عرض مشاركة واحدة
08-29-2014, 04:53 AM   #35
Amany Ezzat
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jan 2014
الدولة: مصر
المشاركات: 6,586

الفصل السادس

الآنسة هافيشام


حين كبرت , عُهد بي إلى جو للتدرب لديه ,
وحتى ذلك الحين كنت غريباً في دكان الحداد ,
وعلاوة على ذلك , فكلما احتاج الجيران إلى صبي
إضافي لتخويف الطيور أو جمع الحصى
أو القيام بمثل هذه المهام , كان الاختيار من نصيبي على الدوام .
خلال هذه الفترة , كنت أحضر مدرسة ليلية تديرها
عمة والد السيد ووبسيل . كان لها أسلوب غريب في التعليم ,
إذ كان من عادتها أن تذهب للنوم من السادسة حتى السابعة كل مساء ,
فتترك التلاميذ يجتهدون بمراقبتها وهي تفعل ذلك .
إضافة إلى هذه المؤسسة التربوية , كان لدى العمة ـ في نفس الغرفة ـ
دكان عام صغير . لم تكن لديها فكرة عما لديها في الدكان من بضاعة ,
أو عن أسعار السلع في الدكان , بل هناك سجل ملوث بالزيت ,
تحتفظ به في أحد الأدراج وتستخدمه كدليل للأسعار ,
فكانت بيدي , لاتي تربطها قرابة بعيدة بالسيد ووبسيل ؛
تستعين به لتدبير كافة عمليات الدكان . كانت يتيمة مثلي .
وكمثل حالي قد أنشئت على اليد .
وبمعونة بيدي , أكثر من معونة يد عمة والد السيد ووبسيل,
مررت في كفاح مع الأحرف الأبجدية ,
ولقيت القلق الشديد من كل حرف . لكنني بدأت في النهاية ,
بطريقة عشوائية عمياء , أقرأ وأكتب وأحسب على أقل المستويات .



بيب يعمل مع جو فى ورشه الحداده

لم يسبق لجو أن ذهب للمدرسة في طفولته . وفي إحدى الأمسيات ,
فيما كنا جالسين سوياً قرب النار , كتبت له رسالة
على لوح حجري قدمته له . ورغم أنه لم يستطع أن يقرأ سوى اسمه
, قال إنني عالم كبير , وأفصح عن إعجابه بما لدي من علم ومعرفة .
ثم أخبرني عن فترة من تاريخ حياته . فقد كان والده مدمناً على الشراب ,
وغالباً ما كان يضرب جو ووالدته , وقد هربا منه عدة مرات ,
وكان عليهما العمل لكسب قوتهما , لكنه كان يعيدهما إليه في كل مرة .
كان على جو العمل حداداً مكان والده الكسول ,
وأعال والده إلى أن وافته المنية , وما لبثت والدته أن لحقت بزوجها .
ثم تعرف جو إلى شقيقتي وطلب يدها للزواج ,
ورجاها أن تحضرني معها إلى المنزل , قاءلاً
إن هناك مكاناً يتسع لي في دكانه . وقال جو في ختام روايته :
" فأنت عترى يا بيب , ها نحن الآن ! فحين تساعدني في التعلم يابيب
( وأخبرك سلفاً بأنني بليد للغاية ) , لا ينبغي أن
تلاحظ السيدة جو ما نقوم به . بل ينبغي أن يتم ذلك ,
إذا جاز لي القول , في الخفاء . ذلك أن شقيقتك تحب التحكم ,
ولن تقبل بوجود مثقفين في البيت ,ولن ترضى على الأخص
أن أصبح مثقفاً , خشية أن أقف في وجهها ."
كدت أسأله " لماذا " حين قاطعني جو قائلاً :
" تمهل قليلاً , أعرف ما ستقوله , تريد أن تعرف لماذا لا أقف في وجهها .
حسناً , إن لشقيقتك عقلاً فذاً , لكنني لست كذلك . إضافة إلى ذلك يا بيب ,
إنني أرى كثيراً في والدتي المسكينة كامرأة تستبعد وتحطم قلبها الشريف
دون أن تحصل على قدر من الطمأنينة في حياتها ,
حتى إنني أخشى أن أخطئ بعدم انتهاج ما تراه المرأة صحيحاً .
وأفضل كثيراً أن أعاني شخصياً من التضايق بعض الشيء .
حبذا لو أنني بمفردي أعاني من ذلك , حبذا لو لم يكن هناك إزعاج
لك يا صديقي , ليتني أستطيع تحمل الأمر كله بنفسي ,
لكن هذا هو الحال يا بيب . آمل أن تتغاضى عن العيوب . "
رغم صغر سني , أظن أنني سجلت تقديراً جديداً لجو ابتداءً من تلك الليلة .
كانت السيدة جو تقوم بالتجول مع العم بامبلتشوك
أيام التسوق لمساعدته في شراء حلجات المنزل التي تتطلب حكمة المرأة .
كان ذلك يوم التسوق , وقد خرجت السيدة جو في إحدى هذه الجولات .



