عرض مشاركة واحدة
03-21-2008, 12:17 AM   #1
زهرة الكاميليا
شريك استاذ
stars-2-7
 
تاريخ التسجيل: Jun 2007
الدولة: مصر - اسكندريه
المشاركات: 2,663
لا تغضبى حبيبتى لن اقطف القمر

basmala

باكزة أمين خاكى .

عبرت فى حياتى كالشهاب المتوقد




أو كالبرق الخاطف ...




ثم كان الرحيل ....


رحلت باكزة أمين خاكى ...




قبل أن أرتوى من مناهل إبداعاتها




و إنسانيتها المتدفقة بشرا و حبورا و شعرا




و محبة بلا حدود لأسرتها و العالم الأرحب ...




رحلت تاركة فى نفسى ألما عميقا ..




فبقدر ما أحببتها ..لم أتهيأ لنبأ الرحيل المباغت ...



إلتقيتها فى شهر مايو عام 2000



فى أمسية أقامها مركز الهناجر للفنون


للفنان العراقى المعروف عزيز خيوّن


بعنوان


عراق ..يا عراق !



من بين ذلك الجمع و الحضور


من مختلف الشخصيات و الجنسيات


فى تلك الأمسية الفريدة التى لا تنسى


كانت باكزة أمين خاكى .


محورا مدهشا لشخصية عراقية متميزة


لا تخطئ العين جمالها الإنسانى ..


و انفتاحها على الحياة و البشر


بعمق إحساس شاعرة رقيقة كنسمة ...



ميزتها طلة هاشة... باشة...


فى حجاب وقور يحيط بوجه صبوح ....


طلاقة فى الحديث..و أسلوب حار صادق...


سعت به للتعارف فى محيط المكان ...


فكان لى نصيب الأسد فى التفاعل مع حديثها الشيق ...


و متابعتها بشغف و هى تحتفى


بسعادة بالغة بصديقات تعود معرفتهن ..


لزمن الشباب فى عاصمة الرشيد ..


فكان تبادل لشذرات من ذكريات الصبا


و مسرح الجامعة حين أدت دورا رجاليا لم تنسه ...


و
تناثرت ضحكات ...و دموع حنين و أشجان ..

و حتى نهاية العرض لم أبرح مكانى بجوارها ...


مبهورة بأبيات شعرها ..


تسرده فى سلاسة و حب غريب


للكلمة و المعنى .


ويغمرنى فيض حنو دافئ تجاه كل تلك الأحاسيس النقية


و أصداء الماضى ..و عذوبة اللقاء !



و لا أنسى محاولتها لتصحيح بعض ما استعصى على


من اللهجة العراقية المحببة


و ضحكتها الصافية و هى تعرفنى بالفرق


ما بين أكو ..و ماكو ..


و لن أنسى ما حييت تلك النبرة المزهوة


النابضة بالإنتماء و هى تسمعنى شدوها للعراق :



و عقـدي الغالي لا يشــرى بالـمال


فعقدي الغالي حبّاته مسك من طين بغداد


بغـداد يـا حنـة .. عروسـة الدنيـا


ترابـك كحـل .. وطينـك حنة !


و إنقضت الأمسية التى لا أنساها بتبادل لأرقام الهواتف


و معلومات سريعة عن الشاعرة الرائعة


التى قدمت نفسها



باكزة أمين خاكى ...


عراقية المولد ...


مصرية الجنسية بالزواج و الإقامة...


عريية الهوى و الهوية .


إطمأن قلبى لتواجدها فى حياتى ..


و لو على فترات متباعدة


فرضتها ظروف الحياة و زحامها ...


و لا أنسى أبدا حديثها الودود


عبر الهاتف و اعتزازها بزوجها


و الزهو بأولادها .. و تفوقهم فى مجالاتهم ...


و أحفادها ..


و ما لهم فى قلبها من حب كبير لا يوصف .


وبدأت جريدة الأهرام بنشر قصائدها


فى صفحة الشعر و الأدب ..


فكانت ..و بفرحة بادية ..


تعرفنى بالقصيدة و موعد نشرها ..


و بدورى


كنت أحرص على الإحتفاظ بقصائدها الرائعة ..


تقديرا و زهوا


بأن هذه الشاعرة المبدعة ..


هى صديقة و قريبة !



و متى القلب... فى الخفقان إطمأن ؟



قالها أمل دنقل ..


و إنطبقت المقولة على فاجعة رحيل الإنسانة الجميلة


التى أحببتها و تعلقت بها مشاعرى .


باكزة أمين خاكى


1958-2003


ولدت فى بغداد


حصلت على:


ليسانس الآداب قسم اللغة العربية من جامعة بغداد


الدبلوم العالى فى البحث الاجتماعى جامعة بغداد


الدبلوم العالى فى تنمية المجتمع


من المركز الدولى بسرس الليان مصر .


