عرض مشاركة واحدة
04-30-2008, 01:07 PM   #2
يوسف
شريك ذهبي
stars-1-6
 
تاريخ التسجيل: Aug 2007
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 530

المغرب خلال الفترة الاسلامية

تعد 670م هي سنة دخول الاسلام إلى المغرب و ذلك على يد عقبة بن نافع إبان الغزوات الإسلاميةلشمال أفريقيا، و كان هذا الأخير يعمل قائدا عسكريا لدى الأمويين في دمشق.
خلافا لأقاليم و بلدان المشرق لم يكن فتح المغرب بالشيئ الهين، فقد استغرق الأمر نصف قرن من (646م إلى 710م). بعد الإنتهاء من فتح المغرب و اعتناق المغاربة الإسلام، ظهرت بوادر انفصال هذا الإقليم عن الخلافة بالمشرق. وعقب عدة محاولات تحققت هذه الرغبة بظهور أول دولة إسلامية بالمغرب هي دولة الأدارسة سنة 788م، حيث كان مؤسس هذه الدولة هو حفيد الرسول الشريف إدريس بن عبد الله (مولاي إدريس)، الذي حل بالمغرب الأقصى فارا من موقعة فخ قرب مكة (786). استقر بمدينة وليلي حيث احتضنته قبيلة آوربة الأمازيغية و دعمته حتى انشأ دولته، منذ ذلك الحين و الإسلام هو الدين الرسمي. و في عهد الأدارسة اعتنق جل الأمازيغ الإسلام.

الإمام إدريس الأول من خلال سيرته وأهداف دعوته


هو الإمام إدريس الأكبر بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الخليفة علي بن أبي طالب. ويعتبر المؤسس لأول دولة إسلامية بالمغرب، حدد مبادئها في رسالته التي خاطب بها الأمازيغيين المغاربة،


عزز دعوته بالعمل على تحقيقها، فجاهد ضد الديانات والنحل المنحرفة: في شالة وتامسنا والأطلس المتوسط والمغرب الشرقي حتى تلمسان وما إليها، وذلك ما يسجله ابن خلدون وهو يتحدث عن المغرب الإدريسي: "محا جميع ما كان في نواحيه من بقايا الأديان والملل".
وبتحقيق هذا المكسب الإسلامي : التف حول الدولة المغربية الجديدة جماهير الأمازيغيين، فصار إدريس الأكبر يفكر في تحقيق مخطط دعوته، امتدادا نحو إفريقية الأغلبية ثم مصر، كبداية لتوحيد العالم الإسلامي تحت خلافة علوية بديلا عن العباسيين الذين انحرفوا عن المبادئ الإسلامية، فعن منطقة الأغالبة يقول ابن أبي زرع: "... فاتصل بالرشيد أن إدريس قد استقام له أمر المغرب...وأخبر بحربه وحاله وكثرة جنوده وشدته في الحرب، وأنه قد عزم على غزو إفريقية".
وبعد وفاة إدريس الأكبر يصمم مولاه راشد على تحقيق هذه الخطة، فيذكر عنه الرقيق
: "وكانت همته غزو إفريقية، لما هو فيه من القوة والكثرة". وهي فقرة تؤكد استمرار قوة الدولة الإدريسية في فترة وصاية راشد.
وبعد إفريقية الأغلبية تشير إلى رسالة إدريس الأول إلى أهل مصر وهي –بدورها- تؤكد المخطط الإدريسي لتأسيس دولة إسلامية كبرى، تنسخ دولة العباسيين بعد ما تنكروا للقيم المثلى، فيمتد التصميم الإدريسي إلى مصر، حتى تكون منطلقا إلى ما وراءها، وهي حقيقة يستنتجها جوليان
ويقدمها في الصيغة التالية: "وقد يكون إدريس بيت النية –كما فعل الفاطميون فيما بعد- لجعل المغرب نقطة انطلاق لاسترجاع إرث آبائه".
ومن هنا يتبين أن إدريس الأول لم يكن همه اقتطاع جزء من أقاصي الدولة الإسلامية، وإنما كان المغرب - في تصميمه- قاعدة تبدأ منها ثورته ضد العباسيين المنحرفين، واستبدالهم بدولة إسلامية تلتزم المبادئ التي شرحها الميثاق الإدريسي في شكل خطاب الإمام العلوي إلى الأمازيغيين:
- أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
- وإلى العدل في الرعية، والقسم بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بيد المظلوم.
- وإحياء السنة وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد.
- واعلموا – عباد الله - أن مما أوجب الله على أهل طاعته، المجاهرة لأهل عداوته ومعصيته باليد وباللسان..."

