عرض مشاركة واحدة
05-18-2008, 04:47 PM   #2
يوسف
شريك ذهبي
stars-1-6
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 530

[] حوار مع الخزاف العراقي
ماهر السامرائي
حاوره/ خالدة حامد

يقول هانز كوبر أن السيراميك معني بتقطير الخبرة . ويمكن لنا أن نلمس مصداقية هذه المقولة حالما ندخل عالم الخزاف ماهر السامرائي ؛ فمع الجهد البارز الذي يبذله في أعماله ، تبدو هذه الاعمال كما لو أنها لم تمس ، وإن الطبيعة تركت بصماتها عليها . التصدعات والتشققات عند الجلد؛ السطح منتهك والتصديع ظاهر .. انه دال على معنى قوي يوحي بالتقدم ، ومن خلاله طور الفنان لغة قادرة على إثارة جملة من المضامين . تبدو تلك المعالجات أشبه بشبكه من العروق والأوردة في جلد العمل ، وقد يطال الحرق بعض أطراف العمل ليبدو كما لو انه مخطوط بانحناءاته والتواءاته …
له طريقة خاصة في التقنية ومنها يبدأ حوارنا:


* ألا يمكن القول إن عملك قائم على التجميع أو الإدماج طالما انه يتضمن عناصر عدة ؟
- من خلال عدة قطع خزفية يلاحظ المشاهد أن هناك وحدة وإنتاج العمل الخزفي تمتد من بداية السبعينات وحتى الآن . هذه الوحدة هي الأسلوب المميز لجل أعمالي الفنية حيث أن أغلب من كتبوا عن أعمالي الخزفية قالوا بذلك .
والمتتبع لأعمالي يرى ان هناك سلسلة تربط الأعمال سواء المبكرة في الإنتاج أو المتأخرة . الذي يميز أعمالي من فترة لأخرى هو التقنية مرة والتجريد العميق مرة أخرى . التجريد عندي عفوي فلم أكلف نفسي لكي أؤسس مدرسة في هذا العمق من التجريد أو الرجوع إلى الواقعية الرمزية أو حتى القصدية والطرح المباشر . المعاني خلف القطع الخزفية واضحة وان رسالتي في الخزف مقروءة للمشاهد .
الإمتاع للآخرين لم يكن هدفي بقدر ما أريد أن أكوِّن جداراً قوياً لخزفنا العراقي لكي يكوّن مع الآخرين البناء المتين لمدرسة الخزف المحلية .
إن إدخال النحت أو الرسم على سطح العمل الفني هو إشباع رغبات وفي الوقت نفسه هي تأثيرات الزخارف الإسلامية " الأرابسك "حيث تعودت عيناي على مشاهدة هذا الكم الهائل من الزخارف وتشابكها وتعريقها كل هذا ترك الكثير في مخزون الذاكرة .هنالك أعمال لا تتحمل الإضافة على سطح العمل الفني حيث ان الشكل يجدد ذلك فالعمل الخزفي ينقسم إلى فخار ونحت فخاري والاخير لا يتحمل ان يضاف إلى سطحه عناصر أخرى حيث ان الإضافة على السطح تربك العمل الخزفي .
* هل تسيطر على الظروف الفيزيائية والكيميائية عند الفخر ؟ بمعنى آخر كيف تحقق الموازنة بين السيطرة على العمل وحدوث اللامتوقع ؟ هل ثمة نزاع بين الاثنين ؟
- من خلال ثلاثين سنة ماضية في ممارسة الإنتاج الخزفي الفني تمكنت من مهنتي جداً إلى حد السيطرة على الألوان وملمس السطوح في الزجاج بمتناول يدي وتمكنت من تقنيات التلوين، واستخدم الأكاسيد في التلوين إلى درجة مقبولة جداً . هذا الفن الصعب أخذ جهداً كبيراً وصبراً قلما يوجد اختصاص يحتاج الى هذا الصبر. إن حدوث اللامتوقع هو حقيقة عند كل من يشتغل في هذا المجال حيث ان للفرن حصة في التغيير في دقة اللون والملمس وظروف الحرق لها حصة أيضاً ولكن الخبرة المتراكمة والذكاء له فعله . يبقى الفن ومناخه ـ طريقة الحرق وسلوك بعض أكاسيد الفلزات له فعله أيضاً . وتتناسب قلة التراكم عند الفنان بقلة الممارسة والعكس صحيح .
