عرض مشاركة واحدة
01-09-2008, 12:01 AM   #3
ملك
vip
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: مصر - فى رحمه الله
المشاركات: 14,674

كانت الصرخة التي أطلقها الفنان النرويجي "ادفارد مانش " في العام 1895 من خلال لوحة تحمل نفس الاسم إيذانا ببداية عصر جديد، وتحول في مفاهيم جمالية كثيرة، حيث جاءت لوحة "الصراخ " لتعلن بداية تيار جديد خلفا للرومانسية باسم التعبيرية، آمن فيه التعبيريون بأن الجمال هو صدق التعبير، مهما كان هذا التعبير قبيحا، ورفضوا الجمال بمفهومه التقليدي أو الكلاسيكي أو الرومانسي المبتذل، أي تصوير الأشياء كما يجب أن تكون في اكتمالها المثالي، أو تصوير الأشياء المبهجة للنفس بصرف النظر عن الحقيقة في كليتها.
مثلما كان الأمر على الدوام، يعكس الموضوع الانشغالات الفلسفية للعصر. لقد سجل العالم الرياضي الإغريقي "أقليدس " نظريته القائلة بأن أي خطين متوازيين لا يلتقيان، وبأن أي مستقيم لا يمكن أن يكون له سوى مستقيم مواز واحد فقط، من النقطة الواحدة، لكن خلال القرن التاسع عشر دلل الرياضيون على أنه ما من خط يوازي خطا آخر تماما، ثم نبتت نظرية "أينشتاين " بعد التخلي عن الفكرة القديمة القائلة بأن الخط في حالة الحركة يساوي في الطول ذات الخط في حالة السكون، وقد توصل الفنانون المحدثون إلى نظريتهم في الفن من خلال فكرة قريبة من هذه، وذلك بالتخلي عن الفكرة القائلة بأن الصورة هي صورة لشيء مرئي، ومن هنا تحول الفنان الحديث إلى أن يعتد بتشييد لوحته كموضوع لفنه، وبالتالي ينتج كل تلك التصاوير المثيرة التي عرفها القرن العشرون، ووجد الفنان ملاذه منذ هذا القرن في "الفن ذاته ".
أول ردود الفعل هذه تمثلت في التكعيبية، والتي جاءت مدعية أنها تعطي صورة عن الموضوع أكثر موضوعية، من مجرد التوقف عند مظاهره الخارجية، كما نرى في الانطباعية والوحشية، وذلك باستعمالها لأشكال هندسية بنائية، وتمثيلها الشيء من مختلف وجوهه في آن واحد، لكنها تظل أبرز التيارات الفنية في القرن العشرين، في نطاق التحرر الفني، وكسر المفاهيم القديمة.

لذلك ليس غريبا أن تظهر الدادية "السريالية" بعد ذلك بكل هذه الفظاظة، بعد انهيار أسهم الإنسان في بورصة الحرب العالمية الأولى، التي ظهرت خلالها صورة الإنسان المدمر القاتل، صانع الدمار ومفجر الحروب كل ويلاتها ومآسيها، وبانهيار صورة الإنسان تزامنت معها كتابات "فرويد" عن تفسير الأحلام، فجاءت السريالية تعبيرا عن عصر بكل متناقضاته بما تحمل من رؤى للعقل الباطن واللاوعي.
أما التجريد فهو نتاج التطلعات إلى نظريات العلم الحديث، ومشيدات المهندسين والمعماريين المعاصرين، تولد التجريد في التصوير الحديث عن حاجة ملحة للانطلاق والإبداع، شأنه في ذلك شأن الفن الحديث صفة عامة، وأنه مهما بدت أول لوحة تجريدية صورتها فرشاة "كاندينسكي " عام 1910 جريئة ومتهورة حتى في نظر مصورها ذاته، فإننا إذا نظرنا بعين التأمل إلى الحركة التصويرية خلال العشرين أو الثلاثين سنة السابقة عليها، بدت تلك اللوحة متوقعة إلى حد بعيد، فإن فكرة كل فن جديد هي غرس سابقتها من الفنون.
لذلك يقول د. نعيم عطية في كتابه "الفن المعاصر" عن الفنان التجريدي: هو نموذج حي " لأسطورة سيزيف "، فالمصور التجريدي كلما اجتهد في أن يتفادى بفنه الواقع وجد ذلك الواقع قد ارتسم في لوحاته من خلال إمعانه في الابتعاد عنه.
ملك غير متواجد حالياً