وفي اتجاه آخر: نستنتج من لغة هذه الرسالة ومعها الرسالة المصرية: دورهما في وضع اللبنات الأولى لتعريب المغرب، وهي ظاهرة تعززها نقوش النقود الإدريسية الأولى وتعززها – مرة أخرى - لغة الكتابة على منبر المسجد الذي ابتناه إدريس الأول بتلمسان، حيث يسجل ابن خلدونأن هذه اللوحة استمرت حية حتى عصره، وكانت صيغتها هكذا: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمر ما أمر به إدريس بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم، وذلك في شهر صفر سنة أربع وسبعين ومائة"وسنتقيد من هنا واحدا من معماريات إدريس الأكبر، ويضاف له أكادير تلمسان ومسجد مدينة وليلي .
بقي أن نشير –ونحن لا نزال مع المولى إدريس الأكبر إلى علمه وأخلاقه، فيقول عنه الإمام عبد الله بن حمزة في المرجع الشافي: "وكان في نهاية العلم والورع، تلو أخيه (يحيى) في الفضل والزهد والسخاء والشجاعة والكرم، وكان حليف القرآن، حسن القراءة شجيها"

وعن شجاعته يقول الرضا بن موسى الكاظم : "إدريس بن عبد الله من شجعان أهل البيت، والله ما ترك فينا مثله" وهذا داود بن القاسم الجعفري يترك عنه الارتسامة التالية: "...وكنت معه بالمغرب، فما رأيت أشجع منه ولا أحسن وجها"
ثم كانت شهرته بالشجاعة من أسباب نجاح دعوته بالمغرب، فيذكر عنه في المرجع الشافي : "ولما دعا في المغرب عرفه رجال من أهل المغرب حجوا سنة قتل الفخي عليه السلام، فقالوا: نعم، هذا إدريس، رأيناه يقاتل وقد انصبغ قميصه دما، فقلنا من هذا؟ فقالوا إدريس بن عبد الله"
وإلى هذا كان الإمام العلوي يتوفر على ثقافة أدبية رفيعة، وذلك ما يستنتج من أسلوب رسالته إلى المغاربة، ثم رسالته إلى أهل مصر، حيث تبينا أنهما – معا - موضوع الملحقين: 2.1. وإلى هذين النموذجين من النشر توجد من شعره قطعة من أربعة أبيات تدل على شاعريته، وقد أوردها الصفدي عند ترجمته ، كما ترجمه ابن الأبار في "الحلة السيراء"كأحد الأمراء الشعراء.
أخيرا: نختم هذا العرض بفقرة لابن عذارى :
"وفي سنة 172 اجتمعت القبائل على إدريس بن عبد الله من كل جهة ومكان، فأطاعوه وعظموه وقدموه على أنفسهم، وأقاموا معه مغتبطين بطاعته، ومتشرفين بخدمته طول حياته، وكان رجلا صالحا، مالكا لشهوته، فاضلا في ذاته، مؤثرا للعدل، مقبلا على أعمال البر".