العم بامبلتشوك يقول اخباره

وها قد وصلا . قالت السيدة جو : " والآن . "
وهي تخلع أغطيتها بسرعة وشيء من الإثارة ,
فتلقي بقبعتها إلى الوراء على كتفيها حيث تتدلى بسلاسل .
" إن لم يكن هذا الفتى , شكوراً هذه الليلة , فلن يكون كذلك أبداً . "
بدوت شكوراً بأفضل ما يستطيعه فتىً , دون أن يعلم بعد لِم يجب أن يكون كذلك .
فقالت شقيقتي : " لنأمل فقط ألا يطاله الفساد , لكن لدي مخاوفي . "
قال السيد بامبلتشوك : " من غير المحتمل أنها ستفسده ,
سيدتي . فهي تعرف أكثر . "هي ! نظرت إلى جو
وأنا أحرك شفتي وحاجبي متسائلاً , " هي ؟ "
فنظر جو إلي وهو يحرك شفتيه وحاجبيه .
قالت السيدة جو بطريقتها الفظة : " حسناً ,
بماذا تحدقان ؟ هل المنزل يحترق ؟ "
فأشار جو بأدب قائلاً : " هناك شخص ما ـ ذكرها . "
فقالت زوجته : " وهي هي , على ما أعتقد !
إلا إذا كنت تدعو الآنسة هافيشام هو .
وأشك أنك ستذهب إلى هذا الحد . "
قال جو : " الآنسة هافيشام في المدينة ؟ "
قالت شقيقتي : " وهل يوجد في المدينة آنسة هافيشام؟
إنها تريد من هذا الفتى أن يذهب ويلعب هناك .
ولا شك سيذهب . فالأفضل له أن يلعب هناك .
" وأضافت وهي تهز رأسها لي تشجعني أن أكون خفيفاً ورياضياً :
" وإلا فسأتدبر أمره . " ... كنت قد سمعت أن الآنسة هافيشام في المدينة
والجميع على بعد أميال سمعوا أن الآنسة هافيشام في المدينة
سيدة في غاية الثراء والحزم , تعيش في منزل فخم كئيب وتحيا حياة منفردة .
فقال جو مندهشاً : " حسناً , أستغرب كيف لها أن تعرف بيب ! "
صاحت شقيقتي : " أيها الأحمق ! ومن قال إنها تعرفه ؟ "
أشار جو بأدب ثانية : " هناك من ذكر أنها تريده أن يذهب ويلعب هناك . "
" ألا يمكنها أن تسأل العم بامبلتشوك إذا كان يعرف فتى ليذهب ويلعب هناك ؟
ألا يحتمل أن يكون العم بامبلتشوك مستأجراً لديها ,
وأنه يذهب إلى هناك أحياناً لتسديد إيجاره ؟ وألا يستطيع العم بامبلتشوك ,
كونه طيباً تجاهنا دائماً ,أن يتكلم عن هذا الفتى
الذي كنت منذ زمن خادمة مطيعة له؟ "
فصاح العم بامبلتشوك : ط أحسنت ثانية , أسلوب جيد .
حسناً عبرت ! جيد حقاً ! والآن يا جوزيف فإنك تعلم بالأمر . "
فقالت شقيقتي : " كلا يا جوزيف , فأنت لا تعلم أن العم بامبلتشوك ,
علماً منه أن مستقبل الفتى سيتحقق بذهابه إلى الآنسة هافيشام ,
قد عرض أن يأخذه إلى المدينة هذه الليلة , وفي عربته الخاصة ,
وأن يستبقيه لديه هذه الليلة ثم يأخذه إلى
بيت الآنسة هافيشام في الصباح التالي . "
بعد أن أوضحت هذا , أمسكت بي فجأة ,
فوضعت رأسي تحت حنفيه وغسلت رأسي بالصابون ,
ونشفتني حتى بدوت غير نفسي . ثم ألبستني ثياباً نظيفة
من أجمد الأنواع , ثم ارتديت أضيق بذلاتي ,
وعُهد بي إلى السيد بامبلتشوك الذي ألقى علي خطاباً
كنت أعلم أنه يحترق لإلقائه : " يا بني , كن مستحباً أبداً للأصدقاء ,
وخاصة الذين أنشؤوك على أيديهم . "
قلت : " وداعاً يا جو . "
" ليباركك الله يا بيب , أيها الصديق القديم . "
لم يسبق أن افترقت عنه من قبل , وماذا بشأن مشاعري
وماذا بشأن رغوة الصابون , ولم أستطع رؤية نجمة
من خلال العربة المكشوفة . لكنها راحت تلمع واحدة إثر أخرى ,
دون أن تلقي ضوءاً على التسائل : لماذا بالله أنا ذاهب
لألعب عند الآنسة هافيشام , وماذا تراني ألعب ...



يتبع
Amany Ezzat متواجد حالياً