نظمت الشعر فى المرحلة الإبتدائية .


أفسحت لها الصحف العراقية صفحاتها


و هى بعد فى الرابعة عشر من عمرها .


إكتسبت الجنسية المصرية بزواجها و أقامت فى القاهرة


أنجبت ثلاث بنات وولد .


يحمل ديوانها عنوان



غدا نلتقى





و استهلته بالإهداء الآتى ...




إلى الإنسان الذي علمني


ألف باء الحب


و الإنتماء للوطن و للأهل...


إلى القائد و القدوة


أبي


أمين خاكي


إلى التي كانت تسمعني


بقلبها و روحها


و تشجعني


على الاستمرار و التواصل


إلى الغالية ...


أمي .


إلى أسرتي الصغيرة ....


زوجي و أولادي...


لما قدموه لي من عون و مساعدة



باكزه


و من ديوانها الزاخر بأجمل الأحاسيس


الإنسانية المتنوعة


اخترت باقة


ربما تكون العنوان الأوضح المعبر عن سيدة شامخة


مؤثرة فى الأحداث سواء على مستوى أسرتها الصغيرة


أو وطنها


المبتلى بأصعب محنة و أقسى ألم !





أريد القمر ...


قالتها صغيرتي بإصرار




ووقفت أمام مطلبها عاجزة




إلاّ عن هذه الكلمات





لن أقطف القمر




لو بيدي... أخترق الضـباب


وأسبق الغيـوم ... أطير في الفضاء



لأصعـد السماء لو بيدى


وأقطف القمر



لو بيدي لحكت لي جناحاً


يحملني بعيـداً .....وفى يدي سراجاً



أمر بالنجوم...و اوقد الشموس




أنيـرها لأجلهـا



أضيفها لشمسها فى عيدها


لـو بيـدى لأجمـع النجـوم


بباقـة أريجها ضيـاء


وأنـزوى هناك


أنظمها قلادة خيوطهـا..شعاع


تلبسهـا صغيرتـى فى جيدهـا


هـديـة بسيطـة تسعـدهـا



.......................


مغـرورة صغيـرتى تحسبنى إله



يمكننى أن أجعل الرياح سلالما



وأصعد السمـاء وأوقف المطر


تحسبـنى سأعمـل المحـال



وما درت بأنني إنسانة


كسائر البشـر


.......................


لا تغضبي حبيبتي


لأنني لن أقطف القمر


لأنك حببت إلى الوجود


حببت إلى الحياة ...


و أننى أصبحت ..


يا مليكتى لأجلك


أخاف من هيمنة الظلام


على البشر .



لكنها عنيـدةٌ ...


مُصرةٌ أن أقطف القمر


وما درت بأنها في بيتنا ..


هي القمر !


و مضت بنا الأيام




و كبر الأولاد




و ذهب كل إلى غايته




و اتسعت مساحة الفراغ للحنين





بغـداد





قالـوا لي اختاري قصـراً على السـين



جدرانـه عـاجٌ



أبوابه من خشب الصندل




منقوش من الهند



حراسـه ألـف..


الف من الجند ..



قلـت لهـم كوخـاً.. في جانب الكرخ




تحرسه نخلة




تحيطـه الدفلـة



كـوخ ٌ على دجلـة ..مبـنى من الطين


قالــوا لي اختاري ثوبـاً دمقسـيـاً


شـالاً مـن القـزِ


عقـداً زمرديـاً .. تاجـاً من الـماس


قلت لهم سترى


عبـاءة أهدتـها لي أمي


في يـوم ميــلادي


بشرطهـا الصـارم أن تبـقى لأحفـادي


لأنها من صـنع أجدادى


وتاجـي اللألأء إكليـل مـن الغــار


في ليلـةالعرس زينت به رأسى


تـاج من العـز .. تـاهت بـه نفسي


زهـواً بأمـجادي



و عقـدي الغالي لا يشــرى بالـمال


فعقدي الغالي


حباّته مسك من طين بغداد


بغـداد يـا حنـة .. عروسـة الدنيـا


ترابـك كحـل .. وطينـك حنة ـ


.....


قالـوا لي اختاري


من مدن الدنيـا .. ما شئـت فاختاري


قلت لهـم أختـار مـن ؟ أختـار مـا ؟


ليس سوى بغـداد ... يا نوارة الفجر


ليس سوى بغـداد... يا أغلى من العمر


واشتـد بي سقمـي واحتـار أطبائــي


نظرت للصحـب.. يا أخـوة الـدرب


أعيـاكم دائـي



من التمر "عذق" شاطئ النهـر



رؤيـاه تشفيـني


....