أهداف دعوة الإمام إدريس الأكبر في خطاب

يوجهه إلى الأمازيغيين


بسم الله الرحمن الرحيم :
الحمد لله الذي جعل النصر لمن أطاعه، وعاقبة السوء لمن عند عنه، ولا إله إلا الله المتفرد بالوحدانية، الدال على ذلك بما اظهر من عجيب حكمته، ولطف تدبيره، الذي لا يدرك إلا أعلامه، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، أحبه واصطفاه، واختاره وارتضاه، صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين.
أما بعد’ فإنني:
1- أدعوكم إلى كتاب الله و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
2- وإلى العدل في الرعية والقسم بالسوية، ورفع المظالم، والأخذ بيد المظلوم.
3- وإحياء السنة، وإماتة البدعة، وإنفاذ حكم الكتاب على القريب والبعيد.
4- واذكروا الله في ملوك غيروا، وللأمان خفروا، وعهود الله وميثاقه نقضوا. ولبني بيته قتلوا.
5- وأذكركم الله في أرامل احتقرت، وحدود عطلت، وفي دماء بغير حق سفكت.
6- فقد نبذوا الكتاب والإسلام، فلم يبق من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه.
7- واعلموا عباد الله أن مما أوجب الله على أهل طاعته، المجاهرة لأهل عداوته ومعصيته، باليد وباللسان:
أ- فباللسان الدعاء إلى الله بالموعظة الحسنة، والنصيحة والحض على طاعة الله، والتوبة عن الذنوب بعد الإنابة والإقلاع، والنزوع عما يكرهه الله، والتواصي بالحق والصدق، والصبر والرحمة والرفق، والتناهي عن معاصي الله كلها، والتعليم والتقديم لمن استجاب لله ورسوله حتى تنفذ بصائرهم وتكمل، وتجتمع كلمتهم وتنتظم.
ب- فإذا اجتمع منهم من يكون للفساد دافعا، وللظالمين مقاوما، وعلى البغي والعدوان قاهرا، أظهروا دعوتهم، وندبوا العباد إلى طاعة ربهم، ودافعوا أهل الجور على ارتكاب ما حرم الله عليهم، وحالوا بين أهل المعاصي وبين العمل بها، فإن في معصية الله تلفا لمن ركبها، وإهلاكا لمن عمل بها.
ج- ولايؤيسنكم من علو الحق واضطهاده قلة أنصاره، فإن فيما بدا من وحدة النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء الداعين إلى الله قبله، وتكثيره إياهم بعد القلة، وإعزازهم بعد الذلة، دليلا بينا، وبرهانا واضحا، قال الله عز وجل: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة)، وقال تعالى: (ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز)، فنصر الله نبيه، وكثر جنده، وأظهر حزبه، وأنجز وعده، جزاء من الله سبحانه، وثوابا لفضله وصبره، وإيثاره طاعة ربه، ورأفته بعباده،ورحمته وحسن قيامه بالعدل والقسط، في تربية ومجاهدة أعدائهم، وزهده فيما زهده فيهم، ورغبته فيما يريده الله، ومواساته أصحابه، وسعة أخلاقه، كما أدبه الله، وأمر العباد باتباعه. وسلوك سليم والاقتداء لهدايته. واقتفاء أثره، فإذا فعلوا ذلك أنجز لهم ما وعدهم. كما قال عز وجل : (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان). وقال: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) وكما مدحهم وأثنى عليهم، كما يقول: (كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله) وقال عز وجل: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).
وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأضافه إلى الإيمان والإقرار لمعرفته، وأمر بالجهاد عليه، والدعاء إليه، قال تعالى: (قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق). وفرض قتال المعاندين على الحق، والمعتدين عليه وعلى من آمن به وصدق بكتابه، حتى يعود إليه ويفيء، كما فرض قتال من كفر به وصد عنه حتى يومن به، ويعترف بشرائعه، قال تعالى: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين).
هـ- فهذا عهد الله إليكم، وميثاقه عليكم، بالتعاون على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، فرضا من الله واجبا، وحكما لازما، فأين عن الله تذهبون؟ وأنى توفكون؟
و- وقد خانت جبابرة في الآفاق شرقا وغربا، وأظهروا الفساد وامتلأت الأرض ظلما وجورا، فليس للناس ملجأ ولا لهم عند أعدائهم حسن رجاء، فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر، اليد الحاصدة للظلم والجور، وأنصار الكتاب والسنة، القائمين بحق المظلومين، من ذرية النبيئين، فكونوا عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين، ونصر الله مع النبيئين.
8- واعلموا معاشر البربر أني أتيتكم وأنا المظلوم الملهوف، الطريد الشريد، الخائف الموتور الذي كثر واتره، وقل ناصره، وقتل إخوته، وأبوه وجده، وأهلوه، فأجيبوا داعي الله، فقد دعاكم إلى الله، فإن الله عز وجل يقول: (ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء).
أعاذنا الله وإياكم من الضلال، وهدانا وإياكم إلى سبيل الرشاد.
9- وأنا إدريس بن عبد الله، بن الحسن بن الحسن بن علي، بن أبي طالب – عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ورسول الله وعلي بن أبي طالب جداي، وحمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة عماي، وخديجة الصديقة وفاطمة بنت أسد الشفيقة جدتاي، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت الحسين سيد ذراري النبيئين أماي، والحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبواي، ومحمد وإبراهيم ابنا عبد الله المهدي والزاكي أخواي.
10- هذه دعوتي العادلة غير الجائرة، فمن أجابني فله مالي، وعليه ما علي، ومن أبى فحظه أخطأه، وسيرى ذلك عالم الغيب والشهادة أني لم أسفك له دما، ولا استحللت محرما. ولا مالا، وأستشهدك يا أكبر الشاهدين، وأستشهد جبريل وميكائيل أني أول من أجاب وأناب، فلبيك اللهم لبيك مزجي السحاب، وهازم الأحزاب، مسير الجبال سرابا، بعد أن كانت صما صلابا، أسألك النصر لولد نبيك، إنك على كل شيء قدير، والسلام، وصلى الله على محمد وآله وسلم

.

