .
سألت الآنسة هافيشام : " وهل أحضرت الأوراق معك ؟ "
فقال جو وكأن السؤال غير منطقي إلى حد ما : " عجباً يا بيب , تعلم أنك رأيتني أضعها في قبعتي , لذا لا بد أنك تعرف أنها هنا . "
ثم أخرجه من قبعته وسلمها إلي بدلاً من الآنسة هافيشام . أخشى أني خجلت من صديقي العزيز الطيب حين رأيت أن استيلا تقف وراء كرسي الآنسة هافيشام , وأن في عينيها ضحكة ساخرة . أخذت الأوراق منه وأعطيتها للآنسة هافيشام .
قرأتها الآنسة هافيشام , ثم قالت لجو :"لم تكن تتوقع أجراً لقاء تعليم الفتى مهنتك؟ "
فقلت له حين لم يأت بجواب : " جو ! لماذا لا تجيب ؟ "
فقال : " بيب , قصدت القول بأن السؤال لا يحتاج إلى جواب بيني وبينك , وأنت تعلم حق العلم أن الجواب هو كلا . "
تناولت الآنسة هافيشام كيساً صغيراً من الطاولة التي بقربها وقالت : " لقد كسب بيب بعض المال هذا , إليك به . يوجد حمسة وعشرون جنيهاً في هذا الكيس . أعطها لسيدك يا بيب . "
بدا بيب وكأنه فقد عقله تماماً من الدهشة حيال شخصها الغريب والغرفة الغريبة , فلم يشأ حتى الآن و إلا أن يخاطبني دون سواي . فقال : " هذا لطف منك يا بيب . إنه موضع ترحيب بالغ , رغم أنني لم أكن لأطلب ذلك . "
Amany Ezzat غير متواجد حالياً