عرض مشاركة واحدة
07-29-2012, 08:29 AM   #11
هالة
مراقب عام
Crown5
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: القاهرة - الاسكندرية
المشاركات: 26,198

موقعة بلاط الشهداء (114هـ/ 732م)

في رحاب إسبانيا الشاسعة الأطراف
بين بواتيه وتور التقى جيشان يختلفان عددًا ولغة ودينًا
وبدأ القتال في 13 أكتوبر سنة 732م/
أوائل شهر رمضان سنة 114هـ
فنشبت بين الجيشين معارك جزئية مدة ثمانية أيام
وفي اليوم التاسع نشبت بينهما المعركة
وعلى مقربة من نهر اللوار هجمت فرسان المسلمين
على صفوف الفرنجة حتى بدا الإعياء على الفرنج
ولاح النصر في جانب المسلمين
وتكدست جثث القتلى من الجانبين طيلة النهار
حتى فصل الظلام بينهما، وكان الجنود المسلمون
أُسدًا مغاوير، فقد اخترقوا الصفوف وراء قائدهم الباسل.

ولاحت لشارل مارتل فكرة داهية
فهو يعلم أن المسلمين مثقلون بغنائمهم الثمينة
وكثيرًا منهم من البربر الذين يحرصون على نفائسهم الغالية
فما عليه حين يتلاحم الجيشان حتى ارتفعت صيحة مجهول
في المراكز الإسلامية بأن معسكر الغنائم يكاد يقع
في يد العدو فارتدت قوة كبيرة من الفرسان
من قلب المعركة إلى ما وراء الصفوف لحماية الغنائم
وترك الكثيرون ميدان القتال واندفعوا إلى الخيام مذعورين
فدب الخلل في صفوف المسلمين
وطار الصراخ في كل مكان وارتفع البكاء على النفائس
فصح ما توقعه شارل مارتل.

وهال القائد عبد الرحمن الغافقي الموقف الرهيب
وأفزعه فطفق يعدو بجواده ويصرخ في جنوده
الذين وقعوا في حب المال، ويحاول عبثًا أن يعيد النظام
وأن يهدئ من روع الجند، ولكن خابت صرخاته اليائسة
وترك الطامعين من المرتدين، واندفع مع خيرة جنوده
ليقف بهم أمام الطوفان المتوحش الرهيب
واستبسلت كتيبة القائد الغافقي استبسالاً
ينحني له التاريخ إجلالاً وإكبارًا فأطاحت بصفوف هائلة
من الجحافل المتراصة المترامية
ولكن بينما هو يتنقل بين الصفوف يقودها ويجمع شتاتها
إذ أصابه من جانب الأعداء سهم أودى بحياته
فسقط البطل الغافقي صريعًا شهيدًا من فوق جواده
وعم الذعر والاضطراب في الجيش الإسلامي
إذ وقع استشهاد عبد الرحمن الغافقي موقعًا مؤلمًا
وأمعن العدو في المسلمين تقتيلاً وإهلاكًا
فطارت نفوس كثيرة، وسقطت جثث لا تخضع لحصر
وتمادى شارل مارتل مع جيشه حصدًا واستئصالاً
فلم يعبأ بجريح يئن أو شهيد يحتضر
حتى أتى الظلام الأسود فطوي الستار على أشأم يوم
لم يسمع المسلمون بمثله في الأندلس
وعرفت هذه المعركة في التاريخ الإسلامي
بمعركة بلاط الشهداء
نظرًا لكثرة من سقط في ميدانها الرهيب
من شهداء الجهاد الإسلامي من أكابر المسلمين والتابعين.

استشهد عبد الرحمن الغافقي بعد أن أبلى أحسن البلاء
وبذل أقصى ما يبذله قائد باسل في الذود عن حياضه
ولكن مأساة غزوة أحد تكررت في سهول فرنسا مرة ثانية
إذ تكالب المسلمون على الغنائم وتركوا الجهاد
وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد ليبرز للمسلمين
شتى العبر وأبلغ العظات، ولكن أين من يعقل ويتدبر.

معركة بلاط الشهداء بعيون غربية

لقد فرحت النصرانية بهذه النتيجة فرحًا شديدًا
وما زال أكثر كتاب الغرب إلى اليوم ينظمون
قصائد المديح لشارل مارتل واعتباره بطل النصرانية
الذي أوقف امتداد الإسلام، وثبت أركان المسيحية.

يقول إدوارد جيبون إن حوادث هذه المعركة
أنقذت آباءنا البريطانيين وجيراننا الفرنسيين
من نير القرآن المدني والديني وحفظت جلال روما
وأخرت استعباد القسطنطينية، وشدت أزر النصرانية.

ويقول السير إدوارد كريزي:
"إن النصر العظيم الذي حققه شارل مارتل
على العرب سنة 732م وضع حدًّا حاسمًا
لفتوح العرب في غرب أوروبا، وأنقذ النصرانية من الإسلام.

ويقول فون شليجل:
"إن النصر الساحق الذي غنمه شارل مارتل
بين تور وبواتييه وضع لتقدمهم حدًّا
وسقط قائدهم عبد الرحمن في الميدان مع زهرة جنده
وأنقذ مارتل بسيفه أمم الغرب النصرانية من قبضة الإسلام

ويذكر رانكه:
"إن فاتحة القرن الثامن من أهم عصور التاريخ
ففيها كان دين محمد ينذر بامتلاك إيطاليا.

رحم الله الشهيد عبد الرحمن الغافقي
فلم تطفئ هذه المعركة بريقًا من مجده
فقد أجمع المؤرخون على تقديره وإكباره
وسجلت فدائيته العجيبة بسطور من ضياء
فقد قاتل قتالاً مستميتًا، وتقدم إلى الموت
وهو لا يشك لحظة في استشهاده.
__________________

signature

هالة غير متواجد حالياً