فقرات من خطاب الإمام إدريس الأكبر إلى أهل مصر
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد، فالحمد لله رب العالمين، لا شريك له الحي القيوم، والسلام على جميع المرسلين، وعلى من اتبعهم وآمن بهم أجمعين.
أيها الناس، إن الله بعث نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالنبوة، وخصه بالرسالة، وحباه بالوحي، فصدع بأمر الله، وأثبت حجته: وأظهر دعوته. وإن الله – جل ثناؤه - خصنا بولادته، وجعل فينا ميراثه، ووعده فينا وعدا سيفي له بعد فقبضه إليه محمودا لا حجة لأحد على الله ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم، فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين. فخلفه الله جل ثناؤه بأحسن الخلافة، غذانا بنعمته صغارا، وأكرمنا بطاعته كبارا، وجعلنا الدعاة إلى العدل، القائمين بالقسط. المجانبين للظلم. ولم نمل – إذ وقع الجور - طرفة عين من نصحنا أمتنا، والدعاء إلى سبيل ربنا جل ثناؤه. فكان مما خلفته أمته فينا أن سفكوا دماءنا، وانتهكوا حرمتنا، وأيتموا صغيرنا، وقتلوا كبيرنا، وأثكلوا نساءنا، وحملونا على الخشب، وتهادوا رؤوسنا على الأطباق، فلم نكل ولم نضعف، بل نرى ذلك تحفة من ربنا – جل ثناؤه - وكرامة أكرمنا بها، فمضت بذلك الدهور، واشتملت عليه الأمور، وربي منا عليه الصغير، وهرم عليه الكبير"
...


دولة الأدارسة

الأدارسة أسرة كبيرة من آل البيت جدها الأعلى هو إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت الرسول . التجأ إدريس، كما هو معلوم، إلى المغرب فرارا من بطش العباسيين وأسس دولته لكنه اغتيل فتولى بعده ابنه إدريس الذي كان قد تركه جنينا في بطن أمه. ومن إدريس الثاني تنحدر فروع الأسرة الإدريسية المنتشرة بسائر أنحاء المغرب وبجهات أخرى من الجزائر.

ونركز اهتمامنا هنا على الأدارسة كأسرة حاكمة أي كدولة. وجودها يقترن بالفترة 172ه - 375/ 785 م -990 م ’ لكن لابد من التمييز داخل هاته الفترة بين أطوار مختلفة :

1. طور التأسيس الذي اقترن بعهد إدريس الأول (172 . 177 / 788. 793 ) أي قيام الدولة بالتفاف فريق مهم من سكان المغرب حول إدريس الأكبر تضمهم قبائل كبرى ومبايعتهم له ، حسب التقاليد الإسلامية.

2. طور الهيكلة والتنظيم ويقترن بعهد إدريس الثاني (177. 213./ 793. 828) حيث جرى تدعيم الدولة الناشئة باستحداث عدد من البنيات والمؤسسات كان من أهمها : بناء فاس واتخاذها كعاصمة للدولة ؛ واتخاذ بعض النظم الإسلامية كالوزارة والكتابة والقضاء والإمامة ؛ وتجريد العاصمة الجديدة من تأثير العصبيات والطابع القبلي، وذلك باحتضانها لفئات مهمة من السكان الوافدين من القيروان والأندلس ، مما جعل العناصر المختلفة من سكان المدينة تنصهر في وحدة بشرية تمثل ، بوجه عام ، التركيب السكاني الجديد الذي بدأ يعم الغرب الإسلامي انطلاقا من عهد الفتح . إضافة إلى بداية إشعاع اللغة العربية من فاس كلغة دين وثقافة ؟ ونمو رقعة المملكة بحيث أصبحت أهم كيان سياسي بالمغرب الأقصى وكان لها اتصال مباشر بسائر النواحي في البلاد .