إن حـان لي أجلى لا تذرفـوا الدمـع



بل أوقـدوا الشمـع



و أرمـوا على رمسي فرعـاً من الـورد



إن أينعت وردة في ثـوبـها القانـــي


تتيــه بالحــب


قولوا لهـا أنى سقيتها


عصارة القلب


....




لا تعتـبي بغـداد إن عشـت على النيـل


فالنيـل للوجـدان من أحلـى الـمواويل


يكفيـه أن ورثنـا قدسيـة الأوطــان


من جيـل إلى جيـل


نشرت بالأهرام سنة 1999 - القاهرة



السين : نهر يجتاز باريس



الدفلة : شجيرات زهورها حمراء وبيضاء


حمّ القضاء ...




و غزا المغول الجدد




عراق العلم و المجد




و الخير الوفير و شموخ النخيل ...




و السؤدد





انفطر القلب الرهيف ...




و إنكسر قلم الشاعرة المبدعة





مع هول الحدث ...



فكانت آخر كلماتها ..لعروسة الدنيا ...


النوارة ..الأغلى من العمر ...




بغداد


سلمت يا عراق .


في ليلة ظلماء غاب البدر فيها واستتر


وانسابت الآهات والعبرات وانفض السمر


فسألت عن نجم الثريا قيل لي: ولىّ ولم يبق أثر



و بحثت فى أعلى السماء عن النجوم اللامعات


عن الدرر...



أين الثريا ..أين نجم الليل ..بل أين القمر ؟



يا موسم القداح ..مالى أرى نوارة القداح لونا مكفهر



أمررت يا فصل الربيع على العراق بلا زهر ؟



و رضيت أن تبكى الحمامة و تندحر



و طيورك الورقاء عفت أيكها



و عيون هاتيك المها تبكى الرصافة و الجسر


..............


يـاموطـنَ الفيروزِ والياقوتِ يابغـدادُ يا تاجـاً


على هـام الدهـرْ


قد كنتُ بالامسِ القريبِ أرى الندى مـاساً ودُرْ


واليـومَ مـا بالُ الندى حباتـُه دمعـاً ووقـرْ؟


وسنابلُ القمح المذّهَبِ قد بدت حباتُها فحماً وجمرْ


ونخيلُ دجلـةَ والفـراتِ ثواكلًٌ تبكى الثمـر


قـد جاءهـا أيلـولُ من غير ثــمرْ



ومررت قرب المكتبات أزورها.. لأشم ذياك العطر



وذكرت جميع الدارسين بسوحها.. لله ما أحلى الذكر


وذكرت لقيا الصخب في جنباتها.. فإذا بدمعي ينهمر


نهب الرعاع كنوزها فأحالها بورا وقفر


أجحافل الأقزام داست في حقولك


يا عراق.. بلاحذر



وتوغلت تهدي إلى أطفالنا خوفاً وذعر


وتوسدت عذراء بغداد الحطام -


أنينهاهز الحجر



وصراخ أطفال الرياض


تحرقت أجسادهم..


تحت اللهيب المستعر


ونظرت في كل الوجوه لعلني......


وصرخت من أعماق قلب يعتصر....


الله أكبر..


فالعروبة تحتضر !


يا قمرا


اسطع على بغداد يا أبهى قمر


امسح جراح البائسين..


أنر دروب العز


والمجد الأغر


يا موطني


لملم جراحك يا ابي ولا تفر


كم للفوارس كبوة


رغم البسالة وقعها لا يغتفر


إنى عهدت السيف


سيفك يا فرات


ماضيا لا ينكسر


يا موطنى

أوقد رمالك يا عراق فملؤها زيت


وصبه فوق العدا.. ناراً وشر!


من قال عاصمة الرشيد


استسلمت للغالبين

فقد كفر!

وبرغم كل النائبات

سمعت صوتا عطّر الآفاق


فإذا به صوت الشهيد مرتلا

سلمت يا عراق..

سلمت يا عراق ..


هكذا عاشت الشاعرة الإنسانة

باكزة أمين خاكى

مأساة موطنها المغتصب

و سكبت أحزانها شعرا

ما بين ماضى الخير و الشموخ

و دمع الندى فى حاضره الحزين ...

لكنها ..و قبل الرحيل ..

استنهضت موطنها للمقاومة و التحرير ...

ووجدت فى صوت الشهيد بشائر أمل

و لعل الحلم يتحقق عن قريب ...

و يعود العراق الجميل ..

و تستريح الروح المعذبة

فى مرقدها الأخير !


يا واقفا عند قبرى ...إقرأ علىّ السلاما

و اتل من الذكر شيئا ...يزيح عنى الظلاما

سل لى من الله عفوا ...و فى النعيم مقاما .

باكزة أمين خاكى .
زهرة الكاميليا غير متواجد حالياً