* ثمة فرق واضح بين داخل القطعة وخارجها ، كيف يتأتى ذلك ؟
- العمل الخزفي واضح للمشاهد وسهل الاستيعاب ولا مجال.. بل ولا نجاح لتحميل العمل الخزفي اكثر من طاقته، فعلى مر العصور نشاهد العمل الخزفي النفعي والتزييني جنباً إلى جنب . لكن .. في العقود الأربعة الأخيرة حدثت ثورة في عالم الخزف الفني الخالص حيث نجد ان الخزف ومهرجانات عرضه الدولية دفعت مستوى الفن الخالص الى ان يقفز قفزات واسعة وان تكون له حظوة كالرسم والنحت، لقد مرّ فن الخزف بتطور واسع من شرق الصين واليابان إلى غرب الولايات المتحدة مروراً بأوربا حيث نجد المدرسة الشرقية (الصين واليابان) ثم المدرسة الأوربية بزعامة المدرسة الإنكليزية ثم المدرسة الأمريكية بزعامة معهد اوتس للخزف .
* هل يمكن القول عن أعمالك إنها تطورية ، بمعنى إنها بدأت بأشكال محددة ثم أخذت تنمو بمراحل حتى وصلت إلى ما هي عليه الان؟
- تطور أسلوبي الفني في طرح أعمالي الخزفية كفن خالص لأني ومنذ أول الاعمال المبكرة تناولت الفن الخالص، فلا نفعية في طرحي الفني ولا استعمالية في قطعي الخزفية. ان المشاهد لأعمالي يمكن ان يميز مدى التطور الحاصل في شكل وموضوع العمل الخزفي لو كان هناك الأسلوب المميز الذي ظل يحمل خصوصية الفنان.
لقد تناولت أشكالاً وكتلاً في أعمالي الفنية متفردة واستطعت ، بالتجريب الذي مارسته خلال العشرين سنة الأخيرة ، أن أفرز خزفاً فنياً متميزاً في الشرق الأوسط ومتفرداً . وهذه خطوة تضاف الى خطوات اختطها زملاء خزافون سبقنا بها أساتذة في هذا المجال خاصة سعد شاكر والمرحومة سهام السعودي وطارق إبراهيم وجيلنا الثري بهذا الفن مثل شنيار عبد الله واكرم ناجي وتركي حسين ونهى الراضي ومنى ناجي وبعدهم جاء قاسم نايف وجماعته .
* وما مصدر إلهامك الأول ؟
- المتتبع لأعمالي الفنية يلاحظ ان المتحف العراقي هو ملهمي الأول ولكن لا يختلف اثنان على ان البيئة الخصبة الثرية بالفن التي عشتها أيام الطفولة في سامراء وما حولها كان لها الأثر الأكبر في خلق هذا الثراء في الإنتاج . وان انعكاس المفردات العظيمة في هذه المدينة الثرية بتاريخها حيث المئذنة الملوية الكبيرة وجامعها وجمالية الطابوق الذي كوّنه الزمن وقصور خلفاء بني العباس حيث قصر المعشوق وقصر المعتصم وقصر الجوسق الخاقاني والأسوار العملاقة والبرك والحمامات التي تغنى بها البحتري ، اضافة إلى ذلك الضريح الجميل والقبة الذهبية الكبيرة لمرقد الإمام علي الهادي والقبة الخزفية المتناهية في الجمال والدقة التنفيذية لجامع سامراء الكبير وكثير من دوارس القصور العباسية وقبل هذا تل الصوان وشراؤه بالفخار المرسوم بالأكاسيد كل هذا له الأثر الكبير في إلهامي ودفعي لإنتاج الخزف الذي يحمل روح هذه البيضة .
* هل كان لسفرك إلى الولايات المتحدة ودراستك هناك أثر في عملك ؟