3. طور التقسيم : ترك إدريس الثاني غداة وفاته عدة أولاد منهم الكبار والصغار وتولى أكبرهم محمد خلافته ، إلا أنه اعتبر المملكة التي تركها له أبوه إرثا لا بد من توزيعه على الورثة. هل استند في ذلك إلى المبادئ الشرعية ؟ أم هل استمع إلى نصيحة جدته كنزة كما تذكر بعض المصادر؟ أم هل كان المقصود من ذلك التوزيع هو حضور الدولة الإدريسية بصورة مباشرة في أقاليم مختلفة ؟ ليست لدينا عناصر كافية للجواب على هذا السؤال . والذي نستطيع تأكيده هو أن التقسيم كانت له سلبيات وايجابيات. فتقسيم المملكة إلى عدة ولايات أدى إلى إضعاف السلطة المركزية ونشوء إمارات إقليمية تنزع بطبيعتها إلى الاستقلال الذاتي على أوسع مدى. وقبل إعطاء مثال على المشاكل التي ترتبت عن ذلك التوزيع ، من الضروري إعطاء صورة إجمالية عن التوزيع.

قسم محمد بن إدريس المملكة إلى ما لا يقل عن تسع ولايات، نذكرها الآن حسب رواية القرطاس ، منبهين إلى وجود اختلافات طفيفة بين المصادر التي تناولت الموضوع .

محمد بن إدريس فاس وناحيتها .
القاسم بن إدريس طنجة وسبتة وقلعة حجر النسر وتطوان وبلاد مصمودة وما والاها.
داود بن إدريس هوارة وتسول ومكناس وجبال غياثة وتازة .
عيسى بن إدريس شالة وسلا وأزمور وتامسنا .
يحيى بن إدريس البصرة وأصيلا والعرائش إلى بلاد ورغة .
عمر بن إدريس مدينة تيكساس ومدينة ترغة وبلاد صنهاجة وغمارة .
أحمد بن إدريمس مدينة مكناسة وبلاد فازاز ومدينة تادلا.
عبد الله بن إدريس أغمات وبلاد نفيس وبلاد المصامدة وسوس .
حمزة بن إدريس تلمسان وأعمالها .
تلك هي الولايات التسع التي تدل على مدى امتداد الدولة الإدريسية شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، وهي معلومات تؤكدها كل المصادر التاريخية كما تؤكدها الأبحاث الخاصة بتاريخ النقود الإدريسية . فالدراسة المهمة التي قام بها "دانييل اوستاش" في هذا الصدد تقدم لنا قائمة بدور السكة تعنى الأماكن التالية : أصيلا، البصرة ، تدغة ، تلمسان ، تهليت ، سبو، طنجة ، العالية ، مريرة ، ورغة ، وازقور، واطيط ، وليلي، إيكم .

لم يكن توزيع الولايات على هاته الصورة ، في نية محمد بن إدريس ، يهدف إلى تجريد السلطة المركزية بفاس من حقها في مراقبة الولاة الإقليميين والمحافظة على وحدة المملكة الإدريسية . لكن الخلاف ما لبث أن نشب بين الإخوة ، إذ ثار عيسى بن إدريس ، على أخيه محمد، فكلف هذا الأخير أخاه القاسم الوالي على طنجة بالذهاب لمعاقبة الثائر. لكن القاسم رفض القيام بالمهمة . فكلف محمد عمر بها . فتوجه هذا الأخير الذي كان واليا على غمارة وعزل عيسى عن ولايته كما تصدى للقاسم الذي التجأ إلى أصيلا.

لم تذكر المصادر المكتوبة أسباب الخلاف . ولكن يظهر حسب التحريات التي قام بها "أوستاش" أن أسباب الثورة راجع لكون محمد سحب عن الولاة رخصة سك النقود . وكان عيسى حاكما على منطقة وازقور التي يوجد بها معدن مهم للفضة . فلم يرضخ لهذا القرار الذي يحرمه من مورد مالي مهم ، عن طريق سك الدراهم . وترتب عن ذلك قراره بقطع إمداد دار السكة بفاس بمعدن الفضة .

وهكذا نشب الخلاف ، إلا أنه لم يؤد مع ذلك إلى تقاطع . والظاهر أن الصلح وقع بعد ذلك بين الإخوة .

