عرض مشاركة واحدة
07-10-2013, 12:38 PM   #5
جابر الخطاب
vip
Crown2
 
تاريخ التسجيل: Mar 2010
الدولة: العراق - فى رحمه الله
المشاركات: 820

ذكـــــــــــــــريات رمضــــــــانية
جابر جعفر الخطاب
الحياة كتاب مفتوح تتلون صفحاته
بألوان شتى من ذكريات العمر
وأجمل صفحات هذا الكتاب
هي التي تعود الى مرحلة الطفولة
حين كنا صغارا يملأنا الزهو
وتداعب مخيلتنا أحلام كبيرة
ولرمضان طعم خاص في حياتنا
فعندما تعود بنا الذاكرة
إلى تلك الأيام الجميلة في مدينتنا الجنوبية
قلعة سكر النائمة على أكتاف نهر الغرّاف الساحر وبساتينه الغنـّاء فقد كان قدوم شهر رمضان
مدعاة للسعادة والفرح لنا
ليس لأننا كنا نصوم في ذلك العمر الصغير
بل لأن هذا الشهر المبارك
تنتشر فيه محلات صنع الحلويات
الرمضانية مثل الزلابية والبقلاوة وغيرها
والتي كان انتشارها علامة على قدوم هذا الشهر الكريم
فلم تكن معامل الحلويات في مدينتنا
تصنع هذ ه الأصناف إلا ّ في هذا الشهر المبارك
وعلى ذكر الزلابية فهي ليست
كالمذكورة في البحث القيم للأخت العزيزة زهرة الكاميليا لأنها تختلف كثيرا عنها وسأوضح ذلك
في موضوع قادم عن ( كلمات مصرية ودلالاتها العراقية )
وأجمل أيام رمضان هي التي تكون في الصيف رغم قسوته على الصائمين حيث تنتشر مجالس الوعظ والإرشاد في المساجد والبيوت والشوارع الفسيحة المحيطة بالنهر وكان يحاضر فيها خطباء مشهورون قادمون من النجف الأشرف
ومن أشهرهم في ذلك الوقت
العلامة والشاعر الكبير المرحوم محمد علي اليعقوبي
الذي كان مجلسه مزدحما بعشاق فكره
وشعره وهنالك مجالس أخرى متفرقة
تقام في الشارع المحاذي للنهر
حيث الهوا ء العليل والجو المعتدل
فكانت الكراسي تصف على جانبي المنبر
ويجلس عليها الوجهاء وكبار السن

أما نحن فكنا نجلس على الأرض
المفروشة بالحصران ولكن بعض الجالسين على الكراسي والمحيطين بالمنبر يستولي عليهم النعاس مع بداية محاضرة الخطيب فتتدلى رؤوسهم على صدورهم أو تميل على
أكتافهم بل ان بعضهم يعيش كابوسا مرعبا
فيبدأ بالصياح فكان منظرهم
يثير تعليقات المارين في الشارع
حيث الخطيب يتحدث وهم مستغرقون
في نوم عميق لا يستيقظون منه إلاّ بعد انتهاء المحاضرة .

لقد حاولت في ذلك العمر الصغير أن أجرب الصوم
ولكني لم أحتمل الصبر على الجوع والعطش
فكنت أتظاهر بالصوم وأخفي في جيوبي بعض الطعام
لأتناوله خلسة فوق سطح المنزل
وأجمل مافي ليالي رمضان في ذلك الوقت
المسحراتي والذي كنا نسميه ( أبو طبيله )
الذي كان يجوب دروب المدينة بعد منتصف الليل
وفي الأيام الأخيرة من رمضان كان ينشد بعض
الأبيات مودعا فيها هذا الشهر الكريم فيقول
(الوداع يا شهر رمضان الوداع )
(الصائم فرحان والمفطر خسران )

وبعد هجرنا الى العاصمة بغداد عام 1961
أصبحت الليالي الرمضانية
تأخد أبعادا أوسع مما كنا فيه فاتساع المدينة
وكثرة قبابها ومساجدها جعل للطقوس الرمضانية
قدسية لا حدود لها فكانت التراتيل القرآنية
والمواعظ الدينية تنبعث من كل مكان
مما يبعث في النفوس الخشوع التام
والإستغراق في هذه العوالم الروحانية السامية
التي لا مثيل لها في الأشهر الأخرى من السنة
وتتصاعد ذروة هذه الشعائر في ليلة القدر
حيث تسهر عوائلنا حتى الصباح في صلاة
ودعاء تقربا الى الله تعالى وطلبا لمغفرته .

وأسمى ما كان يحققه هذا الشهر الفضيل
هو توثيق الروابط الإجتماعية بين الأقارب
والجيران وإزالة الفوارق بينهم حيث تتبادل
العوائل قبل الفطور صحون الطعام المتنوعة
فيشترك الجميع في تناول طعام بعضهم
البعض وكأنهم يجلسون إلى مائدة واحدة
في ترابط إنساني
وثيق وعندما كنا نسكن دارا ملحقة ببستان صغير
يضم عددا من أشجار النخيل والليمون
في مدينة الحرية كانت وسط الحديقة
نخلة كبيرة وعالية جدا وتحمل الكثير
من التمر الزهدي الذي يملأ الأرض
بعد جنيه من قبل الفلاح فكنا
نقوم بتوزيعه على الجيران والمعارف
ويبقى منه الكثير وفي تلك الأيام
كانت شوارع بغداد تعج بالمتسولين
الهنود الذين انتشروا في الأزقة
وهم يطرقون أبواب المنازل طلبا للمساعدة
وذات يوم رن جرس الباب فأسرعت لفتحه
وأنا أردد مع نفسي شيئا من أغنية نجاة الصغيرة
( ماذا أقول له لو جاء يسألني إن كنت أكرهه أو كنت أهواه ُ ) ولكني ما أن فتحت الباب حتى كنت أمام متسول
هندي مستجديا صدقة في سبيل الله
فأسرعت إلى داخل البيت وملأت
له كيسا كبيرا من التمر الزهدي
فتناوله مني وأغلقت الباب وبعد لحظات
طرق جارنا باب دارنا معتقدا
بأن أحدا قد جلب لنا هدية وأبقاها أمام بابنا
لتعذر اتصاله بنا وما أن نظرت
إلى الهدية المزعومة فإذا بها نفس الكيس
الذي أعطيته الى المتسول الهندي
الذي أعاده إلى مكانه فعجبت لهذا المتسول
الذي يرفض استلام التمر في الوقت
الذي تستورده حكومته من العراق
بالعملة الصعبة بعدها قررت
عدم التساهل مع هؤلاء وطردهم من أزقتنا .

إن صفحات الذكريات تتوهج في كتاب رمضان
الخالد ولا يمكن تسجيلها
جميعا لأنها متناثرة في شعاب النفس
وتنهض كلما مر هذا الشهر الذي نعشق أيامه
ولياليه والذي يطبع الحياة بطابع إيماني قدسي لا مثيل له
جابر الخطاب غير متواجد حالياً