- نعم كان لسفري إلى الولايات المتحدة الأمريكية ودراستي العليا واختلاطي بفنانين هناك والاطلاع على خزف الأمريكان أثر واضح في التقنية ولكن ليس في الجوهر . ففي أعمال معينة استخدمت الألوان في طينة الفخار قبل الحرق في الفرن والأكاسيد السود أو بلا زجاج وكانت هذه الأعمال بهذه الفترة فرصة لاستعراض تقنياتي التي تواصلت مع تجارب دراستي في الولايات المتحدة . ففي عملي الذي يحمل عنوان العمر والزمن الذي أجسد فيه صياد سمك مات من الشيخوخة والتعب من الصيد بنوع خاص من الشبك . أنا وثقت الحادثة بهذا العمل الذي يحوي ساعة وعقاربها المكسرة ويدي الصياد اللتين تتحركان نحو السقوط عن قلبه. وكذلك عملي " السمكة المأكولة التي تعبر عن قسوة السلطة أو البيئة . وعملي الآخر " السمكة مقفولة الفم " حيث جسدت فيه سمكة من نوع الشبوط الذي يعجبني بسبب سرعته الشديدة وصعوبة صيده وحذره . أغلقت فمها بقفل تعبيراً عما كان يدور بخلد الفنان الذي شبهته بسمكة مقفولة الفم . وأخيراً تلاحظين عملي الذي أسميته " طائر لم يُذبح بعد " وهو عمل تجريدي .
* هل معيارك في الحكم على دقة الخزفة هو اللمس والنظر والحدس أم التحليل المنطقي؟
- الحكم على العمل الخزفي الناجح هو الشكل واللون، فالطرح الخزفي الذي يثير عندي المتعة هو العمل الذي لم أكن قد رأيته سابقاً ويحمل تقنيات متميزة ونضجاً لونياً بتقنيات لونية محترفة . العمل الفني يجب أن يكون وراءه فنان ؛ فالجرادة لا تنتج عسلاً .
* كيف تصنف أعمالك ، تاريخية الطابع أم حديثة ؟
- أنا أصنف أعمالي بالحداثة المتناهية في الشكل وتحمل روح التاريخ العربي الإسلامي مفعمة بتاريخ بلاد الرافدين .
* وكيف تنظر اليها؟
- أنظر إلى أعمالي بوصفها الركيزة الأساسية للخزف العراقي ما بعد الرواد . وإن كثيراً من النقاد يطلقون على أعمالي تسمية الـ" مدرسة " . لكني اعتبر أعمالي طابوقة في جدار الخزف الشرق أوسطي . لقد أضفت الى الخزف تقنيات خاصة زادت من ثراء العمل الخزفي حيث اللون الذي يحمل العتق والشكل الذي يحمل المعاصرة والنحت والرسم . إن خزفي هو فن خالص وأسلوبي متفرد . فن السيراميك مربوط بخيط رفيع جداً بالحرفة ؛ وبين السيراميك التطبيقي والفني خيط آخر، فلا يوجد خزف فني ما لم يوجد فنان خزاف وراءه .
* وهل ثمة صلة قربى إبداعية بأساتذة مثل سعد شاكر أو طارق إبراهيم ؟
- إن فن الأستاذ سعد شاكر يمتعني كثيراً والتزم كثيراً بمتابعة إنتاجه وأعماله عالية المستوى وهناك خصوصية بأعماله خاصة في الآونة الأخيرة وهو في رأيي متفرد في معاصرته في الطرح ومتفرد في خصوصية ألوانه . ولا توجد صلة بين أعمالي وأعماله حيث أني أميل إلى إظهار خصوصية الطين كثيراً ومتشبث ببيئتي المحلية. أما طارق إبراهيم فله خصوصيته وألوانه الجميلة ولا نلتقي في أساليبنا وطروحاتنا ولكن هذا الاختلاف له إيجابية كبيرة للخزف العراقي المعاصر . أنا أتناغم مع خزف اكرم ناجي اكثر لأني من جيل اكرم واختلاطي به واسع جداً .


منقول عن المدى


[/]
يوسف غير متواجد حالياً