والجدير بالذكر هو حصول نوع من الاستقرار السياسي داخل الإمارات الإدريسية المنتشرة بأنحاء المغرب . فلم تسجل ثورات للسكان ولا معارضة للقبائل . هل يرجع ذلك إلى التقديس الذي حظيت به الأسرة في أعين المغاربة المعاصرين أم إلى أسباب أخرى ؟

الملاحظ هو اندماج الأسرة الإدريسية في المجتمع المغربي عن طريق المصاهرة والتطبع بأخلاق أهل البلاد مما جعل السكان في مختلف الأقاليم لا يتعاملون معهم كأجانب ودخلاء، بل يعتبرونهم منهم ويحترمونهم ويضعونهم في الصدارة لشرف نسبهم . ويمكننا أن نعتبر أن احترام الشرفاء كسلوك شعبي بدأ منذ ذلك العهد يتحول إلى مبدأ سياسي بعد ذلك بعدة قرون . ومع تكون عدة إمارات إدريسية ، يصبح تاريخ الأدارسة متشعبا . وسنقتصر هنا على ذكر أهم الأحداث والأشخاص .

4 . الأدارسة بفاس : ظلت فاس هي الحاضرة المركزية للدولة وتولى فيها عدد من الأمراء نذكرهم بالتتابع :

أ . علي بن محمد بن إدريس (221 . 234 هـ) تذكر المصادر أنه سار بسيرة أبيه وجده وأن أيامه كانت أيام سلام ورخا ء.

ب . يحيى بن محمد : أخو السابق (234.. 249هـ) في أيامه كثرت العمارة بفاس وتوافد إليها المهاجرون من جميع جهات الغرب الإسلامي، مما دعا إلى توسيع المدينة والبناء في أرباضها . وفي عهده بني المسجدان المشهوران : جامع الأندلس وجامع القرويين .

ج . يحيى بن يحيى (249. 252هـ) في عهده حدثت أزمة بسبب سوء سيرته وثار عليه عبد الرحمن بن أبي سهل الجذامي واستولى على عدوة القرويين ومات يحيى في تلك الأثناء وجاء صهره علي بن عمر فاستولى على المدينة وتولى الإمارة .

د . علي بن عمر : لا تحدد المصادر تاريخ ولايته بعد فترة من الاستقرار، اصطدم بثورة عبد الرزاق الفهري الخارجي وهزمه واضطر للالتجاء إلى أوربة ، بينما دخل عبد الرزاق إلى عدوة الأندلس فاستولى عليها إلا أنه صادف مقاومة من لدن عدوة القرويين التي نادى أهلها على يحيى بن القاسم بن إدريس .

هـ . يحيى بن القاسم بن إدريس (المتوفى سنة 292هـ) استطاع أن يحافظ على وجود الدولة الإدريسية بفاس حيث طرد عبد الرزاق الخارجي من عدوة الأندلس وخرج لمقاتلة الصفرية . والظاهر أنه قضى عهده في مباشرة الحروب إذ نجده يسقط صريعا في ساحة الوغى وهو يقاتل ربيع بن سليمان سنة 292.

و . يحيى بن إدريس بن عمر ( 292. . 309 هـ) تطنب المصادر في الثناء عليه . فابن خلدون ينعته أنه ´´كان أعلى بني إدريس ملكا´´ بينما يصفه روض القرطاس بقوله : ´´كان يحيى هذا أعلى بني إدريس قدرا وصيتا وأطيبهم ذكرا وأقواهم سلطانا ( . . . ) وكان فقيها حافظا للحديث ذا فصاحة وبيان ولسان ومع ذلك كان بطلا شجاعا حازما".

إلا أن المصادر لا تذكر شينا عن أعماله ، وذلك ، ولا شك ، لأن أحداثا خطيرة جاءت لتهدد الدولة الإدريسية في وجودها . فقد قامت الدولة الفاطمية بأفريقية في أواخر القرن الهجري الثالث وسعت لأن تبسط سيطرتها على مجموع بلاد المغرب .

وهكذا جاء، مصالة بن حبوس المكناسي، عامل الفاطميين على المغرب الأوسط ، على رأس جيش لمحاربة الأدارسة ، وجرت بينه وبين يحيى معركة قرب مكناس انتهت بهزيمة الأمير الإدريسي. وبعد ما ضرب عليه مصالة الحصار بفاس ، اضطر إلى الاستسلام وتوصل مع خصمه إلى صلح ، أمكنه بمقتضاه أن يحتفظ بإمارته مقابل إعلانه الخضوع والتبعية للخليفة الفاطمي.

إلا أن مصالة أسند في نفس الوقت رئاسة قبيلة مكناسة بالمغرب إلى ابن عمه موسي بن أبي العافية . فاجتهد هذا الأخير منذ ذلك الوقت في القضاء على الأدارسة . وأخذ يحرض مصالة على يحيى ويوغر صدره عليه . وهكذا تمكن بدسائسه من أن يحمل مصالة على اعتقال يحيى وأنصاره ثم نفاه إلى أصيلة . وانتهت حياة يحيى بمأساة إذ سجن عشرين سنة ثم مات جوعا وهو في طريقه إلى إفريقية سنة 332 هـ.

ومنذ انهزام يحيى قام صراع مرير بين موسى ابن أبي العافية والأدارسة . فقد حاول الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس المعروف بالحجام أن يسترجع سلطة الأدارسة ، فاستولى على فاس وخرج لمحاربة موسى وانتصر عليه في جولة أولى. لكن موسى أعاد الكرة عليه وطارده إلى فاس حيث غدر به عاملها ومات الحسن في تلك الأثناء.

خلا الجو بعد ذلك لموسى ابن أبي العافية واستطاع أن يستولي على ما كان بيد الأدارسة من أراض في شمال المغرب وطاردهم وضيق عليهم الخناق حتى اضطروا إلى الاعتصام بحصن منيع في حجر النسر بجبال الريف. والواقع أن المأساة التي عاشها الأدارسة في تلك الآونة راجعة إلى الصراع الكبير الذي نشب بين الخلافتين الفاطمية بإفريقية والأموية بالأندلس ، وكان مسرح هذا الصراع بلاد المغرب ، وبخاصة المغرب الأقصى.

وحاول الأدارسة أن يحافظوا على استقلالهم وحيادهم في الحرب الضروس الدائرة بين الطرفين . لكنهم ، بسبب ضعفهم وبسبب الضغوط العسكرية القوية التي تعرضوا لها ، تارة من جهة الفاطميين ، وطورا من جهة الأمويين ، لم يجدوا بدا من الخضوع ، حسب الظروف ، تارة لأولئك وتارة لهؤلاء. و كان ارتباطهم بالأمويين أقوى ، لاتفاق الدين ، و لقصر المسافة بين المغرب والأندلس ، ولكون الخلفاء الأمويين عاملوا زعماء الأدارسة بشيء من التقدير والاحترام بخلاف ما جرى مع الباطنية العبيديين حيث أنهم يخالفونهم في الدين و المذهب و كانوا من أهم أسباب زوال ملك الأشراف الأدارسة . والوضع الذي عرفه الأدارسة في تلك الآونة هو نفس الوضع الذي عاشه غيرهم من زعماء البربر مثل موسى بن أبي العافية المكناسي وأولاده.

وبرغم الاضطهاد والمضايقات التي تعرض لها الأدارسة طوال مدة لم تكن بالقصيرة أثناء القرن الرابع ، فقد برهنوا على أن وجودهم أصبح متجذرا في عدة أنحاء من المغرب ، وأنهم ظلوا يكونون قوة سياسية متمثلة في زعامات محلية نستطيع أن نذكر منها :

أ - بني عمر : الذين كان مقر نفوذهم في صدينة ببلاد صنهاجة جنوبي الريف . واليهم ينتسب الحموديون ، الذين تولوا الخلافة بقرطبة ، ثم كانوا من جملة ملوك الطوائف بالأندلس .

ب - بنى داود : الذين امتد نفوذهم في جهة وادي سبو، ومن أمرائهم حمزة بن داود .

ج - بني القاسم : ويمثلون فرعا مهما من الأسرة إذ امتد نفوذها في الهبط . فكان لها مركز بالبصرة وآخر بأصيلا. ومن أبرز أمرائهم إبراهيم بن القاسم .

د - بني عيسى : الذين كان مقرهم بوازقور في جهة الأطلس المتوسط . وكانوا يتوفرون على معدن الفضة بجبل عوام .

هـ - بني عبيد الله : الذي سيحل بجنوب المغرب ، حيث ستنتشر ذريته . واليه يعزى تأسيس مدينتين مهمتين : تامدولت ، الواقعة في قدم السفح الجنوبي للأطلس الصغير وبها معدن الفضة ، وإگلي التي جعل منها عاصمته بعد استيلائه على سوس . وسيمتد نفوذه إلى لمطة ومشارف الصحراء جنوبا وإلى أغمات ونفيس شمالا. ويمكن القول إن هاته الأسرة كان لها نفوذ روحي قبل كل شيء في المنطقة المذكورة .

و - ومن فروع العلويين المتصلين بالأدارسة ، نذكر بني سليمان بن عبد الله وهو أخو إدريس الأول . وتختلف الروايات في شأنه هل قتل في معركة فخ أم هل تمكن من الفرار ونجح في الوصول إلى تلمسان. ومهما يكن ، فإن ولده محمد تتفق المصادر على ذكر اسمه كأمير على تلمسان وما حولها من أقاليم في المغرب الأوسط . وهو الذي قدم عليه إدريس الثاني ليستلحق إمارة تلمسان بمملكة الأدارسة ، وتركه على رأسها . وعن محمد بن سليمان تفرعت عدة فروع انتشرت بجهات مختلفة من المغرب الأوسط . إلا أن المصادر تشح كثيرا ، بالأخبار عن هذه الأسرة المرتبطة بالأدارسة .


نهاية الأدارسة بالمغرب
برغم المصائب التي توالت على الأدارسة منذ تصدى لهم موسى ابن أبي العافية ، فقد أمكنهم أن يصمدوا وأن يحافظوا على وجودهم السياسي على يد بني القاسم بن إدريس. فقد اتفق الأدارسة على تولية القاسم بن محمد بن القاسم ابن إدريس واستمر في إمارته إلى أن توفي سنة 337 هـ. فتولى بعده ولده أبو العيش أحمد وتميز بالعلم والفقه والورع . وكان مواليا لبني أمية الذين ازداد نفوذهم توطدا بالمغرب . وفضل أبو العيش أن ينهي حياته مجاهدا ، إذ توجه للأندلس حيث استشهد في ساحة القتال سنة 343 هـ. فكان الذي خلفه بعد انصرافه إلى الجهاد أخوه الحسن بن گنون. وفي عهده وقع هجوم جديد للفاطميين على المغرب كان الهدف منه استرجاع سطوتهم على البلاد . فاضطر الحسن أمام قوة الهاجمين إلى التحول بولائه إلى جهة المهاجمين . لكنه لم يتخذ ذلك الموقف إلا تقية ، إذ رجع بولائه إلى الأمويين بمجرد انصراف جيوش الفاطميين عن المغرب .

وبعد مدة ، جاء جيش فاطمي آخر بقيادة بلكين بن زيري. فاضطر الحسن ، مرة أخرى، إلى نفض يده من بيعة الأمويين وتجديد بيعته للفاطميين . وفي هذه المرة انضم إلى معسكر الفاطميين بصورة فعالة وساهم في التنكيل بأنصار الأمويين في البلاد مما أحقد عليه الخليفة المرواني الحكم المستنصر الذي وجه جيشا كبيرا إلى المغرب للانتقام منه وبعد معارك ضارية ، اضطر الحسن للالتجاء إلى حجر النسر ثم للاستسلام والذهاب مع ذويه إلى قرطبة ( 363 هـ / 974 ) لكن ، ما لبث أن حدثت نفرة بينه وبين الحكم بعد سنتين من إقامته بقرطبة . فنفاه الخليفة الأموي هو وذويه عن الأندلس فالتجأوا إلى الفاطميين بمصر، حيث وجدوا استقبالا حسنا وظلوا هنالك إلى غاية 373. وحينئذ أمر الخليفة الفاطمي بتجهيز الحسن بجيش ليذهب إلى المغرب ويستعيد إمارته باسم الفاطميين . لكن المنصور بن أبي عامر بعث لقتاله جيشا قويا . فاضطر إلى طلب الأمان . لكن المنصور لم يف له وأمر باغتياله وهو في الطريق إلى قرطبة (375 / 985) . وبذلك ´´انقرضت أيام الأدارسة بالمغرب بموت الحسن بن كنون آخر ملوكهم ´´. (القرطاس ص 94) .

بالرغم من التدهور الذي حصل للأدارسة طوال أزيد من قرن ، يمكن القول أنهم قاموا بدور أساسي في تاريخ المغرب :

. على أيديهم تم تحويل المغرب ، بصورة فعالة إلى عهد الإسلام الذي عملوا على نشره في أنحاء مختلفة من البلاد.
. بمبادرتهم جرت أول محاولة لتجاوز القبلية وذلك بتأسيس دولة على النمط الإسلامي لها حاضرتها فاس . فكان عملهم أول انطلاقة فعلية للدولة المغربية في التاريخ.
. مجهودهم على المستوى العمراني باستحداث مدن جديدة أو انعاش القديمة مع تنشيط الحركة التجارية وإنشاء عدد مهم من دور السكة في جهات مختلفة من المغرب .

يوسف غير متواجد حالياً